أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يحيى محمد - الصراع والتكامل بين الفلسفة التقليدية والعرفان















المزيد.....



الصراع والتكامل بين الفلسفة التقليدية والعرفان


يحيى محمد

الحوار المتمدن-العدد: 3072 - 2010 / 7 / 23 - 13:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تتأسس الدائرة الفلسفية التقليدية السائدة في العصور اليونانية والرومانية والاسلامية على جعل العقل مطابقاً لواقع الأمر والوجود عبر منطق السنخية. كما أن الأساس الذي تقوم عليه الدائرة العرفانية التقليدية هو جعلها الكشف مطابقاً لحقيقة الأمر والوجود، عبر ذات المنطق من دينامو التفكير الآنف الذكر، لكن مع أخذ إعتبار الخصوصيتين، فما يريده الفلاسفة من مطابقة العقل للوجود هو غير ما يريده العرفاء من المطابقة مع الكشف، الأمر الذي فتح باباً من التعارض والصراع بين المسلكين. فقد جاء التنظير العرفاني كبديل عن التنظير العقلي، وأن رؤيته الكشفية قد تجاوزت بالفعل الرؤية العقلية للفلسفة. وكانت الحصيلة وراء التنافس بينهما عبارة عن ثلاثة إتجاهات، أحدها لصالح العرفان بسيادة منطق الكشف من حيث أنه طور يعجز العقل عن إدراكه وتخطيه. والثاني لصالح الفلسفة بجعل العقل أداة تهذيب وتصحيح للرؤية الكشفية، بإضفاء المعقولية الفلسفية عليها. أما الثالث فهو محاولة التوفيق بين الرؤيتين الآنفتي الذكر كأمرين متكاملين؛ أحدهما يتمم ما في الآخر. وبالتالي فالحصيلة كالآتي:

1 ـ الصراع لصالح العرفان وتجاوز القانون العقلي
بنظر العرفاء أن العقل عاجز عن إدراك طور آخر يفوقه. فهو حتى لو أدرك ما يدركه الكشف في بعض الأحوال إلا أنه لا يدرك كل ما يحدث لهذا الأخير. فكما قال الغزالي: «وراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأموراً آخر العقل معزول عنها، كعزل قوة التمييز عن إدراك المعقولات. وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز» . وقال أيضاً: وكما «أن العقل طور من أطوار الآدمي يحصل فيه عين يبصر بها أنواعاً من المعقولات، الحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضاً عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر من نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل» .
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد من التمييز بين العقل والكشف. فالعقل لا يعجز عن إدراك ما يدركه الكشف فحسب، بل الأهم من ذلك هو أنه يرتد عما يشهده هذا الطور ويكفر به. فهذا هو جوهر الصراع بين جماعة العرفان وأصحاب النظر، وهو صراع مؤسس من الناحية المعرفية الإبستمولوجية على ما يحمله دينامو التفكير من شكل للسنخية، إن كانت سنخية عقلية (فلسفية) أو كشفية (عرفانية). فبهذه السنخية تتأسس الرؤية الوجودية بين أن تكون رؤية معبّرة عن نوع من الثنائية التي تحفظ لكل من العلة والمعلول مرتبته ومكانته الخاصة كأمر محتم وضروري، أو هي رؤية معبّرة عن نوع من الوحدة تبرر القول بوحدة الوجود الشخصية وظاهرتي الإتحاد والحلول أو الصعود والنزول. فالمعتقد عند العرفاء أن إدراك مثل هذه الوحدة هو مما يفوق طور العقل أو يتعالى عنه. وكما ينقل صدر المتألهين ما قاله «بعض الموحدين من المتألهين من أن الوجود مع كونه نفس حقيقة الواجب قد انبسط على هياكل الموجودات بحيث لا يخلو عنه شيء من الأشياء، بل هو حقيقتها، فقيل فيه أنه طور وراء طور العقل..» .
ويُنقل أنه سأل أحد المحققين واحداً من العرفاء حول الزعم القائل بصيرورة العارف في بعض المقامات إلى أن لا يرى في الوجود شيئاً سوى الحق تعالى، فقال: لِمَ لا تكون الوجودات الكثيرة متعددة ولكن لا تشعرون بها نتيجة تجلي الأنوار الإلهية على عقولكم فبهرتكم عن رؤية شيء آخر سواه تعالى؟ فأجابه العارف بأن هذا الإحتمال موجّه وصحيح، إلا أنه قد «وضح لدينا بالمشاهدة العيانية أنه لا موجود إلا الله» !
فعند هذا الطور من الكشف يرتد العقل وينهدم. إذ العلاقة بينهما شبيهة بالعلاقة السلبية التي يقيمها (عمانوئيل كانت) بين العقل النظري الذي مهمته إدراك الظاهر، وبين العقل العملي الموظف لإدراك الباطن. فهو لكي يفسح الطريق لمهمة العقل العملي، كان عليه هدم المعرفة التي يؤسسها العقل النظري، فعلى حد قوله: «كان لزاماً عليّ هدم المعرفة لافساح المجال للإيمان» . وكذا الحال في العلاقة بين الكشف والعقل، فلكي يتأسس طور الكشف كباطن يعكس الوحدة الشخصية للوجود كان لا بد من هدم العقل كظاهر معبر عن الثنائية الوجودية. وكما قال بعض الصوفية: «بأنه عندما تتجلى الحقيقة يرتد العقل، لأن العقل هو الأداة التي تستخدم لمعرفة العبودية وليس للوقوف على الكنه الحقيقي للربوبية» . فعند الكشف تتبين حقيقة الربوبية وتظهر أنها كل الوجود أو الوجود كله، فليس في الدار من ديّار غيره، وبذلك يرتد العقل بالقضاء على إعتبارات الثنائية للعلة والمعلول، فما في العين إلا وجود واحد قابل للتلون بمختلف الأشكال والصور، وهو ما يبرر القول بالإتحاد والحلول أو الصعود والنزول ضمن الوجود الواحد الحق، ففيه «نسلك ونسافر، إذ لا معلوم إلا هو، وهو عين السالك السافر، فلا عالم إلا هو» .
فمع وجود المراتب المحددة التي يقدرها العرفاء للوجود الواحد، وهي محفوظة على كل حال، إلا أنها قابلة للتجاوز والسفر بسلاسل الصعود والنزول ضمن الوجود الواحد اللامتعين. وكما جاء في (التحفة المرسلة) فإن هناك سبع مراتب لوجود الحق كالتالي:
1 ـ مرتبة اللاتعين: وهي المرتبة الأحدية التي ليس فوقها مرتبة أخرى، والتي يكون فيها الوجود منزّهاً عن إضافة جميع القيود والنعوت إليه حتى عن قيد الإطلاق، ويعبّر عنها بمرتبة الإطلاق والذات البحت والهوية الصرفة وغيب الغيوب والكنز المخفي والغيب المصون ومنقطع الإشارات ومقام لا إسم له ولا رسم له.
2 ـ مرتبة التعين الأول: وهي مرتبة الوحدة والحقيقة المحمدية، التي هي عبارة عن علمه تعالى بذاته وصفاته وجميع الموجودات على وجه الإجمال.
3 ـ مرتبة التعين الثاني: وهي مرتبة الواحدية والحقيقة الإنسانية، التي هي عبارة عن علمه تعالى بذاته وصفاته وجميع الموجودات على التفصيل.
4 ـ مرتبة عالم الأرواح: وهي عبارة عن الأشياء الكونية المجردة البسيطة التي ظهرت على ذواتها وعلى أمثالها، كالعقول العالية والأرواح البشرية.
5 ـ مرتبة عالم المثال: وهي الأشياء الكونية المركبة اللطيفة غير القابلة للتجزيء والتبعيض والخرق والإلتئام.
6 ـ مرتبة عالم الأجسام: وهي الأشياء الكونية الكثيفة القابلة للتجزيء والتبعيض.
7 ـ مرتبة الإنسان: وهي المرتبة الجامعة لجميع المراتب السابقة، الجسمانية والنورانية والوحدة والواحدية .
ولما كانت مرتبة الإنسان جامعة لجميع المراتب السابقة عليها، فأحياناً يعبّر العرفاء عن الإنسان بأنه عصارة الوجود وخلاصته، إذ فيه كل شيء. فكما يقول أحد أبرز تلامذة إبن عربي وهو القونوي: «الإنسان أنزل الموجودات مرتبة في الظهور، وأعلاهم مرتبة في الكمالات، ليس لغيره ذلك. وقد بيّنا أنه الجامع للحقائق الحقية، والحقائق الخلقية جملة وتفصيلاً، حكمة ووجوداً بالذات والصفات لزوماً وعرضاً، حقيقة ومجازاً. وكل ما رأيته أو سمعته في الخارج فهو عبارة عن رقيقة من رقائق الإنسان، واسم لحقيقة من حقائق الإنسان، فالإنسان هو الحق، وهو الذات، وهو الصفات، وهو العرش، وهو الكرسي، وهو اللوح، وهو القلم، وهو الجن، وهو السماوات وكواكبها، وهو الأرضون وما فيها، وهو العالم الدنياوي، وهو العالم الأخراوي، وهو الوجود وما حواه، وهو الحق، وهو الخلق، وهو القديم، وهو الحادث. فلله در من عرف نفسه معرفتي إياها» .
لذلك فالإنسان - كرقيقة - هو كائن مطاط قابل للتشكل واختراق المراتب بالصعود والإتحاد، فهو في نهاية الأمر يتحد مع نفسه إن كان عرشاً أو ملكاً أو إلهاً أو حقاً أو خلقاً.. الخ. وتعمل مثل هذه الرؤية الكشفية على هدم النظر العقلي لإعتباراته الثنائية الخاصة بعلاقة العلة بالمعلول. إذ الخاصية الجوهرية لدينامو التفكير العرفاني هي العمل على تفريغ شحنة السنخية بكاملها في الوجود، كي لا يكون في العين إلا وحدة عضوية شخصية، وذلك بتحويل علاقات الشبه إلى علاقات إتحاد ينتفي عندها التعدد والإثنينية التي يحتفظ بها العقل الفلسفي.
وسواء كان الأمر للمضادة بين العقل والكشف، أو لكون العقل عاجزاً عن إدراك ما هو في طور أعلى من طوره، فسواء لهذا السبب أو لذاك، فإن العرفاء كثيراً ما هاجموا المنطق الأرسطي ولم يتقبلوا التفكير العقلي عموماً، منذ ظهور العرفان وازدهاره في الحضارة اليونانية، وحتى الحضارة الإسلامية، كما يظهر لدى جابر بن حيان الكوفي وذي النون المصري، الذين طعنا بقدرة العقل للوصول إلى الحقائق الماورائية. وقد ظلت هذه النظرة هي السائدة تقريباً لدى أهل التصوف. فالصوفية كما ذكر الغزالي لم يحرّضوا على تحصيل العلوم ودراستها للبحث عن حقائق الأمور، بل رجحوا على ذلك العمل بالمجاهدة في محو الصفات المذمومة والإقبال بكل الهمة إلى الله تعالى. وإن كان ذلك برأيه لم يكن بسبب الطعن في ذات العقل، بل بسبب زوال الحجاب، ففي الكشف أن العناية الإلهية هي التي تباشر إزالة الحجاب، بينما في العقل يقوم صاحبه بهذه المهامة الشاقة .
كذلك كان الأمر بعد الغزالي، إذ أنكر إبن عربي - مثلاً - وجود قيمة حقيقية للتفكير العقلي، ورأى أن ما ذكره الغزالي من أهمية للعقل في تحديد مدارات الكشف هو «زلة قدم» ما كان ينبغي له أن يقع فيها، وإن اعتبر ذلك تستراً له، إذ نبّه في مواضع أخرى على خلاف ما أثبته، لكنه يظل بنظر صاحبنا ممن «أساء الأدب». فهو يدرك تماماً أن العقل ليس موضعاً للعلم واليقين، ولم يمنحه أي قيمة سوى تلك القيود التي قيدها له الشرع احتراماً له . لكنه في جميع الأحوال أصرّ على أن العلم الصحيح ليس نابعاً عن الفكر ولا عن العقلاء من حيث أفكارهم، فإختلاف مقالاتهم دال على عدم إنتاجهم للعلم أو اليقين. فكل معرفة حصلت عن نظر في دليل عقلي هي عنده ليست بعلم ما دام باب الشبهات مفتوحاً على صاحبه وإن وافقت العلم، وبالتالي فالعلم الحقيقي هو ذلك الذي يكون باب الشبهة فيه مسدوداً على صاحبه . فأدلة العقل عنده قائمة على الأمور الحسية والبديهية، وكلاهما مما يمكن القدح فيه. لذا نقد المتكلمين والفلاسفة وعلى رأسهم أرسطو، واعتبر علة خلافاتهم وضلالاتهم راجعة إلى تركهم الشرع والاكتفاء بتقليد عقولهم. وعلى رأيه أنه لو سألنا هؤلاء عن حقيقة الروح وصلتها بالبدن وأصلها ومصيرها لما كان بإستطاعتهم إبداء جواب أبداً، ولا كان بمقدور العقل أن يدل على أن للأرواح وجوداً وبقاءاً بعد الموت مطلقاً، وكل ما يظن أنه يمثل دليلاً في المسألة فهو مدخول لا يقوم على ساق. لكنه لا يضع العقل بمرتبة الجهل، بل يجعل له منزلة وسطى بين العلم والجهل، وهي المعبّر عنها برتبة الظن .
بل حتى المحالات العقلية يراها إبن عربي محالات نسبية، فما يكون لدى العقل محال قد لا يكون محالاً من حيث النسبة الإلهية، فقد يحكم العقل بوجوب شيء أو جوازه أو إستحالته، وذلك صحيح من حيث الدلالة العقلية، لكنه غير صحيح من حيث النسبة الإلهية، وبالتالي فالأمر الإلهي خارج عن التقييد العقلي .
