أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - خليل كلفت - الشعب المصرى يريد إسقاط النظام















المزيد.....


الشعب المصرى يريد إسقاط النظام


خليل كلفت

الحوار المتمدن-العدد: 3275 - 2011 / 2 / 12 - 01:50
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
    


الشعب المصرى يريد إسقاط النظام
بقلم: خليل كلفت

1: تتواصل الثورة المصرية الكبرى بادئة أسبوعها الثالث وهى تزداد انتشارا واتساعا وعمقا ونضجا وتهز مصر والعالم العربى والشرق الأوسط والعالم، تهز عروش الديكتاتورية المصرية وشقيقاتها الديكتاتوريات العربية وكل ديكتاتورية فى العالم الثالث، عروش الرؤساء والملوك والأمراء والسلاطين، وكذلك عروش الأسياد والأباطرة الإمبرياليين.
2: وخلال الأسبوعين السابقين من الثورة تطورت الانتفاضة الشبابية السياسية إلى ثورة شعبية كاملة الأوصاف بحجمها العملاق الهائل حيث شملت الشعب المصرى فى كل أنحاء مصر بكل طبقاته الدنيا والصغيرة والمتوسطة وقواه السياسية بأحزابها التى تتعاون قياداتها مع النظام ضد إرادة قواعدها ومختلف الحركات والتجمعات والجمعيات والجبهات السياسية والمدنية وامتدت إلى الإخوان المسلمين الذين سرعان ما تخلوا عن موقفهم السلبى إزاء بلطجة النظام أثناء الانتخابات النيابية فانضموا إلى الثورة بكل قوتهم فعززوا قوة وصمود واندفاع وصلابة الثورة كما عززت الثورة قوتهم سياسيا وتنظيميا وجماهيريا. كما تأتى كل فئات الشعب على أرضية الثورة السياسية بمطالبها الاجتماعية والاقتصادية والفئوية والنقابية وتتجه إلى إضرابات واعتصامات العمال ومختلف فئات العاملين، وهى ثورة تتطلع إلى حياة كريمة ومستويات معيشة لائقة بدلا من حياة القهر والعشوائيات والقبور تحت خط الفقر.
3: وهى ثورة سياسية بامتياز حيث تركزت أهدافها الأساسية كما عبرت شعاراتها على إسقاط النظام مطالبة بالحرية والعدالة، وبرزت فى المقدمة الشعارات المطالبة بإسقاط الرئيس مبارك، والدستور، والبرلمان بمجلسيه، والحزب الوطنى الحاكم، وقانون الطوارئ، والفساد، بالإضافة إلى المطالبة بالعدالة بالمستويات المعيشية اللائقة، والحياة الكريمة، والأجور العادلة، والقضاء على البطالة الواسعة النطاق، والاستغلال الوحشى، والغلاء الفاحش، والتضخم الجامح، والأسعار المسعورة، وغير ذلك. وبكل هذا صارت مصر تشهد ثورة ربما كانت هى كبرى الثورات الشعبية (التى من نوعها) طوال العصر الحديث على ظهر الكوكب بأكمله. وعلى هذا النحو تحقق المكسب الكبير واليقينى الأول للثورة منذ اليوم الأول والأيام الأولى ألا وهو عودة الروح إلى الشعب الذى سيكون على كل نظام حاكم فى المستقبل أن يعمل له ألف حساب فى كل الأحوال، والذى سوف يبنى حياته الجديدة فيما نأمل وفقا لمقتضيات مصالحه الأساسية فى التغيير الجذرى لشكل الحكم من خلال جمهورية برلمانية وليست رئاسية، وفى إقامة الديمقراطية الحقيقية من خلال التفاعل الفكرى والسياسى والثقافى الواسع النطاق والعميق والفاعلية الحرة من كل القيود للأحزاب والنقابات وكل أشكال وأنواع الاتحادات والروابط والجمعيات، وفى تحقيق الاستقلال الحقيقى والتنمية الاجتماعية-الاقتصادية الشاملة وصولا إلى إنجاز الثورة الاجتماعية.
