اوراق (من دفتر مذكراتي) للراحل عامر عبد الله (4)


كاظم الموسوي
الحوار المتمدن - العدد: 8675 - 2026 / 4 / 12 - 16:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

كان الراحل عامر عبد الله بحكم موقعه القيادي في الحزب الشيوعي وتمثيله له في الحكومة بمنصب وزير دولة، على اطلاع او مشاركة بدور ما في العلاقات السوفيتية العراقية، ومنها ما اورده في هذه الاوراق، حيث كتب: قد اتوقف لدى بعض هذه المشكلات والوقائع عن هذه المحادثات، (التي كانت جارية حول مشاريع وعقود) في الموضع المناسب من هذه الاستذكارات، ولكنني ابادر الان الى رواية لقاء معين مع الرفاق السوفييت، تركز حول علاقات الصداقة، والعلاقات الثقافية، ففيه ما يرمز الى شوائب اشرت لها آنفا، والى المنطلق الايديولوجي لحزب البعث الحاكم في العراق في التعامل مع الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية.
اثر عودتي الى العراق، وجهت رسالتين الى رئيس الجمهورية عن محادثاتي في موسكو وذلك بتاريخ 10 تشرين الثاني 1973، وكانت احدى هاتين الرسالتين مقتصرة على العلاقات العراقية السوفيتية، وقد جاء فيها:
"اثناء وجودي في موسكو جرى تنظيم لقاء لي في دار الصداقة، دار فيه حديث مشوب بالمرارة، وقد حضر من الجانب السوفييتي ثلاثة اشخاص، وفي ظني ان اختيار المكان والاشخاص قد اريد به اخراج الحديث من دائرة المسؤولية الحزبية والحكومية. كما التقيت باخرين فرادى تحدثوا معي في الاتجاه نفسه".
لقد كانت الاحاديث مسهبة واذكر منها ما يلي: من الجانب السوفييتي ..سؤال موجه لي:
قل لنا من فضلك ما هي مظاهر الصداقة من الجانب العراقي ازاء الاتحاد السوفييتي؟ واستشهد المتحدث بالامثلة التالية:
- المركز الثقافي في بغداد اغلق.
- طلاب الدراسات العليا سحبوا…
- الاتفاقية الثقافية مجمدة.
- دورة تعلم اللغة الروسية اوقفت.
- جمعية الصداقة العراقية - السوفييتية شبه معطلة.
- الممثلون السوفييت في العراق يعاملون بجفاء في وزارة الخارجية ووزارة الاعلام وغيرها من الدوائر الحكومية.
- الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية بدأوا يقفون في الصف الثاني واحيانا في الصف الاخير فيما يتعلق بالتعاون الاقتصادي.
- محاولات لارسال فرقة باليه او اقامة مهرجان للافلام السوفييتية لا تتم الا عبر صعوبات وعراقيل.
يجري كل ذلك في بلد نرتبط معه بمعاهدة صداقة وتعاون… نحن بصراحة لا نعاني من هذه المظاهر في اي بلد اخر، بما في ذلك بلدان عربية لا تربطنا بها صداقة، مثل: سوريا، الجزائر، لبنان، وحتى الاردن واليمن الشمالية.
ثم عقب ا على ذلك بكلام طويل خلاصته:
1- ان العراق هو البلد الوحيد الذي اغلق المراكز الثقافية للاتحاد السوفييتي وجيكوسلوفاكيا، وبودنا ان نعرف الحقيقة كما هي بصراحة، لاننا اوضحنا مرة بعد اخرى للسفير العراقي والجهات العراقية المسؤولة، ان بامكان العراق ان ينشيء مؤسسة ثقافية تابعة للسفارة العراقية في موسكو، كما فعلت سفارة مصر، واكثر من هذا يمكن انشاء هذه المؤسسات في العديد من المدن السوفيتية، ويمكن ان يبداوا بتنفيذ ذلك من الغد. واضافة الى ذلك نحن على استعداد لان نضع بالمجان تحت تصرف العراق جميع مؤسساتنا وقاعاتنا لممارسة اي نشاط ثقافي .. ويؤسفنا ان قرار غلق المركز الثقافي قد وصلنا ونحن نتهيأ للاحتفال باعياد تموز، وقد اضطررنا ان نقول لالاف السوفييت ان يحضروا مثل هذه الاحتفالات، وان مركزنا في بغداد قد اغلق بمناسبة عطلة الصيف، ولا زلنا نتكتم على هذا الامر. فاذا كان العراق الذي تربطنا به معاهدة صداقة يقوم باغلاق مركزنا الثقافي، فماذا يكون حال لبنان والاردن واليمن.. وغيرها؟.
