أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل كلفت - مفهوم النحو (مقدمة عن العلم وموضوعه ( مقدمة بقلم: خليل كلفت لكتابه: من أجل نحو عربى جديد















المزيد.....



مفهوم النحو (مقدمة عن العلم وموضوعه ( مقدمة بقلم: خليل كلفت لكتابه: من أجل نحو عربى جديد


خليل كلفت

الحوار المتمدن-العدد: 3287 - 2011 / 2 / 24 - 14:37
المحور: الادب والفن
    


مفهوم النحو
(مقدمة عن العلم وموضوعه)
مقدمة بقلم: خليل كلفت
لكتابه: من أجل نحو عربى جديد

يجرى التفكير فى النحو عادة على أنه يساوى تماما علم النحو، بنفس الطريقة التى يجرى بها التفكير فى الظواهر اللغوية الأخرى وكأن كل ظاهرة منها تساوى العلم الذى يدرسها ضمن العلوم اللغوية الأخرى. ويمكن القول إن هذا النحو من التفكير فى النحو والعلوم اللغوية الأخرى أفضى ويفضى وسيفضى دائما إلى أخطاء علمية وعملية قد تكون فادحة. ويمكن القول أيضا إن الخطأ الأول (وهو مصدر كل الأخطاء الأخرى) يتمثل فى أن هذا النوع من التفكير ينطلق من تجاهل حقيقة بسيطة يعرفها الجميع وهى أن اللغة موجودة قبل ظهور العلوم اللغوية وأن أصول هذه العلوم اللغوية موجودة فى اللغة وعندالناطقين بها قبل أن تظهر هذه العلوم، التى انطلقت على أساس استقرائى حيث أخذت تعمل على "جمع" كل ما اشتملت عليه هذه اللغة أو تلك من "تصنيفات" وهى تصنيفات قائمة فى وعى جماعة الناطقين بها، هذه الجماعة التى هى ليست فقط واعية بهذه التصنيفات بل إنها هى التى ابتدعتها بصورة جمعية تاريخية منذ ظهور الإنسان الكرومانيونى (أىْ الإنسان العاقل العاقل أو العارف العارف homo sapiens sapiens أو الإنسان كما نعرفه اليوم) منذ قرابة مائة ألف سنة وفقا لإحدى النظريات، أو أكثر أو أقل وفقا لنظريات أخرى، بالاستناد بالطبع إلى تاريخ طويل أسبق صنع فيها الإنسان نفسه ولغاته السابقة على اللغة كما نعرفها اليوم.
وإذا كانت العلاقة بين اللغة والعلم اللغوى مماثلة من الناحية الجوهرية للعلاقة بين كل علم ومجال بحثه، مثلا بين الكيمياء وعلم الكيمياء، باعتبار أن هذا العلم الكيميائى يبحث هذه الظاهرة الكيميائية تماما كما يبحث هذا العلم اللغوى هذه الظاهرة اللغوية، فإن هناك اختلافا جوهريا بدوره بين العلوم التى تدرس الطبيعة وتلك التى تدرس الحياة الاجتماعية والفكرية واللغوية إلخ... للبشر. ويتمثل هذا الاختلاف فى أن ظواهر الطبيعة خالية من الوعى وبالتالى خالية من التصنيف الذاتى لمختلف نواحيها وعناصرها. ولهذا يستقرئ العلم ظواهر الطبيعة معتمدا على أدواته وحدها لدراسة طبيعة غير واعية بذاتها. إن الطبيعة لا تمنح العلم أسرارها وتصنيفاتها لأنها لا تعى بها وليست هناك لغة مشتركة بينها وبين العلماء. غير أن العلم تطورىّ، فهو يعتمد إذن على تاريخ طويل من محاولات العلم فى مختلف مراحل تطوره. وهذه الأسرار والتصنيفات والمفاهيم التى تدور حول الكيمياء أو الفيزياء أو البيولوچيا أو الرياضيات يكتشفها البشر بالتدريج، حتى منذ مراحل بدائيتهم، ويرثها جيلٌ بعد جيل، ويبرز بينهم أشخاص يرتبط ذكاؤهم ببحث هذه الظاهرة الطبيعية أو الاجتماعية أو تلك، ببحث الفيزياء أو الكيمياء أو المجتمع، ليشكلوا تاريخا تطوريا يستغرق آلاف السنين وعشرات آلاف السنين ومئات آلاف السنين. وعندما نشأت العلوم بألف لام التعريف، أىْ العلوم دون أوصاف أخرى، فى الآلاف الأخيرة من تاريخ البشر، فقد انطلقت من وراثة تلك الجهود العلمية التطورية الطويلة للبشر و"للعلماء" منهم، بالاعتماد على ممارسة البشر طوال التاريخ وما قبل التاريخ وما قبل ما قبل التاريخ. وفى الآلاف الأخيرة من السنين هناك علم العصور القديمة، وعلم العصور الوسطى، وعلم العصر الحديث، أىْ العلم الحديث. وعلى هذا فإن العلم الحديث لم يقف أمام الطبيعة وظواهرها، أمام فيزيائها وكيميائها إلخ...، عاريا، مجردا من كل الأدوات باستثناء ذكائه المباشر. ذلك أن هذا الذكاء المباشر، الذى تسلح به العلم الحديث، ليس إلا الثمرة الناضجة لتاريخ وما قبل تاريخ العلم. وقد تسلَّح بكل ثمار ذلك التطور الطويل، منطلقا من تصنيفاته ومفاهيمه واستنتاجاته كفرضيات للبحث.
وباختصار فقد تسلَّح العلم الحديث بمنجزات ماقبل تاريخه ولكنْ أمام الطبيعة وظواهرها العمياء الصماء البكماء التى لا تقول شيئا بنفسها وإنْ كانت تعرض نفسها للفهم أمام الممارسة وأمام البحث العلمى، وبدون هذا الفهم، بدون فهم الإنسان العادى للطبيعة فى ممارسته التطورية وبدون فهم العلم للطبيعة من خلال بحثه التطورى، تستحيل كل ممارسة بشرية، أىْ كل حياة بشرية بكل جوانبها، ويستحيل كل علم.
ورغم تماثل العلاقة الجوهرية بين الطبيعة والعلم مع العلاقة الجوهرية بين اللغات (وغيرها من ظواهر الحياة البشرية من حيث هى كذلك) والعلوم اللغوية (وغير اللغوية) التى تدرسها، فإن الأمر يختلف تماما، بعد ذلك. فالبشر يعيشون حياتهم واعين بها، بكل جوانبها، بما فى ذلك الوعى بلغاتهم، وإنْ كان كل هذا وعيا مشروطا تاريخيا؛ إذْ تقرره مرحلة التطور الاجتماعى التى جرى بلوغها، وتحفزه أو تشوهه الأيديولوچيات، وتزرع فيه صراعات المصالح الاجتماعية المتعارضة تناقضاتها.
