أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - لجنة التضامن مع فلاحى الإصلاح الزراعى - مصر - تأملات أولية في جدول أعمال مقترح لقضايا الزراعة في مصر .. وتعقيب عليها















المزيد.....


تأملات أولية في جدول أعمال مقترح لقضايا الزراعة في مصر .. وتعقيب عليها


لجنة التضامن مع فلاحى الإصلاح الزراعى - مصر

الحوار المتمدن-العدد: 2464 - 2008 / 11 / 13 - 10:13
المحور: الحركة العمالية والنقابية
    


ملاحظة: التأملات بقلم الدكتور حسن أبو بكر .. الأستاذ بزراعة القاهرة ، والتعقيب لبشير صقر.. عضو لجنة التضامن مع فلاحى الإصلاح الزراعى - مصر

أولا: التأملات

تحديات عامة داخلية:

* نزوع رسم السياسات، والممارسات العملية لصالح الأغنياء المرتبطين بالسلطة.
* الفساد المتمثل في وقائع كثيرة صارت معروفة للمواطنين (تخصيص أراضي الدولة، تجارة المبيدات، الرشاوي....إلخ).
* الفتور الهمة العام وتدني الأداء القومي في قطاعات كثيرة منها الزراعة، وغياب الأمل في حدوث شئ جيد.
* الهوة الفاصلة بين صنع السياسات والقرارات من ناحية ورأي العلم والخبرة والكفاءة من ناحية أخرى.
* تدني التعليم عموما، وتدهور عقلية البحث العلمي وإمكانياته، وتدهور قيم المعرفة والابتكار والإبداع.
* الأمية التي لاتزال سائدة في الريف وفي قطاعه الزراعي بوجه خاص، وعلى الإخص بين النساء والبنات.
* تراجع دور مصر الإقليمي والدولي، مما يضعف من قدراتها التفاوضية وقدرتها على مقاومة الضغوط والتغيرات.

تحديات عالمية تزيد الضغوط على الزراعة المصرية:

* تغير مناخ كوكب الأرض بسبب تزايد انبعاثات غازات الإحتباس الحراري. وما قد يؤدي إليه من:
- غرق أجزاء من المناطق الشمالية للدلتا وساحل البحر المتوسط.
- تملح أجزاء أخرى من ارض الدلتا.
- ارتفاع درجة الحرارة وأثره على انتاجية محاصيل أساسية مثل القمح.
- تذبذب إيراد نهر النيل (ما بين سيناريوهات النقصان وسيناريوهات الفيضان).
- العواقب الديموجرافية والاجتماعية- الاقتصادية الناجمة عن ذلك.
- تأثر الدخل القومي عموما (السياحة على سبيل المثال).
- تاثر العلاقة مع الأسواق العالمية استيرادا وتصديرا.
* الاتجاهات الجديدة الخاصة بإنتاج الوقود من محاصيل الحبوب في بعض الدول (الولايات المتحدة- البرازيل على سبيل المثال)
* تغير معايير التجارة الدولية- سواء لأسباب سياسية، أو للمنافسة، أو لتنامي الوعي البيئي والاجتماعي لدي جماعات المستهلكين.
* استمرار علاقات التبادل غير العادلة فيما يخص أسعار المحاصيل الخام من ناحية وأسعار مستلزمات الانتاج (الخاضعة غالبا لما يشبه الاحتكار من قبل الشركات الزراعية الكبرى) وأسعار المنتجات المصنعة.
* تغير أساليب التجارة وأدواتها وتخلف السوق المصرى إزاءها.
* الأزمة المالية العالمية وتداعياتها المتوقعة.
* دور الشركات المتعددة الجنسية (المنتجات المهندسة وراثيا، الهجن والبذور عالية الإنتاجية- الكيماويات الزراعية ومستلزمات الإنتاج الأخرى... إلخ).
* دور مؤسسات التمويل الدولية.