أما العلم الحقيقي فلا يتحقق عنده إلا في المكاشفات والأذواق، فهي بمنزلة الأدلة لأصحاب النظر في العلوم، وبالتالي فليس العلم إلا ذلك النور الإلهي الذي يقذفه الله في قلب العالم . لذلك أورد الكثير من النصوص التي تحطّ من قيمة العقل في قبال الكشف والشرع، كقوله: «لا علم إلا ما كان عن كشف وشهود، لا عن نظر وفكر وظن وتخمين» .. «إن طريق القوم لا تنال بالنظر الفكري ولا بضرورات العقول، وإنما هو نور في القلب يحدث فيه بواسطة إتّباع الكتاب والسنة فيدرك الأمور يقيناً لا ظناً وتخميناً» .. «كل علم انتجه الفكر فلا يعوّل عليه، لأن النكير يسارع إليه، وعلوم النظر أوهام عند علوم الإلهام» .. «كل ما ثبت في النظر الفكري من إنبساط الحقائق فهو عند العلماء بالله بالكشف والمشاهدة من الأغاليط» .
ونرى أن السبب الرئيس وراء مقت إبن عربي للتفكير العقلي هو أنه مقيّد بقيود الثنائية الوجودية القائمة على أساس العلة والمعلول، بينما طبيعة الوجود الحق عنده - كما تنطق به المشاهدة الكشفية - لا يقبل هذا التقييد، بل يظهر ويتجلى في كل صورة بإعتبار الوحدة العضوية، فهو عين العالم كقوة مادية، وعين النفس كقوة مدبرة، وعين العقل كقوة ناطقة، وهو عين كل شيء. لذلك يقول: «من أراد الدخول على الله فليترك عقله ويقدم بين يدي شرعه، فإن الله لا يقبل التقييد، والعقل تقييد، بل له التجلي في كل صورة، كما له أن يركبك في أي صورة شاء» .
ونفس هذا المنطق الإمتعاضي إزاء العقل نجده لدى تلميذ إبن عربي، القونوي، فهو يقرر «إن إقامة الأدلة النظرية على المطالب، وإثباتها بالحجج العقلية، على وجه سالم من الشكوك الفكرية والإعتراضات الجدلية متعذر، فإن الأحكام النظرية على المطالب تختلف بحسب تفاوت مدارك أربابها، والمدارك تابعة لتوجهات المدركين، والتوجهات تابعة للمقاصد التابعة لإختلاف العقائد والعوائد والأمزجة والمناسبات، وسائرها تابع في نفس الأمر لإختلاف آثار التجليات الأسمائية المتعينة والمتعددة في مراتب القوابل، وبحسب إستعدادها، وهي المثيرة للمقاصد، والمحكمة للعوائد والعقائد التي تتلبس بها وتتعشق نفوس أهل الفكر والإعتقادات عليها... ثم نقول: وليس الأخذ بما اطمأن به بعض الناظرين واستصوبه وصححه في زعمه بأولى من الأخذ بقول مخالفه. وترجيح رأيه والجمع بين القولين أو الأقوال المتناقضة غير ممكن، لكون أحد القولين مثلاً يقتضي إثبات ما يقتضي الآخر نفيه، فإستحال التوفيق بينهما والقول بهما معاً، وترجيح أحدهما على الآخر إن كان ببرهان ثابت عند المرجح، فالحال فيه كالحال في نقيضه، والكلام كالكلام، والحال كالحال في ما مر. وإن لم يكن ببرهان كان ترجيحاً من غير مرجح يعتبر ترجيحه، فتعذر إذا وجدان اليقين، وحصول الجزم التام بنتائج الأفكار والأدلة النظرية..» .
ويقول أيضاً: «فقد بأن أن العلم اليقيني الذي لا ريب فيه يعسر اقتناصه بالقانون الفكري والبرهان النظري. هذا مع أن الأمور المثبتة بالبراهين على تقدير صحتها في نفس الأمر، وسلامتها من زعم المتمسك بها بالنسبة إلى الأمور المحتملة والمتوقف فيها، لعدم إنتظار البرهان على صحتها وفسادها، يسيرة جداً. وإذا كان الأمر كذلك فالظفر بمعرفة الأشياء من طريق البرهان وحده إما متعذر مطلقاً أو في أكثر الأمور» .
كما أن جلال الدين الرومي هو الآخر قد عبّر عن هذا الإتجاه من الإمتعاض والنفور من التفكير العقلي، ووظف سورة التكاثر في صوغ حكمته التي تقول: «فلتدرك بقلبك علم النبي، بلا كتاب ولا استاذ ولا معلم». كما وظل العرفاء عموماً ينظرون إلى أصحاب العقل بأنهم يشوشون عليهم أوقاتهم، بل وظلوا متمسكين بأن العلم والعقل لا يصل إلى فهم ما يحصل لهم من مكاشفات. لذلك ردّ عليهم الفيلسوف الإشراقي صدر المتألهين معتبراً حججهم من الأغاليط وهي تفسد عقائد المسلمين .

2 ـ الصراع لصالح الجهاز الفلسفي
تعقيل الكشف كأداة
ليس جميع العرفاء من يمقت التفكير العقلي، أو يرى العقل في تضاد مع الكشف، فهم وإن اتفقوا على أنه أقل منزلة من هذا الأخير بمن فيهم أهل الإشراق الذين خلطوا بين الفلسفة والعرفان، إلا أن منهم من يمتدحه، كما هو الحال مع القشيري الذي جعل منه خطوة أولى تتبعها خطوة البيان ثم العرفان، وكلها عنده خطوات عبارة عن أنوار.
ومن العرفاء من رأى العقل عاجزاً فعلاً، إلا أن الله كحله بنور الوحدانية، كما هو الحال مع العارف النوري الذي سُئل: ما الدليل على الله؟ فأجاب: الله. فقيل فما بال العقل؟ فردّ: العقل عاجز، والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله، حيث «لما خلق الله العقل، قال له: من أنا؟ فسكت، فكحله بنور الوحدانية، فقال: أنت الله.. فلم يكن للعقل أن يعرف الله إلا بالله» .
وهناك جماعة من العرفاء الإشراقيين جعلوا العقل مقدمة ضرورية لصحة الكشف. فهو موضوع هذه المرةكمصحح ومهذب للرؤية الصوفية، كما هو الحال مع الغزالي والسهروردي وصدر المتألهين وأبي حامد التركة وغيرهم.
صحيح أن الغزالي ظهر لديه نوع من التردد في موقفه من علاقة العقل بالكشف، فتارة يرى العقل ليس له مجال في مسائل الغيب مما وراء الطبيعة أكثر من إثبات ذات المرسل والنظر في دليل المعجزة، أما بعد ذلك فهو «معزول عنه بالكلية» . وأخرى يخفف من هذا المعنى فيؤكد بأن «العقل لا يصطدم مع الكشف في شيء، غاية ما هنالك أن العقل لضعفه وقصوره يعجز أحياناً عن أن يبدي الرأي في مسألة ما، فيسعفه الوحي أو الإلهام بتبيانها، فتارة يدرك العقل وجه الحكمة فيها، وهنا يستطيع أن يشدّ من أزر الوحي والالهام، بما يمكنه من فنون الأدلة الفكرية وضروب المحاولات العقلية. وتارة لا يدرك وجه الحكمة فيقف صامتاً لا يملك المساعدة، وليس معنى هذا، القول بإستحالة المسألة عنده، ففرق كبير بين ما يعجز العقل عن إدراكه، وبين ما يدرك وجه إستحالته» . كما وتارة ثالثة لا يرى بينهما من فرق، لا بالعلم ولا في محله ولا في سببه، بل في زوال الحجاب فقط، فالعناية الإلهية هي التي تباشر ازالة الحجاب عن قلب الكاشف الملهم، بخلاف ما يحصل لصاحب العقل الذي عليه أن يزيل الحجاب بنفسه ليصل إلى الحقيقة من خلال علمه المكتسب، فبهذا التمييز فسّر الغزالي ميل أهل التصوف إلى العلوم الكشفية الإلهامية دون العقلية التعليمية .. لكن مع ذلك فجوهر ما يريده هذا العارف من العقل هو أن يكون مقدماً على الكشف ومصححاً لرؤاه عندما يكون واقعاً تحت أسر السنخية اللاسببية، كما هو الحال عند أغلب العرفاء. فمبدؤه القائل: «من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر..» فيه تلويح إلى أن طريق العرفان لا يكون إلا بعد المرور بقنطرة العقل، وهو المعنى الذي يؤكده قوله: «.. إن النفس إذا تعلمت وارتاضت بالعلم، ثم تفكرت في معلوماتها بشروط التفكر ينفتح عليها باب الغيب.. فالمتفكر إذا سلك سبيل الصواب يصير من ذوي الألباب عالماً كاملاً عاقلاً ملهماً مؤيداً..» .
فالذي حدا بالغزالي إلى أن يتشبث بالعقل كمقدمة علمية للكشف، هو خوفه من خرق السببية. ولا يغرنّك إعتراضاته على الفلاسفة كما في (تهافت الفلاسفة) وتكفيره لهم في عدد من القضايا، فبالرغم من أن كتبه الكلامية تُظهر أنه لا يعتقد بالضرورة السببية التي يقول بها الفلاسفة، إلا أن عقيدته الوجودية كانت مثقلة بحملها، فهو يقر بالترتيب السببي الفلسفي ، ويرى مراتب الوجود لا تتفاوت إلا بالشدة والضعف من الكمال حسب السنخية، فهي تتباين كتباين مراتب النور الواحد، من الشمس فضوء القمر ثم النور المنعكس منه على المرآة فإلى الأرض. الأمر الذي جعله يرفض القول بوحدة الوجود الشخصية، ولا يتقبل مقالات الإتحاد والحلول التي يشطح بها العرفاء، فهي عنده عبارة عن خيالات يحيلها العقل تماماً كما سنرى. فلولا إعتقاده بالضرورة السببية كما لدى الفلاسفة ما كان بإستطاعته أن يحيلها عقلاً. لهذا كان إبن رشد ينسب ميوله التي بثّها في كتبه إلى مذهب الفلاسفة، سيما كتاب (مشكاة الأنوار) الذي كشف فيه عن تباين مراتب الوجود شبيهاً بما يحصل مع النور في كماله وضعفه .
كذلك أن زعيم الإشراق السهروردي يرى التجربة الصوفية يلحقها خطر المتاهة الشديد إن لم تقترن بالتكوين الفلسفي المسبق .
أما موقف صدر المتألهين من العقل في علاقته بالكشف فهو متردد فعلاً. فمن جهة أنه يبدي ذمه وتحديده للتفكير العقلي، ويعلن أن النتائج الصحيحة لهذا التفكير هي مجملة وضئيلة للغاية. فمثلاً به يعرف أن لسلسلة الممكنات مبدءاً يرجح وجودها على عدمها، فيكون واجباً لذاته. إضافة إلى أن ما يثبته من صفات للواجب يرجع أكثر مفهوماتها إلى سلوب محضة أو إضافات أو غير ذلك من المعلومات التي حقيقتها إدراكات إجمالية للمفاهيم الكلية. من هنا فقد عوّل على طريق آخر للمعرفة حدده بأمرين: إما إخبار الشارع، أو بواسطة الشهود العياني الذي يتحلى به الأنبياء والأولياء وأمثالهم من العرفاء الكاملين .
وقد اقتضاه ذلك أن يصوّر لنا مدى فداحة الفارق بين التفكير النظري والكشف، فذكر يقول: إن الكاملين علموا الحقائق علماً لا يطرأ عليه ريب، وأرباب النظر عباد أفكارهم: ((أنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)) ، أي جهنم البعد والحرمان عن درك الحقائق وأنواره، إذ لا يقبلون إلا ما أفرزته عقولهم . لذا فقد دعا إلى تخلية النفس من غشاوة العلوم التقليدية، كي تكون قابلة للكشف الإلهي العظيم. وكما قال: «واعلم أن النفس ما لم تكن صافية من غشاوة العلوم التقليدية المكتسبة من الأقوال وعن الأفكار النظرية الحاصلة باستعمال النطق بآلتي الوهم والخيال للعقل الفكري، لم يكن صاحب بصيرة في الإلهيات، بل في جميع العلوم، ولم يكن قابلاً للفتح الإلهي، وبعيد من أن يحصل له شيء من العلم اللدني الحاصل لنفوس الأميين، وهم الذين كتب نفوسهم وألواح قلوبهم خالية عن نقوش هذه الأقاويل المتعارفة بين أهل الكتاب.. والمقلد وصاحب الأدلة الفكرية لا يكونان على بصيرة أبداً» .
هذا من جهة، لكنه من جهة أخرى رأى بأن الكشف لا يستغني عن معرفة مقدمات القضايا، بل ورأى أنه يندر أن تكون هناك نفس قدسية لم يمسّها التعليم البشري ، فهو لا يسلّم بصحة الكشف ما لم يمر بمرحلة التعليم الكسبي إعتماداً على العقل وآلاته من الحواس. لذلك فقد ذمّ طائفة من الصوفية لأنها لم تلتزم بهذا النوع من التعلم، ووضع فصلاً عنوانه (في أن من شرع في المجاهدة والرياضة، قبل إكمال المعرفة وأحكامها بالعبادات الشرعية فهو ضال مضل)، وقال فيه: «إن الذين نصبوا أنفسهم في هذا الزمان في مقام الإرشاد والخلافة جلّهم بل كلّهم حمقى جاهلون بأساليب المعرفة والرشاد واستكمال النفس واستقامتها في السداد، وأكثرهم ذهبوا إلى منع الصور الإدراكية، وسد أبواب المعارف والعلوم التي هي الأمثلة للأعيان الخارجية، زعماً منهم أن هذا العمل من الطالب هو الذي يبعّده للتوجه نحو المبدأ الفياض. ولم يعلموا أيضاً أن عزل المدارك والقوى العقلية والوهمية والخيالية عن أفاعيلها وآثارها بالكلية محال. ولم يتفطنوا بأن عزلها عن تحصيل ما لها من الكمالات يوجب ركونها إلى صور مشوشة يخترعها الخيال، وذلك هو الظلم... وهم مع هذا يسمون ذلك معاينة ومكاشفة» .