ولا مجال هنا لمناقشة قضية: الوجود الاجتماعى والوعى الاجتماعى أيهما أسبق؟ ويكفى هنا أن أشير إلى أن الوجود الاجتماعى مستحيل بدون الوعى الاجتماعى مهما كان نوع أو مستوى أو مرحلة هذا الوجود أو هذا الوعى، ذلك أن الإنسان الذى هو بحكم التعريف كائن لا يفارقه وعيه الصحيح أو الناقص أو المشوَّه أو الزائف، هو الذى يصنع وجوده الاجتماعى ووعيه بالنفس والمجتمع والكون، ويصنع بكل وعى حياته بكل جوانبها بمنجزاتها وتناقضاتها وكوارثها، فى إطار الطبيعة التى تواجهه كمعطى ليس من صنعه إلا أنه يعطى نفسه لتفاعل الإنسان معه لاستخدامه لمصلحة حياته، وفى إطار المجتمع الذى يواجهه – رغم أنه من صنعه بصورة تاريخية – كشرط كأنه طبيعى يتفاعل معه ويغيِّره ويحوِّله ولكنْ لا يسيطر عليه لمصلحة الإنسان إلا فى المجتمع المتقدم اجتماعيا والمتقدم تكنولوچيًّا، إلا فى المجتمع اللاطبقى، كما أن الإنسان يصنع كل علومه ومنها العلوم الإنسانية واللغوية فى الإطارين المذكورين، الطبيعة والمجتمع، كما يصنع لغته أو لغاته ضمن هذه الشروط الموضوعية ولكنْ القابلة دوما للتعديل والتحويل وفقا لهذه المرحلة أو تلك من مراحل تطور الإنسان.
ورغم الاشتراك مع كل ظاهرة وكل علم فى علاقة العلم بمجال بحثه، باعتبارها علاقة تبدأ بالبحث الاستقرائى، ورغم الاشتراك مع ظواهر الحياة الاجتماعية وعلومها فى الوعى الذى يجعل هذا الاستقراء لا يبدأ من الصفر، بل يبدأ بمنجزات استقراء الممارسة و"العلم" طوال التاريخ وما قبل التاريخ، إلا أن اللغة تختلف أيضا حتى عن العلوم الإنسانية الأخرى.
وسأضرب الآن مثلا لإيضاح خصوصية العلوم اللغوية، وبالأخص علم النحو، فى هذا المجال. عندما يدرس عالم الذرة فى العصر الحديث الذرة أو نواة الذرة أو الپروتون أو الجزيئ فإنه لا يملك لغة للتخاطب مع هذه العناصر أو مع الظواهر الكيميائية ككل، فهى جميعا بكماء، وهذا العالم لا يبدأ من الصفر بل يبدأ من منجزات العلوم عند الإغريق والعرب وغيرهم قبلهم وبعدهم، وقد منحته هذه المنجزات أحدث أدوات بحثه، ولا مجال هنا لوعى غير وعى العلم طوال تاريخه ووعى الممارسة اليومية للبشرية طوال تاريخها. وهنا يتعامل الوعى العلمى مع الظاهرة الكيميائية غير الواعية بنفسها وغير القادرة على الحديث عن خصائصها وعناصرها رغم استعدادها لمنح أسرارها كما سبق القول لأدوات البحث. ورغم أن العلم يعتمد هنا على الوعى التراكمى بالظاهرة الكيميائية، أىْ على وعى البشر بها، إلا أن الوعى ليس عنصرا ماثلا فى جوهر الظاهرة، ولم يسهم فى صنع الظاهرة، على العكس من الظواهر الاجتماعية والفكرية واللغوية التى يشكل الوعى عنصرا ماثلا فى صميمها وليس فى مجرد الوعى بها، فالاقتصاد من صنع أشياء منها الوعى، والوجود الاجتماعى بأكمله من صنع أشياء منها الوعى، وكلها من صنع الإنسان بوعيه الصحيح والزائف فى إطار معطى من الطبيعة والمجتمع. أما الظاهرة اللغوية فهى من صنع الإنسان بوعيه، وبالطبع بأشياء أخرى، منها المخ البشرى، ومنها الفيزياء أىْ الوسط الذى تنتقل فيه الأصوات اللغوية للبشر، ومنها الحياة الاجتماعية التى تعبر عنها اللغة، فاللغة إذن من صنع الإنسان، والوعى ماثل فى صميمها، ففيم تختلف عن الظواهر الاجتماعية الأخرى التى يسهم الوعى فى وجودها وتطورها؟
تختلف اللغة عن غيرها من الظواهر الاجتماعية فى أنها أداة التعبير عن كل مناحى الحياة، من الحياة اليومية، إلى الأدب، إلى العلوم الاجتماعية، إلى العلوم الطبيعية التى تصل مستوياتها المعقدة إلى لغة الرموز المشتقة بطبيعة الحال من اللغة الطبيعية (أىْ اللغة كما ننطقها ونكتبها ونقرأها). ولأن اللغة هى لغة الحياة ولغة كل علم فقد كان من المنطقى أن تكون المسافة بين خصائصها الموضوعية واستيعابها من جانب الناطقين بها أقصر من المسافة بين كل علم طبيعى ومجاله، وحتى كل علم اجتماعى ومجاله. أىْ أن مدى وضوح المفاهيم والتصنيفات التى تنطوى عليها اللغة الطبيعية (الموضوعية، الجمعية) يجعل المسافة بين العلم (اللغوى) وموضوع بحثه (اللغة) مسافة قصيرة للغاية، وهى مسافة قصيرة ليس فى العلم فقط، بل حتى فى ممارسة الحياة اليومية بين الناطق العادى بلغة وبين مفاهيمها وتصنيفاتها. ذلك أن اللغة تغدو مستحيلة، كما يغدو التفاهم مستحيلا، إذا لم تكن مفاهيمها وتصنيفاتها واضحة وبديهية وجاهزة لدى كل ناطق بلغة من اللغات. وإذا كانت اللغة تتكون من كلمات موجودة فى المعجم الجمعى الموضوعى وتتكون من جمل تتكون من تلك الكلمات بطريقة معلومة لبناء الجملة، فإن المعرفة الواضحة بالكلمات وطرق بناء الجمل منها شرط ضرورى للتفاهم بين أفراد كل جماعة بشرية فى كل نواحى حياتهم وبصورة متواصلة (ربما باستثناء حالة روبنسون كروزو فوق جزيرته). فإذا لم يعرف الناطق بلغة معانى الكلمات التى يستخدمها ولا طريقة بناء جمل منها فإنه سيكون عاجزا عن التعامل، وبالتالى عن الحياة، مع البشر، وإذا عجزت الجماعة اللغوية بأسرها عن فهم الكلمات وبناء الجمل فقد عجزت عن الحياة. غير أن اللغة ليست مجرد كلمات (يدرسها علم الصرف وعلوم أخرى) وليست مجرد بناء للجمل (يدرسه علم النحو بالمعنى الدقيق syntax) بل هناك أسلوبيات وبلاغيات وخصائص لا حصر لها تدرسها علوم لغوية لاحصر لها، غير أن الناطقين بلغة يدركونها بمستويات تتناسب مع مراحل التاريخ ومع قدرات الأفراد. على أن البحث اللغوى قد يرتفع إلى مستويات قد لا يفهمها إلا علماء اللغة ودارسوها، وهذا يصدق على كل علوم اللغة بدرجات مختلفة ومنها النحو ذاته، أو النحو بالذات.
ولنقارن الآن باستخدام مثلين بسيطين بين الاقتصاد والنحو، كما يتعامل معهما مجتمع لم يصل بعد إلى مرحلة بالغة النضج من مراحل تطوره، ولم يصل بعد بالتالى إلى العلم البالغ النضج.
