الحزب الشيوعي في فنزويلا وايران: بين الرئيسي والثانوي


كاظم الموسوي
الحوار المتمدن - العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 16:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

اصدر الحزب الشيوعي في فنزويلا بيانا سياسيا موقعا باسم المكتب السياسي المنتخب، ونشر الحزب الشيوعي في ايران "توده" مقالا افتتاحيا في جريدة الحزب المركزية حول ما حصل في بلديهما وما حدث من تحولات وتداخلات لا يمكن التغاضي عنها او الوقوف موقف الحياد منها. واهمية موقف الحزب الشيوعي في اي من البلدين كبيرة جدا ومسؤولية مشتركة وتاريخية. 
 النصان مترجمان إلى اللغة العربية ويوزعان من رفاق شيوعيين من احزاب عربية متعددة، اعتمدت عليهما في محاولة قراءة نقدية للنصين فواجهت جملة من تناقضات الأفكار المطروحة والمعبرة عن مواقف لا تعبر عن الموقف الشيوعي الذي يستند إلى التحليل الملموس للواقع الملموس ويحدد أوليات الظواهر والوقائع وتطوراتها، والتمييز بين الرئيسي والثانوي، واين تصب في نتائجها ونهاياتها وما هي مصالح الشعب فيها والطبقة العاملة اساسا. الامر الذي يثير تساؤلات اضافية عن دور ومكانة الحزبين في الشارع في البلدين وفي هذه الظروف المحتدمة، حيث ان الوصول إلى الموقف السليم والمعبر عن الواقع وآفاق التغيير هو المطلوب الان، بعقل منفتح ورؤية واقعية بابعاد جديدة، وهو ما اود الاشارة له بعد تحليل النصين والخروج منهما بما يخدم الحزبين والشعبين وينتهي لمصلحتهما دون احكام مسبقة او اندفاعات حماسية لمصادر الحزبين الفكرية.
ماذا حصل في فنزويلا ولماذا؟ اين الأساسي او الرئيسي والفرعي او الثانوي فيما حصل؟ وكيف نحدده او نقيمه وما هو  المهم في مجموعه وصلته بالنضال الوطني والكفاح الطبقي واي المفاهيم الاساسية التي يجب أن تكون او نسجلها عليها؟ لنقرأ العنوان او الشعار للبيان، فهل هو الشعار الصائب للفترة الزمنية ولما حصل فيها وما دعا الحزب إلى اصدار هذا البيان؟، وبعد الادانة الأشد للعدوان الامبريالي الامريكي خلال الساعات الأولى من فجر الثالث من كانون الثاني/ يناير، وهو عمل يشكّل عدوانًا خطيرًا على السيادة الوطنية وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، و"رفض" اعتقال "مواطنين"! يكشف الهدف من البيان الذي خلط بين هدف العدوان ومشروعه المعلن، وما أدانه الحزب، وهو واقع حال مفترض من اية جهة وطنية، فكيف الحزب الشيوعي لا يرفضه ويحدده في اطار العدو الطبقي والسياسي وما قام به هو تحقيق هدفه الذي أسهب الحزب في وصفه وتخلى عن مهمته كحزب طبقي في تلك الظروف التي حصلت والقوى التي قادتها وأدارتها، وتناقض الموقف الطبقي والفكري والسياسي في عباراته عن الأساسي في الواقع الفنزويلي، "ولا يعني هذا الموقف، تحت أي ظرف من الظروف، تقديم أي دفاع سياسي عن الإدارة السلطوية، غير الديمقراطية، المعادية للعمال والمعادية للشعب التي كان يقودها نيكولاس مادورو، والذي كان يمارس فعليًا رئاسة الجمهورية. لقد كان مادورو وقيادة الحزب الاشتراكي الموحد الفنزويلي (PSUV) مسؤولين عن انتهاكات جسيمة للدستور والقوانين، وللحقوق السياسية والعمالية والاجتماعية للشعب العامل، ما خلق ظروفًا مواتية للمخططات الإمبريالية الرامية إلى محاصرة البلاد والاعتداء عليها". فهل هذا صحيح وواقعي؟ من هو الذي طالب به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واختطفه من بيته ومن منصبه ورمزيته المعروفة وما هي مواقف الرئيس المواطن من قضايا المرحلة الأساسية ومهماتها الوطنية التحررية؟. لاسيما في قضايا التحالفات السياسية والقضايا الطبقية والعلاقات الوطنية والدولية، خاصة قضايا الحروب الإمبريالية والقضية الفلسطينية. وهل هذا زمان هذا الهجوم و"الشماتة" من نجاح العدو الامبريالي في انجاز هدفه وفرض هيمنته التي حاربها الرئيس الفنزويلي المنتخب والمحارب من الإدارة الامبريالية، العدو الطبقي والسياسي للشعب الفنزويلي والطبقة العاملة اساسا؟.