أما موقف أبي حامد الأصفهاني التركة من العقل في علاقته بالكشف، فهو أنه يعترف بوجود تناقض واضح بين المكاشفات التي يبديها العرفاء، وحاول أن يعالج ذلك عن طريق الفكر النظري، إذ جعل منه سلاحاً صادقاً وصالحاً لتمييز الكشف الصحيح عن الفاسد. فهو لا يسلّم بالزعم القائل بأن العقل لا يدرك كل ما يدركه الكشف الذي يفوقه رتبة، إنما يستثني من ذلك أشياء خفية لا يصل إليها العقل، أما ما عداها فهي بمتناول العقل الذي حدّه بأنه «كل ما يدرك معنى كلياً أو حقيقة كلية يصدق عليه حد العقل واسمه». لذلك كان يوصي أصحاب الذوق بتحصيل العلوم الحقيقية من الفكر النظري بعد عملية التهذيب والرياضة الروحية، إذ تكفي عنده لمعرفة الكثير من الحقائق المختلفة. وفي حالة التحيّر في بعض المسائل أوصى بضرورة ممارسة الطريق الأخرى المعتمدة على الذوق والمشاهدة الكشفية، رغم أنها لا تصلح - عنده - إلا بعد سبق عملية الاستفادة من ملكة تلك العلوم الحاصلة عن طريق العقل أو الفكر النظري.
وقد علّق الشيخ صائن الدين التركة على نص شيخه الأصفهاني بقوله: «هذا إشارة إلى دفع الشبهة القائلة بأن المعارف الكشفية التي يسمونها بالكمال من الأمور الممتنعة التي لا يمكن أن يدركها العقل كما سبق بيانه، وتقريره إنّا لا نسلم أن العقل لا يدرك تلك المكاشفات والمدركات التي في الطور الأعلى الذي هو فوق العقل أصلاً. نعم أن من الأشياء الخفية ما لا يصل إليه العقل بذاته، بل إنما يصل إليه ويدركه باستعمال قوة أخرى هي أشرف منه، واستبانة نور أضواء هو أتم منه، مقتبس من مشكاة الزجاجة الإنسانية التي فيها المصباح، لكن بعد الوصول يدركه العقل مثل سائر مدركاته، كما في المدركات الجزئية، فإنه في استحصالها يحتاج إلى قوة أخرى، لكنها أعزل وأخس منه، وبعد الوصول يدركها مثل سائر مدركاته على العراء» .
ونشير أخيراً إلى أن السبب في إقحام الإشراقيين للعقل في تصحيح الكشف وتقديمه عليه كما رأينا، هو لتجنب السقوط في نظام اللاسببية، سواء بمقالة وحدة الوجود الشخصية، أو مقالة الإتحاد والحلول، أو غيرها من المقالات المشتق بعضها من البعض الآخر، كالذي سنتعرف عليه ضمن الفقرة التالية..

تعقيل الكشف كرؤية
لقد نالت ظاهرة ما أُطلق عليه (الشطح الصوفي) إهتماماً بالغاً لدى أصحاب العقل من الوجوديين. فهي ظاهرة مُعدّة من صميم السلوك العرفاني، إذ ما من عارف إلا وله شطحاته الخاصة التي يجد فيها نفسه مندكاً في الوجود الحق الواحد. وهو أمر طالما أثار حفيظة أولئك الذين التزموا بالسلوك العقلي حتى من الإشراقيين، إذ رفضوا هذا المعطى من الإدراك وحسبوه حسباناً يمتّ إلى الوهم والتخيل، أو أنهم وجهوا شطحات زملائهم وجهة أخرى مؤوّلة. أما عند العرفاء أنفسهم فإنهم لم يشكوا أبداً من صدق الإدراك الذي يتحدث عنه إخوانهم، وإن كان الكثير منهم يرى أن عيبه هو إظهاره على طرف اللسان.
فالجرجاني في (التعريفات) يعتبر «الشطح عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى، تصدر من أهل المعرفة باضطرار واضطراب، وهو زلات المحققين، فإنه دعوى حق يفصح بها العارف لكن من غير إذن إلهي» . وكذا هو رأي إبن عربي الذي اعتبره كلمة صادقة صادرة من رعونة نفس، يبعد صاحبها عن الله في تلك الحال ، الأمر الذي جعل طريقته تتصف بالغموض، فهي ميّالة إلى التلويح والرمز طبقاً للمقولة الرائجة (افشاء سر الربوبية كفر) ، وهي المقولة التي ينصّ عليها إبن عربي نفسه . وكما قال: «فأنا الآن أبدي، وأعرض تارة، وإياك أعني فاسمعي يا جارة. وكيف أبوح بسر، وأبدي مكنون أمر، وأنا الموصى به غيري في غير موضع من نظمي ونثري؟ نبّه على السر ولا تفشه. فاصبر له واكتمه حتى يصل الوقت. فمن كان ذا قلب وفطنة شغله طلب الحكمة عن البطنة، فقف على ما رمزناه وفك المعمى الذي ألغزناه. ولولا الأمر الإلهي لشافهنا به الوارد والصادر، وجعلناه قوت المقيم وزاد المسافر، ولكن جفّ القلم بما سبق في القِدم..». وقال أيضاً: «فإن مذهبي، في كل ما أورده، أنني لا أقصد لفظة بعينها دون غيرها، مما يدل على معناها إلا لمعنى. ولا أزيد حرفاً إلا لمعنى، فما في كلامي بالنظر إلى قصدي حشو، وإن تخيله الناظر، فالخلط عنده في قصدي، لا عندي» .
وقال بعض العارفين كما ينقل إبن عربي: من صرح بالتوحيد وافشى سر الوحدانية فقتله أفضل من إحياء عشرة. وقال بعضهم للربوبية سر لو ظهر لبطلت النبوة، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم، وللعلماء بالله سر لو ظهر لبطلت الأحكام، فقوام الإيمان واستقامة الشرع بكتم السرية .
وكثيراً ما ينسب العرفاء أبياتاً من الشعر للإمام زين العابدين علي بن الحسين تفيد كتمان سر الإعتقاد، كالتالي :
إني لأكتم من علمي جواهره كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتننا
وقد تقدم في هذا أبو حسن إلى الحسين ووصى قبله الحسنا
يارب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا
ولإستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يؤتونه حسنا
لكن في المقابل هناك من ينظر إلى الشطح نظرة ايجابية خالصة تماماً، كما هو الحال مع العارف السرّاج الطوسي الذي رأى أنه مظهر كمالٍ لا بد أن يظهر على العارف دون إرادته، بل هو «أقل ما يوجد لأهل الكمال»، وعرّفه بأن «معناه عبارة مستغربة في وصف وجْدٍ فاضَ بقوته وهاج بشدة غليانه وغلبته.. إلا ترى أن الماء الكثير إذا جرى في نهر ضيق فيفيض من حافّتيه يقال شطح الماء في النهر، فكذلك المريد الواجد إذا قوي وجْده ولم يُطق حمل ما يردُ على قلبه من سطوة أنوار حقايقه شطح ذلك على لسانه فيترجم عنها بعبارة مستغربة مشكلة على فهم سامعيها إلا من كان من أهلها ويكون متبحراً في علمها..» .
وفي جميع الأحوال يعد الشطح لدى العرفاء معبراً عن صدق الإدراك الصوفي وصحته، سواء ظهر كحالة كمالية على لسان العارف، أو هو عيب ليس للعارف حق التفوّه بما يدركه من حقيقة. وكذا سواء ظهر الشطح في حالة السكر، أو في حالة الصحو مما لا يعدّ إصطلاحاً ضمن العنوان المذكور.
والشواهد على شطحات الصوفية كثيرة لا تحصى، منها تلك المنسوبة إلى أبي يزيد البسطامي (المتوفى سنة 271هـ)، كما في أقواله التالية:
ـ رفعني الله مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد أن خلقي يحبّون أن يَرَوْك، فقلت: زيّني بوحدانيتك وألبسني أنانيتك وارفعني إلى أحديتك حتى إذا رآني خلقُك قالوا رأيناك، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك .
ـ نظرت إلى ربي بعين اليقين.. فأراني عجائب من سرّه، وأراني هويته فنظرت بهويته إلى أنائيتي فزالت: نوري بنوره، وعزّتي بعزته، وقدرتي بقدرته، ورأيت أنائيتي بهويته وإعظامي بعظمته ورفعني برفعته. فنظرت إليه بعين الحق فقلت له: من هذا؟ فقال: هذا لا أنا ولا غيري لا اله إلا أنا. فغيرني عن أنائيتي إلى هويته، وأزالني عن هويتي بهويته وأراني هويته فرداً فنظرت إليه بهويته. فلما نظرتُ إلى الحق بالحق رأيت الحق بالحق، فبقيت في الحق بالحق زماناً لا نفس لي ولا لسان ولا إذن لي... فنظر اليّ بعين الجود فقوّاني بقوته وزينني وتوّجني بتاج كرامته على رأسي، وأفردني بفردانيته ووحدني بوحدانيته ووصفني بصفاته التي لا يشاركه فيها أحد. ثم قال لي: توحد بوحدانيتي، وتفرّد بفردانيتي، وارفع رأسك بتاج كرامتي، وتعزز بعزتي، وتجبّر بجبروتي، واخرج بصفاتي إلى خلقي أر هويتي في هويتك. ومن رآك رآني، ومن قصدك قصدني، يا نوري في أرضي وزينتي في سمائي. فقلتُ: أنت عيني في عيني، وعلمي في جهلي، كن أنت نورك تُرَ بك، لا اله إلا أنت ...
ـ انسلخت من نفسي كما تنسلخ الحيّة من جلدها، ثم نظرت إلى ذاتي فإذا أنا هو .
ـ كنتَ لي مرآة فصرت أنا المرآة .
ـ وجاء عن البعض أنه دقّ رجل على أبي يزيد باب داره فقال له: من تطلبه؟ فقال: أطلب أبا يزيد. فقال مُرَّ ويحك فليس في الدار غير الله .
ـ طاعتك لي يا رب أعظم من طاعتي لك .
ـ بطشي أشد من بطشه بي .
ـ لأن تراني مرة خير لك من أن ترى ربك ألف مرة .
ـ تا الله أن لوائي أعظم من لواء محمد، لوائي هو من نور تحته الجن والانس كلهم من النبيين .
ـ وقيل أن أبا يزيد سمع رجلاً يقول: عجبت ممن عرف الله كيف يعصيه، فقال: عجبت ممن عرف الله كيف يعبده .
تلك هي جملة من الشواهد التي تنقل عن شطحات أبي يزيد البسطامي. وهناك عرفاء غيره اشتهرت عنهم شطحات أخرى لا تقل عن تلك التي أوردناها. وعلى رأسهم الحسين بن منصور الحلاج (المتوفى سنة 309هـ) الذي من شطحاته قوله: «فالحقيقة حقيقة، والخليقة خليقة، دع الخليقة لتكون أنت هو، وهو أنت من حيث الحقيقة» . وقوله: «أنا الحق». وقد حاول أن يوجّه كلامه هذا توجيهاً مخففاً معتمداً في ذلك على القرآن الكريم، إذ يقول: «ومن العجب لم يسمعوا كلام الله تعالى من الشجرة بأني أنا الله لا اله إلا هو، ويقولون قال الله تعالى كذا ولا ينسبونه إلى الشجرة، وانهم يسمعون من شجرة وجود إبن منصور الحلاج: أنا الحق، ويقولون قال إبن منصور كذا، ولا يقولون أن الله قال كذا على لسان الحلاج». ومبرر هذا النوع من التوحيد عند الحلاج هو لأن «العبد إذا وحد ربّه فقد أثبت نفسه، ومن أثبت نفسه فقد أتى بالشرك الخفي، وإنما الله تعالى هو الذي وحد نفسه على لسان من شاء من خلقه». لذلك فهو يرى نفسه ليس (الحق) بل هو (حق) أو (سر الحق):
أنا سر الحق ما الحق أنا بل أنا حق ففرِّقْ بيننا
وللحلاج رسالة كتبها إلى بعض تلامذته يقول فيها: السلام عليك يا ولدي ستر الله عنك ظاهر الشريعة وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر خفي وحقيقة الكفر معرفة جلية. واعلم أن الله تعالى تجلى على رأس ابرة لمن شاء وتستر في السماوات والأرضين عمن شاء، شهد أنه لا هو وشهد ذلك أنه غيره، فالشاهد بإثباته والشاهد على نفيه غير مذموم. والمقصود من هذا الكتاب أن أوصيك أن لا تغتر بالله ولا تيأس منه ولا ترغب من محبته ولا ترض أن تكون له غير محب ولا تقل بإثباته ولا تمل إلى نفيه واياك والتوحيد والسلام .
وله بيت شعر يفيد هذا المعنى، يقول فيه:
كفرتُ بدين الله والكفر واجب لدي وعند المسلمين قبيح
ومن أبياته الشطحية قوله:
سبحان من أظهر ناسوته سر سنى لاهوته الثاقب
حتى بدا في خلقه ظاهراً في صورة الآكل والشارب
وقوله أيضاً
مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فاذا مسك شيء مسني فاذا أنت أنا في كل حال
وكذا قوله:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فاذا أبصرتني أبصرته واذا أبصرته أبصرتنا
ومن الشطحات الأخرى قول الشبلي (المتوفى سنة 334هـ): «ما في الجنة أحد سوى الله» . وقوله: «أنا أقول وأنا أسمع، فهل في الدارين غيري» ، وقوله أيضاً: «لو خطر ببالي أن الجحيم بنيرانها وسعيرها تحرق مني شعرة لكنتُ مشركاً» . وكذا ما قاله العارف أبو سعيد أبو الخير لصديقه إبن سينا: «ما دامت المساجد والمدارس لم تُهدم هدماً تاماً، فسوف لا ينجز الدراويش عملهم، وما دام الكفر والإيمان لم يتشابها ولم يتماثلا تماماً، فما من رجل يكون صحيح الإسلام والإيمان» . وأيضاً ما قاله فريد الدين العطار (المتوفى سنة 586هـ): «أقول لك السر. اعلم يا أخي أن النقش هو النقّاش، أنا الحق، أنا الله..» . كما نُسب إلى العارف عفيف الدين التلمساني (المتوفى سنة 690هـ) وهو من مريدي إبن عربي، قوله: «القرآن كله شرك ليس فيه توحيد، وإنما التوحيد في كلامنا..» .