فى اقتصاد سلعىّ (وليكن قديما وسابقا على الرأسمالية) يفهم كل إنسان ما هى السلعة ويتعامل فى السوق مع السلع، غير أن المسافة بين فهمه سواء أكان شخصا عاديا أم باحثا اقتصاديا للسلعة وبين مفهومها العلمى الصحيح لن تكون مسافة يمكن تجاهلها أو اعتبارها قصيرة بحال من الأحوال. والآن: يستخدم شخص عادى جملة من فعل وفاعل ومفعول، فهل تراه يخلط بين الفاعل والمفعول، أو يخطئ فى معرفة زمن الفعل أو لزومه أو تعديه؟ إن المسافة بين تصور هذا الشخص العادى للفاعل مثلا وبين المفهوم الصحيح قد تصل إلى الصفر. لماذا؟ لأنه بدون هذه المفاهيم والتصنيفات الأولية لن يستطيع هذا المرء الكلام مع أحد ولا حتى مع نفسه. وهنا يحدث تطابق حقيقى بين العلم ومجاله، بين المفهوم وواقعه، وإلا ضاعت اللغة وضاعت معها إمكانية التعبير عن مختلف نواحى الحياة وكذلك إمكانية التعبير عن مختلف العلوم الطبيعية والإنسانية. ورغم المسافة القريبة بين اللغة وعلم اللغة إلا أن هذا لا يعنى أن العلم غير ضرورى، بل إن من الضرورى أن يحاول العلم دوما أن يقطع هذه المسافة التى تظل على قربها قائمة ومفتوحة. وتظل هناك حاجة دائمة إلى قيام العلم بتطوير المفاهيم والتصنيفات التى تنطوى عليها اللغة والتى يعرفها كل ناطق بها. إن العلم يرفع وعى الجماعة اللغوية بلغتها إلى مستويات أخرى جديدة من الصقل والتمفصل واكتشاف العلاقات الأكثر تعقيدا، بالإضافة إلى ما لا يمكن أن تصل إليه جماعة لغوية من وعى، وهو الوعى بالعلاقات بين اللغات، والوعى بالأصول المشتركة بينها، والوعى بالخصائص العامة للغة والتى لا يمكن رؤيتها عند البقاء داخل نطاق لغة واحدة أو داخل مجموعة صغيرة من اللغات. كذلك فإن العلم هو الذى يصون ويطور الذاكرة اللغوية للجماعة اللغوية بدراسة ظواهرها من حيث تطورها التاريخى، ونشأتها من لغات أخرى، ومختلف المؤثرات اللغوية التى استقبلتها، والمراحل التى مرت بها، واتجاهاتها المستقبلية المحتملة، وباختصار فإن العلم يقوم بإحلال الوعى العلمى محل الوعى التلقائى، وبدون إحلال الوعى العلمى وتطويره بصورة متواصلة تستحيل أشياء كثيرة ليس أقلها شأنا فى هذا العصر تهيئة اللغات لتقنيات معالجة المعلومات حاسوبيًّا.
لقد أشرت منذ قليل إلى أن مفهوم الفاعل مثلا فى الوعى النحوى التلقائى يتطابق أو يكاد مع المفهوم الصحيح الذى يمكن أن يقدمه علم النحو الناضج. كما أن هذا الوعى التلقائى أو الجمعى هو المعيار الذى يساعد علم النحو على معرفة صدق أو زيف مفاهيمه. غير أن العلم يجرى إنتاجه ضمن شروط اجتماعية وتاريخية قد تكون مواتية وقد تكون غير مواتية لتوفيقه ونجاحه. ورغم أن المسافة بين الوعى قبل العلمى والوعى العلمى قد تصل، كما سبق القول، بالنسبة لبعض المفاهيم اللغوية، فى النحو على وجه الخصوص، إلى الصفر، فإن من المفارقات أن تؤدى الشروط الاجتماعية لإنتاج النحو إلى تخلف هذا العلم فى كثير من الأحيان عن الوعى النحوى قبل العلمى. وعندما يستقرئ عالم النحو مكونات الظاهرة النحوية فإن استقراءه قد يكون غير مكتمل، ولأن الاستقراء لا يكون منفردا فإن هناك مجالا واسعا لتدخل الأفكار المسبقة التى قد تسير بالاستقراء فى اتجاهات بعيدة عن الصواب. إن العالم النحوى لا يذهب للبحث عن الحقيقة النحوية طارحا عنه كل فكر مسبَّق بل يذهب باستنتاجات سابقة وبتصورات وأيديولوچيات قد تكون غريبة على علم النحو، وقد تكون غريبة على كل علم. وكما مرّ علم الكيمياء بمراحل سيميائية باحثا عن حجر الفلاسفة، وكما طمست علوم اجتماعية حقائق الاجتماع البشرى وقدمت تفسيرات أسطورية فى كثير جدا من مراحل العلم إلى يومنا هذا، مرّت العلوم اللغوية، والنحو بالذات، بمراحل شهدت ضغوطا أيديولوچية لا نهاية لها على الاستقراء واستنطاق الظواهر اللغوية العينية. وبدلا من أن يخلع عنه كل فكر مسبَّق، تسلّح علم النحو، فى كثير من اللغات، فى كثير من الأحيان، إلى جانب أدوات البحث الحقيقى، بأوضاع وأفكار وأيديولوچيات ونظريات أقحمها على العلم، وكانت النتائج المنطقية منجزات علمية حقيقية تشوِّه الكثير منها أنواع وأشكال من الوعى الزائف تعكس مقتضيات المصالح الاجتماعية والأيديولوچيات والفلسفات وليس مقتضيات البحث العلمى. ومن المنطقى بالتالى، كما نرى فى تاريخ النحو العربى، أن تتحقق خطوات كبرى إلى الأمام مطعونة بخطوات أخرى إلى الوراء. وهى خطوات إلى الوراء ليس فقط بالقياس إلى طموح العلم الجديد بل أيضا بالقياس إلى المنطق الكامن فى النحو الجمعى، الذى هو فى نهاية المطاف المعيار الحقيقى والمرجع النهائى. ذلك أن اللغة كما تستخدمها الجماعة اللغوية هى الأصل والمرجع، وهى بالتالى معيار قياس نجاح العلم اللغوى أو فشله.