فرص أمام الزراعة المصرية:

* وجود تجارب محدودة- لكنها هامة وتستحق الدراسة- لتدريب الفلاحين وتنظيمهم في جمعيات ، وتمكينهم من فرص الوصول إلى المعارف والتكنولوجيا والسوق.
* تجربة مدارس الفلاحين الحقلية في الفيوم والاسماعيلية.
* تنامي حركة الزراعة العضوية في مصر وارتباطها بمثيلاتها في العالم.
* ميزة نسبية –وإن كانت هشة ومهددة- للمزارعين المصريين في قطاعات محدة كالخضر والفاكهة والنباتات الطبية والعطرية.
* وجود بحوث ودراسات وتجارب محدودة لتقنيات معقولة وواعدة في الزراعة والتصنيع الزراعي والأعلاف والأسمدة العضوية وتدوير المخلفات.
* بنية أساسية ضخمة - يمكن تنشيطها وتطويرها- في مراكز البحوث الزراعية والجامعات وبعض الشركات.
* مقترحات جديدة متنوعة وغنية لزراعة بديلة تتحدى النمط الغربي السائد للزراعة القائمة على مدخلات عالية من خارج المزرعة - ينبغي الانفتاح عليها والاشتباك معها والاستفادة منها والإضافة إليها.

عناصر مهمة تشكل صورة الزراعة المصرية:

1- الريف والفلاحون
2- السياسات والقوانين والتشريعات
3- البحث والتدريب
4- الإرشاد الزراعي
5- الزراعة على جداول أعمال الأحزاب السياسية وفى الإعلام
6- الأرض والتربة الزراعية
7- الموارد المائية.
8- الطاقة
9- التكنولوجيا الزراعية.
10- الإنتاج الزراعى والحيوانى والفجوة الغذائية.

1- الريف والفلاحون:

يؤدي استمرار الفجوة الواسعة بين الريف والحضر، فيما يخص توزيع ثروات البلاد والتمتع بالخدمات الأساسية وفرص التنمية عموما، إلى تنامي البطالة في الريف واستمرار الهجرة الريفية الحضرية.
* يرتبط بذلك تدني الرعاية الصحية والتعليم وخدمات الإسكان واستمرار تهميش النساء والأطفال واستغلالهم في الزراعة بأجورأقل.
* الفلاحون هم المنتجون المباشرون العاملون في أراضيهم أو أراضي الغير (العمال الزراعيون).
* فرص الحصول على الأرض الزراعية: فقدان الفرصة أما الغالبية الساحقة، وصعوبتها أمام الكثيرين، مع استبعاد شبه كامل للنساء.
* تنظيم الفلاحين: غياب اتحادات ونقابات الفلاحين فعليا، وانهيار التعاون الزراعي تحت وطأة البيروقراطية وربطه بالدولة وانحسار دوره في دفع الانتاج الزراعي وتحسين أحوال الفلاحين.
- سيطرة كبار المزارعين والمصدرين على الاتحدات النوعية
- محدودية حجم وتأثير العمل الأهلي ( الجمعيات الأهلية وجمعيات تنمية المجتمع المحلي) بين صفوف الفلاحين وعمال الزراعة.
* أدى غياب تنظيمات الفلاحين إلى:
- صعوبة الحصول على التدريب والارشاد ( المعرف والتكنولوجيا)
- صعوبة الحصول على القروض ومستلزمات الإنتاج.
- التفاوت الفادح بين أسعار المحاصيل (سعر المزرعة) وسعر المستهلك (لصالح سلسلة التجار والوسطاء)
- تآكل الخبرات والمعارف التقليدية في الانتاج الزراعي والصناعات الريفية والتعامل مع الموارد البيئية المحلية والثقافة التقليدية عموما.
- صعوبة التعرف على، والاستفادة من، إبداعات وابتكارات الفلاحين.

2- السياسات والقوانين والتشريعات:

- أثر سياسات الكيف الهيكلي وقوانين الإيجارات الزراعية على حرمان صغار المزارعين من الحيازات الآمنة.
-انحياز السياسات والقوانين لكبار المزارعين والملاك والرأسمالية الزراعية الجديدة.
-المضاربة على الأرض.
- سوء توزيع الحيازة الزراعية، وغياب خريطة دقيقة لأنماط العلاقة بين الأرض والفلاح.
- تخبط السياسات فيما يتعلق بتوفير مستلزمات الإنتاج مما يتسبب في اختناقات وأزمات دورية يعاني منها الفلاحون ويمتد تأثيرها إلى المجتمع كله.
- غياب إرادة سياسية واضحة للحفاظ على الأرض الزراعية في الوادي والدلتا من التآكل والضياع.

