أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عثمان - إنقسام الجبهة الإسلامية الحاكمة بالسودان- صراع د. الترابي وتلاميذه (محاولة للفهم)















المزيد.....

إنقسام الجبهة الإسلامية الحاكمة بالسودان- صراع د. الترابي وتلاميذه (محاولة للفهم)


أحمد عثمان

الحوار المتمدن-العدد: 2127 - 2007 / 12 / 12 - 11:33
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


عند غروب شمس القرن الماضي وفي نهايته، إنقسم تنظيم الجبهــة الإسلاميـــة الحاكم في الســـودان إلى تنظيمين هما المؤتمر الوطني الذي مازال حاكما بقيادة عمر البشير، والمؤتمر الشعبي المعارض بقيــادة الدكتور/ حسن الترابي عراب النظـــام ومرشده، حيث عرف الإنقسام في الأدب السياسي الإسلامي بالمفاصلة. وبكل أسف حتى هذه اللحظــة، لم يقم أي تنظيم سياسي بالسودان بتقييم هذا الحدث المهم من حيث الأسباب والنتائج والمآلات، برغم أهميته الكبيرة في تحديد ملامح توازن القوى في الساحة السياسية السودانية. وبلاشك تأتي مساهمتنا المتواضعة هذه ، لإلقاء الضوء على السبب الرئيسي للإنقسام/ المفاصلة من وجهة نظرنا، وهي لاتدعي الإحاطة وتعترف مسـبقا بأنها تركز على ملمح واحد وتهمل ملامح أخـرى لعدم توفر المعلومات، ولكنهـا تبقى إضـاءة وكوة صغيرة للضوء تبتدر النقـاش حـول هذه المسألـــة المهمة.
فالواضح هو أن الإنقسام/ المفاصـلة - على عكس مايقول الكثيرين- ليس صراعا على السلطــة مجردا من البعـد الفكري والآيدلوجي، بل هو صراع عليهـا متجذرا في صـلب الخـلاف الفكري حول طبيعــة المشـروع الحضاري الذي نادت به الجبهـة الإسلاميـة القوميـة وآليـات إستمراره وحمايته.فالدكتور/ حسن الترابي عراب النظام ومفكره، كانت رؤيتـه متمركزة حول فكرة أساسيـة كررها مرارا هي أن " الإسلام حينما يتمكن يبسط الحريـة". وترجمتها في الواقع المعاش هي أن إنقـلاب الجبهـة الإسلاميـة المسمى ب"ثورة الإنقاذ"، وظيفتـه الأساسيـة هي تمكين الجبهـة الإسلاميـة القومية من السلطة، عبر تفكيك الحركة النقابية وكسر قوى المعارضة السياسية وبناء آلة دولـة تابعـة عبر الفصل والتشريد وبناء إقتصاد مجير لأفرادها ومؤسساتها، ومن ثم تنحي الجناح العسكري عن السلطة والسمح للجناح المدني ببسط الحريـة وفقا لمنظوره والتفضل على القوى الأخرى بدستور يكرس إستيعابها داخل هذه الدولــة المتمكنــة. وفي هذا الســياق جاء دسـتور العام 1998 مقننا للدولة الدينيـة عبر أحادية مصدر التشريع، وممهدا الطريق لإستيعاب القوى الأخرى بالنظام. ولكنه بالطبع أتى في سياق صراع كبير داخل التنظيم الحاكم وبعد مايقارب العقد من النظام نتيجـة لصراع بين تيارين داخل التنظيم الحاكم أولهما تيار د. الترابي الذي يعمـل وفقـا لـهذا المخطط، والآخر تيـار البشـير الذي لايرى داعيـا لبسط أية حريـة قد تقود لخلخلة النظام الذي تمكن بالفعل وبنى دولته في غياب معارضـة فاعلـة. والأخير رأى أن مايقوم به د.الترابي مجرد ترف لاداعي له قد يقود إلى فقدان السلطـة وسقوط النظام، بإعتبار أن الوضع ليس ناضجا لمثل هكـذا مغامرات. وبهذا الفهم يكون الصراع بالفعل حول الحـريات، ولكن أية حريات؟؟ الحريات التي سوف يمنحها منحا تنظيم قد تمكن وبنى دولته وكسر شوكة خصومه وصاغ دستورا وفقا لتوجهه هو وآيدلوجياه السياسية، وبالتالي هي حريات تحت الوصاية وبالقياس الذي يحدده التنظيم الحاكم وتحت رقابته وفي غياب الفرصة للمنافسة الحرة بين من أقصي ومن حكم وبعد إعادة هيكلـة شاملـة للمجتمع ليتناسب مع رؤية د. الترابي وتنظيمه. بالرغم من ذلك لم ير تيار البشير داعيا لمنح هذه الحريات وتعريض النظام للخطر.
ودون أن نستبعد العوامل الذاتيـة المتمثلـة في رغبـة البشير ومجموعتـه في الإستمرار في السلطــة، إلا أننــا نرى أن الأمـر أعمق من مجــرد هذه الرغبـة أو رغبـة د. الترابي في إزاحة البشير ليحكم بنفسه كمايشاع –وهو مالاأرى صحته. فالتياران ممثلان في تقديري ممثلان لقوى إجتماعية جمعها تنظيم الجبهة الإسلامية وتباينت مصالحها ورؤاها بتباين مواقعهـا الإجتماعيــة. فمن الواضح أن د. الترابي برغم أنه قد بنى التنظيم الأقوى لرأس المال الطفيلي في السودان، إلا أنه إستمر في التفكـير كبرجوازي صغير يتأرجح مابين شموليــة وإستبداد ودعوة للحريات من مواقع السيطرة عبر ثورة تقيض له نشر حرياتـه وبناء مشروعـه من أعلى، في حين أن التيار الآخر من المدنيين والعسكريين داخل التنظيم، قد حسم خياراتـه الفكريـة والعمليـة وربط نفسه لمرة وإلى الأبد برأس المال الطفيلي ومصالحه. ومن الطبيعي أن لايقبل رأس المال الطفيلي شريكـا أو منافسـا أو معارضا مهما كان مستوى ضعفـه، وشراستـه في المستوى السياسي، تضاهي