اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (7)


كاظم الموسوي
الحوار المتمدن - العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 20:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

اعداد وتقديم: كاظم الموسوي

خمس صفحات مفقودة ايضا، من الرزمة التي اعتمدتها، كما هي المذكرات الكاملة، في تسلسل الاوراق التي نعيد نشرها الان، ويتكرر الطلب، وبالحاح، ضرورة ان يعاد العمل، ويتحرك ضمير من يحفظ او يعلم عن الاوراق، المذكرات التي خطها الراحل، ويعمل بجهده لاعادة نشر كامل ( من دفتر مذكراتي) الذي ذكر او بات معلوما، بانه اكثر من الف صفحة بخط يد او بملاحظات الرفيق الراحل عامر عبد الله، القائد الشيوعي والمناضل السياسي والمثقف العضوي.
سابدا من وسط الصفحة الموجودة لدي، حيث انه يعود الى موضوع غير الموجود في الاسطر السابقة، في نصف الصفحة الاعلى، فقد كتب: تعقيبا على الحديث الذي اشرت اليه آنفا بشأن مناشدة السوفييت مساعدة اليمن الديمقراطية، ارى من المناسب ايراد بعض الوقائع المرتبطة بزيارتين قمت بهما الى اليمن، من بين زيارات عديدة:
ففي حزيران من عام 1972، اتصل بي صدام حسين، مستفسرا عن استعدادي لزيارة اليمن، في اطار زيارات سيقوم بها عدد من الوزراء الى البلدان العربية الاخرى، وبلدان اجنبية، لكسب تاييد هذه البلدان للعراق في معركته مع الاحتكارات النفطية.
اخبرته باستعدادي لذلك، واخذت على عاتقي، دون استعانة بالمؤسسات الحكومية، تدبير مستلزمات هذه الرحلة عبر بيروت- جدة، بما فيها تذكرة السفر والمصاريف الاخرى. والواقع اني لم اكن اعرف الطريق الى طلب مثل هذه المساعدة، حيث لم يكن قد مضى على وجودي في هذه الوظيفة اكثر من شهر واحد.
وصلت الى عدن، وهناك التقيت لاول مرة مع سالم ربيع علي (رئيس الدولة) وعبد الفتاح اسماعيل (الامين العام للحزب) وعلي ناصر محمد (رئيس الوزراء) ولم اكن اعرف من قادة اليمن قبل ذلك غير عبد الله باذيب وعبد الله الخامري وصالح العولقي.
امضيت وقتا طيبا معهم، وكان موقفهم في دعم العراق مسالة محتومة، (وهذا ما اكدوه)، ولكنهم (كما نعرف) لم يكونوا في وضع يمكنهم من تقديم اية مساعدة ملموسة للعراق (وهذا ما عبروا عنه بحراجة وطلبوا المسامحة)!.
كان كل هذا مفهوما، ولذا وجدت من الافضل املاءً للفراغ ان اتحدث الى الشعب اليمني من التلفزيون، بهدف تعزيز علاقات التضامن السياسي بين البلدين. وتم ذلك في احدى الامسيات اللاهبة، واذكر ان استديو التلفزيون لم يكن مبردا، وقد هيأ لي المذيع كرسيا امام طاولة، وكانت الارض متربة، ولكنني اضطررت بعد دقائق الى خلع سترتي امام المشاهدين، وكنت اتصبب عرقا، كما استاذنتهم بالسماح لي بالتدخين اثناء الحديث، وقد ركزت على موضوعة التضامن بين البلدين، بعد شرح وقائع المفاوضات مع شركات النفط، واطلقت وعدا بعزم العراق على تاميم ثروته النفطية، رغم ان ذلك لم يكن قد تقرر بعد.
واثناء مكوثي في عدن، استطلعت الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واجراءات التاميم، التي وجدتها مغالية ومتطرفة في بعض القطاعات، وتقصدت في حديث اعطيته للصحافة ان اقدم صورة مكثفة عن سمات المرحلة التاريخية التي يمر بها اليمن، والتدابير الاقتصادية والسياسية المناسبة لهذه المرحلة.
عندما عرض عليّ قادة اليمن الديمقراطية فكرة تاميم (مصفاة النفط) عارضت هذه الفكرة، واعتبرتها خطوة مستعجلة، وقد اخبرتهم انذاك، ان هذه المصفاة هي من النوع القديم الذي لم يعد يصنع مثله، كما ان عمر المصفاة قد استهلك بالمعنى الاقتصادي، الامر الذي يتطلب بالضرورة اللجوء الى نفس الشركة التي انشات هذه المصفاة لاعادة تعميرها وتجهيزها بالمواد الاحتياطية، التي اشك بوجودها في اي بلد اخر. وبالتالي فان تاميمها فورا يعني بلا شك، تعطيلها عن العمل، علما بانها توفر الان للسوق الداخلي ما يكفيه من المشتقات، وبدون ذلك، ستضطر اليمن الى توجيه جزء لا يستهان به من رصيدها من العملات الاجنبية لشراء هذه المشتقات من الخارج.