3- البحث والتدريب:

- انهيار المدارس الثانوية الزراعية ضمن انهيار منظومة التعليم الفني عموما.
- ضعف الإقبال على دراسة الزراعة (كليات الزراعة) في السنوات الأخيرة.
- تدهور أوضاع البحث العلمى والتدريس في الجامعات ومراكز البحوث الزراعية.
- ضعف الصلة بين موضوعات البحوث والمشكلات التي تواجهها الزراعة في الواقع، وضعف قدرة مراكز البحوث على "الاستنفار" لحل المشكلات الحادثة في حينها (الذبابة البيضاء في أواخر الثمانينيات، آفات الموالح، سوسة النخيل..)
- الغياب شبه الكامل لمؤسسات تدريب العمال الزراعيين ورفع إنتاجيتهم وتمكينهم من اكتساب مهارات ومعارف تحسن أحوالهم (الفلاح الفلاح، والفلاح التاجر، والفلاح المصنع).

4- الإرشاد الزراعي:

ثمة مشكلة، تقترب من درجة الأزمة، في أوضاع الإرشاد الزراعي المرتبط أساسا بالدولة. فعلى الرغم من وجود بنية أساسية ضخمة متمثلة في المعاهد والإدارات وجيش كبير من المرشدين الزراعيين، إلا أن سيادة منهج المركزية وتدفق المعلومات من طرف واحد (من أعلى إلى أسفل دائما)، واعتماد أساليب قديمة لتوصيل المعارف والمستحدثات، وغياب التدريب أثناء الوظيفة، ونقص إمداد المرشدين بالمعلومات والأدوات والإمكانيات.. أدت كلها إلى قصور جهاز الإرشاد عن تأدية عمله، رغم الإعلان المتكرر عن أن الوظيفة الجديدة لوزارة الزراعة ستركز على رسم السياسات والإرشاد. ورغم ما كان يشاع دائما عن انحياز الإرشاد في تقديم خدماته إلى كبار الزراع ، إلا أنه يبدو أن الإرشاد صار الآن قاصرا حتى عن تقديم تلك الخدمات إلى كبار المزراعين الذين صارت فرص حصولهم على المعلومات من مصادر أخرى داخلية وخارجية أقوى بكثير.

5- الزراعة على جداول أعمال الأحزاب والقوى السياسية وفي وسائل الإعلام:

- غياب رؤية واضحة لمستقبل الزراعة المصرية وموقعها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
- سيادة الانطباعات والمقولات المرسلة، والنظرة الحزبية الضيقة لقضايا الزراعة لدي كثير من القوى السياسية.
- التناول غير الدقيق وغير المتخصص لقضايا الزراعة في وسائل الإعلام عموما.
- غياب المعلومات الدقيقة والمحدثة، وتضارب الأرقام والبيانات مما يجعل كل الجدل الدائر حول القضايا غير ذي معنى.

6- الأرض والتربة الزراعية:

* استمرار تآكل الأرض الزراعية الخصبة بالبناء عليها وضمها لكردونات المدن والعدوان عليها من قبل كل من الحكومة والأهالي على السواء
* تشوه وانحياز سياسات استصلاح الأراضي وزراعة الصحراء، ويتمثل ذلك في:
- سيادة أوهام "المشروعات العملاقة"
- منح الأرض لكبار الملاك المصريين وغير المصريين والشركات الكبيرة.
- تضاؤل فرص صغار الفلاحين وشباب المزارعين في الحصول على الأرض الجديدة
- سيادة الملكيات الغائبة والمظهرية الاجتماعية وتحويل الأرض الزراعية إلى مشروعات سياحية ومنتجعات... إلخ.
* تدهور خصوبة الأرض القديمة بسبب الإجهاد والتلوث بالكيماويات الزراعية وارتفاع مناسيب المياة الأرضية والملوحة.
[ذكرت دراسة حديثة للبنك الدولي أن مصر فقدت 3.6% من أرض الدلتا بين عامي 1972-1984، وأنها فقدت 5.7% مابين عامي 84-1990، وأنه بحلول 2010 ستكون مصر قد فقدت 12% من أجود أراضيها الزراعية خلال 38% سنة ماضية].
* عدم وضوح استراتيجيات مواجهة الضغوط على الأرض الزراعية.. بسبب الزيادة السكانية، ومنها مثلا قضية الزراعة خارج مصر (السودان على سبيل المثال).