وربما تفوق شراستـه في المسـتوى الإقتصادي حيث أغلق الطريق تماما أمام الرأسمـال المستثمر في العمليات الإنتاجيــة وأنهكــه تطفلا حتى كاد أن يطيح به تماما. والناظر لتركيبـة تيار الرأسمال الطفيلي الحاكم، يرى أنه مكون من عسكرتاريا وبيروقراطيـة جهاز الخدمـة المدنيـة وأقطاب مؤسسات رأس المال الطفيلي في إفصاح شامل عن طبيعـة النظام. كذلك يلاحظ أن جميع كادر الجبهـة الإسلامية المدني ذو الصلة بالأجهزه العسكرية والأمنية للتنظيم، قد إنحاز مباشرة للسلطة وترك شيخه الترابي بلاتردد. يضاف إلى ذلك أن أول إجراءات إتخذها المؤتمر الوطني في مواجهـة جناح د. الترابي كانت إجراءات أمنيـة إقتصاديـة جوهرها تجريد هذا الجناح من قدراتـه الإقتصاديـة والتنظيميـة وبالتالي إعادته إلى طبيعته الأولى كتنظيم لمثقفي الطبقة الوسطى المنهكة وبالتالي تمت مواءمته مع فكره السياسي.
في تقديرنا أن د. الترابي قد ذهل عن حقيقــة أساسيــة هي أن المؤسسات الإقتصاديــة التي أنشأها تنظيمــه والتي ظن أنه هو من يحكمها، لم تعد محكومـة بل أصبحت حاكمـة، ولم يعد هو من يوظفهــا بل أصبح موظفا عندها ليس أمامــه إلا أن ينظــر لها ويدافع عن مصالحها. فالمطلوب كان هو أن ينتقــل د. الترابي من منظـر لفكر برجوازي صغير ترهقه أحلامــه وأوهامــه حول دولة المدينة التي يتخيلها ويذهل عن واقع أنها في الواقع لم تكن سوى دولة أرهقتها الصراعات وانتهت بفتنة كبرى، إلى منظر صريح لرأس المال الطفيلي يدافع عن ظلمـه وفسـاده وساديتـه. فشل د. الترابي في إدراك هذه الحقيقــة الإقتصاديــة الإجتماعية لغياب المنهج لديه، هو الذي جعل الرأسمــال الطفيلي بحاجــة إلى تيار صريح وواضح في دفاعــه عنــه ومستميت في التخندق إلى جانبه بغض النظر عن تفاوت القدرات بين نخبه وعراب النظام الأول. وبذلك أصبحت أحلام د. الترابي البرجوازيــة الصغيرة عقبــة كأداء في طريق التطــور الموضوعي لرأس المـال الطفيلي وحمايــة دولتـــه التي أراد الرجل أن يعرضها للخطر لمجرد تطبيق هندسة إجتماعية متصورة وغير واقعية لدولة لرأسمال طفيلي واقعية وفاعلة ومتمكنة حسب تصور الجناح الحاكم.
بناءا على ماتقدم، وبالرغم من إدراكنا حقيقـــة تناقضات د. الترابي، نستطيع أن نستنتج بأن الرجل ربما يكون صـادقا في نقده لفساد النظام الذي أصاب حسب قوله حوالى 90% ممن يعملون به، ولانرى أن مايقولــه هو من باب الكيد السياسي. فالرجل كان يتوهم بأنه قد أعد كادرا يتمثل دولة المدينـة الخياليـــة، وأن هذا الكادر متفق معه على أن الأصل هو الحريـــة وأن الإنقلاب هو الإستثناء لتثبيت دعائم الإسلام ومن ثم العودة إلى الأصل، ولكنه فجع في تصوره الذي لايتعدى حالة كونه أحلام وأوهام برجوازية صغيرة ذاهلــة عن حقائق الواقع وقوة العامل الإقتصادي في إحداث تحولات فكريـة ونفسيـة وآيدلوجيـة عبر عمليـة ديالكتيكيـة معقدة. ولعل هذا أيضا يفسر إكتشافات بعض تلاميذه من مثقفي التنظيم أمثال د. الأفنــدي المتــأخرة، بأن هنالك سوبر تنظيم قائم على تحالف مالي عسكري كان يعمل طوال الوقت داخــل الجبهـة الإسلامية القومية وضد توجهاتها. فوجود سوبر التنظيم المذكور الذي يشكل عصب التنظيم بإعتباره الممثل الحقيقي لرأس المال الطفيلي الذي سخر التنظيم لمصلحته أمر طبيعي، وهو يفسر تناقضات د. الترابي التي شككت في مصداقيتــه، حيث كان موزعا دائما بين فكره البرجوازي الصغير بأحلامـه الزاهيـة، وضرورات حمايــة وحدة التنظيم بالدفاع عن رأس المال الطفيلي. وفي هذا السياق يفهم تعميمه المستمر وإختياره لكثافة اللغة والإبهام وسيلة لعرض آرائه توطئة للتنصل عنها.
خلاصة القول هي أن الإنقسام/ المفاصلة قد حدث نتيجة لصراع كبير بين البرجوازية الصغيرة ورأس المال الطفيلي داخل الجبهة الإسلاميـة القومية، حفزته السلطة و تمركزحول مظهرها وآلياتها وكيفيـــة حمايتها. لذلك لإعادة توحــيد التنظيم، لابد من إدراك هذه الحقائق أولا وتقديم أحــد التيارين تنازلا حقيقيــا. فإما أن يتنـــازل تيار الرأسمال الطفيلي عن مطالبتــه للترابي بالتحول الشامل لمنظر له ويقبل العودة للوضع السابق ويرضخ لشروط العراب المقيضــة لذلك والجراحــة التنظيميـــة وإعادة الهيكلــة على رأسها، وهذا سوف يحدث في حالة واحدة هي شعور المؤتمر الوطني بخطر حال ووشيك على سلطتــه ربما يكون القبــول بإجــراء الإنتخابــات العامــة رضوخا لضغوط دولية، أو أن يتنازل د. الترابي عن مشروعه وأحلامه وأوهام البرجوازية الصغيرة، ويقرر الإنتقال لمواقع المنظر الصريح لرأس المال الطفيلي والمدافع عن مصالحه، وهذا يستلزم يأس الترابي من حدوث تغيير سياسي كبير في المدى المنظور وإحساسه بخطر داهم على مشروعه الحلم.