4: والشعار الأساسى لهذه الثورة هو: الشعب يريد إسقاط النظام. فماذا يعنى النظام؟ وماذا يعنى إسقاطه؟ ولعل من الملائم أن نقول إن النظام إنما يعنى فى هذا السياق عدة أمور أساسية منها شكل الحكم المتمثل حاليا فى نظام الحزب الواحد الذى ورث الاتحاد الاشتراكى القديم مهما سمح إلى جانبه بقيام أحزاب ديكورية هزيلة بحكم التضييق البوليسى والإدارى والقانونى عليها مع ترسانة من القوانين والترتيبات التى تحظر التأسيس الحر للأحزاب وغيرها من أدوات النضال السياسى والاجتماعى والاقتصادى والنقابى والفكرى، مع ترسيخ هياكل وآليات شاملة لتزييف إرادة الشعب فى الانتخابات العامة والمحلية كل عدة أعوام عن طريق التزوير والبلطجة والترويع وشراء الذمم والقيود التشريعية والقانونية غير الدستورية، وفى ظل وكنف مثل هذا الشكل الديكتاتورى البوليسى للحكم تنمو وتعشش كل أشكال وأنواع الفساد، هذا الفساد الذى أمسك بخناق المجتمع المصرى من رأسه إلى أصابع أقدامه، وهو فساد لا يقتصر على شكله الرئيسى المتمثل فى تكوين الثروات الطائلة التى تتكدس فى بنوك سويسرا وغيرها بفضل الاستغلال الفاحش واللصوصية والنهب على أوسع نطاق، وبالأخص من خلال الخصخصة التى تمت بأساليب لصوصية للقطاع العام وأملاك وأراضى الدولة، بل يمتد هذا الفساد إلى كل مناحى ومجالات الحياة العامة بصورة شاملة من خلال الرشاوى فى كل خطوة واستغلال النفوذ فى كل معاملة. والحقيقة أننا، كما سبق القول، إزاء ثورة سياسية لن يتحقق نجاحها إلا بإسقاط هذا النظام بشكل حكمه الديكتاتورى وبكل آليات فساده وبكل رجاله وبكل تراكم ثرواته من خلال التأميم والمصادرة واسترداد أموال الدولة التى هى أموال الشعب. ورغم الأهمية الحاسمة لشكل الحكم فإن إسقاط النظام يعنى ضمن ما يعنى هدمه وبناءه بالكامل ليس بشكل الحكم فحسب بل بكل نتائج عقود طويلة من تراكم الثمار المرة للفساد فى ظل كل الرئاسات السابقة والذى بلغ ذروته فى ظل رئاسات الرئيس محمد حسنى مبارك.