7-المياة:

في رأيي أن المياة، ومعها الطاقة هما المحددان الرئيسيان للزراعة في مصر، كما هما في كل مكان. وهما يشكلان التحدي الأكبر أمام الزراعة المصرية الآن وفي المستقبل. ومن ثم فهما يستحقان الاهتمام الأكبر من قبل راسمي السياسات والباحثين على حد سواء.
وقضية المياة في الزراعة المصرية تشمل كمية الماء المتاح والثابت والنسبي للموارد المائية الحالية، ونوعية المياة (التدهور المستمر في نوعية المياة بسبب التلوث بمصادره المختلفة وبسبب إعادة استخدام المياة دون معالجة كافية) ، ويرتبط بهاتين القضيتين سؤال كيفية إدارة الطلب على المياة بما لها من أبعاد تكنولوجية واجتماعية وسياسية واقتصادية.
ومن القضايا ذات العلاقة هنا:
- سوء توزيع المياه على الفلاحين والأراضي.
- سياسات توزيع المياة على المشروعات الجد يدة.
- كفاءة استخدام المحاصيل المختلفة للمياه.
- دعاوي تسعير مياه الري.
تعثر تأسيس روابط مستخدمي المياه محاولات ربطها بالبيروقراطية وتجريدها من أبعادها المجتمعية والديمقراطية.
- البحث عن موارد إضافية للمياة: تحلية مياه البحر –ترشيد الري- النظر في المحاصيل العالية الاستهلاك للمياة – مشروعات أعالي النيل.
- الجوانب القانونية والتشريعية: القانون يجرم تلويث الموارد المائية، لكنه لا يجرم إهدارها.

8- الطاقة:

الطاقة المستخدمة في الزراعة ينبغي أن ينظر إليها بأنها كمية السعرات الحرارية المبذولة لإنتاج وحدة سعرات حرارية من الطعام مثلا. وللأسف تعتمد الزراعة السائدة في العالم (الغربي- الحديث) على قدر عال من المستلزمات الخارجية، وعلى كميات هائلة من طاقة الوقود الحفري القابلة للنضوب. وفي ضوء محدودية موارد مصر من هذا النوع من الطاقة (البترول والغاز الطبيعي) فإن الزراعة المصرية تواجه بالفعل أزمة طاقة حادة جدا. وحتى لو توفرت هذه المصادر، فسوف تظل الزراعة بعيدة تماما عن أن توصف بالاستدامة، أو حتى بالربحية ولا حل سوى في الاهتمام بمصادر الطاقة المتجددة (الشمس- الرياح- البيوجاز.. إلخ) وتعظيم الاستفادة من إمكانات النظم الطبيعية (التسميد العضوى والتسميد الحيوي) والتصنيع الزراعي غير المركزي، والنظر في الأساليب السائدة لنقل البضائع حاليا (إهمال النقل النهري والسكك الحديدية والاعتماد على الشاحنات أساسا).