#أحمد_عثمان (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مداخلة في فقه مصادر القانون (التشريعات الإسلامية في السودان ...
- أخطاء قاتلة في قراءة إستراتيجية!!( حديث في محرمات السياسة ال ...
- هوامش على المتن-(قراءة نقدية موازية لمقالات الأستاذ نقد الخم ...
- في أصول ضبط المصطلح- السودان: نخبة نيلية حاكمة أم نخبة طفيلي ...
- أثر التشريعات الإسلامية في النظام القانوني السوداني
- مسائل لا تحتمل التأجيل-التحالفات وقضايا المشاركة في السلطة
- الشريعة الإسلامية وغياب مفهوم النظام القانوني الحديث
- أزمة شريكي نيفاشا- محصلة طبيعية لبداية وحسابات خاطئة


المزيد.....




- عاجل | المرشد الأعلى الإيراني يعفو عن عشرات آلاف المتهمين وا ...
- بمناسبة الذكرى الـ 44 لانتصار الثورة الإسلامية وأعياد شهر رج ...
- بابا الفاتيكان من جنوب السودان: مستقبل البلاد يعتمد على كيفي ...
- الاحتلال يقرر مصادرة 45 دونما من أراضي بلدة -ديراستيا- شمال ...
- -هربت من ظلم طالبان اليهودية ثم أنقذت ابني-
- جنوب السودان - البابا يدعو الكنيسة لرفع الصوت ضد إساءة استخد ...
- البابا فرانسيس خلال لقائه مع اللاجئين بجنوب السودان: أعاني م ...
- بابا الفاتيكان يحيي ذكرى رجال الدين القتلى خلال زيارته لجنوب ...
- الحكيم يطرح مشروع (الوطنية الشيعية)
- بابا الفاتيكان في جنوب السودان من أجل الدعوة للسلام


المزيد.....

- تكوين وبنية الحقل الديني حسب بيير بورديو / زهير الخويلدي
- الجماهير تغزو عالم الخلود / سيد القمني
- المندائية آخر الأديان المعرفية / سنان نافل والي - أسعد داخل نجارة
- كتاب ( عن حرب الرّدّة ) / أحمد صبحى منصور
- فلسفة الوجود المصرية / سيد القمني
- رب الثورة: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة / سيد القمني
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الأخير - كشكول قرآني / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني عشر - الناسخ والمنسوخ وال ... / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل العاشر - قصص القرآن / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد عثمان - إنقسام الجبهة الإسلامية الحاكمة بالسودان- صراع د. الترابي وتلاميذه (محاولة للفهم)