2- في اطار جمعية الصداقة لا نترك مناسبة عراقية والا نحتفل بها في القاعات والصحافة، ولاظهار اهتمام الاتحاد السوفييتي بالصداقة مع العراق، وجرى اختيار رئيس للجمعية بمنصب وزير ، وهو كذلك عضو في اللجنة المركزية للحزب، بينما يترأس جمعية الصداقة في اعراق رئيس جامعة بغداد، وانطباعنا انه غير سعيد بهذه المهمة، ولا يبدي لها اي اهتمام او حماس.
3- بشان الاعتراف بالشهادات من المعاهد السوفييتية، قيل الكثير عن ضعف مناهجنا وعن ضعف اهلية المتخرجين، فلما قمنا بالتدابير الضرورية لضبط دراستهم وتاهيلهم بشكل افضل جرى سحبهم الى العراق. اما الزمالات، بما فيها الزمالات الدراسية المخصصة للعراق في معاهدنا لهذا العام فلم تستكمل، وتوضع في طريق الراغبين في الدراسة في الاتحاد السوفييتي شتى العراقيل. "..ان الاتفاقية بشأن التعاون الثقافي يمكن اعتبارها مجمدة من جانب العراق، وان المسؤولين الكبار في الحزب والدولة يجهلون هذه الامور!".
وتتناول الرسالة هذه الفقرة الاخيرة بالقول:"في اعتقادي انهم لا يجهلونا…وقد اثير بعضها عرضا من قبل احد المسؤولين في القسم الدولي للجنة المركزية، وان تجربة تعاملي معهم قد اكدت لي انهم صبورون جدا وطويلو البال، وشديدو التحرج في الاحكام، وحتى في الالفاظ. ولست اشك ابدا ان الامور السلبية التي يكتمونها او يسكتون عليها، غالبا ما تدخل في مجموع حساب التعامل على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية".
"..واسمحوا لي ان اتساءل عن الحكمة، بل النتائج السلبية التي ستسفر عنها مواقف من قبل:
مقالات (الثورة) تحت عنوان (ما هكذا ايها الاصدقاء)
مقال اخر بتوقيع (مراقب ولكن غير دولي)
اجتزاء خطاب بريجينيف الذي كرس قسما كبيرا فيه لقضية الشرق الاوسط
اغفال الذكرى السادسة والخمسين لثورة اكتوبر
موقف اجهزة الاعلام… "
"..كل هذه المظاهر السلبية تستمر وتتفاقم بعد عقد معاهدة الصداقة والتعاون، وبعد موقف الاسناد الصادق الذي اتخذه الاتحاد السوفييتي ابان الحرب مع (اسرائيل).. فبأي قدر يمكن ان تخدم هذه الامور قضايا وطننا والامة العربية او تسهم في تطوير العلاقات التحالفية بين العراق والاتحاد السوفييتي؟، ألم نستنكر، وكنا على حق، عدم وفاء بعض الاشقاء (هامش: كان احمد حسن ابكر في زيارة للاتحاد السوفييتي وكنت ضمن الوفد الرسمي، قد تحدث طويلا في الجلسة الاولى وبحضور بريجينيف وكوسجين وبونوماريوف وسكاجكوف والمارشال كوليكوف (رئيس الاركان السوفييتية انذاك) وكان من بين فقرات حديثه تنديده بعدم وفاء بعض العرب للاتحاد السوفييتي، واذكر ان بريجينيف قد استوقفه قائلا: "الاتحاد السوفييتي مسكين"، ثم طلب منه مواصلة الحديث) الذين بداوا ايضا، "بوقفة مع الصديق " وانتهوا الى الاضرار بمصالح وطنهم وبقضية الامة العربية كلها!".
".. انني اخشى ان تلقي هذه المواقف بظلالها السلبية على علاقات الصداقة بين البلدين.." وتنتهي الرسالة بمناشدة الرئيس ونائبه "من مواقع الوطنية الصادقة التي يدين بها حزبنا عقيدة، وعملا وكفاحا"، ان يتدخلا شخصيا لتدارك مثل هذه الامور الضارة، وتصفية عواقبها السلبية".