9- التكنولوجيا الزراعية:

وهي ترتبط ارتباطا قويا بالنقطة السابقة (الطاقة)، كما ترتبط أيضا بالتدريب والبحث والتعليم، وهي مسألة وثيقة الصلة بالملاءمة الاجتماعية والاقتصادية، وبتنظيم الفلاحين في جمعيات تعاونية إنتاجية
ويرتبط بأوضاع التكنولوجيات الزراعية الراهنة عدد من القضايا الهامة:
- إهدار المياة
- تلوث التربة والمنتجات الزراعية وتأثر الحياة البرية والصحة العامة للمزارعين والمستهلكين (الاعتماد العالي على الكيماويات والزراعية)
- إهدار نسب عالية من المحاصيل ذاتها (ممارسات الحصاد وما بعد الحصاد بما في ذلك النقل والتسويق والتصنيع والتجهيز..)
- ترسيخ تبعية الفلاحين للشركات العالمية ووكلائها المحليين (الأصناف عالية الانتاجية/عالية الاحتياج للمستلزمات).
- غياب التكنولوجيات الملائمة للمزارعين الصغار والمساحات الصغيرة.

10- الإنتاج الزراعي والحيواني:

* تواجه مصر فجوة في إنتاج الحبوب والزيوت والبروتين الحيواني بما في ذلك البيض والألبان ومنتجاتها.
* والعجز عن تحقيق الاكتفاء الذاتي يفاقمه العجز عن التوصل لشروط تبادل عادل ومحترم مع الأسواق العالمية وإقليمية.
* وعدم حسم قضايا هامة مثل الإنتاج من أجل التصدير (حالة الأرز كمثال) والإنتاج من أجل سد احتياجات الشعب وتركها للمصدرين (في إطار تحرير الزراعة) يزيد من تشوه أوضاع الزراعة المصرية.
* ويزيد من فجوة اللحوم والبروتين الحيواني مشكلات مثل انفلونزا الطيور التي أطاحت بصناعة الدواجن كقطاع اقتصادي هام، وقدرة صغار الفلاحين على تربية الدواجن منزليا في الوقت ذاته (تنبهت حملات التوعية مؤخرا لأهمية تحقيق توازن بين استمرار التربية المنزلية والحفاظ على صحة المواطنين).
* وارتباطا بقضية التكنولوجيا – نرى اهتماما أكبر بالماشية (البقر أساسا ثم الجاموس) على حساب الاهتمام بحيوانات أكثر قدرة على التكيف مع البيئة المصرية كالغنم والماعز والإبل والأوز والبط..).

نوفمبر 2008 د.حسن أبو بكر
أستاذ بكلية الزراعة جامعة القاهرة

ــــــــــــــــــــــــــــ

ثانيا: التعقيب

أثارت تأملات محدثنا د. حسن أبو بكر عشرات القضايا وثيقة الصلة بمعضلة الزراعة المصرية ، ومعها أثارت شهيتنا فى الاشتباك معها. وحيث أنه من الصعب عموما تناول معضلة كهذه بعناصرها فى وريقات معدودة، إلا أن محدثنا رصد بحس علمى سياسى واضح عددا من التحديات والفرص المتاحة أمام الزراعة المصرية كمقدمة لصورة رسمها لملامح الزراعة فى إيجاز.
* وحيث أنه عنون حديثه بعبارة تأملات، وبالرغم من أنه لم يطرح أسئلة صريحة تساهم الإجابة عنها فى وضع حلول أو مداخل لحلول.. لمعضلة الزراعة إلا أن الطريقة التى عرض بها الموضوع تدفعنا دفعا لطرح بعض هذه الأسئلة، كما تتيح لنا أن ننتقى من ملامح الصورة التى رسمها عددا من القضايا نراها حاسمة فى بدء الحوار وهو ما يحسب لها.
* أول هذه الأسئلة هو: من أين نبدأ وكيف؟، وثانيها: هل مشاكل الزراعة المصرية ومعضلاتها تنبع من داخلها أم أن جذر هذه المشاكل قادم من خارجها؟ أم الإثنين معا؟
* ولأن محدثنا فجر عديدا من القضايا الحية ، فقد بات من الضروري أن نجيب عن سؤال ثالث يقول: فيما أثاره محدثنا من موضوعات.. ما هي القضايا التي يمكن أن نعتبرها بمثابة الحلقة الرئيسية في معضلة الزراعة المصرية والتي تحيل بقية ما تضمنه الحديث إلى حلقات أصغر ترتبط بهذه الحلقة الرئيسية؟ والتى إذا ما تناولناها وشرعنا في مواجهتها وتمكنا من كسرها.. يصبح التعامل مع بقية الحلقات المرتبطة بها أكثر سهولة ويسرا؟

