أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال الدين أحمد عزام - زاد الرحلة















المزيد.....

زاد الرحلة


جمال الدين أحمد عزام

الحوار المتمدن-العدد: 3870 - 2012 / 10 / 4 - 14:36
المحور: الادب والفن
    


كل المطلوب مني هو نزول خمس درجات و عبور النفق إلى الرصيف المقابل. كل المطلوب ببساطة هو ركوب القطار للعودة إلى مدينتي بعد طول اغتراب خاو لا معنى له و لا محصلة من ورائه. المطلوب فقط هو ركوب القطار و الرجوع إلى الجذور، إلى مدينتي التي تركتها عندما تبددت ملامحي فيها و لم أعد قادرا على التعرف على نفسي، لا بيت، لا عمل، لا أمل، كل شيء كان محطما. ارتحلت إلى مدينة أخرى، مدينتي الحالية. ظننت أن ذاك خلاصي و لكنها نفس الغربة تطاردني، نفس الشقاء يتغزل في وحدتي. هل أعود! هل أستقل القطار! هل ستتبدد غربتي و وحدتي بالعودة! هل سينقشع ضباب التيه و أتعرف على طريقي و ملامحي، هل أريد العودة أم لا! هل أستطيع أم لا! هل النجاة في مجرد العودة! ما هذه الحيرة! ما هذا الضياع! كل ما أريد هو أن أعرف الطريق، مالي لا أجده، ويلي، هل سأظل في ترددي الملعون إلى الأبد!
ما زلت أعاود الكرة تلو الكرة، أستيقظ مبكرا، أذهب إلى المحطة، أشتري التذكرة، أتمشى على الرصيف، أمد عينيَّ إلى الرصيف المقابل حيث سيحل قطاري. تتسمر قدماي، لا أريد العبور إلى الناحية الأخرى، أتشبث بأرضي الغريبة، أتعتع جسدي المثقل فلا يتجه ناحية النفق بل يتحرك محاذيا للقضبان فوق الرصيف، يتلكأ، يماطل. نفير قطاري يأتي من بعيد، نداء الرحلة يصدي في الأرجاء، تدق الساعة الكبيرة المستديرة المعلقة. مالي لا أريد التحرك! يأتي القطار الآخر من الإتجاه المعاكس، يتوقف أمامي، تزفر فرملته، يحول بيني و بين قطاري. يتحرك القطاران، ينسلخان من بعضهما، تضيع الرحلة، أتمشى بطول الرصيف، أجلس لصق طاولة الكافتيريا الصغيرة، أتناول شايا، أراقب الحالين و المرتحلين. تحل الظهيرة فأعود من حيث أتيت.
انتهى الربيع و الصيف و أقبل الخريف و مازلت في ريبي أتردد. هل أواصل أم أعود، ربما ليست هذه هي القضية، ربما ليس المكان هو العلة، أحس بضراوة ذلك الشعور في نفسي، أنا هو العليل، أنا هو الغريب في كل الأمكنة. من أنا! أين وطني! سأظل أسأل حتى في وطني، في مدينتي و بين أهلي. إلى متى سأفوت الرحلة تلو الرحلة و لماذا أفكر في الإرتحال! لماذا آتي كل يوم! و لماذا مدينتي! هل أريد أن أموت فيها! هل أخاف من الموت خارجها! هل أنا حي فعلا لأخشى الموت!
أوراق الخريف متناثرة على رصيف المحطة تتذهب في حمرة عندما تداعبها أضواء الشمس الصباحية، تنبثق الأشعات كومضات بين فواصل عربات قطاري. الهواء المنعش يراقص وردات نبتت في حوض الزهور إلى جوار نضدي، شرابي الساخن يدفء يدي يحميها من لمحة هواء خريفية باردة، المارين أمامي يمدون أنظارهم إلى القطار الآخر المقبل من الجهة الأخرى و الذي ما يلبث أن يرحل و يرحل معه قطاري فتتبدد ضجة العجلات و ينسحب وطء دبيبها، تضمحل اهتزازات الأرض لها و يغلف المكان صدى النداءات و جلبة التحركات.