هذا وقد وردت في ذيل هذه الرسالة ملاحظتان:
الاولى: تساؤل من بونوماريوف حول موعد انعقاد مؤتمر حزب البعث، وعما اذا كانت قيادة الحزب ستدعو وفدا من الحزب الشيوعي السوفييتي.
والثانية: الاعراب عن امكانية لقائه مجددا مع صدام، "حيث مر وقت طويل على نقاشاتنا الحادة"، وفق تعبيره، ولم تجد الرسائل والمناشدات في تعديل الموقف، او تبديل العقلية في التعامل مع الاتحاد السوفييتي، فقد كانت شكاوى الجانب السوفييتي التي سمعتها لا تنقطع، ومنها على سبيل المثل:
شكواهم من طريقة المساومة المالية على المشاريع الاقتصادية ومبيعات الاسلحة بالمقارنة مع مثيلاتها من الدول الراسمالية، والتلويح المستمر بالتحول الى السلاح الغربي الارفع ثمنا، وقد جرى التطرق الى العديد من اسماء الوزراء البعثيين، والعاملين في المؤسسات الاقتصادية، والعسكريين، وبضمنهم، عبد الجبار شنشل، رئيس الاركان، وعبدو الديري، قائد القوة البحرية وغيرهما.
واذكر مثلا المساومة المضنية حول طائرات الاستطلاع والطائرات الاعتراضية من نوع ميغ 25 التي لم تنته الى نتيجة، بسبب اصرار الجانب العراقي على رقم 4 ملايين دولار عن ما طلب الجانب السوفييتي 8 ملايين دولار، بينما ثمن الطائرة الامريكية المماثلة هو 15 مليون دولار.. وكذلك فيما يتعلق بالمحادثات والحوار الطويل حول بناء قاعدتين جويتين، وخط نقل النفط من كركوك والبصرة،. الميناء العميق، ومشروع ري كركوك وغيرها من المشاريع الكبرى التي جرى التعاقد عليها مع شركات غربية.
كما اذكر شكوى السوفييت من تجميد العراق لمعدات تصليح السفن في البصرة ورفض عقد اتفاقية بشأن الاستخدام المشترك لها، وكذلك من سوء ظروف العيش لعدد من الخبراء السوفييت، والجدل حول اجور تدريب الطيارين وتاخر شحنات السلاح فضلا عن الانتقادات لصلاحية طائرة الميغ 23 التي سقط عدد منها اثناء التحليق في العراق بسبب سوء الدراسة وبعض التدريب، والاحتجاج على التحليقات الليلية لطائرات الاستطلاع السوفيتية على ارتفاعات شاهقة في الاجواء العراقية - الايرانية.
الشكاوى من جانب العراق، حول صلاحية الصواريخ السوفييتية او تقادمها، كذلك المعدات والمكائن، وفي فترة قلة مشتريات الاتحاد السوفييتي من نفط العراق…الخ. هذا الى جانب حوادث مسيئة، كان اخرها الضغط على الاتحاد السوفييتي لنقل سفارته الى مكان اخر، وكان قطع الماء والكهرباء عن العاملين في السفارة، واذكر بهذا الصدد مشاعر السخط التي لمستها في صوت وقول احدهم لي:
اذا كان الرفيق البكر يتوجس من عمليات التقاط الاصوات والاحاديث في القصر الجمهوري فقل له، ان شيئا من ذلك لم يحدث ولسنا بحاجة اليه، وبالتالي فقد تطورت التكنولوجيا بهذا الشان لدرجة لن يكون فيها فرق بين وجود سفارتنا في كرادة كريم او في المنصور، واذا شاء الرئيس فنستطيع ان نقدم له صورة للقصر الجمهوري ملتقطة بالاقمار الصناعية كهدية وسيرى فيها ادق التفاصيل وبما لا يزيد عن حجم كرسي اعتيادي.
كل ما اسلفت ذكره من امثلة ووقائع، كنت اخاطب به (البكر) في رسائل ومذكرات واحاديث.. وكان يستجيب او يبدى التفهم احيانا، او يجادل ويبدي التحفظ احيانا اخرى.
(يتبع)