* وإجابتنا عن السؤال الأول بم نبدأ؟ تلزمنا باستعراض الملامح العشرة للصورة التي قدمها محدثنا، وأتصور أنه يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مجموعات أو حزم من القضايا وهي:
1- رسم السياسات وإصدار التشريعات والقوانين – الريف والفلاحون- الزراعة في برامج الأحزاب السياسية.
2- التعليم والبحث العلمي والتدريب في المجال الزراعي – الإرشاد الزراعي- التكنولوجيا الزراعية.
3- الأرض والتربة الزراعية- الموارد المائية- الطاقة- الإنتاج النباتي والحيواني- الفجوة الغذائية.

كما نري أن الحزمة الأولى من القضايا هي الحلقة الرئيسية لمعضلة الزراعة المصرية بينما الأخريتان تمثلان رغم أهميتهما الشديدة حلقات تابعة لها.
والحلقة الرئيسية في تصورنا هي لب القضية.. ومدخل للإجابة عن سؤال بم نبدأ؟ بشكل موجز، فهي تتناول:
- المسار السياسي (النظري والعملي والقانوني) لمعضلات الزراعة من ناحية..
- وتجليات ذلك المسار على وجه الريف وعلى الفلاحين كمنتجين وصلتهم المتأرجحة بالأرض الزراعية، والطريقة التي يمارسون بها الانتاج ويحاولون بها الدفاع عن مصالحهم، والأشكال التي تجمعهم في مقاومة القوى المسيطرة على الريف من ناحية ثانية.
- ودور الأحزاب السياسية في فهمها لقضيتهم وموقفها العملي منهم من ناحية ثالثة.
ويهمنا في هذه النقطة أن نشير إلى أنه في داخل هذه الحلقة الرئيسية يشكل الوعي بأبعاد السياسات العامة والزراعية وكذا عملية تنظيم الفلاحين نقطة البدء العملية..

* فالسياسات هى التى ألغت عدد من القوانين الحيوية للزراعة، وعملت على استعادة أراضي الحراسة وجزء لا بأس به من أراضي الإصلاح الزراعي من زراعها الفلاحين، وألغت حق الفلاح في استئجار الأرض مددا مناسبة بإيجار يتناسب مع إنتاجها، وأفضت لفوضى التركيب المحصولي، وتدهور زراعة القطن وتصنيعه، وقطعت الطريق على التعاون الزراعي، وألقت بكل وسائل الإنتاج الزراعي من بذور وأسمدة ومبيدات وأعلاف وآلات في أيدي التجار والوسطاء ومندوبي الشركات الكبرى متعددة الجنسية العاملة في هذا المجال،وسطت على أموال الفلاحين التى هى رؤوس لأموال الجمعيات الزراعية لصالح بنوك القرى ورفعت فائدة القروض الزراعية من 4 % إلى 18 % فى السنة وبذلك أنهت على الائتمان الزراعى ، وحاصرت البحث العلمي والتعليم الزراعي، وقضت على صناعة الدواجن وتعامت عن غزو الأمراض للثروة الحيوانية، فضلا عما أصاب الأرض من تآكل لصالح عمليات البناء والمضاربة، وأفسدت التربة بفيضان المبيدات ذات التأثير الضار والمسبب لأمراض الكبد والكلى والسرطان.

* والسياسات هى التى تجرد الفلاحين من أهم وسائل إنتاجهم- الأرض- معيدة للأذهان المشاهد الدرامية لعمليات التراكم الأولى فى بدايات النظام الرأسمالى فى أوربا ، وتدفع كثيرا من المستأجرين للكف عن مهنة الزراعة وعديدا من الملاك الصغار للتخلص من أراضيهم لضعف جدواها الاقتصادية.