وصف بيان الحزب الوضع العام في البلاد وختم بالدعوة إلى مخرج سياسي شعبي دستوري ديمقراطي، "ويؤكد الحزب الشيوعي الفنزويلي على الضرورة الملحّة لبناء مخرج سياسي ذي طابع شعبي ودستوري وديمقراطي وسيادي للأزمة. فلا الاحتلال ولا الوصاية الإمبريالية، ولا استمرار النظام السلطوي، تمثل حلولًا تخدم مصالح الشعب العامل." وكيف يتم ذلك في ظل الوصاية والتصعيد العسكري والابتعاد عن التحالفات الوطنية والحزب الحاكم ابرز القوى التي يتطلب الوضع الحوار معه واستمرار الموقف من الامبريالية وخدمها وصنائعها المشبوهة. ولا اريد السؤال عن صدور مثل هذا البيان قبل ما حدث في البلاد، لاني لم اطلع على تاريخ الحزب ومشاركته في قيادة الشارع الوطني والتظاهرات المليونية التي عمت الشارع الفنزويلي والبلدان المجاورة ايضا. وهنا أتوقف عند قدرة التعبير اللفظي والتضحيات المجانية غير المطلوبة في ظل اوضاع ملتهبة وعدو شرس متربص ومستشر ضد البلاد وشعبها وخيراتها.
ان صياغات البيان تلمح إلى ابتعاد عن مهمات الحزب النضالية ومتطلبات مرحلة التحرر الوطني التي كان من الاولى التركيز عليها والعمل المشترك للتصدي للعدوان وأدواته وخوض الصراع السياسي والطبقي معا. اذ يصب هذا المنحى الذي خطه البيان إلى فقدان البوصلة الطبقية والفكرية واستفادة العدو الامبريالي منه بدون غطاء او ارتداد. وتلك مصيبة الجمود العقائدي والتصلب الفكري غير المبرر في هذه الظروف وفي محاكمة رموز وقوى الوطن والتحالف الديمقراطي الذي يدعو له الحزب في بيانه.
اما المقال الافتتاحي لصحيفة "نامه مردم" الناطقة باسم حزب توده ايران - 12 كانون الثاني/ يناير 2026 فيضع عنوانا عريضا او شعارا رئيسيا: إيران على شفا تحولات قد تكون مدمّرة: الحاجة الملحّة إلى تحرّك عاجل لإنقاذ البلاد من الدكتاتورية. فما هو المطلوب من الحزب، واين موقعه فيما حصل في الشارع السياسي ودوره فيه وفي التحولات المدمرة التي يتوقعها وقدراته في ادارتها شعبيا وديمقراطيا، وهذا يتطلب كما ذكر البيان في خاتمته. فهل الحزب قادر على ذلك؟ 
شخصت المقالة اسباب الحراك الشعبي باسباب، الفقر والحصار والعقوبات الأمريكية، وهذا امر صحيح، واعترفت به قيادة الجمهورية، ويتطلب تفصيله في التحليل السياسي للواقع ويستكمل بمكان السلطات فيه، فمواقفها سبب اخر في عداء الامبريالية لها وفرض الاسباب الاخرى على الشعب في البلاد، ولكن البيان يبالغ في وصف السلطة الحاكمة بالثيوقراطية والدكتاتورية وهو لا ينكر مواقفها التي لا يختلف عليها واقعيا وتتغلب الجوانب الفكرية الأيديولوجية على تحليل الواقع مما يربك الصورة وتقييمها الفكري والسياسي، فالعدوان الامبريالي بكل اشكاله، وتوظيف كل امكاناته لإسقاط قيادة البلاد، والاتيان بحكومة موالية للامبريالية، فضلا عن مواقف هذه القيادة منه ومن القضايا السياسية الوطنية والأممية تجعل قيادة البلاد وفي هذة المواقف المعلنة واقعيا أقرب إلى يسار التيارات الأخرى التي تراهن على القوى الاستعمارية وتبتعد عن المواقف المطلوبة ولاسيما في دعم وإسناد قضايا التحرر الوطني وعلى رأسها قضية فلسطين وكفاح الشعوب والمستضعفين ضد الاحتلال والاستيطان والإبادة والاضطهاد.