***
كانت مثل تلك الشطحات - سيما ما يتعلق بدعاوى الحلول والإتحاد - محور الصراع الدائر بين ذوي الكشف وذوي العقل. ففي الوقت الذي ينكر فيه أصحاب الكشف مقدرة العقل على تخطي إدراك طور ما هو فوقه، يرى العقليون أن مهامهم الأساسية هي تعقيل الكشف بإضفاء نظام السببية على الرؤية الوجودية للمشاهدة الصوفية، وهو ما جعل موقفهم من الشطحات سلبياً. فهم تارة يحسبونها أوهاماً يتخيلها العارف لإنبهاره بنور الحقيقة التي يراها، وأخرى يأولون مضمونها من العبارات الشنيعة «المستغربة» فيحولونها من نظام اللاسببية إلى نظام السببية الذي يدين له العقل بالإعتراف والتصديق، كما يتضح من المحاولات العديدة التي قام بها الغزالي عند مواجهته هذه المشكلة لدى العرفاء. فهو يعي أن قطع صلة الكشف بالعقل والتعليم يعني السقوط في دائرة نظام اللاسببية الناتج عن دعاوى شطحات الحلول والإتحاد ووحدة الوجود الشخصية. لذلك حرص على التمسك بالعقل، فهو الوسيلة الوحيدة التي تصحح حالات الكشف وشطحاته، الأمر الذي أعابه عليه إبن عربي واعتبره «زلة قدم»، لأنه يعي هو الآخر أن ما كان يرومه - الغزالي - هو إدخال الوجود تحت سلطة نظام السببية الدال على الثنائية لا الوحدة.
لقد وضع الغزالي العقل موضع الميزان في معرفة ما هو ممكن وما هو مستحيل من دعاوى الكشف. فمثلاً أن تحديد المكاشف لوقت موت فرد من الناس هو مما لا يحيله العقل، رغم أنه يعجز عن إثباته وإدراكه مستقلاً. كذلك فإن المكاشفات الدالة على رؤية ملكوت السماوات والأرض والملائكة وأرواح الأنبياء وسماعهم، هي أيضاً مما يصح ويصدق. أما ما يمتنع عند العقل، فهو أن تكون هناك دعوى تقول: إن الله تعالى يخلق مثله، أو أنه يحل في الأفراد أو يتحد معهم .
من هنا اعتبر الغزالي أن مقالات الإتحاد والحلول والوصول هي مقالات باطلة ناتجة عن التخيل لشدة استغراق العارف وقربه وهو في حالة السكر والوجد، سيما عندما لا تكون له قدم راسخة في المعقولات تمكّنه من التمييز بين ما هو ممكن وما هو مستحيل. فهو يترقى «من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبّر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز عنه. وعلى الجملة، ينتهي الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول وطائفة الإتحاد وطائفة الوصول، وكل ذلك خطأ.. بل الذي لابسته تلك الحالة لا ينبغي أن يزيد على أن يقول: وكان ما كان مما لستُ أذكره، فظنْ خيراً ولا تسأل عن الخبر» .
لكن الغزالي يعي بأن مصدر هذا التخيل والاشتباه يعود أساساً إلى إعتبارات الشبه والسنخية بين ذات العارف وذات الله، سيما وأن الأول مخلوق على صورة الثاني، فلهذه المشابهة بينهما يظن العارف أنه ذات الحق، فيشطح بمقولة «أنا الحق». ذلك أن «الله يتجلى ظاهراً من جهة أفعاله، ولكنه يظل باطناً لشدة ظهوره، وعندئذ لا يظهر إلا للعقل لا للحواس، وإذا فهم الذوق هذا الفهم لم يكن هناك ما يدعو العقل لإنكاره.. فإن من ليس له قدم راسخ في المعقولات ربما لم يتميز له أحدهما عن الآخر - ذات الله وذاته - فينظر إلى كمال ذاته وقد زيّن بما تلألأ فيه من حلية الحق، فيظن أنه هو فيقول أنا الحق». وهو نفس الوهم الذي سبق أن وقع به النصارى وهم ينظرون إلى المسيح «فرأوا إشراق نور الله قد تلألأ فيه فغلطوا فيه، كمن يرى كوكباً في مرآة، أو في ماء فيظن أن الكوكب في المرآة أو في الماء فيمدّ يده إليه ليأخذه وهو مغرور» .
لذلك كان العلاج الوحيد الذي يراه الغزالي لمثل هذه المشكلة من الوهم هو العودة إلى «سلطان العقل الذي هو ميزان الله في أرضه»، فلو أن العرفاء رجعوا إليه بعد وجدهم وسكرهم لعلموا «أن ذلك لم يكن حقيقة الإتحاد بل شبه الإتحاد، مثل قول العاشق في حال فرط عشقه: أنا من أهوى ومن أهوى أنا...» . مما يعني أن التمايز بين أهل الشطح وأهل العقل هو تمايز قائم على نوع علاقة الشبه، إن كانت وحدوية لا عقلية أو ثنائية عقلية.
ولم يكتف الغزالي بهذا، فله أيضاً بعض التبريرات والتوجيهات التي تمس جُمل العرفاء الشطحية. فهو يرى أنهم اضطروا إلى تلك العبارات مبالغة في التوحيد كي لا يقعوا في الشرك، فبعضهم قال «ما في الجبة إلا الله»، وبعض آخر قال «سبحاني سبحاني ما أعظم شأني»، كل ذلك كي لا يكون هناك فرق، فلو «قلنا سبحان الله، فمعناه نفي الشريك ولا يكون النفي إلا مع توهم الشريك. فالموحدون منهم بلغ بهم التوحيد إلى أن رأوا التبري منه سوء أدب». ومع ذلك فالغزالي يرى أنه لا معنى لهذا الهرب من إنساب الكلام لله والنطق به، إذ وقع العرفاء بما هو أشد من سوء الأدب ذاك، فمثلهم كمثل الفلاسفة الذين زعموا «ان الباري تعالى لا يقال له موجود فإن ذلك يؤدي إلى دخوله مع الموجودات تحت الجنس»، مع أن هذا القول هو «نفي معنى» لوجوده .
وهناك محاولة أخرى اعتمدها الغزالي لتوجيه بعض العبارات الشطحية وتأويلها. فهو يرى أنه «قد أخطأ من قال أنا الحق إلا بأحد تأويلين أحدهما أن يعني أنه بالحق، وهذا التأويل بعيد لأن اللفظ لا ينبئ عنه ولأن ذلك لا يخصه، بل كل شيء سوى الحق فهو بالحق. التأويل الثاني أن يكون مستغرقاً بالحق حتى لا يكون فيه متسع لغيره وما أخذ كلية الشيء واستغرقه فقد يقال أنه هو هو كما يقول الشاعر: أنا من أهوى ومن أهوى أنا. ويعني به الاستغراق، وأهل التصوف لما كان الغالب عليهم رؤية فناء أنفسهم من حيث ذاتهم كان الجاري على لسانهم من أسماء الله تعالى في أكثر الأحوال هو الحق لأنهم يلحظون الذات الحقيقية دون ما هو هالك في نفسه..». وبهذا يصدق عليهم قول الشاعر:
رقّ الزجاج وراقت الخمر فتشابها فتشاكل الأمر
فكأنما خمر ولا قدح وكأنما قدح ولا خمر
وقريب من المعنى الأخير ما ذكره القونوي الذي أحال الإتحاد والحلول في بعض رسائله، إذ لا يوجد إلا وجود واحد هو الحق المطلق، أما الأشياء فهي موجودة به معدومة بنفسها. لهذا فقد وجّه مقالة الصوفية في الإتحاد بمعنى شهود الوجود الحق الذي به الكل موجود، إذ «يتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجوداً به ومعدوماً في نفسه، لا من حيث أن له وجوداً خاصاً اتحد به الكل، فإنه محال» .
وهناك من قدّم العذر لأصحاب الشطحات كما هو حال إبن خلدون الذي اعتبرهم أهل غيبة عن الحس، فالواردات تملكهم حتى ينطقوا بما لا يقصدون. وعلى رأيه أن صاحب الغيبة غير مخاطب والمجبور معذور .
أما لدى العرفاء أنفسهم فالأمر لا يستحق مثل هذه التخريجات والتأويلات التي اصطنعها لهم الغزالي - وغيره - كدفاع عن منطق العقل في نظام السببية. فهم يثبتون هذه المعاني الصوفية ويدافعون عنها. فبعضهم لا يعيب على أصحاب الشطح مقالاتهم، كما هو الحال مع العارف الشيخ أحمد الطيب الذي يقول: فمن قال أنا الله، علينا أن نسلم ونستسلم له، فإنه نور من ربه. وقد قال عبد الكريم الجيلي:
فصرت أنا هي، وهي صارت كذا أنا ومن بيننا كاف المخاطب ضائع
كما استعان بعض بشاهد كمثال لتقريب المعنى على صدق عبارات أصحاب الشطح، كما هو الحال مع العارف حيدر الآملي الذي يقول: «قد ضرب أهل الله.. مثالاً لطيفاً لئلا يتوهم الجاهل أن كلامهم ليس له تحقيق، وهو أنهم قالوا نفرض هناك ناراً موصوفة بالضوء والاحراق والحرارة والانضاج وغير ذلك، ونفرض بازائها فحماً موصوفاً بالظلمة والكدورة وعدم الحرارة والانضاج، ثم نفرض أنه حصل لهذا الفحم قرباً إلى تلك النار بالتدريج واتصف بجميع صفاتها فصار ناراً، وحصل منه ما يحصل من النار، وبل صار هو هي، أفلا يجوز له أن يقول أنا النار؟ كما قال العارف أنا الحق. ومعلوم أنه يجوز لأنه صادق في قوله، وفيه قيل: أنا من أهوى ومن أهوى أنا» .
حتى أن بعض من اشتهر بنزعته الفلسفية اقترب أيضاً من هذا المعنى، تاركاً العقل ونظام السببية وراءه، كما هو الحال مع نصير الدين الطوسي الذي فسّر شطحة أبي يزيد البسطامي «سبحاني سبحاني ما أعظم شأني» وشطحة الحلاج «أنا الحق» بأن «أياً منهما لم يدّع دعوى الإلهية، بل دعوى نفي أنيته ليثبت أنية غيره، وهو المطلق» .

3 ـ تكامل الجهازين
من المبرر له أن يكون الإشتراك في المولّد المعرفي لكل من الفلسفة والعرفان قادراً على جعل جهازيهما جهازين متكاملين. فالرؤية التي ينتجها أحدهما تكاد تكون متماثلة مع الأخرى. إذ الإختلاف الذي سبق أن حددناه بينهما - والقائم بين نظام السببية واللاسببية، أو الثنائية والوحدة - هو إختلاف قابل للتلاشي والاختراق، إلى الحد الذي يمكن للوجودي أن ينقلب فيه من رؤية إلى منافستها. فهناك شعرة قصيرة بين الرؤيتين قابلة للقطع لأدنى سبب ومناسبة، وهو ما يفضي بالجهازين مما يبدو عليهما من نزاع وصراع إلى التعاون والتكامل، بحيث أن الرؤية لدى أحدهما تجر إلى الأخرى أو تتممها، بلا تنازع ولا إختلاف. ورغم ما يبدو لدى البعض بأن هناك إختلافاً جذرياً بين المشربين، فإن التدقيق في الأمر يجعل المرء يذعن إلى الوحدة والإتفاق بينهما طبقاً للمولّد المشترك.
وقديماً كان افلوطين يعرض أفكاره بحسب الطريقة العقلية، لكنه مع هذا لا يتخلى أحياناً عن نزعته العرفانية. فليس فقط أن الكثير من آراءه كان مقتبساً من عرفانيات نومانيوس، كما اتهمه على ذلك تلامذته ، بل كذلك أنه لم يتخلّ عن العرفان كمنهج وطريقة، فله مكاشفاته عن النفس عند خلوته بنفسه وخلعه بدنه جانباً ثم رؤيته ذاته في حسن وبهاء وضياء، حتى ارتاضت نفسه على ذلك فارتقت واتصلت بالعالم الإلهي، كما هو قول الصوفية .
إلا أن عملية الجمع والتكامل بين الفلسفة والعرفان غالباً ما كانت لصالح الأخير منهما. أما الفلسفة فقد كان مصيرها لا يعدو أكثر من مقدمة ممهدة له على صعيد الرؤية. فحتى الفلاسفة الذين أبدوا امتعاضاً من العرفان لم تتخلص رؤاهم من هذا المصير، إذ وضعوا فلسفاتهم في النهاية لخدمة الرؤية العرفانية. فإبن باجة مثلاً يقسم المراحل المعرفية للناس فينهيها نهاية عرفانية تخص الفلاسفة، فيجعل منهم يدركون الشيء فيصيرون هم نفس هذا الشيء المدرك، أو أنهم يرون الشيء بنفسه، وذلك بعد تدرجهم من مرحلة الجمهور فمرحلة النظّار الطبيعيين حتى يصلوا أخيراً إلى مرحلة الفلاسفة ، فعند ذاك يكون الفيلسوف تام العقل، إذ ينظر إلى كل شيء بعين العقل فيرى العقل في كل شيء ويصير هو إياه، وهي السعادة القصوى .
وكأن إبن باجة بهذا لم يعترض على العرفان إعتراضاً جذرياً من حيث الرؤية، بقدر ما كان يشترط تقدم النظر العقلي عليه كشرط أساس وطبيعي، إذ يرى أن مجاهدات الصوفية ورياضاتهم ترمي إلى تجنيد قوى النفس الثلاث (الحس المشترك والمخيلة والذاكرة) لتجتمع على صورة روحانية واحدة تظهر كأنها محسوسة، فيشاهد ما هو عجيب من فعل إجتماع تلك القوى، حيث تُرى «صور غريبة ومحسوسات بالقوة هائلة المنظر وأنفس أحسن كثيراً مما في الوجود..». لكنه مع ذلك لا يعتبر هذه المشاهدات غاية الإنسان وسعادته القصوى، بل أنه يشكك في صدقها ويرى أنها من الظنون بإعتبارها أمراً خارجاً عن الطبع ، إذ لا بد من استكمال التدرج العقلي الذي يتحقق به إتحاد العقل بما يدرك ويصير هو إياه، مما ينتج عنه السعادة القصوى. وبذلك فإن إبن باجة قد وقع في نفس مستنقع العرفان ولو بصورة «خجولة» غير معلنة. فعملية الإتحاد ما زالت تنتظم انتظاماً مضاداً للانتظام العقلي بإعتبارها تعني خرقاً لقانون السببية في حفظ مراتب العلة والمعلول.
