أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - صلاح الانصارى محمد - اول اضراب فى التاريخ















المزيد.....

اول اضراب فى التاريخ


صلاح الانصارى محمد

الحوار المتمدن-العدد: 2151 - 2008 / 1 / 5 - 10:51
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لاتزال المعارض التى تقام والكتب التى تصدر فى مختلف انحاء العالم عن الحضارة المصرية القديمة والفراعنة , تلاقى اقبال الجمهور واعجابه بشكل مثير , واذا كانت المتاحف العالمية الكبرى تفخر بمجموعاتها الخاصة بالاثار المصرية والمومياءات التى تجلب لها الكثير من المهتمين والمعجبين والرواد , فلعل ابرز مثال على الاعجاب بتلك الحضارة يتمثل فى شخص الرئيس الفرنسى الراحل " فرانسوا ميتران " الذى فضل قضاء الايام الاخيرة من حياته فى رحاب تلك الحضارة فى مصر التى زارها مرات عدة فى زيارات خاصة
وينتمى معرض " فنانو فرعون , ودير المدينة , ووادى الملوك " فى متحف اللوفر الفرنسى العريق الى هذه السلسلة من المعارض الكبيرة الضخمة التى تشهدها العاصمة الفرنسية باستمرار .
يهدف المعرض اساسا الى القاء الضوء على فنانى فرعون , او اولئك الحرفيين الذين برعوا فى بناء المعابد والقبور وحفرها وتزينها وتلوينها فى موقع قائم على امتداد رمال الصحراء فى منطقة وادى الملوك وقرية وادى المدينة التى سكنها الحرفيين , والمعرض عبارة عن تحية لهؤلاء المجهولين الذين تركوا للعالم كنوزا حافلة ببصماتهم وكثيرا من الشهادات المؤثرة . وعبروا عن حرية فى التعبير وعن وعى فنى حاد . كما ابرزوا الجوانب التى اثيرت فى ابداعهم الذى يرتقى الى الصف الاول .
كثير من محتويات المعرض يمتلكها معرض اللوفر ضمن مجموعته الخاصة وبعض المعروضات يقدم للجمهور للمرة الاولى , لكن عددا من القطع تم جمعها من المتاحف الفرنسية كما قطعا اخرى تمت استعارتها من متاحف دولية .
ويبدو ان متحف اللوفر اغتنى بتلك المجموعة الرائعة التى يمتلكها بقطع كانت مصر تقدمها للفرنسيين حتى عام 1950 مكافأة لهم على اكتشافهم القيمة وعلى اعمالهم فى مجال التنقيب كما تقول كريستيان زيغلر المسئولة عن الحفظ فى قسم الاثار الفرنسية فى المتحف " اكثر من الف قطعة دخلت بهذا الشكل مجموعتنا وهى دفعت بشكل كبير عدد القطع والاعمال التى يمكن ان تبرز العوالم العقلية والفنية لهؤلاء المصريين الذين عاشوا فى القسم الثانى من الالف الثانى قبل الميلاد .
على الضفة الغربية للاقصر وعلى مسافة 725 كلم جنوب القاهرة فى منطقة مصر العليا , اكتشف موقع دير المدينة الذى اقيم فى الوادى الصحراوى , على بعد من كيلومتر من وادى النيل ومن الارض المزروعة .
تم تأسيس قرية دير المدينة فى زمن السلالة الفرعونية الثامنة عشرة ( 1295 – 1550 ق.م ) فى عهد الفرعون أحمسيس وعثر فى الموقع على اثار من عهد السلالات التاسعة عشرة والعشرين اضافة الى السلالة الثامنة عشرة وقد خضع الموقع للتوسع نحو الشمال والغرب , فى عهد الفرعون " حور محب " اخر فراعنة السلالة الثامنة عشرة وتعتبر القبور والاثار التى عثر عليها فى الموقع من بين القبور الاكثر سلامة والتى وصفت بـ " العذراء " اذ لم يسبق المنقبون هذه المرة اللصوص فى الوصول اليها واكتشافها . وهى فى سلامتها تذكر بسلامة الاثار التى عثر عليها فى تل العمارنة .
ويعود الفضل فى وجود هذا الموقع الى تغيير اساسى طرا على نظام دفن الفراعنة وتحضيرهم لملاقاة العالم الاخر . فبينما كانت القبور فى السلالة المتوسطة تقام داخل الاهرامات غدت القبور فى السلالات الاخيرة او ما يعرف بالامبراطورية الفرعونية الجديدة التى استمرت ما بين 1069 – 1550 ق.م تكاد مخفية بين طيات الرمال وفى جبال طيبة فيما بات يعرف اليوم بـ " مقابر الملوك " او " وادى الملوك " الذى يضم مومياءات الفراعنة وابنائهن وسائر افراد العائلة المالكة .
ويتوسط موقع دير المدينة هذين الموقعين وفيه سكنى الحرفيين والنحاتين والرسامين الذين استخدمهم الملك لحفر القبور وتزيينها طوال اربعة قرون ويبدو ان قرية دير المدينة بنيت فى فجر ولادة الامبراطورية الجديدة التى اسسها " تحتمس الاول " وتم التخلى عنها فى القرن الثانى عشر قبل عهدنا , عندما انطفأت سلالة رمسيس وانهارت الامبراطورية الجديدة لتغرق القرية فى الرمال وفى النسيان شيئا فشيئا .
لم تبدا عملية اعادة اكتشاف الموقع الا فى القرن التاسع عشر حين عثرت ايدى المنقبين على حيطان معبد دير المدينة العالية التى انبثقت من الرمال . اول اعمال التنقيب فى الموقع كانت فرنسية وقادها قنصل فرنسا فى مصر فى ذلك الحين ( 1811 – 1815 ) برناردينا دروفيتى ثم قام الالمانى كارل ريشار ليبسوسى بأعمال تنقيب عام 1842 .
وفى العام 1886 اكتشف عالم الاثار جاستون ماسبيرو قبر " سندجم " الذى كان سليما لم تبعث به ايدى اللصوص ثم انتقلت عمليات التنقيب الى ايدى الايطالين ومنها الى الفرنسيين الذين واصلو التنقيب فى الموقع بين عامى 1922 و 1951 وقد قادت هذه الابحاث الى اكتشاف الكثير من الاشياء الخاصة بالحياة اليومية وايضا الكتابات التى حفظتها اوراق البردى . وتقاسم المنقبون الاثار المكتشفة مع مصر فكان لفرنسا منها حصة الاسد باعتبار طول الفترة التى قضتها فى الموقع والاثار المكتشفة داخله .