ولكى أميِّز فى هذا السياق النجاح من الفشل من جانب علم النحو العربى مثلا بالنسبة لبعض مفاهيم هذا النحو، سأشير باختصار إلى أمثلة قليلة وإنما سيأتى أوان النقاش التفصيلى فى تضاعيف فصول الكتاب. فلنأخذ مفهوم الفاعل الذى أشرنا إليه منذ قليل، وهو مفهوم بسيط مباشر فى استخدام الجماعة اللغوية، فهو من ناحية "مَنْ قام بالفعل أو قام به الفعل" (كما علمنا النحو العربى) وهو من ناحية أخرى مَنْ/ ما جرى إسناد الفعل إليه، وبدون هذا ما كان هناك تفاهم، فربما أعدموا المقتول الميت ودفنوا القاتل الحىّ لو لم يكن مفهوم الفاعل واضحا جليا بسيطا مباشرا، فماذا فعل النحو العربى؟ أولا اكتشف مفهوم الفاعل أو أعاد اكتشافه أو أقرّ هذا المفهوم عند الناس، وكل هذا فضل لهذا العلم، غير أنه سرعان ما قام بتشويه كل ذلك إذ قال النحاة إن الفاعل يتقدمه فعله، وهكذا فبعد أن كان "القاتل" فى جملة من فعل وفاعل ومفعول به، مهما كان ترتيب هذه العناصر أو الوظائف النحوية، هو الفاعل فى كل الأحوال، سواء تقدمه فعله أو تأخر عنه أو سبقه ناسخ، جرى تعقيد مفهوم الفاعل فالقاتل (الفاعل هنا) يكون فاعلا إذا تقدمه فعله، ويكون المبتدأ إذا سبق القاتل الفعل، ويكون اسما للناسخ، وهنا جرى اختراع مسميات متعددة تشكل القسم الأكبر مما يسمى بمرفوعات الأسماء لمن قام بالفعل حقا وصدقا بدلا من المسمى الوحيد الجدير به، وليكن المسند إليه، وليكن الفاعل، وليكن ما يكون. ليس هذا فقط بل كانت هناك خطوة أخرى بدت منطقية: التمييز بين جملة بدأت بالاسم وأخرى بدأت بالفعل، وبالتالى الخطأ النحوى الذى انفرد به النحو العربى والنحو فى بعض اللغات التى تأثرت به كالقبطية والفارسية وهو تقسيم الجملة إلى اسمية وفعلية دون أىّ سند من اللغة العربية كما استخدمتها الجماعة اللغوية. ومع جملة مثل "الكتاب مفيد" لم يقدم النحو الجمعى قبل العلمى ما يفيد أن كلمة "مفيد" خبر للمبتدأ؛ إنه مرفوع حقا ولكنْ هل هو الخبر؟ أجاب علم النحو العربى بأنه هو الخبر دون غيره، وهنا ضاع مفهوم الخبر، وبخطوة أخرى جرى اختراع أنواع من الخبر، وبخطوة ثالثة قيس ما يسمى برفع الخبر بكل "أنواعه" على رفع ما يسمى بالخبر المفرد، وبخطوة رابعة جرى اختراع ما يسمى بالرفع المحلى لغير ما يسمى بالخبر المفرد. وهذه ظاهرة خاصة بفعل الكينونة بالذات وفى المضارع المثبت بالذات، كما سوف نرى، وبالتالى فإن فعلا واحدا فى حالة واحدة ضلل النحو العربى فقاده إلى اختراع رفع الخبر، واختراع أنواع للخبر، واختراع الرفع المحلى، ونتج عن هذا التمييز بين المبتدأ والفاعل اختراع ما يسمى الضمير المستتر وتقديره ورفعه رفعا محليا أيضا. وليس هذا فقط: لأن الجملة "بدت" دون فعل عمليا ولأن كلمة "مفيد" ماثلة هناك، ولأنه "يبدو" أن المنطق يقول إن ما يسمى بالجملة الاسمية تتكون من مبتدأ وخبر، فقد جرى زعم أن كلمة "مفيد" خبر، واستطاع هذا المفهوم الخاطئ للخبر أن يسود وأن يهمِّش ويسحق مفهوما رائعا من مفاهيم النحو العربى هو مفهوم "مُتعلَّق الجارّ والمجرور" الذى يقول بأن هناك محذوفا يصنع الخبر مع كلمة "مفيد"، وكان من شأن صقل وتطوير مفهوم "مُتعلق الجارّ والمجرور" أن ينقذ مفهوم الخبر ومفهوم الجملة ليس فى النحو العربى وحده بل كذلك أيضا فى النحو الأوروپى (الإنجليزى والفرنسى مثلا) من مفاهيم ظلت خاطئة بشأن الخبر إلى وقت قريب جدا، أىْ إلى أن اكتشفت الثورة النحوية الجديدة فى العقود الأخيرة فى النحو الإنجليزى مثلا أن الخبر هو كل ما يرد فى الجملة من غير المسند إليه، وهذا ما يجعل الخبر مفهوما غير قابل للإعراب أصلا، لأنه لا يكون كلمة واحدة إلا إذا كان فعلا واحدا غير رابط، كما سنرى. أىْ أن النحو العربى توصَّل فى وقت ما إلى مفهوم نحوى ناجع عن الخبر كان من شأنه أن يفيد النحو فى اللغة العربية وغيرها من اللغات، غير أن الاتجاه النحوى السائد سحق هذا المفهوم. كذلك فإن نشأة النحو فى زمن ساد فيه اللحن الإعرابى، والخوف منه ومن سقوط الإعراب الذى أدى إليه على اللغة والدين، أفضت إلى رفع الإعراب من أداة ضرورية لكل نحو فى أىّ لغة، وليس فى اللغة العربية فحسب، فى بعض مراحل تطورها، إلى مستوى النحو ذاته وبالتالى النظرة الخاطئة التى جعلت النحو علما لأحوال الإعراب (وهذا هو ما يردده النحو العربى ومجمع اللغة العربية بالقاهرة وغيره من مجامع اللغة العربية إلى يومنا هذا) بدلا من أن يكون النحو علم بناء الجملة، يبحث الجملة من حيث ما تشتمل عليه من وظائف وعناصر نحوية هى لبنات بنائها. ويعنى هذا أن النحو العربى يدور حول إحدى أدواته الفرعية المتمثلة فى الإعراب، رغم أهميته التى لا جدال فيها إلا فى حالة إسقاطه من جانب الجماعة الناطقة باللغة العربية، وفى حدود هذا الإسقاط (القرن الثانى الهجرى فى الأمصار والقرن الرابع الهجرى فى البادية)، مع الاحتفاظ بالإعراب فى مجال الثقافة الرفيعة والعلوم والدين إلى يومنا هذا.
ورغم المفهوم الخاطئ عن النحو باعتباره علم أحوال الإعراب فإنه لا أحد يستطيع أن ينكر منجزات النحو العربى باعتباره علم بناء الجملة. فقد بلور هذا النحو وطور مفهوم الجملة، رغم خطأ تقسيمها إلى جملة اسمية وجملة فعلية، ورغم خطأ إعراب ما يسمى بالخبر الجملة الاسمية والجملة الفعلية وما يسمى بالخبر شبه الجملة، وبلور هذا النحو وطور مفهوم المسند إليه باعتباره مَنْ/ ما أسند إليه الفعل، رغم أنه أغرق مفهوم المسند إليه لينجرف تحت فيض مما يسمى بمرفوعات الأسماء أىْ المبتدأ والفاعل ونائب الفاعل واسم إن وأخواتها واسم كان وأخواتها واسم أفعال المقاربة والشروع، ورغم أنه فصل بين الفاعل ونائب الفاعل فى المبنى للمجهول رغم أنه يدخل ضمن مفهوم المسند إليه، مع أخذ خصوصيات كل من هذه "المرفوعات" فى الاعتبار من حيث الإسناد بين تقدم الفعل على المسند إليه أو تأخره عنه، ومن حيث إن الفاعلية النحوية للمسند إليه لا تعنى الفاعلية الحقيقية بل يمكن أن يكون المتأثر بالفعل هو المسند إليه أو الفاعل رغم أنه بمثابة المفعول به من حيث المعنى مثل فاعل الفعل اللازم "غَرِقَ" أو نائب فاعل الفعل المبنى للمجهول "قُتِلَ". والنحو العربى هو الذى بلور وطور مفهوم الخبر رغم أن أخطاءه فيما يتعلق بالخبر فاقت كل أخطائه الأخرى ليس فقط بالقول بإعراب الخبر، بل أيضا من حيث تحديد مفهوم الخبر، وبالتالى اعتبار ما يسمى بالخبر المفرد خبرا فى جمل الكينونة المحذوفة فى المضارع