5: ونتجة للحجم الهائل للثورة وسرعة انتشارها واستمرارها العنيد بصورة يومية وفشل المواجهات الأمنية الأولى، اضطر النظام إلى سلسلة من التنازلات تتواصل مع تواصل الثورة، بخطوة تنازل حقيقى أو شكلى مع خطوة أو خطوتين أو أكثر من التصعيد الثورى، على أمل وضع حد لها، بدأت بتعيين رجل المهام الصعبة، اللواء عمر سليمان، مدير المخابرات العامة، نائبا للرئيس بعد ثلاثين عاما من رفض أىّ حديث عن نائب له، بإقالة حكومة نظيف وتكليف الفريق أحمد شفيق، وزير الطيران المدنى، بتشكيل حكومة جديدة، جمعت بين عدد من وزراء حكومة نظيف وعدد آخر من الوزراء الجدد الذين انضموا إليها مدفوعين بمصالحهم أو بطموحاتهم الشخصية وعبوديتهم الذليلة إزاء النظام حتى فى مثل هذه اللحظة، ويجدر بالذكر أن سليمان وشفيق من أقرب المقربين من الرئيس وكانت الشائعات ترشحهما لخلافة مبارك للقيام بدور "المحلل" قبل التوريث، على طريقة پوتين وميدڤيديڤ قبل "التمديد" بالعودة إلى الرئاسة الروسية. ولأن هاتين الخطوتين لم تكونا كافيتين أمام تواصل الثورة بمزيد من الاندفاع جاءت خطوة تعهُّد مبارك بعدم ترشيح نفسه، وتأكيد عمر سليمان أن جمال مبارك بدوره لن يرشح نفسه للرئاسة. والخطوة التى تمثل التنازل الحقيقى الوحيد بين هذه الخطوات هى التنازل عن الترشيح أىْ وضع حد لمخططات التمديد أو توريث الأبناء والإخوة والأصهار، أىْ وضع حد لمشاريع الجمهوريات الملكية، فى العالم العربى، والعالم الثالث، وقد صار هذا يقينيا بعد الثورة فى تونس ومصر. أما تعيين النائب وإقالة الحكومة فإنهما مثل كل الخطوات التالية مناورات خادعة يتمثل محتواها الحقيقى فى التسلح بأدوات ووسائل إضافية لتحقيق الهدف الكبير للنظام فى هذه الفترة وهو إنقاذ النظام بالتضحية بمبارك وأسرته وببعض كباش الفداء الأخرى من الوزراء ومسئولى الأمن والحزب الوطنى وبعدد من رجال أعمال. وصار إنقاذ النظام يتمثل فى الاحتفاظ بدستوره ومؤسساته عن طريق "ترقيع" المؤسسات التى تطالب الثورة بإسقاطها وإلغائها وإبطالها: الاحتفاظ بالدستور عن طريق ترقيعه بدلا من إلغائه ليحل محله دستور جديد من إملاء الثورة الشعبية؛ الاحتفاظ بالبرلمان (بمجلسيه) عن طريق الترقيع من خلال قبول عدد لا يستهان به من الطعون المرفوعة على انتخابات مجلس الشعب بحيث يحتفظ النظام فى البرلمان بأغلبية جاهزة للدفاع عن معظم القيود غير الدستورية فى الدستور المصرى؛ الاحتفاظ بالحزب الوطنى كأداة للحكم قبل وبعد مبارك بترقيعه ببعض العناصر التى قد تبدو إصلاحية مع تقديم كباش الفداء المتمثلة فى جمال مبارك وأحمد عز ومعيتهما؛ بالإضافة إلى الاحتفاظ بقانون الطوارئ إلى الآن لمواجهة احتمالات استمرار وتصاعد الثورة واحتمالات قمعها بقسوة وحشية عند الضرورة بالاستناد إلى هذا القانون مع أن الدستور القائم يقدم موادَّ كافية للقمع ومع أن القوانين القمعية بمختلف أنواعها جاهزة للعمل. ويعنى هذا أن النظام، الذى يقدم أيضا رشاوى أخرى كعلاوات هزيلة على الأجور الأساسية، أو كتطمينات على عدم ملاحقة المحتجين العائدين إلى منازلهم، وما إلى ذلك، لا يقدم أى تنازل حقيقى أبعد من التنازل عن مشروع الجمهورية الملكية التى تقوم على التمديد والتوريث، فلا تعدو تنازلاته عن أن تكون رشاوى هزيلة ووعودا خادعة ومناورات غبية يتصور النظام أنها قد تكون تكتيكات منقذة.
