من اوراق النقابي الشيوعي عبد تمر (3)
كاظم الموسوي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8715 - 2026 / 5 / 24 - 02:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
اعداد وتحرير: كاظم الموسوي
ام غانم، نجيبة احمد امين (1921- 1976/12/31)
ام غانم شريكة حياتي الوفية والمخلصة طول حياتها التي قضيناها معا، من سنة 1939، كان هذا تاريخ زواجنا، وكانت مشاركة في جميع ما عانيته في مسيرة حياتنا ، نحن الاثنين، كما عانى الكثير من رفاقنا ورفيقاتنا.
كانت طوال هذه المسيرة طيبة وذكية جدا، وتناقش الكثير من المتعلمين الذين يحملون شهادات مثل الحقوق وغيرها، وكانوا يعجبون بها وبالحجج التي كانت تطرحها. وكانت معي في تنقلاتي واختفائي وفي المعتقلات، كما كانت تتعلم مع عوائل الرفاق في بيوتهم القراءة والكتابة، والامور الحزبية. وكان هذا في اول شبابها، حيث كانت لا تتجاوز الثامنة او التاسعة عشرة من عمرها.
اثناء انشقاق عبد الله مسعود على الحزب كشفت عن قدراتها ومنها تشغيل ادوات الطباعة وغيرها، وبعد ان حصلنا على آلة رونيو قديمة، كما ذكرت ذلك سابقا، ونقلتها الى داري، دربنا ام غانم عليها، حيث طبعنا اول عدد من جريدة الحزب الجديدة، القاعدة، واستمرت في العمل في طبع ثلاثة اعداد من جريدة الحزب الجديدة، القاعدة.
في احد الايام اتي الى الدار الرفيق غضبان حمزة، واخبر ام غانم بتنظيف الدار، حيث علم عن خطر قيام الشرطة بتحري الدار، غير انه لم يعلم بوجود الرونيو في دارنا، وعلى اثر ذلك طلبت منه ام غانم ان ينتظر قليلا واذا بها تناوله الرونيو وادوات الطباعة ملفوفة ببطانية، وقالت له خذ هذه واخفيها في مكان آمن، فكانت مفاجأة غريبة بالنسبة للرفيق غضبان وتردد في اخذها، فقالت له:
" اذا انت رجل وتخاف تاخذها، كيف اعمل، وانا لا استطيع شيئا؟.
فصار امام الامر الواقع واخذ البطانية وما فيها، وكان الوقت ظهرا ووضعها في بيت اخته فترة من الزمن حتى عاد الرفيق فهد من الخارج وجلب معه مطبعة صغيرة.
وفي احد الايام واثناء افتتاح شارع الجسر القديم من قبل الوصي نظم الحزب مظاهرة نسائية تطالب بتوفير الخبز للشعب، كانت ام غانم من بين نساء الرفاق المشاركات في هذه المظاهرة وتم فعلا رفع الشعارات بوجه الوصي عند قص شريط الافتتاح، وحصل ما حصل، وتفرقت المظاهرة، ولم تستطع الشرطة القبض على احد، ولكن في اليوم الثاني من المظاهرة ونتيجة وشاية القت الشرطة القبض على ام غانم وام فياض وابو فياض، عباس الترف، واوقفوهم حوالي اسبوعين ثم افرج عنهم.
هذا بالاضافة الى الاعمال التي كانت تتم عن طريق زوجات واخوات رفاق الحزب بنقل وايصال الكثير من القضايا التي كان يصعب على الرفاق القيام بها لشدة الرقابة ، كما تقوم عوائل الرفاق بتقديم عرائض الاحتجاج وتشكيل الوفود، خاصة من عوائل العمال والكسبة، وفي احد الايام قدم وفد نسوي مذكرة الى الوصي طالب فيها باطلاق سراح المعتقلين والموقوفين، وذهب الوفد الى قصر الرحاب ، حيث يسكن الوصي، ولما وصل الوفد قيل له، ان الوصي في البلاط، وكانت هذه خطة مدبرة لحجز النساء من قبل الشرطة، وفعلا رجع الوفد من جسر الخر الى الكسرة حيث البلاط، ولما وصلن الكسرة وجدن الشرطة على اتم الاستعداد لهن، وساقت الشرطة الوفد من الكسرة الى السراي في مركز بغداد، وحجزوه من الصباح حتى منتصف الليل، ثم اطلق سراحهن، وكانت ام غانم بينهن، وقد تركت غانم وهو طفل يرضع عند اختها، ولما رجعت الى البيت في منتصف الليل، اخذت اختها تحكي عليها وتؤنبها على ما فعلت، كانها كانت في نزهة وتاخرت.