المثبت مع أنه حَذْف يعود إلى نوع من الاقتصاد اللغوى اعتمادا على حالة الكون العام، ومع أن المحذوف جزء من الخبر، كما أن هذا النحو أخطأ فى تقدير "أنواع الخبر" أىْ الخبرالجملة وشبه الجملة فلم يعرف أين يكون الخبر حقا فى هذه الجمل ومن هنا أدخل الإعراب المحلى أو قام بتوسيعه، ولم يأخذ هذا النحو بفكرة أن كل ما تشتمل عليه الجملة من غير المسند إليه هو الخبر وفتح الباب أمام تصورات غريبة مثل العمدة والفضلة والمتعلقات، وهذه الفضلة هى التى صارت مكملات لدى مجمع اللغة العربية بالقاهرة حتى فى عهده الذهبى بقيادة طه حسين برعايته للبحث الحر وإبراهيم مصطفى من الناحية النحوية، هذا المجمع الذى أخذ فكرة الفضلة من النحو العربى وفكرة المكملات، أىْ نفس الشئ، من النحو الفرنسى الذى ارتكب تاريخيا نفس خطأ النحو العربى. كما بلور النحو العربى وطور مفهوم الفعل ولزومه وتعديه وأزمنته، رغم ما قيل من أن الإعراب أصل فى الأسماء فرع فى الأفعال كما أن الصرف أصل فى الأفعال فرع فى الأسماء، وذلك لأن عدد حالات تصريف الفعل الواحد يفوق كثيرا عدد حالات تصريف الاسم الواحد، وهذا هو ما يخصّ الصرف، ولأن إعراب الفعل يكاد يكون غائبا ويكاد يكون لا معنى له لأنه لا يؤثر فى المعنى. غير أن هذا التصور ساعد على ابتعاد النحو عن الدوران حول الفعل لأن لزومه أو تعديه إلى مفعول أو مفعولين بالإضافة إلى خصائص أفعال مثل كان وأخواتها هى أساس بناء الجملة وأساس تحديد نماذجها: مثلا نموذج جملة كان وأخواتها أىْ نموذج المسند إليه مع كان وأخواتها مع إضافة متمم المسند إليه، ونموذج جملة الفعل اللازم، ونموذج جملة الفعل والمسند إليه والمفعول به، ونموذج جملة أعطى وأخواتها أىْ نموذج المفعولين، ونموذج جملة ظن وأخواتها أىْ نموذج المفعول به الواحد مع إضافة متمم المفعول المباشر، ونموذج جملة أعلم وأرى وأخواتهما أىْ نموذج المفعولين (أعطى وأخواتها) مع إضافة متمم المفعول المباشر، وفقا لخصائص الأفعال، وهنا ظهرت أساطير مثل اعتبار أن أفعال ظن وأخواتها تتعدى إلى مفعولين لمجرد أنها يمكن أن تنصب لفظتين إحداهما المفعول به، ومثل اعتبار أن أفعال أعلم وأرى وأخواتهما تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل رغم أن هذه الأفعال هى ذات أفعال أعطى وأخواتها مع إضافة "منصوب ثالث" يمكن القول إنه متمم المفعول به المباشر تماما كما أن "المنصوب الثانى" مع أفعال ظن وأخواتها هو متمم المفعول به الوحيد فى هذا النموذج وهو مفعول به مباشر (وسيأتى الحديث عن متمم الفاعل أو المسند إليه ومتمم المفعول به المباشر فى المكان الملائم من هذا الكتاب). كذلك فإن النحو العربى هو الذى بلور وطور مفهوم المفعول به (المباشر) والمفعول به (غير المباشر) الذى هو "مستلِم" المفعول به المباشر (ويقابل تعبير "المستلِم" فى النحو العربى، تعبير recipient فى النحو الإنجليزى)، فعندما يعطى محمود عليًّا كتابا فإن "كتابا" هو المفعول به المباشر و "عليًّا" هو المفعول به غير المباشر، "مستلِم" أو recipient المفعول به المباشر، وهذا رغم أن هذا النحو لا يتعرَّف على المسند إليه فى هذا المفعول به عندما يتحول إلى نائب الفاعل فى المبنى للمجهول.
وإذا اعتبرنا أن عناصر الجملة هى المسند إليه (أو الفاعل)، والفعل، والمفعول به المباشر، والمفعول به غير المباشر (ويمكن أن نسميه أيضا المفعول إليه)، ومتمم المسند إليه، ومتمم المفعول به المباشر، فإن النحو العربى هو الذى اكتشف وجود هذه العناصر فى النحو العربى الجمعى قبل العلمى كما أنه بلورها وصقلها وطورها استقرائيا رغم التشويه الذى لحق بالكثير منها، وهذا ما يقرّ به كثير من النحاة المحدثين الذين حاولوا إصلاح هذا النحو.
وهذا يعنى باختصار أن النحو العربى بالمعنى الدقيق كان منذ الخليل ابن أحمد، وعلى أيدى كل علماء النحو، علم بناء الجملة العربية وليس علم أحوال الإعراب كما قيل، وهذا رغم الأخطاء التى شوهت مفاهيم عناصر بناء الجملة ومفهوم الجملة ذاتها، وكذلك رغم دوران علم النحو العربى حول الإعراب بحكم ظروف نشأته التى ساد فيها اللحن الإعرابى والخوف من نتائجه على اللغة والدين كما سبق القول.
على أن دوران النحو حول الإعراب كانت له، رغم منجزاته فى مجال بناء الجملة، أضرار فادحة على مدى التركيز على الجملة وعناصر بنائها بصورة أدت إلى ضمور هذا البحث النحوى الذى هو جوهر النحو، كما أدى تقديس نحو النحاة إلى استعباد علماء النحو جيلا بعد جيل، فلم يكن أمامهم سوى تسويد جبال من الورق ببحار من الحبر ليكرروا بصورة متواصلة، جيلا بعد جيل، نفس ما قيل فى القديم دون اجتهاد حقيقى . فالنحو الذى نشأ باعتباره مدافعا عن اللغة والدين وحارسا لهما ضد اللحن وأخطاره كان من المنطقى أن يفرض ديكتاتوريته وديكتاتورية علمائه، هذه الديكتاتورية التى كانت بحاجة لكى تتواصل إلى أن تمنع الاجتهاد وأن تستعبد علماء النحو أنفسهم، كما يفعل كل منع للاجتهاد، وكل قمع لحرية البحث العلمى. وهكذا فلكى يستمر العلماءُ، سدنةُ النحو، سادةً للنحو كان لا مناص من أن يرتضوا بأن يكونوا عبيدا للنحو، وصارت مهمتهم حراسة نحو النحاة بعيدا عن النحو الحى فى اللغة الحية بل ضد هذا النحو رغم أنه الأصل الحقيقى والمرجع النهائى لنحو النحاة.
وكانت النتيجة المنطقية لكل ذلك هى انفصال النحو عن الحياة، وعن لغة الحياة (وأنا لا أقصد ما يسمى بالعامية ولا أعنى إسقاط الإعراب بل اللغة بكل مستوياتها كما تستخدمها الجماعة الناطقة بها)، ويؤدى انفصال النحو عن لغة الحياة وتعاليه عليها مع إقفال كل باب للاجتهاد إلى خلق وَهْم مؤداه أن النحو علم علوىّ لا يتصل بالجماعة اللغوية ولا يحتاج إلى العودة المتواصلة إليها.
ويحتاج علم النحو إلى العودة إلى النحو الجمعى لسببين على الأقل، من ناحية لتصحيح مفاهيمه الأصلية كلما أدرك علم النحو أن هناك ما يدعو إلى إصلاح أسسه ومفاهيمه أو حتى فرعياته وتفريعاته، لأن علم النحو هو ابن زمانه ويدعوه تقدم العلم بوجه عام إلى تطوير نفسه لأن من الصعب تماما أن "يبدأ" علم النحو بمفاهيم صحيحة بصورة مطلقة. ومن ناحية أخرى، وهذا هو السبب الآخر، لا تقف اللغة فى مكانها ولا يقف النحوالجمعى، المنطق الفعلى لتلك اللغة، فى مكانه. وعلى هذا يمكن أن نتصور أن يعمل علم النحو على متابعة واستيعاب التغيرات النحوية التى لا مناص من حدوثها إنْ لم يكن فى الأصول فعلى الأقل فى الفروع.