6: وبهذا الاستقطاب الحاد المتمثل، من جانب، فى إصرارالثورة على تحقيق حزمة مطالبها بالكامل، ومن جانب آخر فى رفض النظام للاستجابة لأىّ مطلب جوهرى منها وبالأخص وأولا وقبل كل شيء مطلب الرحيل الفورى للرئيس، وهو مختلف عن بقائه حتى نهاية مدة رئاسته، حتى مع تفويض نائبه بسلطات رئيس الجمهورية، تنفتح هوة عميقة بين النظام الذى يحارب من أجل استقراره والشعب الذى يناضل ويثور من أجل التغيير فى سبيل الحرية والعدالة. وينبغى أن نتوقف هنا قليلا لتحليل هذه العقدة المستعصية التى يعمل النظام وطرف ثالث يتمثل فى القوى والأحزاب السياسية على حلّها. (بعد أن كتبت ما سبق حدث تطوران جديدان مترابطان: التطور الأول هو تصاعد الثورة بمضاعفة ملايينه وتوسيع انتشاره فى العاصمة وفى كل أنحاء البلاد ومحاصرة كل المراكز والمقار الحساسة للنظام واتساع نطاق إضرابات العمال والعاملين والنضالات الاقتصادية والنقابية والمطلبية، والتطور الثانى هو اضطرار الرئيس تحت ضغط تصاعد الثورة إلى تفويض سلطاته لعمر سليمان، بالطبع مع احتفاظه فى الظل بمنصبه، ودخول الجيش على الخط ببيانه رقم 1، وكان رد الثورة على هذه الخطوة المزدوجة هو التصعيد الذى كان مقررا على كل حال فيما سمى بجمعة الرحيل). وإذا حاولنا استئناف تحليل هذه العقدة المستعصية فى ظل استقطاب حاد بين النظام والشعب (وبالطبع فإن الوسطاء لا يمتنعون) نلاحظ أن التراجع الكامل أو شبه الكامل خط أحمر فى نظر الطرفين، فالنظام يخسر فى تلك الحالة كل شيء: يخسر الرئيس فى حالة التنحِّى الذى تطالب به الثورة فيخسر بذلك رمز تماسكه خلال الأزمة، وكذلك غطاء الشرعية الدستورية المزعومة التى قد يحتاج إليها النظام خلال الفترة الباقية على مدة رئاسته لأن التفويض لا يشمل كل سلطات رئيس الجمهورية، كما يخسر الأدوات الدستورية والتشريعية والأغلبية الحزبية فى حالة إسقاط الدستور والبرلمان (بمجلسيه) والحزب الوطنى، وينفتح الباب بالتالى أمام الشرعية الثورية التى يمكن أن تحرم النظام من هدفه الأكبر وهو إنقاذ نفسه بدون رأسه كحد أقصى وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مصالح وأموال ورجال. كما يخسر الشعب ثورته ذاتها فى حالة التراجع، معرِّضا نفسه للانتقام والإذلال وعدم الوفاء بالوعود وربما إخضاعه للحكم العسكرى إلى أن تهدأ الثورة تماما ويتم إرجاع الشعب إلى الحظيرة، وذلك قبل البدء فى الاحتياط لعدم تكرار ما حدث عن طريق فتح الباب أمام جرعات أكبر من الحريات الديمقراطية، والتخفيف من وطأة بعض المشكلات المتفاقمة مثل تردى مستويات المعيشة وتفاقم البطالة والفقر وسكنى العشوائيات والقبور بتلك المقاييس المروعة، والحيلولة دون عودة الفساد بنفس المستويات المفزعة، وكذلك التخفيف من وطأة الضغط البوليسى البالغ القسوة والتنكيل بالناس والتعذيب والتوسيع الشامل لنطاق الرشوة عند كل ناصية. وهنا يصير شعار النصر أو الموت قدر الطرفين. وهنا ينحصر المخرج فى خيارين أحدهما الصدام بالمعنى العسكرى، وثانيهما اللعب على الوقت، تفاديا للخيار الأول المفزع للطرفين. أما الخيار العسكرى أىْ استخدام الجيش، أىْ الحرب الأهلية بين الجيش والشعب، فإنه قد يصلح للتهويش غير أنه يكاد يكون مستحيلا من الناحية العملية. ويتحدث الجميع تقريبا عن تآخى الجيش والشعب وترجيح أو تأكيد رفض الجيش توجيه سلاحه إلى الشعب مهما كانت الأوامر، وكل هذا صحيح إلى حد كبير، غير أن استخدام الجيش فى الثورات الشعبية الكبرى يكاد يكون مستحيلا لسبب عسكرى يتمثل فى أن الشعب المجرد من السلاح يكون فى هذه الحالة أقوى "عسكريا" من أىّ جيش. ذلك أن انتشار قطع الجيش وجنوده بين جماهير شعبية غاضبة وكذلك محاصرة هذه الجماهير