وحال إبن رشد لا يختلف عن حال سابقه إبن باجة، فهو أيضاً يؤيد طريقة هذا الأخير ويعتبرها برهانية. إذ لا يؤاخذ العرفان إلا لكونه لم يتخذ السلوك الطبيعي للتدرج العلمي، وبالتالي يرى - هو الآخر - أن العقل والتعليم شرط طبيعي للوصول إلى حالة الإتحاد كغاية قصوى، ويذكر بأن «هذه الحال من الإتحاد هي التي ترومها الصوفية، وبيّن أنهم لم يصلوها قط، إذ كان من الضروري في وصولها معرفة العلوم النظرية... ولذلك كانت هذه الحال كأنها كمال إلهي للإنسان» . كما يقول في محل آخر: «أما الصوفية فطرقهم في النظر ليست طرقاً نظرية، أعني مركبة من مقدمات وأقيسة، وإنما يزعمون أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجردها من العوارض الشهوانية واقبالها بالفكرة على المطلوب.. ونحن نقول أن هذه الطريقة وأن سلّمنا وجودها، فإنها ليست عامة للناس بما هم ناس، ولو كانت هذه الطريقة هي المقصودة بالناس لبطلت طريقة النظر، ولكان وجودها عبثاً، والقرآن إنما هو دعاء إلى النظر والإعتبار وتنبيه إلى طريق النظر» .
وهذا يعني أن الفلسفة وإن كانت ترتكز إلى طريقة العقل والتفكير النظري من التعليم الكسبي، لكنها تفضي إلى نهاية عرفانية لا تنتظم ضمن منطق العقل وشروطه في حفظ مراتب العلة والمعلول. وفعلاً أن لإبن رشد رؤية عرفانية إتحادية تتجلى في نظريته الخاصة بخلود النفس، والتي يضن بها على الجمهور والعامة. فهو يرى أن زيداً من الناس هو غير عمرو بالعدد، لكنه هو وعمرو واحد من حيث الصورة أو النفس، وهذا يعني أن نفس زيد وعمرو هي واحدة بالصورة، وإنما لحقت الكثرة العددية لهما أو القسمة بينهما من قبل المادة. ويضرب على ذلك مثلاً فيرى أنه مثلما أن الجسم ينقسم بالذات، وأن البياض منقسم بالعرض، إذ ينقسم بإنقسام الأجسام، فكذا في علاقة النفس بالبدن، أو الصورة بالمادة، فالنفس والصورة تنقسم بالعرض بإنقسام محلها من البدن والمادة. وعليه إذا فارقت النفوس الأبدان فإنها ستعود واحدة بالعدد حيث لا مادة هناك. أي أن الخلود عنده هو خلود جمعي إتحادي، مشبّهاً ذلك بالضوء، حيث ينقسم بإنقسام الأجسام المضيئة، ثم يتحد عند إنتفاء الأجسام، وكذا الأمر في النفوس مع الأبدان، إذ تتحد بإنتفاء هذه الأخيرة .
كذلك فهو يشير في نظريته عن الوجود الواحد المتعدد الرتب إلى نفس مقالة الصوفية (لا هو إلا هو)، وتكاد رؤيته العامة للوجود تمسّ المنظور الصوفي له - إن لم نقل أنها مسّته فعلاً - في الوقت الذي كانت تتبع فيه خطى طريقة الغزالي في مشاكلات المراتب الوجودية، وهي الطريقة التي تبنّاها بعده صدر المتألهين، والتي كان لها الأثر الحاسم في تغيير طريقة التعامل مع الشريعة من موقع نظرية «التمثيل» والتأويل القائم على الباطن إلى موقع آخر يعتمد على الظاهر من خلال نظرية «المشاكلة» للموجود الواحد. فإبن رشد يعتبر للشيء الواحد أطواراً ومراتب من الوجود بعضها أشرف من البعض الآخر، كما هو معلوم من أمر النفس من حيث تكاثر أطوارها مع أنها شيء واحد. فمثلاً «أن اللون نجد له مراتب في الوجود بعضها أشرف من بعض، وذلك أن أخس مراتبه هو وجوده في الهيولى، وله وجود أشرف من هذا وهو وجوده في البصر، وذلك أن هذا الوجود هو وجود للون مدرك لذاته، والذي له في الهيولى هو وجود جمادي غير مدرك لذاته، وقد تبيّن أيضاً في علم النفس أن للون وجوداً أيضاً في القوة الخيالية وأنه أشرف من وجوده في القوة الباصرة، وكذلك تبيّن أن له في قوة الذاكرة وجوداً أشرف من وجوده في القوة الخيالية، وأن له في العقل وجوداً أشرف من جميع هذه الوجودات، وكذلك نعتقد أن له في ذات العلم الأول وجوداً أشرف من جميع وجوداته، وهو الوجود الذي لا يمكن أن يوجد وجود أشرف منه» .
فهو في هذه الطريقة التي يتبع فيها فلاسفة المشرق كالغزالي ومن على شاكلته، يدرك أنها لا تفضي فقط إلى أن يكون المبدأ الأول عبارة عن الموجودات كلها، بل وأنها تعني نفس ما قاله «رؤساء الصوفية (لا هو إلا هو)» كما أشار بنفسه إلى ذلك، معتبراً أن هذا الإعتقاد «هو من علم الراسخين في العلم» الذي ينبغي أن يضن به على كل من هو ليس من أهله .
ومما له دلالة في الأمر تلك المحاورة التي جرت بين إبن رشد وهو في أواخر عمره، وبين إبن عربي وكان - آنذاك - فتى يافعاً، وهي تدلنا على نوع العلاقة التي تربط الفلسفة بالعرفان، فقد أصبح شيخ الفلسفة الكهل يستفتي فتى العرفان عن حقيقة أمره وفلسفته وما عساها أن تكون مدركة للحق واصابته، في الحال الذي يطلعه الفتى عن بقاء الروح فيها، ولكن لا بالكامل، إذ لم تدرك من الحق إلا بعضاً، فهي حية ميتة، أو أنها بين بين. إذ يقول إبن عربي: «دخلت يوماً بقرطبة، على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي، لما سمعه وبلغه بما فتح الله عليّ في خلوتي، وكان يظهر التعجب مما سمع. فبعثني والدي إليه في حاجة، قصداً منه حتى يجتمع بي، فإنه كان من أصدقائه، وأنا صبي ما بقل وجهي، ولا طر شاربي. فلما دخلت عليه قام من مكانه اليّ محبة وإعظاماً، فعانقني وقال لي: نعم؟ فقلت له: نعم؟ فزاد فرحة بي لفهمي عنه، ثم استشعرت بما أفرحه من ذلك، فقلت له: لا. فانقبض وتغيّر لونه، وشكّ في ما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما أعطاه النظر؟ قلت له: نعم ولا، وبين نعم ولا تطير الأرواح. فاصفرّ لونه وقعد يحوقل، وعرف ما أشرت به إليه».
ثم أن إبن عربي يتحدث عن لقائه بابن رشد مرة أخرى فيقول: «وطلب إبن رشد من أبي بعد هذا الإجتماع أن يلتقي بنا ليعرض ما عنده علينا، لنرى أهو يوافق أم يخالف؟ فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي، فشكر الله إذ كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلاً وخرج مثل هذا الخروج من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة، وقال: هذه حالة اثبتناها وما رأينا لها أرباباً. فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها، الفاتحين مغاليق أبوابها، والحمد لله الذي خصّني برؤيته» .
أما عند فلاسفة المشرق فصورة التكامل بين الجهازين المعرفيين تبدو واضحة تماماً، وذلك منذ معلم الفلاسفة الفارابي وحتى خاتمهم صدر المتألهين. فالرؤية الفارابية وإن كانت فلسفية قائمة على إعتبارات العقل والتفكير النظري، إلا أنها ترتد أحياناً إلى المدخل العرفاني عبر مقالة الإتحاد الصوفية. فالفارابي وإن كان في بعض كتبه ينحى منحاً فلسفياً خالصاً فيعتبر سعادة الإنسان وكماله لا يتحققان عند بلوغ مرتبة العقل الفعال المسمى بالروح الأمين (جبريل)، بل دونه درجة، وذلك بتأمل الحقائق الأزلية فيه .. لكنه في محل آخر يرتد إلى الإتجاه الصوفي بجعل مآل الفلسفة عبارة عن العرفان، فيقرر بأن أقصى مراتب الكمال والسعادة التي يمكن أن يبلغها الإنسان هو أن يصير في مرتبة العقل الفعال أو الروح الأمين (جبريل)، ولا يحصل ذلك إلا بمفارقة الأجسام، فلا يحتاج في قوامه إلى شيء آخر مما هو دونه كالجسم والمادة وغيرهما، وأن يبقى على ذلك الكمال دائما ً.
وتتجلى الصورة أكثر لدى إبن سينا، فهو يعترف بإتفاق العرفاء مع الفلاسفة في ما يحصل للنفس من صعود ومصير. فالفلاسفة يرون أن هذه النفس تعمل على استكمال ذاتها بكسب العلم والمعرفة، مستعينة لذلك بآلة البدن، حتى يصل كمالها إلى أن لا تحتاج لهذه الآلة فتلتحق بالعالم الإلهي وتصبح ملكاً من ملائكته في سعادة لا نهاية لها، وهي نفس الرؤية التي يراها «جماعة من أرباب الرياضة وأصحاب المكاشفة، فإنهم شاهدوا جواهر أنفسهم عند انسلاخهم عن أبدانهم واتصالهم بالأنوار الإلهية».
ويُروى أن إبن سينا التقى بأبي سعيد الخير فتحدثا معاً ثم أنهما بعد أن افترقا وصف أحدهما الآخر، فقال أبو سعيد في حق إبن سينا: «إنه يعلم ما أُشاهد». في حين قال إبن سينا في حق أبي سعيد: «إنه يشاهد ما أعلم» .. هكذا فهناك عقل يعلم وقلب يشاهد والأمر واحد.
من هنا كانت رسالة (حي بن يقظان) دعماً لهذه السبيل، فهي تشدد على وجود إتفاق تام بين الفريقين: أصحاب المجاهدة والرياضة وأصحاب العلم الكسبي والعقلي. ففي القصة التي يشرح فيها إبن طفيل الفلسفة المشرقية لإبن سينا، يدرك حي بن يقظان أنه يرى في قلبه بالكشف نفس ما يعلمه صاحبه (أبسال) بالعقل. كما أن هذا الأخير يدرك بأن ما يكسبه من علم هو نفس ما يراه صاحبه من كشف.
ولو انتقلنا إلى الغزالي، فسنرى أنه عمل على تعزيز هذه الطريقة، ففي بعض تردداته اعترف بأنه لا فرق بين علم الكشف وعلم العقل الكسبي في إدراكهما الحقيقة، رغم إختلاف طريقهما. فالعلم الأول يأتي «من داخل القلب من الباب المفتوح إلى عالم الملكوت»، بينما العلم الآخر يأتي «من أبواب الحواس المفتوحة إلى عالم الملك». وبالتالي كان على المكتسب في الحالة الأولى أن يزيل الحجاب بنفسه ليصل إلى إدراك الحقيقة، بينما لا يحتاج العارف في حالة الكشف إلى ذلك، فالعناية الإلهية هي التي تتكفل بهذا الأمر .
وهو في مجال الرؤية يكاد يمسّ المنظور الصوفي من موقع فلسفي، إذ لا يجعل في الوجود موجوداً سوى الله من حيث الحقيقة، أما غيره فلا هوية له من حيث الحقيقة، أو أن حقيقته هي عدم محض، وإنْ أُعتبر موجوداً من حيث نسبته إلى الموجود الحق . وهو ما مهّد لبعض الإشراقيين من إعتبار هذه النسبة المطلق عليها «العلّية» بأنها نسبة إعتبارية، أو أن لها وجوداً من حيث الظاهر، وإن كانت الحقيقة باطناً تعبّر عن عدم وجود شيء في العين سواه. وهي الرؤية التي وظفها صدر المتألهين لتحقيق التكامل في العلاقة بين العرفان والفلسفة.
فقد سبق أن رأينا بأن موقف صدر المتألهين من العقل ينتابه شيء من التردد وهو يحاول رسم العلاقة الخاصة بينه وبين الكشف. ولهذا التردد إنعكاساته على صعيد الرؤية الوجودية. ففي بعض مواقف هذا الفيلسوف اعتبر للعقل قدرة على تمييز المكاشفات وتمحيصها؛ ليمنع به وحدة الوجود الصوفية التي تنادي بوجود واحد مطلق يجري مجرى الطبيعة الكلية في اتصافها مع أفرادها.
فمن الناحية المبدئية أن أي شيء إما أن يكون بشرط تعين الماهية أو بشرط اللاتعين أو لا بشرط التعين وعدمه. وعند الصوفية يكون الواجب تعالى عبارة عن الوجود الذي هو لا بشرط تعين الماهية وعدمه، مثلما هو الحال مع الكلي الطبيعي، وهم يسمونه «الوجود المطلق»، خلافاً لما عليه الفلاسفة حيث عدوّه من الوجود الذي هو بشرط عدم التعين ، أي هو على صيغة «بشرط لا». والفارق بين هذه الصيغة وبين الصيغة الصوفية «لا بشرط» هو فارق يعبّر عن تعدد الوجود الواجب وعدمه . فلدى الفلاسفة أن هناك تعدداً شخصياً في هذا الوجود، بحيث تكون المرتبة الإلهية محفوظة وغير ممتزجة مع غيرها من المراتب. في حين لا ترى الصوفية أي تعدد للواجب، بإعتبارها تعد الكثرة من مراتب الوجود المطلق البسيط. وهي ذريعة لدفع ما تُتهم به أنها تشتت حقيقة الواجب في هويات الأعدام وتفتتها في ظواهر الأجسام، فتكون قابلة للأعراض والجواهر، حيث لا يوجد في العين اثنان، بل وجود واحد ينتزع منه الماهيات المختلفة .