الناس يروحون و يجيئون، يسرعون الخطو و يبطئون، يتحدثون، يتناوشون، يحملون حقائبهم و أمتعتهم. يأتي قطار آخر، ينقسمون بين مودع دامع خارج القطار و ملوح بيده داخله ترافقه الدعوات. أهال و أحباء و أصدقاء و أناس لا يعرفون أناسا، ربما هم غرباء مثلي.
تدور عقارب الساعة المعلقة إلى جواري، أفوت الرحلة تلو الرحلة، يبدو أنني سأظل معلقا و كأني في انتظار شيء ما يشكل ملامحي، يخرجني إلى الوجود أو يمحوني منه محوا. و حتى حينه سأظل في جحيم البين بين، لا عودة و لا مكث. تقترب الظهيرة، أعود إلى مسكني في انتظار الصبح القادم.
جاء الصبح، أتمشى على الرصيف، أنظر إلى الرصيف الآخر، تُشمس و تُخفي ضوءها خلف سحب عابرة، تتلألأ أشعتها أحيانا عندما تعبر ربابا شفافا، الأوراق الجافة الذهبية تتناثر في الهواء ثم تتبدد كاشفة عنها. إنها هناك، تقف على الرصيف المقابل، تتمشى بمحاذاته مطرقة تأرجح حقيبتها المعلقة في قبضتها اليمنى، ترفع رأسها، تنظر إلى منتهى القضبان، تدور على كعبها الأيمن، تولي ظهرها الجهة التي سيأتي منها القطار، تنظر في ساعتها، تواجهني تماما، تنظر يمناها لعله أتى من بعيد. إنها تنتظر قطاري الذي لم أركبه. هبت نسمة باردة منعشة بيننا. أخذت أدقق النظر فيها و أتأملها، حلتها سوداء: بنطال أسود يعلو حذاء أسود خفيض الكعب لامع الجلد، قميص أبيض كبير الياقة تعلوه سترة سوداء. ملامحها جميلة: عينان واسعتان خلف زجاج النظارة البيضاوي و التي يضفي إطارها القرمزي الغامق رونقا و أناقة لتباينه مع بياض القميص. ألتفت بعيدا كلما أحست أنني أنظر إليها، أو كلما حسبت أنها أحست بذلك، تهتز الأرض بذبذبات سطحية، تستشعر قدوم القطار، تتحرك نحوه بخطى وئيدة و هو مقبل، يأتي القطار المعاكس. أحاول أن أتخلل ببصري الفجوات المضيئة بين تداخلات العربات لأتبينها، أمشط بعيني عربات القطار من خلال الأخرى. النوافذ لا تتطابق حلوقها و تقتطع أجزاء من الصورة. تمضي دقيقة، يتحرك القطارين، يرحلان، مخلفان مارة عائدين أو مسافرين و حمالين يحملون للكل. أين هي! لقد اختفت، بالطبع ركبت قطاري و اختفت. جلست محتويا شرابي بيدي ساهما في الصورة، شمس لامعة تعبث بالشعر الأسود الأجعد المنسدل على الكتفين، بريق الضوء في النظارة، الملامح الرقيقة، الحقيبة الجلدية البنية، أوراق الشجر الصفراء الجافة تجري وراء كعبيها و تسبقها لتعكس الأنوار الصباحية البكر على الوجه الأبيض فتضفي عليه لمحة ذهبية رائعة. نهضت، نظرت إلى الرصيف المقابل، خلت أنها هناك، أفقت على دقات الساعة.
عدت ليس ككل عود، تلهفت مجيء الصباح التالي، لم أجدها عندما أتى، انتظرت تتالي الرحلات لعلها تأتي و لكن ذلك لم يحدث. ظللت على هذا الحال حتى مر أسبوع، عاد الثلاثاء مرة أخرى، ها هي هناك، حاولت إخفاء تلهف نظراتي، إنها هي بنفس البراءة و الجمال، بنفس السحر و النعومة. يحول بيننا القطارين، يرحلان، يكشفان عن كل ما كان إلاها. لم أعد قادرا على تنحية صورتها عن خيالي، ظلت تطاردني في أحلامي، تقف هناك و تناديني مبتسمة فأقفز كل تلك المسافة، أقفز فوق الشريطين و أصبح لديها، تمسك بيدي فأصحو هانئا بحلمي متلهفا قدوم الثلاثاء القادم.