ولنتصورْ، رغم صعوبة هذا التصور، أن النحو العربى بدأ كاملا مكتملا، كعلم نضج واحترق كما قيل قديما، ولنتصورْ أن نضجه هذا كان باعتباره علم بناء الجملة وأنه توصل إلى مفهوم صحيح للجملة وإلى مفهوم صحيح عن عناصر أو مكونات الجملة وعن مرونة ترتيب عناصر الجملة فى نسق الإعراب وتقييد هذا الترتيب فى حالة إسقاط الإعراب (وهو البديل المنطقى والتاريخى الوحيد للإعراب فى كل لغة وليس فى اللغة العربية وحدها)، ولنتصورْ أنه توصل إلى اكتشاف كامل لأشكال تحقيق كل عنصر من عناصر الجملة وأنه اكتشف بالتالى الخريطة الكاملة النهائية لكل نماذج الجمل الممكنة.
فى هذه الحالة يمكن أن نتصور أن علم النحو لن يحتاج إلى إعادة النظر فى نفسه، فى أسسه ومفاهيمه، وأنه سيحتاج فقط إلى متابعة واستيعاب التطور النحوى فى الفروع والفرعيات. لماذا؟ لأن النحو الجمعى السليقى وعلم النحو المتطابق معه يتصفان بأنهما باقيان على حالهما ما بقيت اللغة على حالها وما بقى بناء الجملة على حاله. وهذه السمة المتمثلة فى البقاء الطويل الأمد للنحو ترجع إلى بساطة النحو وعلم النحو بالمقارنة مع الظواهر والعلوم اللغوية الأخرى. فالنحو هو أبسط نواحى اللغة، كل لغة، ومن هنا بقاؤه الطويل الأمد. والنحو الجمعى لا يتغير من الناحية الجوهرية، أىْ من حيث الجملة وعناصر بنائها، لأنه "محاكاة" مباشرة للحياة البشرية واللغة التى تعكسها، ومن هنا فإن النحو العلمى حقا لن يحتاج إلى تغيير نفسه متى تجسدت علميته فى بساطته وفى تطابقه مع النحو الجمعى. وفى بساطة النحو يكمن سرّ من أهم أسراره وهو أنه واحد فى كل اللغات، وكما قلت فى كتابات سابقة لى فإن النحو واحد كالبحر الواحد الوحيد على كل الأرض الذى نسميه بالبحر الأبيض هنا وبالبحر الأحمر هناك وبالبحر الأسود فى مكان ثالث وفى غيره بالمحيط الهادى وفى غيره ببحر العرب وفى غيره ببحر الصين. ومهما تحدثنا عن نحو عربى أو إنجليزى أو صينى فإن النحو فى كل اللغات واحد وحيد، فهو يتمثل دائما فى الجملة وبنائها من عنصر المسند إليه وعناصر المسند وهذا المسند قد يتكون من معظم أو بعض العناصر المستعملة فى بناء الجملة غير المسند إليه وهى عناصر الفعل، والمفعول به المباشر، والمفعول به غير المباشر، ومتمم المسند إليه (مع الفعل الرابط copula)، ومتمم المفعول به المباشر (مع أفعال ظن وأخواتها أو مع أفعال أعلم وأرى وأخواتهما وهى أفعال أعطى وأخواتها ذاتها بإضافة المتمم).
وهذه العناصر حتمية فى اللغات ولهذا فإن نماذج الجمل أو نماذج الأفعال كما تسمى أيضا تظل هى هى فى كل اللغات فيما يبدو وفى اللغات القريبة منا كالأوروپية بكل تأكيد. صحيح أن أشكال تحقيق كل عنصر قد تختلف فى بعض الفرعيات غير أن الحقيقة هى أن النحو واحد وحيد فى كل اللغات بل فى كل لغة بشرية متطورة ممكنة فى كل عالم من العوالم الممكنة فى هذا الكون الشاسع.
لماذا؟ لأن الحياة البشرية المتماثلة تعبر عنها لغات بشرية متماثلة تشتمل على نحو واحد، رغم المفردات المختلفة للأسماء المختلفة لهذا النحو وللجملة وعناصرها باختلاف اللغات.
فهل تحتاج وحدة حياة البشر، أو تماثلها، بقدر ما تنعكس فى اللغات، إلى محاولة إثبات؟ لا أعتقد هذا ولكننى سأوضح الآن ما أعنيه.
يعيش البشر حياة مترابطة النواحى والحلقات وتواجههم حياتهم ببيئتها الطبيعية والاجتماعية بآلاف وعشرات الآلاف من الأشياء: المأوى الذى يعيشون فيه، والجبل الذى قد يكون خلفه، والبحر أو النهر الذى قد يجرى أمامه أو على مبعدة منه، وهناك بشر وحيوانات ونباتات وحشرات، وهناك نجوم فى السماء وشمس وقمر، وهناك حرّ وبرد. هناك صفات من ألوان من الأصفر والأخضر والأحمر وغير ذلك ومن الأطوال والأحجام والكبر والصغر ومن الطباع من شراسة ووداعة. إذن هناك أشياء لا حصر لها وصفات لا حصر لها. ويسمى الناس هذه الأشياء بأسماء هى كلمات ويعطون للصفات كلمات ويأخذون فى اعتبارهم النوع والعدد وغير ذلك، وهم يمارسون أنشطة كما يرون ما يقع للأشياء، فهم يأكلون ويشربون ويرون ويعرفون ويجهلون وهم يرون الماء يجرى والشمس تشرق وتغيب والنجوم من بعيد تلمع ويرون الطير يطير والزواحف تزحف. ويدرك الناس أن لديهم أسماء للأشياء والمشاعر وأن لديهم صفاتٍ وأوصافا تتميز من الأسماء، ويدركون أن للكلام أو الكلمات أقساما ويعرفون أن الاسم غير الضمير وأن هناك أدوات متمايزة للعطف والتعريف والتنكير، ويدركون أن أنشطتهم أفعال. والإنسان كنوع يأكل ويشرب ويقرأ ويكتب ويحب ويكره ويضرب ويقتل كما أنه يدرك تمايز هذه الأفعال. وهو يدرك أن الأشياء والحيوانات والنباتات تحدث منها أو لها أو تقع عليها أحداث ويدرك أن هذه الأحداث أيضا أفعال.