لمختلف المقار والقصور الحساسة للنظام يجعلان معدات الجيش ورجاله ومبانيه وقصوره رهينة فى أيدى الشعب بحيث يصير الجيش مشلولا تماما فلا يستطيع حتى أن يستخدم أسلحته بكل أنواعها. وأنا لا أفهم فى الشئون العسكرية غير أن قراءة المرء عن الثورات توضح هذه الاستحالة العسكرية بالإضافة إلى أن الجنود والضباط هم العمال والفلاحون وكل أبناء الشعب فى الزى العسكرى فكل فتنة بينهما فى الحالة المذكورة مستبعدة. وبطبيعة الحال فإن فتنة كهذه ستكون كارثة على مصر ولهذا ينبغى على الجيش والثورة تفادى مثل هذا السيناريو الكارثى. ورغم البيان رقم 2 الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة منذ قليل والذى يعنى أن الجيش قد تدخل مباشرة فى الحياة السياسية، وأنه ما يزال يقف إلى جانب الشرعية الدستورية لتحقيق تعهدات مبارك، وإنهاء حالة الطوارئ بعد انتهاء الوضع الراهن، فإن هناك احتمالا لا يمكن استبعاده إذا استحكم المأزق وهو تخلِّى القوات المسلحة عن مبارك وكبار رجاله وحتى عن الدستور والبرلمان والانضمام إلى الشعب والثورة ولن يكون هذا سوى طريق متعرج للغاية إلى إنقاذ النظام ذاته من خلال سيطرة الجيش إلى أقصى حد ممكن على تشريعات وتدابير وإجراءات الشرعية الثورية. وفيما يتعلق بعامل الوقت فإن النظام يعتمد على أن الوقت يضغط على الثورة ليس أقل مما يضغط عليه هو. فهناك ضرورات عودة الحياة الطبيعية بكل مجالاتها ومرافقها الإنتاجية والاقتصادية والخدمية والإدارية وهذه الضرورات تضغط بقوة على الثورة مما يعنى فى نظر أركان النظام انفضاض المظاهرات والإضرابات والاعتصامات وكل مظاهر الثورة بصورة تدريجية. والواقع أن هذه الضرورات قد فرضت نفسها إلى حد لا يستهان به، غير أن ماحدث إلى الآن وكذلك طبيعة الأشياء يؤديان إلى أن تعايش الثورة والحياة الطبيعية أمر ممكن تماما. وهنا يلعب الوقت لعبته حيث ينتصر صاحب النفس الأطول.
7: وسوف يأتى انتصار محتمل بتحديات هائلة أولها واقع أن قوى الثورة بغالبيتها الساحقة غير مسيَّسة، فالأحزاب والجمعيات والجبهات والروابط والاتحادات والائتلافات المعترف بها أو غير المعترف بها رسميا أضعف من أن تقوم بتأمين إدارة دولة وإقامة نظام ديمقراطى مفتوح على آفاق أوسع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. كذلك فإن القوة السياسية الكبرى فى صفوف هذه الثورة والتى كان لها دور كبير فى زخمها واندفاعها وصلابتها كما تضاعفت قوتها بالاستفادة من تجربة الثورة التى لم تكن بفضل مبادرة منها، وهى قوة الإخوان المسلمين، يتعارض أىّ دور كبير لها فى تحديد النظام الجديد مع بناء دولة ديمقراطية ومدنية وعلمانية تقوم على المواطنة بصورة مطلقة وعلى المساواة بين الرجل والمرأة، حيث يكون من حق كل مواطن أو مواطنة بصرف النظر عن أىّ معتقد دينى أو غير دينى النضال فى أىّ حزب سياسى وحتى الوصول إلى رئاسة الدولة من خلال عملية ديمقراطية سليمة، وتقوم على التحديث العلمى والثقافى والتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة وصولا إلى الثورة الاجتماعية. ولا جدال فى أن الوضع الثورى بيئة صالحة للنمو السريع لأحزاب قائمة وأحزاب جديدة علنية بدون قيود، ويمكن بالتالى ملء الفراغ القائم فى مجال تسييس ونضج قوى الثورة. وأعتقد أن من واجب كل قوى الثورة والقوى الديمقراطية والوطنية واليسارية والماركسية أن تشرع على الفور فى تأسيس وتطوير أحزاب سياسية علنية دون انتظار تغيير الدستور أو القوانين المعنية ودون إذن من أحد، والشروع فى ممارسة حرياتها وحقوقها الديمقراطية كافة على الفور، وخلق وتطوير صحافة مستقلة، وتحرير النقابات العمالية والمهنية من قياداتها الصفراء الحالية.