تتوالى الثلاثاءات، يوشك الشتاء على القدوم، تبدو رائعة في كنزتها البيضاء ذات الرقبة العالية، ترى هل لاحظت تأملي لها! انتظاري لها كل ثلاثاء! لم أعد آتي إلا في ذلك اليوم! هل تشعر بذلك الشعور الرائع الذي يتكون داخلي و ينمو في قلبي و يكاد يلوح في عينيَّ! هل تشعر بروحي المتلهفة لها! هل تشعر بخطواتي المسحورة ببريق عينيها! هل تشعر بألمي عند المفارقة! كلما أطلت النظر و التأمل ادعيتُ النظر إلى جهة أخرى خشية أن تشعر بمراقبتي لها، ها هو قطارنا يأتي، تمنيت لو أنزل أمامه فأوقفه قبل الوصول، تمنيت لو أمنع ذلك الآخر فأتبين مكانها لأأتنس بمدة نظر أطول و لو كانت ثانية. تختفي بعد جلاء القطارين، أعود متشوفا الأسبوع القادم.
كلا، لم أعد قادرا على التحمل، لابد من فعل شيء، لابد أن تعرف ما حل بي. و لكن كيف! هل أعبر النفق! هل أفتش في القطار! وماذا لو وجدتها! كيف سيكون الأمر و ما العمل حينها! هل سأكلمها! و ماذا سأقول! يال عذابي.
جاء الثلاثاء، ها هي هناك قبل موعد القطار بخمس دقائق كالعادة، مرت أربع و يزيد، القطاران يقبلان من بعيد، ماذا أفعل! كم أنا غبي، لماذا ماطلت كل هذه المدة حتى أتى. لم أشعر بنفسي و أنا أهبط الدرجات الخمس، أعدو داخل النفق المعتم المزدحم، أتفادي الأجساد، أتخبط في الناس رغما، ها هو الضوء في آخر النفق، خرجت لاهثا، غمرني النور و الهواء، انطلقت ناحية القطار قبل أن يرحل، اقتحمت باب العربة، أخذت أبحث فيها بعيني، كلا! لابد أن أجدها، الناس يستغربون حملقتي في وجوههم، ظللت أنهب الأرضية نهبا، أتفقد المقاعد، أغلقت الأبواب، هل تراها ركبت في عربة أخرى! القطار يشرع في التحرك، خطف عيني بريقا جاء عبر النافذة، ألصقت كفيَّ بزجاجها المغلق و نظرت عبره، أذهلتني المفاجأة، إنه بريق نظارتها، إنها في الخارج تحمل حقيبتها بيسراها و يمناها متشابكة في أصابع يسرى ذلك الشاب، تبادلا النظرات و الابتسامات، التفتَتْ إلي دونما انتباه منه و أنا مشدوه، ابتسمَت لي ابتسامة هادئة و هي تبتعد ثم التفت له باشة ملقية برأسها على كتفه فأحاط ظهرها بذراعه، أسرعا الخطو و دلفا إلى فتحة جانبية، اختفيا. وجدتني أجلس على المقعد مستسلما و آثار الدهشة مازالت تهزني، هدأت دهشتي مع ارتفاع صوت العجلات التي بدأت تتسارع، ازدرت لعابي ثم استرخيت و ألقيت برأسي إلى الوراء مغمض العينين و ابتسامتها ما زالت ماثلة أمامي، شملني صفاء عجيب و القطار يبتعد عن الرصيف و يبتعد لتبدأ الرحلة.
تمت






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفنار
- الثورة و الثورية و الثوار


المزيد.....




- تايلور سويفت: الشرطة تعتقل رجلا حاول اقتحام شقة المغنية في ن ...
- كيت وينسلت تفخر ببدء ابنتها مسيرة في مجال التمثيل
- كاريكاتير -القدس- لليوم الثلاثاء
- زينب ياسر ومصطفى الليموني: نقول #هنيونا لبعض الإعلاميين والف ...
- لا يا إلهةَ عينِ الرأدِ اخطأتِ
- لغزيوي يكتب: اللاعبون ب« الشعب الذي يريد صلاة التراويح » !
- الميناء القديم.. -لؤلؤة- بنزرت التونسية وقلبها النابض
- -نوبة يأس- ....
- بدء المباحثات الفنية بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذري ...
- ما حقيقة اقتباس فكرة مسلسل -نجيب زاهي زركش- من فيلم إيطالي؟ ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جمال الدين أحمد عزام - زاد الرحلة