* والسياسات.. أفقرت الفلاحين وقيدتهم وأضعفت مقاومتهم إلا في حالات استثنائية وهبات عفوية لا تلبث أن تخمد، وأبقت على الفجوة بين الريف والحضر شديدة الإتساع.. إلخ

* والسياسات هي التي قننت النشاط السياسي المعارض وفتحت له قناة واحدة هي أن يكون ديكوراً لتعددية مزيفة، لم تخدم سوى النظام الحاكم الذي ابتدعها.

* باختصار.. الوعى بأبعاد تلك السياسات والقوانين والتشريعات يمثل المقدمة أو المدخل لأولى خطوات المقاومة.. والوعى هنا لا يعنى مجرد الفهم العام المجرد بل يعنى الفهم الملموس والعيانى الذى يضع أيدينا على تجليات العدوان على الأرض والزراعة والفلاحين فى آن واحد ويشير إلى الوجهة الصحيحة ، ويتممه من الناحية الأخرى اكتساب الفلاحين له بكل الطرق والأساليب التى تجذبهم للإنتظام فى تشكيلات نقابية ثم سياسية تمثل حائط الصد القوى لسياسات النظام الحاكم بكل فئاته وشرائحه وتحالفاته فى الداخل والخارج.

* لن يُقبل الفلاحون على الانخراط في أية أشكال تنظيمية دون هذا الوعي.. فالوعي جوهر التنظيم ومضمونه.. وكل ما تم بناؤه خلال الحقب المنصرمة من عمر الفلاحين كان مفتقدا للوعي الملموس والعياني، ولهذا السبب انهارت كل تلك الأشكال أو لم تستمر.. وبقى الفلاحون مجردين من أهم أسلحتهم.

* وإذا كانت الحلقة الرئيسية لمعضلات الزراعة هى الحزمة الأولى من القضايا التي حددها محدثنا في تأملاته لملامح الصورة في الريف، وإذا كان الوعي والتنظيم هما لب هذه الحلقة، فإن التجربة والممارسة العملية هي الطريق لبناء حائط الصد الفلاحي.. أولا لوقف هجوم تلك السياسات وثانيا للجْمها وإبطال مفعولها.

* الممارسة العملية هي التي توحد مفهومنا عن الوعي والتنظيم والسياسات.. وهو ما يفتقده عن حق المهمومون بقضايا الزراعة والفلاحين، كما أن الممارسة هي التي تثقف الفلاح وتدربه على المقاومة وتحفزه للاستمرار وتدفعه للتفكير فيما هو أبعد من أنفه أو تحت قدميه.. وتحول جموع الفلاحين لجماعة طبقية متماسكة.

* والنظام الحاكم يدرك ذلك ويسعى لقطع الطريق عليه.. ويخشى من تراكم مثل هذا النشاط في الريف واتساعه.. وعلى العكس من ذلك يرحب بالنضالات الاحتفالية والخطابية التي يدمنها الكثيرون منا.

كما أنه يسعى لشق صفوف الفلاحين بابتداع تعريف جديد للفلاح بأنه مالك أكثر من ثلاثة أفدنة بينما يعمل بتؤدة وحرص بالغين لدفع ملاك ثلاثة أفدنة فأقل إلي نقابة عمال الزراعة التي يسيطر عليها.. ويحكم قبضته باعتبارهم ليسوا فلاحين.

ومما سبق يمكن القطع بأن معضلات الزراعة المصرية جذرها قادم من خارجها وأسهم في استنبات جذور أخرى ثانوية داخلها.. تكاد لكثرتها وكثافتها أن توحي لنا بأن معضلة الزراعة المصرية نابعة من داخلها، لكن المدقق في الأمر سيكتشف أن العكس هو الصحيح.
ولمزيد من التأكيد نوضح أن الدورة الزراعية هي نظام مهني بحت اكتشفه الفلاحون بالتجربة ويستهدف الحفاظ على خصوبة التربة بمنع تكرار زراعة المحصول الواحد في الأرض سنتين متتاليتين.. لكن هذا النظام المهني قد تم تطبيقه في الخمسينات والستينات بعد إصداره في قانون.. وكان هدفه البعيد إلزام الفلاح بزراعة محاصيل معينة تفي بحاجة المواطنين من الحبوب وبالتزامات الدولة من الصادرات.. وحينما أرادت الدولة في السبعينات- استنادا إلى تقديرات أجنبية- القضاء على زراعة القطن وخلق فوضى التركيب المحصولي ألغت قانون الدورة الزراعية.