وقد واجهت هذه النظرية تهمة من قبل الفلاسفة الإشراقيين، وهي أنها تفضي إلى نفي الواجب أساساً، إذ الكلي الطبيعي لا يوجد إلا بأفراده، ومن ثم لا يكون هناك شيء سوى تعينات الكائنات المحدودة ، وهي نتيجة لا تختلف في المضمون عما يدّعيه الدهريون، سيما وقد سبق للجيلي أن صرح بالقول: «لا تقل أين الله وأين العالم فما ثم إلا الله المسمى بالعالم». وهناك من رد التهمة المذكورة معتبراً أن الصوفية لم تنكر وجود الواجب في الخارج، لأنها اعتبرت وجوده بوجود أفراده المنبسطة البسيطة، فيكون كل فرد واجب، وما القول بوجوده على نحو الكلي الطبيعي إلا لغرض تقريب المعنى إلى الأذهان القاصرة، إذ لا يدرك ذلك إلا بطور آخر وراء العقل .
مع أن النتيجة واحدة. ففي جميع الأحوال أن الصوفية لا تجعل للواجب مرتبة خاصة لا تجامع فيها بقية المراتب الأخرى. فالكل واحد، والكل في وحدة، والوحدة في الكل، من غير تمايز في الوجوب، وهو شبيه بما يقوله الدهريون من وجه.
لهذا اعترض صدر المتألهين على النظرية الصوفية بإعتبارها تتنافى مع ما يقره العقل من وجود الكثرة الثنائية حسب العلاقة الفلسفية للعلة والمعلول، بل وحاول أن يوجه كلام مشايخ العرفاء الكبار إلى صورة تقربها من الطريقة الفلسفية لوحدة الوجود، منكراً إبطال الصوفية للعقل عند طور الكشف، ومشدداً على صلاحيته في منعه لمثل هكذا تصورات. فهو يعلّق على هذا المعنى من وحدة الوجود ويقول: «لمّا كانت العبارة قاصرة عن أداء هذا المقصد لغموضه ودقّة مسلكه وبعد غوره يشتبه على الأذهان ويختلط عند العقول، ولهذا طعنوا في كلام هؤلاء الأكابر، بأنها مما يصادم العقل الصريح والبرهان الصحيح ويبطل به علم الحكمة وخصوصاً فن المفارقات الذي يثبت فيه تعدد العقول والنفوس والصور والأجرام، وأنحاء وجوداتها المتخالفة الماهيّات. وما أشد في السخافة، قول من اعتذر من قبلهم: إن أحكام العقل باطلة عند طور وراء طور العقل، كما أن أحكام الوهم باطلة عند طور العقل، ولم يعلموا أن مقتضى البرهان الصحيح مما ليس إنكاره في جبلّة العقل السليم من الأمراض والأسقام الباطنية، نعم ربما يكون بعض المراتب الكمالية مما يقصر عن غورها العقول السليمة، لغاية شرفها وعلوها عن إدراك العقول، لاستيطانها في هذه الدار وعدم مهاجرتها إلى عالم الأسرار، لا أن شيئاً من المطالب الحقّة مما يقدح فيها ويحكم بفسادها العقل السليم والذهن المستقيم، وقد صرّح بعض المحققين منهم بأن العقل حاكم لا يُعزل، كيف والأمور الجبلية واللوازم الطبيعية، من غير تعمّل وتصرف خارجي ومع عدم عائق ومانع عرضي، لا تكون باطلة قطعاً، إذ لا باطل ولا معطل في الوجودات الطبيعية الصادرة عن محض فيض الحق دون الصناعيات والتعليميات الحاصلة من تصرف المتخيلة وشيطنة الواهمة وجبلّة العقل الذي هو كلمة من كلمات الله التي لا تبديل لها، مما يحكم بتعداد الموجودات بحسب فطرتها الأصيلة» .
مع هذا فإن صدر المتألهين يجنح ويميل إلى وحدة الوجود الصوفية حتى في أشد كتبه نقداً للصوفية ودفاعاً عن منطق العقل، كما في كتابه (كسر أصنام الجاهلية). فمثلاً أنه يقول في الكتاب المشار إليه: «فكلما اشتدت المعرفة جلاءً وظهوراً، اشتد الشوق حدّة وقوة، وازدادت بإزائها الحركة والسلوك سعياً وإجتهاداً. وكلما قوي الشوق وازدادت الحركة كملت المعرفة كشفاً ووضوحاً، وهكذا إلى أن يتصل أول الدائرة بآخرها، ولم يبق في البين عارف ومعرفة غير المعروف، ومشتاق وشوق سوى المشتاق إليه، وسالك وسلوك سوى المسلوك إليه المقصود. فصار الأول عين الآخر، والباطن عين الظاهر، وانحصر الوجود في الموجود والمعبود، وطابق الشهود لما عليه في الواقع حكم الوجود لإزالة وساوس الوهم المضل والخيال الضال الموجب لإثبات الكثرة والإثنينية في الواجب الحق المتعال» .
وحقيقة ما رمى إليه هذا الفيلسوف الكبير هو سعيه للجمع والتوفيق بين العقل والكشف معاً، سواء على نحو المنهج والطريقة، أو على نحو الرؤية والمضمون. فمن الناحية المنهجية أنه يقول صراحة: «والأليق أن يمزج السالك إلى الله بين الطريقين، فلم تكن تصفيته خالية عن التفكير، ولا تفكره خالياً عن التصفية، بل يكون طريقه برزخاً جامعاً بين الطريقين كما هو منهج الحكماء الإشراقيين، إذ لا منافاة بينهما».
وقد أراد هذا الفيلسوف من عملية الجمع بين الأداتين التوفيق بين الرؤيتين الفلسفية والعرفانية، ولو بتوظيف إحداهما لحساب الأخرى. إذ رأى أن إدراك وحدة الوجود الصوفية ليس كما يُدعى بأنه وراء طور العقل، بل اعتقد بأن فهم هذا المعنى يحصل حتى في حدود هذا الطور الذي يتولى إثباته والبرهان عليه، واعترض على من يدعي عدم اطالة العقل لهذا المعنى وقال: «إني لأعلم من الفقراء من عنده أن فهم هذا المعنى من أطوار العقل، وقد أثبته وأقام البرهان عليه في بعض موارده من كتبه ورسائله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم» . وصرح في محل آخر عند اتمامه الكلام عن العلة والمعلول فقال: «كذلك هداني ربي بالبرهان النير العرشي إلى صراط مستقيم من كون الموجود والوجود منحصراً في حقيقة واحدة شخصية لا شريك له في الموجودية الحقيقية ولا ثاني له في العين وليس في دار الوجود غيره ديّار، وكلما يترآى في عالم الوجود أنه غير المعبود فإنما هو من ظهورات ذاته وتجليات صفاته التي في الحقيقة عين ذاته» .
وبذلك فإن صدر المتألهين خالف أولئك الذين يرون بأن هناك طوراً وراء طور العقل يحال على العقل أن يصل إليه. كما خالف في الوقت ذاته من ينكر وجود ذلك الطور وراء طور العقل، كالذي يدعيه المحقق اللاهيجي، إذ اعتبر بأن الإعتقاد بمثل ذلك الطور الخارق - سوى النبوة - يبطل الشرائع والأحكام العقلية والنقلية، ويرفع الأمان ويسد باب الإيمان . فالذي يراه هذا الحكيم الإشراقي هو الإعتراف بوجود ما هو وراء طور العقل، لكن ذلك لا يمنع العقل من أن يصل إلى إثباته والبرهان عليه.
ولا شك أن الرؤية التوفيقية التي يتحدث عنها صدر المتألهين قد أفادت من تحقيق المحققين الإشراقيين الذين استهدفوا توظيف الفلسفة لخدمة العرفان، وذلك بتحويل الثنائية التي تقتضيها علاقة العلية إلى وحدة وجود عبر جعل النسبة بين العلة والمعلول إعتبارية محضة، كما يوضح ذلك المحقق الخفري. إذ يرى: «أن المعلول عند المحققين يكون حيثية إعتبارية لعلته التامة، فيكون الإيجاد عندهم عبارة عن صيرورة الوجود الحقيقي ذا ظاهر، فالحق هو الوجود الحقيقي والخلق هو ظاهره، والظاهر والباطن لا تغاير بينهما بالذات في الأعيان، بل إنما يكون التغاير بينهما بالإعتبار والتعقل، وأخيراً التنزيل عن هذا بقوله تعالى ((هو الأول والآخر والظاهر والباطن)) . فالإيجاد عندهم هو صيرورة الوجود الحقيقي ذا حيثيات ظهورية انتزاعية، وإن شئت قلت: هو عبارة عن صيرورة الوجود الحقيقي متعيناً بالتعينات الممكنة الإعتبارية، وإن شئت قلت: هو عبارة عن إنبساط الوجود الحقيقي في الممكنات، وإن شئت قلت: هو عبارة عن صيرورة الوجود الحقيقي ذا حيثية انتزاع الماهيات الممكنة». كذلك فإنه يقول: «إن التغاير بين الوجود الحقيقي الذي هو موجود بذاته وبين الممكنات التي هي موجودة بإعتبار إرتباطها بذلك الموجود، ليس خارجاً بأن يكون لكلٍ هوية، بل إنما يكون في التصور والإعتبار» .
وقد فعل صدر المتألهين الشيء ذاته، فجعل من النظر العقلي موظفاً للسلوك العرفاني، لتقارب رؤيتيهما، فرأى أنه ليست لحقيقة المعلول هوية مباينة لحقيقة العلة المفيضة إياه «حتى يكون للعقل أن يشير إلى هوية ذات المعلول مع قطع النظر عن هوية موجدها، فيكون هويتان مستقلتان في التعقل أحدهما مفيضاً والآخر مفاضاً، إذ لو كان كذلك لزم أن يكون للمعلول ذات سوى معنى كونه معلولاً لكونه متعقلاً من غير تعقل علته وإضافته إليها، والمعلول بما هو معلول لا يعقل إلا مضافاً إلى العلة، فانفسخ ما أصلناه من الضابط في كون الشيء علة ومعلول. هذا خلف، فإذاً المعلول بالذات لا حقيقة له بهذا الإعتبار سوى كونه مضافاً ولاحقاً ولا معنى له غير كونه أثراً وتابعاً من دون ذات تكون معروضة لهذه المعاني، كما أن العلة المفيضة على الإطلاق إنما كونها أصلاً ومبدءاً ومصموداً إليه وملحوقاً به ومتبوعاً هو عين ذاته، فإذا ثبت تناهي سلسلة الوجودات من العلل والمعلولات إلى ذات بسيطة الحقيقة النورية الوجودية متقدماً عن شوب كثرة ونقصان، وإمكان وقصور وخفاء، برئ الذات عن تعلق بأمر زائد حال أو محل خارج أو داخل، وثبت أنه بذاته فياض وبحقيقته ساطع وبهويته منوّر للسماوات والأرض، وبوجوده منشأ لعالم الخلق والأمر.. تبين وتحقق أن لجميع الموجودات أصلاً واحداً أو سنخاً فارداً هو الحقيقة والباقي شؤونه، وهو الذات وغيره أسماؤه ونعوته، وهو الأصل وما سواه أطواره وشؤونه، وهو الموجود وما ورائه جهاته وحيثياته. ولا يتوهمن أحد من هذه العبارات أن نسبة الممكنات إلى ذات القيوم تعالى تكون نسبة الحلول، هيهات أن الحالية والمحلية مما يقتضيان الإثنينية في الوجود بين الحال والمحل. وها هنا - أي عند طلوع شمس التحقيق من أفق العقل الإنساني المنَوّر بنور الهداية والتوفيق - ظهر أن لا ثاني للوجود الواحد الأحد الحق، واضمحلّت الكثرة الوهمية، وارتفعت أغاليط الأوهام، والآن حصحص الحق، وسطع نوره النافذ في هياكل الممكنات ((يقذف به على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق)) ، وللثنويين الويل مما يصفون إذ قد انكشف أن كل ما يقع إسم الوجود عليه ولو بنحوٍ من الأنحاء فليس إلا شأناً من شؤون الواحد القيومي ونعتاً من نعوت ذاته، ولمعة من لمعات صفاته. فما وصفناه أولاً أن في الوجود علة ومعلولاً بحسب النظر الجليل - أي العقل - قد آل آخر الأمر بحسب السلوك العرفاني إلى كون العلة منهما أمراً حقيقياً والمعلول جهة من جهاته، ورجعت علّية المسمى بالعلة وتأثيره للمعلول إلى تطوره بطور وتحيّثه بحيثية، لا إنفصال شيء مباين عنه» .
وهو في محل آخر كشف عن أن إعتبار إنعدام العلّية والتأثير بين الموجودات راجع إلى طبيعة التقدم في الوجود ذاته . ولكي يدفع عن نفسه التناقض بين إعتباره للعلية الفاعلة ونفيها، ذكر بأن المبدأ الأول بالقياس إلى الماهية الموجودة المعلولة يعتبر فاعلاً، أما بالنسبة إلى نفس الوجود الفايض عليها منه فيعتبر مقوماً لا فاعلاً، بإعتبار أن هذا الوجود غير مباين له. في حين ليس للمبدأ الأول بالقياس إلى نفس الماهية بما «هي هي» سببية ولا تقويم أصلاً .
وهو بهذا التحليل العقلي كشف حقيقة ما توصل إليه العرفاء بالكشف والشهود، لذلك صرح قائلاً: «انكشف حقيقة ما اتفق عليه أهل الكشف والشهود من أن الماهيات الإمكانية أمور عدمية.. لا بمعنى أنها من الإعتبارات الذهنية والمعقولات الثانية، بل بمعنى أنها غير موجودة لا في حد أنفسها ولا بحسب الواقع، لأن ما لا يكون وجوداً ولا موجوداً في حد نفسه لا يمكن أن يصير موجوداً بتأثير الغير وافاضته، بل الموجود هو الوجود وأطواره وشؤونه وأنحاؤه، والماهيات موجوديتها إنما هي بالعرض بواسطة تعلقها في العقل بمراتب الوجود وتطوره بأطوارها.. فحقايق الممكنات باقية على عدميتها أزلاً وأبداً، واستفادتها للوجود ليس على وجه يصير الوجود الحقيقي صفة لها، نعم هي تصير مظاهر ومرائي للوجود الحقيقي بسبب إجتماعها من تضاعيف الإمكانات الحاصلة لها من تنزلات الوجود مع بقائها على عدميتها الذاتية» .