حياة الناس العادية

كانت قرية دير المدينة تتألف من 68 منزلا يضم المعرض نموذجا مصمما عن احدهما وجميع بيوت القرية متقاربة ولا تزال حيطانها ترتفع عن الارض حوالى متر , وضمت القرية حين توسعت فى عهد السلالتين الثامنة عشرة والتاسعة عشرة حوالى 120 منزلا وحرص العمال او الحرفيين على بناء قبورهم قرب منازلهم ولا يبعد قبر " سندجم " قائد العمال الا عشرة امتار عن منزله .
وتكمن اهمية موقع دير المدينة بالدرجة الاولى ومن خلال الاثار والقطع التى عثر عليها فى الموقع فى كونه سمح وللمرة الاولى باكتشاف مصر القديمة , ومن خلال حياة الناس العاديين فى علاقتهم مع سلطة الفرعون ومع الالهة الكبار والهة اخرين محليين اقل شهرة . وقد كان هذا الجانب يكاد يكون مجهولا فيما اكتشف من جوانب الحضارة المصرية وهو يظهر على نحو صاعق كيف ان العادى واليومى فى عهد الفرعون رمسيس بات خارقا وغير عادى فى قربه من الاشياء التى تستخدم فى عالمنا اليوم .
كان على معظم الفنانين فى المجتمع الفرعونى ان يظلوا كالجندى المجهول وهم ظلوا فى غالبيتهم غير معروفين وبالتالى فانه من غير الممكن معرفة اى ايد , اى محترف , اى فنان اى اى موهبة تلك التى صنهت الانصاب والتماثيل والقطع التى تحولت الى تحف ذات قيمة عالية تحفل بها كتب التاريخ كما الكتب الفنية , مع اننا نعرف الفرعون الذى طلبها والاله الذى صنعت لتكريمه .


العمل والابداع

واوضحت الكتابات الهيروغليفية المخطوطة على مسائل الميراث وحل المشاكل والنزاعات .
وتدون اول حركة اضراب مدونة شهدها التاريخ الانسانى حين اضرب العمال المكلفون انجاز القبور الملكية , وحدثالاضراب فى عهد السلالة العشرين , قبل ان تترك جماعة عمال القرية نهائيا لتستقر فى اطار معبد مدينة حابو .
وكان هناك نوع من الارشيف للعمل , يسجل ما يحدث يوما بيوم بفضل المهمة اليومية التى يؤديها كاتب القبر الذى لا تفوته شاردة او واردة . وكانت دورة العمل مكونة من ثمانى ايام يرتاح بعدها العمال يومين , حيث يعودون الى قرية دير المدينة ويعملون فى بناء قبورهم الشخصية كما يشاركون فى الاعياد الدينية والدنيوية , وكان الشهر فى التقويم الفرعونى يعد ثلاثون يوما ويحصل العامل خلال العام على ستة ايام عطلة , فيما كان يوم العمل ثمانى ساعات .
وتوضح احدى البرديات المعروضة ان ايام العطل والغياب كانت فى الواقع اكثر من ذلك وتورد اسباب الغياب التى تتعدد من موت قريب الى بناء منزل او قبر وغيره . وتذكر البردية انه مع نهاية العام 39 وبداية العام 40 من العمل 38 عاملا من اصل 40 وتظهر هذه الاشارة نوعا من التسامح مع العمال الذين كانوا يحصلون على رواتبهم حتى فى الايام التى لا يكون لديهم فيها عمل بسبب انعدم الطلب .
اما الراتب فى غياب العمال . وكانت عبارة عن بدل من الحبوب مثل القمح والحنطة وما يلزم لصنع البيرة وغيره اضافة الى السمك والحطب وكان رئيس العمال والكاتب يتلقون كمية اكبر من تلك التى يتلقاها سائر العمال .

