أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يونس بنمورو - الانسان شيء لا بد من تجاوزه















المزيد.....

الانسان شيء لا بد من تجاوزه


يونس بنمورو

الحوار المتمدن-العدد: 3781 - 2012 / 7 / 7 - 23:40
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


شذرة البدء " الإنسان ليس سوى مرحلة وسيطة، لا هدف لها سوى الإنسان الأعلى " فيلهلم نيتشه .

صدقا ما قيل في نيتشه، فما من فيلسوف عانى و تمرغ في زفرات الألم، و أهات المحن و المعانات، كتلك التي عانقت جسد نيتشه و جذبته باتجاهها، و جرته لها حبا و طمعا ، لتلاصقه كل الصور النفسية القلقة، و كل الأفكار التشاؤمية التنويرية، فاضحة سوداوية كل تجاربه، و رهافة حسه و شفافية رؤيته، و بعد بصره و بصيرته، لتفرده فيلسوفا سابحا لوحده ضد التيار، إذ لا يتقاطع مع التقليد الفلسفي في شيء، إلا في استنشاق هواء العقل و التعقل، ليجعل من فلسفته تعبيرا صادقا عن جنونه العقلي، الذي لا يعرف الحدود، و لا يستوعب لهيب العقبات، مفهما الآخرين أن التفلسف الحق، هو الانتصار للملاكمة الفكرية، و إعلاء لمبدأ المطرقة، و تقنيات الهدم و التخريب، لبناء ارستقراطية الإنسان، و مثالية السوبرمان . فإسمه علبة ديناميت تدوي في قلوب السامعين، و تهز نفوس المستمعين، فالإنسان فيه فلتة من فلتات التاريخ، تشمئز بعض العقول تارة لاستحضاره، و تتعفف من الاتكاء على عكاز فلسفته ، بينما تتمتم عقول أخرى احتراما له و تقديرا لعصارته التأملية، و تحزن نفوس شتى أسفا على الإنسانية الشقية التي طفت بشاعرية فلسفته من مستنقع الخبث و اللامعقول، ليخلص في حبه للحقيقة، غربلة و تمحيصا و تفكيكا، قاطعا حبل الوريد مع كل غذاء روحي و جداني، كيف لا ففي الألم عاش وترعرع، و نتيجة لتيارات الوجع و لذة المحن، مات و خرست نبضات الجسد، فبدءا من صرخات الوجود، و نهاية بسنوات الجنون و الهذيان، و كل عوامل الوحدة في تآزر عليه، و لحظات الإيحاش و العزلة في تأمر عليه، نشأ في صرامة الدين و نزعة الإيمان العميق إلى حدود الامتلاء، فستبلع مرارة الألم و قسوة الأوجاع، ليحس بعذاب الفراق بدءا بوفاة الأب القسيس، ليتلو القدر نفس العزاء على الأخ الصغير ، ليعيش زهرة الشباب في وسط ناعم رقيق، مسيج بمجموعة من النساء أسرفن في تربيته و أفرطن في ملاطفته، لتقواهن و لدرجة تغلغل و ترسب الدين في طبقات تفكيرهن، لينتقل من هنا إلى هناك، ويرحل مرتحلا من هنالك إلى هنا، إلى أن تمكن المرض منه فيما بعد، واستحكمت مخالبه في جسده الهش الضعيف، ليدفعه إلى الانزواء على قمم الجبال الشاهقة، لصحية الارتفاع على جسده، و فائدتها لاسترجاع عافيته، بحثا عن الهواء الطلق و المنعش، الغير ملوث بالأنفاس اللوجوسية، تفاديا للاختناق برائحة الكهنوت، و لأكاذيبها الطالعة من عمق الغرائز السيئة، لطبائع مريضة و مضرة طمست الحقيقة، و أثخنت العقول بجرعات الخرافات و الأوهام، ليهاجر من مكان لأخر، بحثا عن طرق للانسلاخ من العقل الجرماني الصلب و الصدئ، و للإنعتاق من أوامر المسيحية المتكلسة و كثرة قيودها، لتبدأ فترة الخصوبة الفكرية و الفلاحة الفلسفية، المتمركزة حول التمرد و تحطيم الأفكار الأثرية القديمة المترهلة و المعتلة ، لإنشاء أخرى تتلاءم مع الإنسان القوي، و تزيد من نبل فروسيته، و علو أخلاقه و ارستقراطية خصاله. ليخربش تنظيريا لنبوة هذا الإنسان، بدءا بغزارة الكتابة و عنفوانية التخطيط، إلى حدود الهنيهات الأخيرة من نبضات قلبه، حيث سيتداعى عقله تدريجيا إلى حدود الانهيار، بعد أن ابرم عقد الوفاء منقبا عن حقيقة الحقيقة، و