8: والتحدى الأكبر بطبيعة الحال هو تحدِّى إنجاز الثورة الاجتماعية باعتبارها ضرورة للبقاء نفسه. ففى حالة العالم الثالث التى تتمثل فى التدهور التواصل وليس فى مجرد التهميش الأمر الذى يهدد مجرد بقاء شعوب العالم الثالث لم يعد هناك منقذ من الانهيار والانقراض الشاملين سوى الثورة الاجتماعية التى لا تعنى مجرد إصلاحات اجتماعية واسعة بل تعنى الانتقال من نمط إنتاج إلى نمط إنتاج آخر. والحقيقة أن بلدان العالم الثالث بالمعنى الحقيقى (الذى لم يعد يشمل بلدانا انفكت من إساره) ليست سوى بلدان متخلفة تابعة للإمبريالية لم تنجز الثورة الرأسمالية ولا توجد فيها رأسمالية قومية وهى ساحة مفتوحة لاستثمارات واستغلال ونهب واضطهاد البلدان الإمبريالية وبالتالى فإن ما يسود فيها ليس النظام الإقطاعى وليس النظام الرأسمالى وليس عهدا انتقاليا بينهما بل هى مساحات وشعوب واقتصادات وهياكل اجتماعية خاضعة للسيطرة الإمبريالية، والمطلوب هو الانتقال من هذا "البزرميط" إلى رأسمالية حقيقة، تكون ثمرة التنمية الاقتصادية-الاجتماعية الشاملة بصناعتها الحقيقية المتكاملة الحلقات وبتحديثها العميق والسريع الذى يسابق الزمن. والعقبة الكبيرة أمام هذه التنمية الشاملة إنما تتمثل فى الإمبريالية العالمية التى تشترط سيطرتها على العالم بقاء العالم الثالث على حاله. ويتصل بهذا بصورة عميقة واقع أن بلادنا كغيرها من بلدان العالم الثالث بلدان تابعة اقتصاديا وبالتالى فإنها ليست مستقلة إلا بمفهوم الاستقلال فى القانون الدولى وبالتالى فإن على الثورة أن تنجز الاستقلال الحقيقى عن الإمبريالية. وفى سبيل تحقيق التنمية الحقيقية وثمرتها المتمثلة فى الاستقلال الحقيقى سيكون على الثورة ألا تعتمد على الجهات الدولية التى تعمل على تأبيد سيطرة حالة العالم الثالث عليها وأن تتحلى بالمرونة التى تسمح لها بالاستفادة بكل الفرص التى يمكن أن يقدمها عالم حافل بالمصالح المتصارعة وتوظيف كل ذلك للتنمية الشاملة المستقلة. وينبغى أن يكون واضحا أن الثورة السياسية، مثل ثورتنا الشعبية الكبرى الراهنة، ليست الثورة الاجتماعية التى نتحدث عنها هنا، مهما تنجز من إصلاحات اجتماعية واقتصادية. إنها كما سبق أن ذكرنا الإطاحة بالنظام الحالى من شكل الحكم الاستبدادى إلى الفساد الشامل إلى كل ما تحقق فى ظلهما من المصالح والثروات التى تقوم على اللصوصية. غير أن الثورة السياسية (وقد سبقتها فى مصر ثورتان سياسيتان هما ثورة 1919 وحركة 1952 اللتين لم تكونا ثورتين اجتماعيتين بحال من الأحوال) يمكن، فى أوضاع خاصة وضمن شروط بعينها، أن تفتح الباب أمام تطورات تؤدى عبر صيرورة تدريجية وليست عاصفة كالثورات السياسية إلى إنجاز الثورة الاجتماعية أىْ الانتقال من نمط إنتاج إلى نمط إنتاج آخر فى نهاية المطاف.