الاضراب
وتشهد البرديات على ان العام 1200 ق.م شهد الكثير من الازمات الاجتماعية والاقتصادية . فكانت دير المدينة مسرحا للعديد من الاحداث وشهدت اعمال سرقة واضرابات وفضائح وفساد وتوضح بردية تضمنها المعرض ويضمها عادة احد متاحف تورينو الايطالى , ان العمال عمدوا الى الاضراب بسبب قلة الحصص الغذائية التى كانت توزع عليهم , كما تشير الى توالى الاضرابات واستمرار المشكلة التى لايحلها الا تدخل الوزير " تو " الذى يؤكد للعمال ان نصف الحصص المعتادة ستوزع عليهم وليس اكثر بسبب فراغ خزانات الدولة .
ويحتوى المعرض على عدد من مساطر الوان الرسم والخشب اللونية التى كان يستخدمها الفنان خلال عمله , كما عثر علىمئات من قطع " اوستراكا " او قطع الحجر الكلسى التى استخدمت كمسودات .
وتعود هذه الكتابات والرسوم على حجر الكلس الى عهد السلالتين التاسعة عشرة والعشرين ( 1295 – 1569 ق.م ) خصوصا الى عهد رمسيس وهى اظهرت حرية فى التعبير الفنى , بعيدة عن اسلوب الفن الرسمى الذى عادة ما يزين حيطان القبور . وبين الرسوم المعروضة فيه من هذا النوع قطعة ساخرة اكتشفت فى طيبة عام 1930 وهى من ممتلكات المتحف الملكى للفنون والتاريخ فى بروكسيل , وتمثل مشهدا كوميديا جميلا يظهر حيوانات فى اوضاع انسانية ووضعا منقلبا فى الحرب السحيقة بين القط والفأر فالقط يبدو كخادم للفأر الذى يجلس كسيد حاملا زهرة لوتس فى يده يستنشق رائحتها ويمسك بيده الاخرى برباط يحزم اوزة موضوعة على الطاولة امامه , فيما يحرك القط مروحة كبيرة لطرد الحرارة عن الفأر ويستلهم المشهد فى جوه طقس الهبات والعطايا تلك التى زينت جدران القبور .
وتكثر الرسوم التعبيرية الحرة والمشاهد الاجتماعية والكثير من الاشياء المرتبطة بالحياة الدنيوية وهذا ما لم يكن مسموحا برسمه على اوراق البردى لقيمتها .






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سعود قبيلات الشخصية الشيوعية المعروفة من الاردن في حوار حول افاق الماركسية واليسار في العالم العربي
حوار مع أحمد بهاء الدين شعبان الأمين العام للحزب الاشتراكي المصري، حول افاق اليسار في مصر والعالم العربي


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- وزير خارجية السعودية: نحترم قرارات قيس سعيد.. ونقف بجانب كل ...
- مسؤول عُماني: الهجوم على ناقلة النفط الإسرائيلية وقع خارج مي ...
- صهرت ما اعتُقد أنه لا ينصهر.. شاهد آثار حرائق الغابات التي ت ...
- وزير خارجية السعودية: نحترم قرارات قيس سعيد.. ونقف بجانب كل ...
- مسؤول عُماني: الهجوم على ناقلة النفط الإسرائيلية وقع خارج مي ...
- صهرت ما اعتُقد أنه لا ينصهر.. شاهد آثار حرائق الغابات التي ت ...
- مصر.. تفاصيل التحقيق مع -عصابة دولية- للنصب الإلكتروني اتهم ...
- الرئيس التونسي: لن يكون هناك ديكتاتور
- شكرا لوموند!!!
- تغريم أمازون 746 مليون يورو في لوكسمبورغ


المزيد.....

- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي
- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر
- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى
- حقيقة بنات النبى محمد / هشام حتاته
- كيف ومتى ظهرت العربية بصورتها الحالية / عزيزو عبد الرحمان
- الحلقة المفرغة لتداول السلطة في بلدان الوطن العربي و العالم ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دور الزمن في تكوين القيمة / محمد عادل زكى
- مستقبل اللغات / صلاح الدين محسن
- ألدكتور إميل توما وتاريخ الشعوب العربية -توطيد العلاقات الاج ... / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - صلاح الانصارى محمد - اول اضراب فى التاريخ