باحثا عن النبع الصافي لسيلان مجراها ، ليصاب بشلل سيسكت من بعده نيتشه نهائيا، و ستنفك ذبذبات القلب عن التهيج و النبضان ، و ستتوقف الأعضاء عن الحركة، و الدم عن الدوران ، ليحصد العقل الإنساني زخما فلسفيا بركانيا ثائرا، هائجا و مدمرا، و بأسلوب ناري حديدي، انطلق خافتا خفيضا في بدايته، مرتفعا صادحا في نهايته . فهذا هو الإنسان في نيتشه ، انعم عليه المرض غليان الأفكار، ليستأنف القدر حكمه عليه، بأن يظل فريسة للعلل و الإمراض، فلم يداهن يوما أو يركن للاستسلام، بل استند على سوط العزيمة ليزأر عليها، ناهلا منها دون هوادة ، جاعلا منها منطلقا للخلق و الإبداع، بحثا عن درجات أعلى في الإنسان. ليسترسل في بحثه عن عقيدة هذا الإنسان بقيم التحطيم و الهدم، بدءا بقتل الإله و تشويهه لعاجية برجه، و التكفير بالشفقة، و مناهضة العواطف التجميلية و كل الأوامر الماورائية، بهدم الأصنام الداعية لاكتناز الحقيقة و احتكارها، ليقف لحظة تأكد من فرقعة بالونة سلطانها ، و هبة قوانينها ، و صرامة أحكامها و نواهيها. مرورا إلى التسليم بثقل القوة كفضيلة أسمى و كجوهر للوجود، و شرط أساسي للبقاء و التوسع و النماء، ليتبضع من نفحات جنونه و أهات ضعفه و هونه، ألجمة تعطيل لقيم القمع و الترهيب، و ليرتشف من عمق إنسانية إنسانيته قيما زلزالية، تعصف بالشطط الأخلاقي، و بكافة التعاليم النفعية الخسيسة و الدنيئة، معتبرا، شعورنا بالقوة، هو شعورنا بالحياة، و بقدر إدراكنا للحياة، يكون إدراكنا لرسالتنا في الوجود، و أن الرسالة الأرقى هي الانتقال من صورة العدمي، إلى صورة العارف الحر المالك لسلطان حول نفسه، و المتشبع بقيم غير تلك التي يمتلكها كافة شعبه و السواد الأعظم من العوام، والمتحرر من خندق العبودية و من العقائد الطائفية المتحنطة، و المنعتق من القيم الثابتة و الجامدة، و كل المسلمات المطلقة و العصبيات الشعبوية الضيقة، التي تكرس نفس الموروثات التاريخية البائدة، لذى وجب التملص منها، و الانسلاخ من غياباتها ، بدءا بالانتفاضة على كل المعبودات و المقدسات، مرارا إلى الإعراض عن كل ما هو لاهوتي يميت جموح الجسد و توهج غرائزه، المنتصر للتيولوجيا المملة و أخلاق الميتافيزيقا ، وصولا إلى كنس كل الأخلاق الداعية للشفقة و الرثاء، و الإقرار في الأخير بإرادة القوة كقانون فيزيقي طبيعي للسيادة و التطور. ومن هنا تبدأ فكرة تجاوز إنحطاطية الإنسان و السعي نحو قبرها و إخماد درجة حرارتها، باتجاه أخرى كاملة مترفعة، مطوقة لنفسها بقوة القوة، و شرارة الإرادة الحرة، و عمق البطولية السامية، المتعالية عن غوغاء الجماهير، و منطق القطيع. لكن مقادير النبل و السمو لا تجد صداها و قوة مفعولها إلا في محارب مخاطر، الساعي لمعرفة الذات و المتعطش لإضاءة جوانبها، والنبش حفريا لإيجاد ماسة القوة فيها، طمعا في الإنسانية العليا، بعيدا عن حافة أخلاق العبيد حيث الذل و الخنوع، و النداء الاستغاثي لمبدأ المساواة، المنادى به من طرف الضعفاء المفلسين، و الضائعين في المجتمع و التائهين عن أنفسهم ، هروبا من سفح الضياع عن نخبة من كبار النفوس و متطرفي الإرادة و القوة . ومنطلق الطريق، استعداد لتحمل قسوة الوحدة و الانعزال، و درب العزلة القصوى، بحثا عن المعنى، للوصول لقطرات فهم قد تعري بوصلة القوة فينا، و تدريب الذات على الإنصات لصمت ضجيجها الداخلي، و لوشوشات كيانها العميق، و تحصينا لها من رذالة النفايات البشرية، و من صفات الكائنات الجرثومية، المضرة لجوهر الوجود و الفائضة عليه، المتمرغة في كومة قاذورات من قيم بالية، ألبست المكر لباس