* التجربة العملية والممارسة هى التي أفهمتنا دور الشركات العولمية في احتكار تجارة مستلزمات الإنتاج الزراعي، ودور النظام الحاكم في فتح أبواب الريف أمامها.
وأوضحت لنا ضرورة التضامن بين جميع الفلاحين فى مصر.. بل وحتمية التضامن بين فلاحي الشمال والجنوب ضد الشركات العولمية الكبرى.. ولا يمكن لهذا الشعار أن يصبح حقيقة دون تنظيم فلاحي الجنوب.
وإذا ما أمسكنا بالحلقة الرئيسية في مجال الزراعة المصرية وتحلينا بالدأب والجسارة والتعاون الجاد سنتمكن من بناء حائط الصد في الريف الذي سيترافق مع حوائط أخرى في بقية طبقات المجتمع.. لوقف سياسات الليبرالية الجديدة وامتداداتها فى بلادنا.

09/11/ 2008 بشير صقر






الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب
حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كلمة لجنة التضامن مع فلاحى الإصلاح الزراعى - مصر بالمؤتمر ال ...
- بعد الاستيلاء على الساحل الشمالى فى مصر، عصابات السطو المنظم ...
- الإمساك بالقضايا السياسية والاستراتيجية لا يكفى لفهم قضايا ا ...
- عن الفجوة القمحية بمصر..محاضرة الدكتور عبد السلام جمعة..بصال ...
- رد فلاحى ميت شهالة بمصر * ..على مقال أسرة عزيز الفقى ..المنش ...


المزيد.....




- صعوبات لإندماج المتقاعدين وكبار السن في المجتمع السويدي
- بلينكن: بعض الاجراءات الأمريكية قوضت النظام العالمي
- الجزائر: الحكومة تدين -استغلال النشاط النقابي من حركات مغرضة ...
- مئات الأردنيين يعتصمون تضامناً مع أهالي الشيخ جراح
- السعودية تلزم جميع العاملين بالمملكة الحصول على لقاح كورونا ...
- السعودية تشترط التطعيم من كورونا على العمال وتمنع الدخول إلى ...
- السعودية تشترط التطعيم من كورونا على العمال وتمنع الدخول إلى ...
- ننشر تفاصيل إجتماع “المجلس القومي للأجور” : الحكومة تتجه لوض ...
- اجتماع الكتاب العامين للمكاتب المحلية والجهوية للجامعة الوطن ...
- Protesta en la embajada de Colombia (en El Salvador) Solidar ...


المزيد.....

- تاريخُ الحَركة العُمّالية بالمغربْ: بين مكَاسب الرّواد والوا ... / المناضل-ة
- تطور الحركة النقابية في المغرب بين 1919-1942 / عادل امليلح
- دور الاتحاد العام التونسي للشغل في الثورة وفي الانتقال الديم ... / خميس بن محمد عرفاوي
- كيف تحولت مختبرات الأدوية إلى آلة لصنع المال وما هي آليات تح ... / المناضل-ة
- النقابية (syndicalisme) في قاموس الحركات الاجتماعية / صوفي بيرو
- تجربة الحزب الشيوعي في الحركة النقابية / تاج السر عثمان
- ما الذي لا ينبغي تمثله من الحركة العمالية الألمانية / فلاديمير لينين
- كتاب خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية / تاج السر عثمان
- من تاريخ الحركة النقابية العربية الفلسطينية:مؤتمر العمال الع ... / جهاد عقل
- كارل ماركس والنّقابات(1) تأليف دافيد ريازانوف(2) / ابراهيم العثماني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الحركة العمالية والنقابية - لجنة التضامن مع فلاحى الإصلاح الزراعى - مصر - تأملات أولية في جدول أعمال مقترح لقضايا الزراعة في مصر .. وتعقيب عليها