اقر البيان ان " بعض العناصر والجماعات المنظمة تحاول، عبر أعمال تخريبية وعنف، تمهيد الطريق لتدخل مباشر من الولايات المتحدة وحلفائها في مسار الاحتجاجات الجارية". كما ادان البيان محاولات " عودة الملكية " وتوفير وسائل الاعلام والدعم اللوجستي لها، واضاف لها "وإضافة إلى ذلك، نشهد مواقف مؤسفة لبعض الشخصيات الإيرانية المعروفة، من بينها شيرين عبادي، الحقوقية والحائزة على جائزة نوبل للسلام؛ ومحسن مخملباف، الكاتب والمخرج السينمائي؛ وعبد الله مهتدي، الأمين العام لحزب كومله لكردستان إيران. فقد كتب هؤلاء، بالتنسيق مع رضا بهلوي، رسالة إلى ترامب دعوه فيها إلى التدخل في شؤون إيران وهو تدخل قد يشمل عملًا عسكريًا. فهل تجهل شيرين عبادي الآراء الفاشية، والأيديولوجيا الرجعية المعادية للمرأة والعنصرية، والسياسات العدوانية، وسياسات الهيمنة، لشخص مثل ترامب وشريكه مجرم الحرب نتنياهو؟"، وراى الحزب: "لقد شدّد حزب توده إيران، عبر نداءاته ووثائقه الرسمية ومقالاته في صحيفته «نامه مردم» واتصالاته المباشرة مع القوى التقدمية والوطنية الأخرى، مرارا على ضرورة الحوار البنّاء والتعاون العملي حول برنامج حدٍّ أدنى في النضال ضد النظام الاستبدادي الحاكم. فالقوى التقدمية مطالبة بصياغة برنامج مشترك يمكن تقديمه إلى الشعب، وبإعداد الحركة لمواجهة الوضع الحرج الراهن. وبهذا فقط يمكن الأمل في توجيه التطورات لخدمة المصالح الوطنية والمطالب الشعبية. وللأسف، لم تُستثمر هذه الفرصة حتى الآن لتنظيم نضال موحّد وفعّال ضد الدكتاتورية". واعترف الحزب بقسوة الظروف السائدة، وعجز القوى الوطنية عن التاثير في مسار الاحداث، وفي مقدمتها الحزب نفسه، وظل الحزب يدعو لاطار مشترك للحوار والاتفاق بين القوى الوطنية مع طرح اهداف عامة، تصلح لكل فترة وزمان، وتبتعد عن مهمات الظروف الراهنة ودور الحزب في حماية الشعب والوطن ومصالح الطبقة العاملة، والتصدي للامبريالية والعدوان المفتوح على الشعب والوطن.
كل هذه المؤشرات التي ينبغي على الحزب التفكير بها بواقعية، ومعرفة موقعه في الشارع السياسي وقدراته العملية للحيلولة دون نجاح القوى المعادية له اساسا ان تنجح في "اسقاط النظام" وانكار التظاهرات الشعبية الكبيرة التي انطلقت في الرد على التهديدات ومشاريع العدوان الصهيو امبريالي، ودعم القيادة الوطنية، التي يحاربها ترامب ونتنياهو، في ابسط التوقعات، فهل هذه النظرة لشعاره وكيف تكون؟. وهل كل هذه المؤشرات التي يطرحها الحزب كفيلة بانقاذ البلاد، ونفسه كحزب شيوعي ووقف التحولات المدمرة؟.
ان النصين للحزبين الشيوعيين يكشفان عجزا عملياتيا لقيادة المرحلة، ويدعوان من منظور اخر، الى ضرورة المراجعة الجدية لمواقفهما الفكرية والسياسية ودروس التاريخ.