والمهم أن الناس جميعا وفى كل البيئات يفعلون نفس الأشياء. وإذا فكرنا فى المجتمعات الموجودة فى مناطق وأقاليم الوطن العربى نفسه أو تلك التى رأيناها أو قرأنا أو سمعنا عنها سنجدها عاشت نفس الحياة، أكلوا وشربوا وقتلوا وأحبوا وعبدوا وأدركوا أن هذه الأنشطة أفعال وأن لها تصنيفات وأدركوا أنهم، بلغتهم، استخرجوا من هذه الأفعال حجما ضخما من أسماء مصدرية ومشتقة وصفات مشتقة فى معاجمهم الحية. ولديهم جميعا إدراك بالجهات وبفوق وتحت وأمام وخلف ويمين ويسار وماض وحاضر ومستقبل، وتعبر لغاتهم جميعا عن هذه الأشياء. وهذه الحلقات المترابطة فى الحياة واللغة منها الضروريات المستمرة ومنها خصوصيات الزمان والمكان. هناك تغيرات مع التقدم أو التراجع الاجتماعى غير أن صفاتهم البيولوچية تجبرهم على الدوام على الغذاء والإخراج والنمو والرؤية والتفكير والإحساس والإدراك، كما أن أوضاعهم الاجتماعية تجعل التعاون والتضامن والتفاهم والتباغض والحرب والحب والكراهية والاضطهاد والقهر والطموح وغير ذلك أشياء لا تفارقهم، وقد تخلو بيئة من النهر والشجر وقد تكون بيئة ما مدارية أو معتدلة وقد تختلف أشياء عديدة، غير أن هناك حياة مترابطة النواحى تعبر عنها لغة متمفصلة الحلقات. وإذا عبرنا عن هذه الحقائق اجتماعيا لقلنا إن حياة البشر متماثلة جوهريا فى نفس مسار التطور الاجتماعى حتى إذا انعزل جانب من البشر كهنود أمريكا إلى أن اكتشفهم العالم القديم. لقد بنوا حتى الأهرامات فى عزلتهم كما فعل العالم القديم فى عصوره القديمة. ويمكن القول إن الحاجات البيولوچية والجغرافية (على تنوعها) والاجتماعية (التى يصنعونها بأنفسهم ولكنْ تواجه كل جيل جديد منهم كمعطى موضوعى) تدفعهم إلى حياة متماثلة ومن هنا وحدة الإنسان وعالميته. ويتمثل ما يوجِّه كل هذا المسار فى وحدة طبيعة الإنسان التى تتمثل فى الانفتاح الدائم على التطور والرقى والتقدم.
وإذا عبرنا عن كل هذا لغويا فإننا سنجد أننا أمام معاجم حية غير مكتوبة (قبل ظهور معاجم العلماء وبالطبع بعد ظهورها أيضا). وهذه المعاجم الحية بمختلف اللغات تسمى نفس الأشياء، نفس الشمس ونفس القمر ونفس النجوم، نفس البحر والنهر والجبل (رغم اختلاف البحار والأنهار والجبال)، نفس الحيوانات والنباتات والحشرات حتى إنْ اختلف الكثير جدا منها باختلاف المناطق الجغرافية، ونفس المشاعر من حب وكره، ونفس الإدراك من علم وجهل، ونفس الجوع ونفس الشبع، ونفس الخبز ونفس الماء. وعندما ظهر العلم المعجمى وظهرت المعاجم اتضحت كل هذه الحقائق، وعندما ظهرت المعاجم الثنائية اللغة اتضح أنها كلمات مختلفة موضوعة لنفس الأشياء واتضح أن قابلية الترجمة من لغة إلى أخرى آية من آيات وحدة البشر والحياة البشرية واللغة البشرية، ومع تقدم الإحصاءات المعجمية وتقدم علم الآثار أخذ يتضح أن الإنسان الكرومانيونى، أىْ إنسان أرسطو الناطق، أو الإنسان كما نعرفه اليوم، نشأ فى منطقة واحدة بلغة واحدة ثم انتشر على وجه الأرض، حيث قضى على الإنسان النياندرتالى فى كل مكان ونشر لغته التى هى لغة الإنسان الجديد المنتصر حيث اختفت لغة الإنسان النياندرتالى مع اختفائه.
وفى الزمن الطويل المنقضى إلى الآن تمايزت اللغات فى مناطق عزلتها وبدا الأمر وكأنها لا تنتمى إلى أصل واحد. ومثلما يتصور الطفل منا، أو الجاهل الملتصق ببيئة بدائية، أن لغته هى اللغة الوحيدة فى هذه الدنيا إلى أن يكتشف فيما بعد وجود لغات أخرى، اكتشفت العلوم اللغوية المعنية أولا ما هو مشترك بين مجموعة من مجموعات اللغات، واكتشفت فيما بعد أن لهذه المجموعات بدورها أصولا مشتركة، أىْ أنها تنتمى إلى مجموعات قليلة أشمل منها، واكتشفت فى وقت لاحق، أو أن عليها أن تكتشف بصورة شاملة، أن كل هذه اللغات بكل مجموعاتها تنتمى فى الأصل إلى لغة واحدة ما زالت أصداؤها تتردد عبر عشرات الآلاف من السنين فى الكثير من اللغات إلى يومنا هذا.
فإذا صحت هذه النظرية ذات النفوذ الكبير اليوم عن نشأة الإنسان الكرومانيونى فى منطقة واحدة فإن اللغات الحية حاليا وتلك المنقرضة ترجع جميعا إلى أصل واحد، إلى لغة واحدة. أما إذا صحت النظرية الأخرى ذات النفوذ أيضا عن نشأة الإنسان الكرومانيونى فى عدد من المناطق بصورة متزامنة فإنها ترجع إلى أصول قليلة العدد. وهناك بالطبع النظرية الثالثة التى تقول باندماج الإنسان الكرومانيونى مع الإنسان النياندرتالى ونشوء اللغات الهجينة من أصول لغات كرومانيونية ونياندرتالية. ومهما يكن من شئ فإن وحدة النحو لا تتوقف على وحدة نشأة الإنسان فى منطقة واحدة بلغة واحدة بل تنتج عن تماثل الحياة البشرية التى تعبر عنها اللغات جميعا.
وكما سبق القول فإن النحو واحد فى كل هذه اللغات. وفى كل لغة يكون النحو الجمعى هو الأصل والمرجع لنحو النحاة. ويدعونا هذا إلى وقفة وجيزة عند هذا التمييز بين النحو وعلم النحو، وعند مغزى وفائدة هذا التمييز، وهذا فى كل اللغات وليس فى لغتنا العربية وحدها.
لقد صار الآن واضحا جليا أن الوعى النحوى، الشامل والدقيق، موجود لدى الجماعة الناطقة باللغة، لدى كل أفرادها الأصحاء العقل، ولا التباس لديهم فى قواعد هذا النحو، ونظرا لظهور النحو كعلم لغوى متميز فى مرحلة تأتى بعد عشرات وعشرات الآلاف من السنين (فى حالة اللغة كما نعرفها اليوم)، نستطيع القول إذن إننا إزاء نوعين من النحو فى كل لغة: النحو الموضوعى، الجمعى، السليقى، النحو باعتباره منطق وعناصر وقواعد بناء الجملة، لدى الجماعة الناطقة باللغة، بكل أفرادها من ناحية، والنحو الوضعى، العلمى، أىْ نحو النحاة من ناحية أخرى. وينظر، أو ينبغى أن ينظر، نحو النحاة إلى النحو الموضوعى الجمعى السليقى باعتباره الأصل والمنبع والمرجع دوما، وعليه بالتالى أن يتعلم منه ويصحح ويطور نفسه بالرجوع إليه كلما أبرز تقدم المجتمع أو تطور الفكر أو تغير اللغة ضرورة ذلك التطوير.