القوة، و جمٌلت الغدر بمساحيق الثأر، و عوضت التسامح بالعنف و تعصبت للتقليد عوض الابتكار، وأعلت صوت الضمير محل الكبرياء و الشرف، و هذا ما يتنافر ما عقيدة الإنسان المثالي، فالقوة و الحرية بلسم للسيد المالك لنفسه و الخالق لقيمه، صاحب العقل الحر و استقلالية القرار ، الواعي لنفسه كنقيض لأكاذيب ألاف السنين، الواضع لحد لحياة الآلهة المهتزة عروش أكاذيبهم و كل تباشيرهم و آمالهم السماوية، و الملاذ الوحيد للإنسانية هو التضحية من اجل الأرض و أبديتها، لا طمعا في ما وراء النجوم، حتى تصبح الأرض مسكنا و مملكة للإنسان الأعلى، حيث الخلود و السرمدية، في حياة لا تنقطع عن التقلب و التكرار في استمرارية و دوران ابدي، لكن من يستحق صفة الديمومة، و جب أن يتفوق على رذالة الإنسان المحنط المقيد، بالمرور على جسر خنوعه و ضعفه، و التشامخ عن جماجم التزلف و النفاق، باتجاه الذات الخارقة، المتعالية عن المقدرة البشرية و الممزقة لشبكة الأعراف والقيم المترهلة، و ديكتاتورية التقاليد المستبدة، المبشرة بمصفوفة من الأخلاق الوهنة، والمبلغة للأكاذيب و الخداع، و وهم المطامح الميتافيزيقية، لذى وجب التخلص من كل هذه الأكاذيب بحثا عن السوبرمان، حيث البطولية الاسبرطية، و حب المخاطرة و شجاعة المغامرة، استهانة بالحياة و استخفافا بالموت، كسهم متوهج الإرادة و السيادة، يتوق لبلوغ حياة أفضل، البقاء فيها للأصلح و الأجدر، و القرار فيها لقوة الرجولة الفياضة، النابذة لصفات الليونة و الرأفة و مظاهر الرقة و الشفقة، انطلاقا من خلق الإنسان لنفسه، و استنبات قيم تعلي من شأنه و شأن الحياة، قيم أرضية تجعل الإنسان القوي قادر على تشكيل مستقبله، معتمدا على نفسه و لا شيء غير نفسه، و ذلك بحشد إرادة القوة المليئة باللعب و التهريج، المتخمة بالرقص و المرح، لخلق ذات تعلو على نفسها و تغزوها في مغامرة مليئة بالأخطار، و حافلة بالمجازفات، و ترغمها على الانفجار كعاصفة، لتبديل كافة القيم المتوعكة و المعطوبة، بإجتثاث سكينة الأكاذيب من عمقها، في أفق وضع لوحة جديدة، تحل محل اللوحة القديمة، التي لم تكن تستمد سلطانها و مكانتها إلا من تعاليم الإله ، لتدفع الإنسان إلى تجاوز ذاته باستمرار، في سبيل الوصول إلى الإنسان الأعلى، دون أن يترك لنفسه أي فرصة للتقوت الروحي الوجداني، أو أي تطبيب كهنوتي، كمحارب مغوار يجند كل قواه و طاقاته الإثباتية في الصراع، من اجل التطور و التجاوز، ناشدا أنشودته الأبدية الإنسان شيء لابد من تجاوزه و التفوق عليه .






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فخامة السوسيولوجيا
- في بحث عن هوية لبحثي
- أنصحكم بعدم الزواج


المزيد.....




- الحرب في أفغانستان: مخابرات الولايات المتحدة تشك في صدق المز ...
- واشنطن وطوكيو تعارضان أي محاولات لتغيير الوضع الراهن في بحر ...
- مجلس الأمن الدولي يرحب بإعلان السعودية بشأن إنهاء الصراع في ...
- البرهان: لدينا علاقات أمنية واستخباراتية وثيقة مع واشنطن
- محمد بن زايد يعزي الأمير تشارلز في وفاة والده
- بكين تحذر اليابان والولايات المتحدة من -تقويض المصالح الصيني ...
- صحيفة: بومبيو وزوجته كلفا موظفي الخارجية بتنفيذ مطالب شخصية ...
- الجيش الإسرائيلي يستهدف مواقع للفصائل الفلسطينية في غزة لليو ...
- فرنسا.. 4 وفيات جديدة بسبب تجلط الدم بعد تلقي لقاح -أسترازين ...
- قطر: الكثير من التحديات تعيق السلام في أفغانستان ونأمل في عق ...


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يونس بنمورو - الانسان شيء لا بد من تجاوزه