كنت حينها مختفيا في الناصرية وام غانم مع غانم ظلت في بغداد، في مدينة الوشاش، مع احد اقاربي، الذي لا يملك شيئا، ولا يعلمون عن مصيري شيئا، وبقيت اكثر من ثلاثة اشهر وهم خلالها في اقسى حالات البؤس والفاقة، وقبل هذه الفترة، اي عندما كنت في السجن والابعاد، كانت تعيش مع طفلها غانم متنقلة من دار الى دار، ولا نملك اي شيء سوى الثياب التي نرتديها، واثناء الاختفاء كذلك، تقوم هي بتدبير امور المعيشة وتتحمل القسط الاعظم حيث كانت ذكية في ذلك.
في وقت ما انتقلنا الى كمب الارمن، قرب معسكر الرشيد، واجرنا غرفة مع عائلة ارمنية، ولما كنت في الناصرية كنت قد عملت قالبا لعمل مربعات بسكويت (للدوندرمة) مع الرفيق داود سلمان، واعدت التفكير في تشغيل القالب في هذه الغرفة لكي نعيش، فقبل ان ابدأ العمل ذهبت الى السوق في الكرادة لاستطلع الوضع، فوجدت ان هذه المادة غير مستعملة في ذلك الموسم، اي المربعات، والمستعمل في ذلك الوقت هو البسكويت على شكل الكاس، فاضطررت ان ابدا بعمل قالب انتاج هذه المادة وانا لا املك شيئاً ، لا للمعيشة ولا للعمل، بل كل هذا كان يتم بمساعدة بعض الاخوة العمال ومن اصحاب الورش الصغيرة في السوق وبعض الرفاق، وقد انجزت عمل قالبين، وبدات بانتاج المادة التي لم اكن اعلم كيفية مزج المواد، وكان الرفيق داود انذاك يسكن الكمب ايضا، اعطانا ورقة مكتوبا فيها كيفية مزج المواد وعند التطبيق لم تنجح العملية، وهنا الطامة الكبرى، المواد ثمينة وتذهب سدى، "وصرفيات" الكهرباء واخفاء المواد التلف، ولم يعلم احد عما اعمله في هذه الغرفة، وكانت ام غانم تعمل معي في خبط المواد وانا اكبس، وكله تلف فاوقفت العمل وذهبت الى احد المحال الذي يعمل المواد نفسها وطلبت منه ان يعلمني كيفية مزج هذه المادة لقاء عشرة دنانير، الا انه لم يوافق، ورجعت الى البيت واخبرت ام غانم بما حصل. وبعدها اخذت تفكر في الموضوع وقالت لي :
ابو غانم ارجو ان تسمح لي وخليني اعمل لك كمية صغيرة جدا لتجربها، فاذا نجحت خير على خير واذا خربت تروح وي الراح، والحت علي كثيرا ونزولا عند رغبتها وافقت وعملت كمية صغيرة وقالت لي خذ جربه ولما وضعته في القالب واخرجته، كان رائعا، واخذته ومسكت واحدا بيدها واخذت تتفحصه وتقارنه مع النموذج وكم كانت الفرحة عظيمة لما وجدته مقاربا للنموذج، وفي الحال اخذت عمل كمية اخرى مع تغيير النسبة وقالت خذه وجربه ستجده ممتازا، وفعلا ظهر ممتازا ، واستمر العمل لفترة من الوقت، بعدها اصيبت بمرض التيفوئيد، والخلاصة لا استطيع كتابة كل هذه الحوادث حيث انها تاريخ لمسيرة 25 سنة من حياتنا.
اني اعزها واحترمها ومخلص لها وكل ما اقوله عنها اجده قليلا، وقليلا بحقها.
(وعودة لام غانم في صفحات قادمة)
موقع باسمه وتوقيعه والتاريخ: عبد تمر في 1975/5/2
وتحت ما سبق كتب ايضا:
ان اسمي الحقيقي هو عبد علي عباس التمر، وقد ابدلته الى احمد عباس، لأنه في سنة 1926 حكمت بالحبس مدة ثلاثة اشهر لسرقة ملابس من مهدي البصام في العطيفية، ولما اردت ان اشتغل ابدلت اسمي وفعلا تم ذلك.
موقع كالاتي: احمد عباس (عبد تمر) 1975/5/25
يتبع ، اجوبة على أسئلة جريدة، والذبحة الصدرية وازمة السكن