وعلى هذا فإن علم النحو يجد نفسه، عند نشأته، إزاء مصدرين ينهل منهما مفاهيمه وتصنيفاته وأسسه وقواعده الأولى. إنهما النحو الموضوعى الذى تحدثنا عنه، كما تحقق فى وعى كل أفراد المجتمع، وكما تجسد أيضا فى وعى هؤلاء الرواد لعلم النحو أنفسهم، أىْ علماء النحو، مبدعى نحو النحاة، باعتبارهم من أبناء نفس اللغة وحاملين لنفس الوعى النحوى الجمعى السليقى. أما المصدر الثانى فهو تاريخ من الاجتهاد النحوى الذى يختص به أفراد تيسروا لهذا النوع من الاهتمام اللغوى طوال تاريخ طويل. وهذا الاستيعاب النحوى الشفاهى المتميز من جهة من النحو الجمعى ومن جهة أخرى من نحو النحاة، من النحو المكتوب هو المصدر الثانى لرواد علم النحو وهو الجسر الوطيد الموصِّل بين النحو الموضوعى والنحو الوضعى. وينطبق الشئ ذاته على الإعراب السليقى، الأصلى، الجمعى، الموضوعى، والإعراب باعتباره مجموع دراسات وأبحاث واستقراءات وتفسيرات النحاة الخاصة بالإعراب (للتمييز أساسا بين الفاعلية والمفعولية كما يقول ابن جنى).
ولكنْ ما أهمية أو مغزى أو فائدة هذا التمييز رغم أنه لا غبار عليه فى حد ذاته؟ وأقول بإيجاز إن هذا التمييز ضرورى جدا لتطوير نظرة علمية حقا إلى علم النحو، نظرة تجرده من أوهامه عن نفسه وتحرر أفراد الجماعة اللغوية من تقديسهم لهذا العلم بغثه وسمينه، بمنجزاته الحقيقية وبإخفاقاته المروِّعة، وبالتالى من أجل فتح الطريق أمام تطوير علم النحو، وحلّ مشكلاته، وتهيئته لجعل المعالجة الآلية للمعلومات بلغتنا أمرا ممكنا حقا. فاليوم لم يعد بوسع جماعة من البشر أن تواصل مجرد البقاء بدون اللحاق بالحضارة الرأسمالية الحاضرة (رغم طابعها العبودى والضرورة التاريخية لتخطيها اجتماعيا). كذلك فإن هذه الجماعة البشرية لن تكون قادرة على مجرد البقاء أيضا بدون تطوير علومها اللغوية وبالأخص علم النحو الذى صار أداة لا غنى عنها لهذه الحضارة أو لتجاوزها إلى مجتمع إنسانى حقا.
وعندما وضع أبو الأسود الدؤلى علم النحو، وفقا لبعض الروايات، وقيل بإشارة من على، فقد نهل هو ومن تبعه من المصدر الأول أىْ النحو الموضوعى الجمعى السليقى غير أنهم تعلموا أيضا من المصدر الثانى أىْ النحو الشفاهى (غير المكتوب والسابق على ظهور الكتابة، وكان هذا حال كل العلوم، فحتى علم العروض الذى أنشأه الخليل ابن أحمد الفراهيدى لم يكن أول كلمة تقال فى هذا العلم، بل كان استمرارا لعلم العروض الشفاهى الذى كان موجودا قبله بزمن طويل طول زمن وجود الشعر ذاته. وهذا ما نجده فى كل علم طبيعى أو اجتماعى أو لغوى).
ولا يهدف هذا الكتاب، وليس من حقه أن يهدف، إلى تغيير حقائق وقواعد اللغة العربية أو النحو العربى الجمعى أو الإعراب الجمعى السليقى، بل يريد أن يعيد النظر بعمق فى نحو النحاة، فى النحو الوضعى، ليس باعتباره نحوا تتمثل مشكلته الوحيدة فى أنه نحو صحيح تماما غير أنه معقد يحتاج إلى تبسيط وتيسير وتسهيل، بل باعتباره ابن زمانه ويحتاج بالتالى إلى التجديد والتصحيح والتطوير، للعودة به إلى بساطة منبعه الحقيقى، إلى اللغة العربية ومنطقها الداخلى، إلى البساطة التى لا مبرر لتعقيدها، إلى البساطة التى هى سمة النحو بالذات فى كل اللغات، بالطبع فى مفاهيمه وتصنيفاته الأكثر ضرورية للاستخدام السليم للغة من جانب كل أفراد الجماعة اللغوية، مع الاعتراف بوجود جوانب قد يختص بها علماء النحو ودارسوه وطلابه على أعلى المستويات باعتباره استقصاءً تفصيليا لا تستوعبه إلا ذاكرة المتخصصين، ومع الإقرار بأن تطويع هذا النحو للمعالجة الآلية للمعلومات إنما هو فرع علمى معقد يجمع بين علوم اللغة ومنها النحو وعلم الكمپيوتر، وليس من المتصور أن يستوعبه كل أفراد الجماعة اللغوية مهما استفادوا بثماره.
ولن أستعرض تتابع موضوعات فصول الكتاب، ويكفى إلقاء نظرة على فهرس المحتويات لمعرفتها. وسأكتفى بالإشارة إلى فصل من فصوله الأخيرة يعرض عرضا نقديا أعظم محاولة فى القرن العشرين لتجديد النحو العربى، وقد قام بهذه المحاولة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ووزارة المعارف العمومية، وتجسدت فى القرار التاريخى للمجمع المذكور فى عام 1945 كما تجسدت فى كتاب "تحرير النحو العربى" الذى صار مقررا على طلاب المدارس الإعدادية فى مصر فى منتصف الخمسينات، وهى المحاولة التى قضى عليها أعداء تطوير النحو العربى، كما سهّل عليهم القيام بهذه المهمة ما كانت تنطوى عليه تلك المحاولة من نقاط ضعف سوف نتناولها فى الفصل المعنىّ، إلى جانب مآثرها ومنجزاتها التى ستظل منارة يستضيئ بها ويسترشد كل من يتطلع حقا إلى تطوير النحو العربى، بدلا من دعاوى تجديد النحو الملصقة على كتابات وكتب هى استمرار مباشر لمسار التكرار المتواصل البدائى الطابع لما سبق قوله تقديسا لعلم النحو والنحاة كوسيلة لفرض القيود الثقيلة على حرية البحث العلمى فى مجال النحو العربى، ولمنع كل اجتهاد فيه.
پيزا – روما، إيطاليا
8-15 أكتوبر 2008






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المادة الثانية من الدستور المصرى الدائم (دستور 1971) والعلاق ...
- بين الثورة السياسية والثورة الاجتماعية مقدمة خليل كلفت لترجم ...
- ماذا يعنى حل مجلسى الشعب والشورى؟ [فى مصر]
- الشعب المصرى يريد إسقاط النظام
- ثورة تونس نحو الاستقلال الحقيقي والتنمية الحقيقية


المزيد.....




- الأناضول: فنان فرنسي ينوي اللجوء إلى تركيا
- كاريكاتير -القدس- لليوم الجمعه
- حفل الأوسكار ينطلق من محطة قطارات بلوس أنجليس
- مغنية راب أمريكية تنتقد عضوا بالكونغرس وصف أداءها بغير المحت ...
- سفير المغرب بالمكسيك يتباحث مع رئيس مجلس الشيوخ
- بعد خرجة وهبي.. رسالة توضيحية مشفرة من اخنوش الى مهاجميه
- صور عن وجع عوائل سجناء فلسطينيين تفوز بجائزة عالمية
- أولمبياد طوكيو 2020 : لماذا استبدلت روسيا نشيدها الوطني ب ...
- شاهد: بثوب من القبلات الحمراء.. فنانة صينية تنشر الحب والوعي ...
- -مقدمة لدراسة بلاغة العرب- تأليف أحمد ضيف


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خليل كلفت - مفهوم النحو (مقدمة عن العلم وموضوعه ( مقدمة بقلم: خليل كلفت لكتابه: من أجل نحو عربى جديد