والملاحظ أن هذه الرؤية شبيهة برؤية الغزالي، وإن كانت أعمق منها، إذ لم يشأ هذا الإمام أن يقضي على العلاقة الثنائية كما فعل صدر المتألهين من موقع العقل ذاته..
نعود لنقول: ليس هناك تبرير يجعل صدر المتألهين يستطيع أن يحول العلاقة الثنائية للعلية إلى الوحدة الصوفية لولا علاقة الشبه والسنخية. فمن منطلق أن هناك سنخية بين الوجود الحق وما دونه من المراتب، اعتبر هذا الوجود يفيض على ذاته، فهو «لغاية تمامية وفرط كماله فاض على ذاته من ذاته، وفاض ذاته لكونه فوق التمام من ذاته». وهذا الظهور الثانوي لذات الحق على نفسه هو ذاته المعبّر عنه بـ «نزول الوجود الواجبي بعبارة، والافاضة بعبارة أخرى، والنفس الرحمانية في إصطلاح قوم، والعلّية والتأثير في لسان قوم آخر، والمحبة الأفعالية عند أهل الذوق، والتجلي على الغير عند بعض» والذي نشأت منه الكثرة والتعدد .
فلولا الشبه والسنخية لتعذر تبرير الإعتقاد بتنزل وجود الحق في سائر المراتب الأخرى، وبالتالي القول بالوحدة المطلقة له، وإن كانت هذه الوحدة تتوسط بين طريقة العرفاء والفلاسفة، فهي تتضمن صدور الكثرة وإنبساطها عن الواحد الحق دفعة واحدة كما هي نظرية العرفاء. وتعد هذه الكثرة مطوية في وحدة حقيقية جامعة لكل الإختلافات، رغم تسلسلها الصدوري طبقاً لنظرية (الواحد لا يصدر عنه إلا واحد)، مما يعني أنها رهينة النظر الفلسفي في العلية.
ومن الواضح أن هذا الإنتقال من السنخية والشبه بين العلة والمعلول إلى الوحدة، رغم الإمضاء في حفظ المراتب المتعينة، هو نفسه يبرر القول بالإتحاد الصوفي بطريقة عقلية، كتوفيق بين الفلسفة والعرفان، أو العقل والكشف. ذلك أن من المستحيل أن تتحقق حالة الإتحاد كما يصورها العرفاء ما لم يؤخذ بإعتبار الشبه والوحدة الوجودية. فإذا كان صدر المتألهين إستطاع أن يبرر الوحدة عبر منطق الشبه والسنخية، فقد مكّنه ذلك - ولا شك - بأن يؤسس مقالته لتفسير حالة الإتحاد من خلال الوحدة المشبعة بمرايا الظل والشبه، وبالتالي يكون قد مهّد للمرمى الصوفي عبر الطريق الفلسفي.
فالإتجاه العام للفلاسفة منذ الفارابي يتنكر لمقالة الإتحاد الصوفي حفاظاً على العلاقة السببية في العلة والمعلول. فهو يكتفي ببلوغ مرحلة الاتصال دون الإتحاد، لذا يقرر بأن أقصى صور تحقيق كمال الإنسان وبهجته وسعادته هي بلوغ الاتصال بالعقل الفعال . وقد استمرت هذه النزعة عند الفلاسفة حتى لدى فيلسوف الإشراق السهروردي الذي أحال الإتحاد معترفاً بحدود الاتصال . كما ولقي هذا الإتجاه شيئاً من المجاراة لدى صدر المتألهين في بعض كتبه، فهو في كتاب (المبدأ والمعاد) حدّد غاية خلق الإنسان بمشاهدة المعقولات والاتصال بالمفارقات ومن ثم معرفة الحق وعبادته، وذلك بأن تصبح النفس عقلاً مستفاداً من العقل الفعال، فتتحقق بذلك الغاية القصوى من إيجاد عالم الخلق، إذ الإنسان الذي من فضائله تكونت سائر الأكوان يمثل كمال العود وصورته، مثلما يمثل العقل الفعال غاية عالم البدء وكماله .
ولا شك أن هذه النظرية من الاتصال بالمفارقات وتحول النفس إلى عقل مستفاد، لا يستفاد منها الإتحاد بمعناه الصوفي الذي يرى الكمال يتحقق بالإتحاد ذاته ولا يقف عند حد الاتصال، بل يتجاوزه إلى مرحلة الفناء عبر الحركة الجوهرية. فالغرض من الخلق عند صدر المتألهين هو وجود الله، وأن يصل كل ناقص إلى كماله، فتبلغ المادة إلى صورتها، والصورة إلى معناها ونفسها، وأن تلحق النفس إلى درجة العقل ومقام الروح، وفيها تكون السعادة والطمأنينة القصوتان .
إن فلسفة صدر المتألهين لعملية الإتحاد تقوم أساساً على ما أقره الفلاسفة بأن هناك حركة طبيعية للأشياء نحو معشوقاتها، غايتها التشبّه بهذه المعشوقات. لكن الجديد في فلسفته هو إتخاذ هذا «التشبّه» قنطرة للقول بالإتحاد. فقد اعتبر التكامل - من خلال الحركة - لا يحصل بمجرد تشبّه السافل العاشق بمعشوقه العالي، لأن التشبّه أمر ذهني لا وجود له في الخارج، ومن ثم فإنه ليس مقصوداً حقيقياً، وإنما يحصل بإتحاد العاشق بالمعشوق وصيرورته إياه. فالمراد الحقيقي للفلك - مثلاً - ليس مجرد التشبّه، بل الإتحاد والصيرورة بالجوهر العقلي الكامل، وهو مراده الكلي، وأما مراده الجزئي فهو أحد جزئياته الذي هو جوهر نفساني جزئي، فبهذا الشكل تتجدد للنفس الفلكية أمثال يتصل كل منها إلى العالم الأعلى وتتحد بالجوهر المفارق، ويوجد بدله، وهكذا على الدوام باستمرار ..
كذلك فإن النفس البشرية هي الأخرى تتحد أيضاً بالعقل الفعال، فتكون هي هو، وهو هي، حيث تبلغ درجة تكون جميع الموجودات أجزاء ذاتها، وتكون قوتها سارية في الجميع، ويكون وجودها غاية الكون والخليقة .
فبنظر فيلسوفنا أن هذا الشكل من الإتحاد لم يُدرك غوره ويُنل طوره أكثر الفلاسفة المسلمين، بل وينفي أن يكون أحد من علماء المسلمين قبله إستطاع تنقيحه. فعموم الفلاسفة قدحوا فيه وردوا على فرفريوس الذي نُسب إليه القول به، كما هو الحال مع إبن سينا الذي عرّضه فيلسوفنا للنقد لإنكاره هذا الإتحاد في بعض كتبه الفلسفية ، وأن أقرّ به في بعض رسائله العرفانية. لكن ظلت عملية تنقيحه وتحقيقه فلسفياً منوطة لأول مرة في تاريخ الفكر الوجودي بيد صدر المتألهين.
فهو قد أنكر الإتحاد بين أمرين متعددين بالفعل ليصيرا موجوداً واحداً، معتبراً ذلك مستحيلاً، لكنه جوّز صيرورة ذات واحدة بحيث تستكمل وتقوى في ذاتها وتشتد في طورها حتى تصبح أمر مصداق لم يكن مصداقاً لها في السابق؛ لسعة دائرة وجودها. فمعنى إتحاد النفس بالعقل الفعال هو صيرورتها في ذاتها عقلاً فعالاً للصور دون أن يتكثر العقل بالعدد، بل له وحدة جمعية أخرى، ليست كالوحدة العددية التي تكون لشخص من أشخاص نوع واحد بالعموم. فمع أن العقل الفعال فاعل للنفوس المتعلقة بالأبدان، إلا أنه في الوقت ذاته غاية كمالية مترتبة على هذه النفوس وصورة عقلية لها ومحيطة بها. فله وجودان، وجود في نفسه، ووجود في أنفسنا لأنفسنا، إذ كمال النفس البشرية وتمامها هو وجود العقل الفعال وصيرورتها إياه وإتحادها به. بذلك تصبح النفوس الإنسانية كأنها رقائق متشعبة عن ذلك العقل إلى الأبدان ثم راجعة إليه عند استكمالها وتجردها .
أما كيفية هذا الإتحاد فهو أن العالم العقلي، الذي وجدت منه النفوس وانتشرت إلى عالمنا الأرضي، هو عالم غير متناهي القوى والجهات والحيثيات الوجودية، وكلما انفصلت منه النفوس بقيت فيه القوة غير متناهية كما كانت على حالها لا تبيد ولا تنفد. وتتصف النفوس غير المتناهية في العالم العقلي بأنها ليست على نعت الكثرة العددية، ولا أنها ذات ترتيب ذاتي أو وضعي، فهي متحدة بهذا العالم، وهذا الأخير يمثل تمامها، وبالتالي فكلها شيء واحد وجوهر بسيط متحد عقلياً هو عبارة عما يطلق عليه روح القدس (جبريل)، أو رب النوع الإنساني. فمن هذا العالم تكثرت النفوس وتنزلت إلى عالم الدنيا، فصارت لضعف تجوهرها متشبثة بأبدان ساكنة في منازل سفلية، حيث لكل شيء أطوار وأكوان من الوجود بعضها أشرف من البعض الآخر مع بقاء الحقيقة الواحدة رغم إختلافها بالنقص والكمال . وبحسب هذه الأطوار فإن النفوس بما لها نشأة عقلية تكون قديمة، وبما لها نشأة جسمانية فإنها حادثة .
لكن صيرورة النفس البشرية عقلاً فعالاً لا يعني أنها تدرك كل ما يدركه العقل الفعال، ولا أنها كل هذا العقل كما هو في ذاته، بل هي في كل تعقل مجرد تكون متحدة به من جهة هذا التعقل، وكلما ازداد تعقلها ازداد إتحادها به . إضافة إلى أن هكذا إتحاد لا يعني حدوث تغير وتجدد وإستحالة كالذي يؤكد عليه صدر المتألهين.
فالسؤال عن كيفية حدوث الوجود المفارقي للنفس، مع أن الحادث عند الفلاسفة كما هو معلوم يفتقر إلى مادة والمجرد لا مادة له، هو سؤال يمكن الإجابة عليه بأن الحدوث النفسي الذي يحصل في عالمنا الأرضي يعبّر عن اتصال النفس بذلك المفارق وإنقلابها إليه، لا أن ذات هذا الوجود المفارق هو ما حصل له الحدوث والإنقلاب، بل النفس بما لها من إستعداد ومادة في تعلقها بالبدن، فآخر النشأة التعلقية للنفس هو أول درجات النشأة التجردية لها، والتحاق النفس إلى العالم المجرد المحض لا يفضي به إلى الحدوث والتغير، كما لا يتغير بإنبعاثها منه، فورود النفس إلى ذلك العالم بنحو صدورها منه؛ بلا إستحالة ولا تجدد ولا تغير .
هكذا للنفس البشرية مرتبتان في الوجود، إحداهما متصلة بالطبيعة البدنية، والأخرى متصلة بالجوهر العقلي ومستمدة منه. ففي المرتبة التي تتعلق فيها بالبدن تكون متبدلة فانية غير باقية، أما في مرتبتها العقلية فإنها ثابتة باقية مستمرة، فالعالم العقلي محفوظ عن التغير والفناء خلافاً لعالم الطبيعة المتجدد، والنفس مترددة بين العالمين، إذ لها وجه إلى الطبيعة ووجه آخر إلى العقل، فبوجهها الطبيعي تندثر وتضمحل، أما بوجهها العقلي فتحشر إلى عالم العقل ومأوى الأرواح فتعود إلى الله تعالى كما بدأت منه .
إضافة إلى وجود هاتين المرتبتين للنفس فلها مرتبة ثالثة تتوسط بين العالمين العقلي والطبيعي، وهو عالمها المثالي بعد مفارقة البدن الطبيعي كلياً . كما أن لكل من هذه المقامات الثلاثة درجات تتفاوت في القوة والضعف والكمال والنقص، كإن يكون حس أقوى من حس آخر لها، كالبصر بالقياس مع السمع، وما إلى ذلك. ورغم كثرة هذه الدرجات والمقامات فإنها لا تتنافى مع وحدة وجودها وهويتها. وكذا الحال مع العقول التي هي أولى بذلك من النفوس، فلكل عقل وحدة جمعية تنطوي فيه مراتب وحدود غير متناهية، وكلها توجد بوجود واحد إجمالي، أعلاها وأشدها هو ما يلي أدون مراتب ما هو فوقه، وأدناها وأنقصها هو ما يليه أعلى مراتب ما هو تحته ويتلوه في سلسلة الإبداع .
وعليه فمن خلال مقالة إتحاد العاقل بالمعقول ظهر تفسير العديد من المسائل الفلسفية والعرفانية والدينية، كمسألة السعادة وغاية الخلق، والمقامات المتعددة للإنسان، سيما الكاملين منهم كالعرفاء والأولياء والأنبياء، وكذلك مسألة الحشر والفناء، على ما فصلنا الحديث عنها في (الفلسفة والعرفان والإشكاليات الدينية).
هذا ما يتعلق بإتحاد النفس البشرية وهي في جريها نحو العقل. لكن ماذا عن إتحاد العارف بالله كما تصر عليه الصوفية؟
واقع الأمر أن هناك تردداً واضحاً يظهره صدر المتألهين، فهو تارة يتبع التقليد الفلسفي نافياً الإتحاد وموجهاً المقالة الصوفية وجْهة أخرى، لكنه تارة ثانية يؤيد هذه المقالة ويبررها فلسفياً. ففي التقليد الفلسفي يقرُّ بأن هناك حجباً نورانية وظلمانية كثيرة تحجب عن معرفة الله ومشاهدته والاتصال به، حتى قدّر لجبريل أن يكون محتجباً عنه بآلاف الحجب، فكيف الحال بغيره من أفراد البشر الناقصين ؟!