كان الدكتور محمد سلمان حسن اثناء اقامته في اليمن قد اقترح تاميم المصفاة وتامين قطع الغيار لها واعادة تعميرها، ولدى عودتي الى العراق، زارني بصحبة وزير الخارجية (محمد صالح مطيع) في مكتبي ليخبراني بان "العقدة" قد حلت، ولما استفسرت من اي مصدر سيجري توريد قطع الغيار، واعادة تعمير المصفاة، وتامين تشغيلها، فقال لي الدكتور محمد سلمان حسن، بصوت تقصد ان يكون خفيظا، بان كل شيء قد تم تامينه من خلال (الجزائر) وهذا ما ينبغي ان يبقى بيننا سرا!.
رجوتهما ان يصرفا النظر عن هذه الامور، لعلمي ان الجزائر لا تملك مثل هذه المصفاة، ولا هي في وضع تستطيع فيه ان تكون وسيطا مع الشركة البريطانية. وانتهينا الى اتفاق، وكنت اثناء وجودي في عدن، قد التقيت في دار الضيافة مع السفير السوفييتي وحيث عرضت عليه موقفي من هذه القضية، فوجدته متفهما لوجهة نظري، كما استثمرت هذه الفرصة للاستطلاع منه عن بعض ما يقال "توجهات صينية لدى بعض القادة"، فلم يجب بشيء. وكنت ارى من خلال لقاءاتي مع القادة اليمنيين في دار عبد الفتاح اسماعيل (الواقع على مرتفع المعاشيق) حيث كنا نقضي امسيات هناك، ان التوجه نحو الاتحاد السوفييتي كان واضحا وعفويا، وكل ما في الامر انهم كانوا يشكون من شحة المساعدات، ومنها مثلا ما ذكره لي (سالم ربيع علي). في احدى هذه الامسيات، حيث استاذنني بمحادثة قصيرة خارج البيت، وذكر لي انهم يشعرون بالحرج ازاء السوفيت، حيث يلح عليه السفير بتسديد دين مستحق قدره (800) الف دولار، واضاف: لا ندري ماذا نفعل، لاننا لا نملك هذا المبلغ، فما هو رايك؟.
شعرت بالتاثر، فقلت له:
لا تتصور ان الذي يطالبكم هو بريجنيف او القيادة السوفييتية، فهناك لجنة تسمى (لجنة الدولة للعلاقات الاقتصادية) تضم بالتاكيد ملفات الديون، وموظفين يقومون بمتابعتها، فيرسلون طلباتهم الى وزارة الخارجية، وهي بدورها تحولها الى السفير، والسفير بحكم عمله ملزم بان يقدمها لكم.
سأل: ما العمل اذن؟، ونحن غير معتادين على عدم الوفاء بالتزاماتنا.
فقلت له بانفعال وتاثر..
- اذا طالبكم السفير مرة اخرى، قولوا له ان يذهب الى المصريين ويطالبهم بتسديد ديونهم التي تجاوزت المليارات.
شعرت وكأنني قد ازحت عبئا عن كاهل هذا الرجل، لانه بدأ يضحك ويستفسر:
هل هذا ممكن؟
قلت له:
كل هذا ممكن، وعما قريب ساسافر الى موسكو، وابحث مع الرفاق السوفييت شؤونكم ومصاعبكم الاقتصادية، وحاجاتكم العسكرية، كما احاول ان اعدل انطباعاتهم عن "اهوائكم الصينية".
والحق ان الرجل، قد اكد لي بصدق، نظرة التطلع الى الاتحاد السوفييتي كمثل وقدوة، مع الطموح الى تطوير علاقات التضامن معه على جميع المستويات. وكان عبد الفتاح اسماعيل في زيارة لي في دار الضيافة، ظهر ذلك اليوم، قد فند لي ما يقال عن توجهات واطروحات صينية، ولاسيما فيما يتعلق ببعض المقالات عن الاوضاع الدولية، والاتحاد السوفييتي، والتناقض الرئيسي في العصر…الخ.
وفي اخر يوم من ايام الزيارة، قام بزيارتي وفد من جماعة (اتحاد الشعب الديمقراطي) الذين شكوا لي من مضايقات يتعرضون لها ، وكنت قد حدثت عبد الفتاح اسماعيل عنها، واستطلعت اوضاعهم، فاخبرني ان رجال السفارة العراقية يحاولون الاتصال ببعضهم من صغار السن، ويحاولون اغراءهم، وكان تحذير عبد الفتاح نقطة توقفت عندها لدى حديثي مع هؤلاء الشباب.
حملت معي بعد هذه الرحلة، اطيب الذكريات عن اليمن الديمقراطية، التي عدت اليها بعد وقت قصير.