9: وتتمثل المهام المباشرة لقوى الثورة فى مواصلتها والاستمرار بها بإدراك واضح لحقيقة أن التراجع سوف يمثل كارثة كبرى لا تستحقها أكبر ثورة سياسية شعبية من نوعها فى العصر الحديث فى العالم كله. ويقتضى إنجاز هذه الثورة السياسية من خلال إقامة الجمهورية الديمقراطية البرلمانية المدنية العلمانية بكل مقتضياتها ومهامها التى سبقت الإشارة إليها. وسوف تمثل الحياة الحرة الكريمة بكل عناصرها واستعادة كل الأموال التى نهبتها طبقة قامت على ثروات اللصوصية والفساد بتأميمها ومصادرتها، وتوظيفها فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة المستقلة، للسير بثقة على درب الثورة الاجتماعية. فإلى الأمام! إلى الأمام! [مبروك للشعب فقد تخلى الرئيس عن منصبه منذ لحظات مجلَّلا بالعار وملطخا بالدم]!
11 فبراير 2011






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ثورة تونس نحو الاستقلال الحقيقي والتنمية الحقيقية


المزيد.....




- منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: سيتم تركيب آلاف أجهزة الطرد ا ...
- واشنطن تهدد بفرض عقوبات على الصومال بعد تمديد فرماجو فترته ا ...
- بـ5 خطوات... كيف تتجنب الصداع خلال رمضان
- تسليح الطائرات المسيرة: إيجاد نظام أسلحة واحد لمختلف أنواع ا ...
- روحاني يتحدث مع أمير قطر ويحذر من -أمر خطير-
- باشينيان يخطئ ويسمي بوتين رئيس فرنسا
- بعد ليلة رعدية ماطرة... الأرصاد تحذر من طقس الرياض
- تركيا: نبدأ مرحلة جديدة مع مصر وهناك تخطيط لاجتماع بين مسؤول ...
- قط مشاكس يفاجئ أصحاب المنزل لدى عودتهم... فيديو
- واعظي: لدينا مؤشرات على أن الكيان الصهيوني مسؤول عن حادث منش ...


المزيد.....

- عن أصول الوضع الراهن وآفاق الحراك الثوري في مصر / مجموعة النداء بالتغيير
- قرار رفع أسعار الكهرباء في مصر ( 2 ) ابحث عن الديون وشروط ال ... / إلهامي الميرغني
- قضايا فكرية (3) / الحزب الشيوعي السوداني
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي المصري
- الفلاحون في ثورة 1919 / إلهامي الميرغني
- برنامج الحزب الاشتراكى المصرى يناير 2019 / الحزب الاشتراكى المصري
- القطاع العام في مصر الى اين؟ / إلهامي الميرغني
- أسعار البترول وانعكاساتها علي ميزان المدفوعات والموازنة العا ... / إلهامي الميرغني
- ثروات مصر بين الفقراء والأغنياء / إلهامي الميرغني
- مدخل الي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني / الحزب الشيوعي السوداني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان - خليل كلفت - الشعب المصرى يريد إسقاط النظام