وهو قد اعترف بعجز الإنسان عن أن يخرق تلك الحجب مهما تكامل وتسامى في الرفعة والعلو، بل وأقر بأن الممكنات قد لا يمكنها مشاهدة ذاته تعالى إلا من وراء حجاب أو حجب، بما في ذلك المعلول الأول الذي أجاز أن لا يشاهد ذاته تعالى إلا بواسطة مشاهدة نفس ذاته الممكنة، فيكون شهوده للحق بحسب شهود ذاته لا بحسب المشهود عليه. ومع هذا فإنه اعتبر ذلك لا يتنافى مع ادعاء العارفين بالفناء، بإعتبار أن الفناء يحصل بترك الإلتفات إلى النفس والاقبال بكلية الذات إلى الحق .
لكنه من جهة أخرى لجأ إلى المقالة الصوفية فاعتبر أن جميع الحجب النورية والظلمانية مرتفعة بحق العارفين، مما يجعلهم يشهدونه مشاهدة عينية دائمة دنيا وآخرة .
كذلك فهو من جهة أقرّ بإستحالة تعقل الحق وتصوره في الأذهان والعقول، معللاً ذلك بما يلزم عن تعقله من إنقلاب حقيقته، حيث يصبح أمراً ذهنياً مع أنه لا في موضوع، فضلاً عن أن المعلول لا يمكنه أن يتعقل علته إلا إذا كان المعلول علة والعلة معلولاً، فبحسب مفهوم قاعدة (العلم بالعلة يستلزم العلم بالمعلول) فإن معلومية شيء لشيء آخر بالكنه يستلزم معلوليته له، وهو منتف بحق ذات الحق.. لكنه من جهة أخرى، ورغم الإقرار السابق، فإن فيلسوفنا أجاز إمكانية الوصول إلى معرفة ذات الحق بطريق أخرى ليس من خلال التصور الذهني والتعقلات، ولا من خلال علاقة السببية بإحاطة المعلول للعلة، مما هو مستحيل، بل من خلال فناء السالك عن نفسه واندكاك جبل أنيته، حتى يصبح الأمر واحداً صرفاً، فتشهد ذات الحق على ذاته، كما قال بعض العارفين: «عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي» . وعليه صرح بأن العارفين إذا وصلوا إلى لجة بحر الحقيقة كوشفوا بهوية الحق، وإذا استغرقوا في بحر الهوية الأحدية وبقوا ببقاء الإلوهية عرفوا الله بالله، وعرفوا به كل شيء .
فهذا هو الإتحاد الصوفي الذي يجوز تبريره فلسفياً إذا ما كانت الحقيقة هي حقيقة واحدة لها أطوارها وفنونها «فكل وجود سوى الحق الواحد لمعة من لمعات ذاته ووجه من وجوهه، وأن لجميع الموجودات أصلاً واحداً هو محقق الحقايق ومشيئ الأشياء ومذوت الذوات، فهو الحقيقة والباقي شؤونه، وهو النور والباقي سطوعه، وهو الأصل وما عداه ظهوراته وتجلياته، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن» . فحيث أن لهذه الحقيقة الواحدة قابلية على الإنبساط والقبض، فإنها من حيث إنبساطها يحصل ما يطلق عليه النزول والخلق والصدور، وهو أشبه بالحلول، لكنها من حيث إنقباضها يحصل ما يطلق عليه الصعود والعودة والموت والفناء والإتحاد. فهي في كل آن أزلاً وأبداً في بسط وإنقباض، ونزول وصعود، وحلول وإتحاد... الخ.
***
هكذا يتبين بأن هناك شعرة طفيفة تفصل بين الطريقتين الفلسفية والصوفية، وعليها ظهرت تمثيلات معبّرة عن وحدة الوجود لدى العرفاء والإشراقيين؛ لكنها مختلطة لم يراعَ فيها التمييز وتخصيص المناسبة. فالذي يناسب الصوفية تمثيل هذه الوحدة بالكلي الطبيعي الذي وجوده بوجود أفراده، أو بالهيولى المتصورة بصور البسائط العنصرية ومركباتها، أو بالنفس والجسد من حيث سريان النفس بكافة الأعضاء، وكذا بالبحر وأمواجه، إذ ليس بينهما إختلاف إلا بإعتبار عقلي، لأن الأمواج ما هي إلا تشكيلات لذات البحر .
وتحضرنا بعض أبيات من الشعر تبدي هذا التمثيل للبحر على وحدة الوجود، كالتي انشدها التلمساني كالتالي:
البحر لا شك عندي في توحده وإنْ تعدد بالأمواج والزبد
فلا يغرنك ما شاهدت من صور فالواحد الرب ساري العين في العدد
وقوله:
فما البحر إلا الموج لا شيء غيره وإن فرقته كثرة المتعدد
وكذا ما قيل من الشعر:
البحر بحر على ما كان من قدم إن الحوادث أمواج وأنهار
لا يحجبنّك أشكال يشاكلها عمن تشكّل فيها فهي أستار
ومن التمثيلات الأخرى حدوث الدائرة من الشعلة الجوالة، إذ تتكون من حركتها السريعة دائرة موهومة في الخارج، مع أن الموجود هو النار وما عداها وهم لا حقيقة له. ومن ذلك أيضاً التمثيل بالمداد وعلاقته بالحروف، فظهور المداد في صور الحروف - كما يذكر الفيض الكاشاني - لا يقدح في صرافة وحدته ووحدة حقيقته، وكذا ظهور الوجود في صور الموجودات لا يقدح في صرافة وحدته ووحدة حقيقته، فليس في اللوح إلا المداد، ووجود الحروف أمر إعتباري، كذلك لا توجد حقيقة في العالم سوى الوجود المسمى بالحق، لأن سائر التعينات المتكثرة للموجودات ما هي إلا أمور إعتبارية وهمية. يضاف إلى أن «الحروف كلها بالمداد موجودة وبدونه معدومة، بل ليس في الحروف إلا المداد، بل ليس الحروف إلا المداد وإنما ظهر بصور الحروف، فكذلك العارف لا يشاهد بالحقيقة في أعيان العالم إلا الوجود الحق لعلمه بأن أعيان الموجودات كلها به موجودة، وبدونه معدومة، بل ليس في الوجود إلا هو وإنما ظهر بصور الأعيان» . كذلك التمثيل بانطباع صورة واحدة في مرايا متكثرة مختلفة التركيب، ومثله ما يحصل من أطوار لضوء الشمس في الزجاجات الملونة. فمع أن هذا الضوء لا تفاوت فيه ولا لون له في نفسه، إلا أنه يظهر في الزجاجات مختلفاً من حيث اللون والتفاوت طبقاً لأعيان هذه الزجاجات أو ماهياتها.
أما التمثيلات الدالة على ما يناسب أهل الإشراق، فمنها: استفادة نور القمر من الشمس. كما يناسبهم ببعض الإعتبارات المثال المتعلق بانطباع صورة واحدة في مرايا متكثرة، وكذا ما يحصل للنور في الزجاجات المختلفة. وأيضاً علاقة النفس بالبدن بإعتبار آخر، وهو أن السريان يتعلق بفعلها لا ذاتها.
كما أن علاقة الواحد بالعدد تارة تُمثَّل لتدل على ما يناسب الطريقة الإشراقية، وأخرى لتدل على ما يناسب الطريقة الصوفية. فالواحد موجود، وبوجوده توجد سائر الأرقام، فلا وجود للإثنين ما لم نضف إلى الواحد واحداً، وكذا الثلاثة توجد بإضافة الواحد إلى الإثنين، وهكذا إلى ما لا نهاية له، فلو فُني الواحد لفني كل العدد، في حين أن أيّ مرتبة تُعدم لا يؤدي إلى إنعدامه. وهذا التمثيل يمكن أن يناسب أهل الإشراق بلون من الإعتبار. لكن حين يعتبر الواحد نفس العدد، والعدد كله واحداً لأنه مشترك في جميع المراتب التي تعتبر تكراراً له، ففي هذه الحالة يصبح التمثيل مناسباً لطريقة الصوفية، إذ يكون دالاً على مقارنة الحق بالخلق، حيث يظهر بصور البسائط ثم المركبات، مع الاحتفاظ بوحدة الحقيقة ووهم التغاير الظاهر بينهما .
***
ننتهي إلى أن عرضنا السابق يكفي لاعادة النظر إتجاه الموقف المرسوم لكل من الفلسفة والتصوف. فالدراسات التي تعدّ العرفان عبارة عن «اللامعقول» أو «العقل المستقيل»، والتي تضع بينه وبين الفلسفة حاجزاً أصماً، هي دراسات موهومة طبقاً للعرض الذي قدمناه. صحيح أن الإتجاه العرفاني والباطني غالباً ما يبعد التفكير العقلي عن دائرته، كما وأنه كثيراً ما يظهر العلاقات المعرفية اللامعقولة، إلى الحد الذي يمكن أن يستدل من أي شيء على كل شيء، أو يقوم بجعل المعرفة تخدم أغراضاً مذهبية وآيديولوجية.. لكن رغم هذه المظاهر التي تلبسه ثوب «اللامعقول» أو «العقل المستقيل»، فإنه يظل من حيث الأساس مشدود الحركة والإرتباط بدينامو تفكير هو نفس الدينامو الذي يشغّل حركة التفكير الفلسفي، وإن اختلفا في بعض الإعتبارات. ومهما كانت حقيقة هذا الإختلاف فهو عند الوجوديين ليس أكثر من شعرة سرعان ما تقبل القطع، ففيه ينقلب الفيلسوف ليكون عارفاً، كما وينقلب العارف ليكون فيلسوفاً. فلهذا الإختلاط يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين الوجوديين، وتقدير أن هذا فيلسوف وذاك عارف. فإذا كان من الواضح أن أرسطو وإبن باجة وإبن رشد هم من الفلاسفة الصريحين، وكذا أن إبن عربي والآملي والجيلاني هم من العرفاء الصريحين، فإن أمثال إبن سينا والغزالي والسهروردي وصدر المتألهين يمكن عدّهم فلاسفة بإعتبارات معينة، وعرفاء ذوي نزعة باطنية بإعتبارات أخرى. يضاف إلى أن هناك بعض الوجوديين من لهم مداخل يدخلون من خلالها إلى غير البيوت المخصصة لهم، كما هو الحال مع إبن باجة، فمع أنه فيلسوف قح لكن له بعض المداخل الصوفية التي يتسلل من خلالها إلى بيت العرفان. بل أن هذا الأمر ينطبق على إبن رشد ذاته، فهو أيضاً يتسلل أحياناً إلى موقع آخر غير موقعه كفيلسوف. كل هذا التلون والإختلاط إنما يعود إلى وحدة الجامع المشترك لدينامو التفكير الوجودي.
على ذلك فإن ما يقيمه بعض المفكرين من حاجز معرفي أصم بين الفلسفة والعرفان يتعذر عليه أن يفسر ما كشفنا عنه من الإرتباط والإشتراك إلى درجة يكاد يصل إلى تماثل الرؤية، إستناداً إلى ذلك الجامع المشترك لدينامو التفكير الوجودي .
وما نريد التأكيد عليه أخيراً هو أن للفلاسفة إنتماءهم الخاص الذي يجعلهم يقفون على خشبة مسرح واحد. فآراؤهم وإن بدت مختلفة من هنا وهناك، إلا أنها غالباً ما تكون متفقة على النحو الكلي، فالمبررات والأسس التي تقوم عليها تظل محكومة بسلطة (القوانين الحكمية) ولو من بعض الوجوه. والأهم من ذلك كله هو أن هناك وحدة إبستمولوجية تجمعهم، فهي تجمع بين أرسطو وإبن سينا، كما وتجمع بين الفلسفة المغربية والفلسفة المشرقية ، وكذا بين الفلسفة عموماً والعرفان. فلكل هذه الثنايا والمجاميع وحدة تجمعها هي ما نعبّر عنها بدينامو التفكير الوجودي، أو الأصل المولّد الفعال كما يتمثل بالسنخية.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجابري والخلط بين مفكري اللحظة المغربية
- آليات قراءة النص الديني
- صدور كتاب جديد ليحيى محمد بعنوان منطق فهم النص
- علم الطريقة وفهم الخطاب الديني
- مقارنة بين العقل المثقف الديني والعقل الفقيه
- منطق السنخية والتنظير الفلسفي داخل الحضارة الإسلامية
- مع مشروع نقد (نقد العقل العربي)
- الفهم الديني: سننه وقوانينه وقواعده ومستنبطاته
- القطيعة بين إبن سينا وأرسطو (قراءة في مشروع المفكر محمد عابد ...
- ابن رشد وعلاقة الفلسفة بالدين


المزيد.....




- السعودية.. الداخلية تنشر صورة لسيدة من الأمن العام في الحرم ...
- توب 5: إيران ترحب بحوار مع السعودية.. وجائزة للجين الهذلول
- شاهد.. إنقاذ طفل من سكة قطار في اللحظة الأخيرة
- السعودية.. الداخلية تنشر صورة لسيدة من الأمن العام في الحرم ...
- باحثون: علاج بسيط للشخير قد يقلل أيضا من خطر الإصابة بالخرف! ...
- البحرين.. غلق 4 مساجد بسبب مخالفتها قيود كورونا
- السودان يلغي رسميا قانون مقاطعة إسرائيل
- إصابة أربعة فلسطينيين في اشتباكات مع الشرطة الإسرائيلية في ا ...
- شاهد: بوريس جونسون يستمتع بشرب نصف لتر من الجعة في حانة بوسط ...
- شاهد: بوريس جونسون يستمتع بشرب نصف لتر من الجعة في حانة بوسط ...


المزيد.....

- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي
- ازدياد التفاوت بين الطبقات الاجتماعية / زهير الخويلدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - يحيى محمد - الصراع والتكامل بين الفلسفة التقليدية والعرفان