لماذا الطبقة العاملة هي المتضرر الرئيسي من الحرب على إيران؟
توما حميد
الحوار المتمدن
-
العدد: 8647 - 2026 / 3 / 15 - 15:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
سيسجل التاريخ أن الحرب على إيران هي واحدة من أسوأ الأخطاء التي ارتكبتها أي إدارة أمريكية على مر تاريخها، إذ ستغير هذه الحرب الخارطة الاقتصادية والسياسية للعالم بشكل كبير وبما يخالف المصالح الأمريكية. وتُعتبر حرب إيران المسمار الأخير في نعش السياسات الاقتصادية لإدارة ترامب، الذي وعد من بين أمور أخرى بوقف الحروب التي لا تعرف نهاية. سيكون لهذه الحرب تأثير هائل على أمريكا والعالم، وخاصة على الطبقة العاملة والصراع الطبقي. كما سيكون لها آثار طويلة الأمد، حيث ستُعلّم إيران بقية الدول كيف يمكنها الخروج من تحت سطوة أمريكا والغرب، أي عبر سلوك مسار غير مسار فنزويلا مثلاً. لن أستغرب إذا أعلنت إيران أنها دولة نووية في فترة قصيرة مقبلة.
إن قرار حدث كبير مثل شن حرب عدوانية غير مبررة على دولة ذات سيادة ليس نابعًا من سبب واحد. لا بد أن يكون هناك الكثير من العوامل التي دفعت الإدارة الأمريكية لاتخاذ هذا القرار، مثل لفت الأنظار عن قضية إبستين، والوضع الاقتصادي السيئ وفشل السياسات الاقتصادية لإدارة ترامب وخاصة بعد أن اعتبرت المحكمة الأمريكية قرار فرض التعريفات الجمركية غير شرعي، وحتى قد يكون للمخابرات مثل الموساد ورقة ابتزاز ضد ترامب، وغيرها. ولكن بنظري أن هناك سببًا أساسيًا أكبر للحرب من كل الأسباب الأخرى، وهو محاولة إدارة ترامب للمحافظة على الهيمنة الأمريكية على العالم. إن المحافظة على الهيمنة الأمريكية يتطلب ضرب القطب المنافس، أي القطب الروسي-الصيني، وتجمع البريكس الذي تُعتبر إيران جزءًا أساسيًا منه. فإلى جانب كون إيران جزءًا من مشروع "الحزام والطريق" والممر الشمالي الجنوبي، تقوم إيران إلى جانب الصين وروسيا بالتبادل التجاري بما فيه النفط خارج عملة الدولار وخارج النظام المالي الغربي، وهذا يشكل خطرًا جديًا على البترودولار الذي يحافظ على الدولار الأمريكي كعملة احتياطية عالمية. إن ضرورة ضرب فنزويلا وإيران بالذات هو أن هاتين الدولتين قامتا ببيع النفط بعملات غير الدولار، ويشكل هذا الأمر خطرًا جديًا على مكانة الدولار. فرغم أن 80% من النفط العالمي لا يزال يُباع بالدولار، إلا أن بيع 20% من النفط بعملات أخرى هو خطر، لأن الإدارة الأمريكية تعرف أن استبدال الدولار في التعاملات الدولية ليس بالضرورة أن يتم بشكل تدريجي جدًا، إذ قد تتسارع هذه العملية وتأتي لحظة يتم فيها بيع معظم النفط بالعملات المحلية للدول التي تتاجر به بشكل متسارع. إن بيع النفط بعملات غير الدولار كان سببًا من عدة أسباب دفعت أمريكا لشن الحرب على العراق وليبيا وسوريا مثلًا.
إن المشهد الاقتصادي العالمي يشهد تغيرًا جذريًا خاصة في آخر 30 سنة، وهذا التغير تتسارع وتيرته في السنوات الأخيرة. تمر أمريكا بمرحلة تشهد أفول إمبراطوريتها. وهذا الأمر غير قابل للعكس بسبب قوانين عمل النظام الرأسمالي، حيث أن مركز النمو والتطور ينتقل من مكان إلى آخر لعدة أسباب أهمها رخص الأيدي العاملة وزيادة الإنتاجية. إن الرأسمالية الغربية لم تتعاف من أزمة 2008. تشهد دول مثل الصين والهند والبرازيل وروسيا وتائر نمو أكبر من الغرب لمدة 30-40 سنة. وهذا يعني أن الغرب بما فيه أمريكا تنحدر مكانتهم النسبية مقابل الدول والأقطاب الأخرى. هذه الحرب هي بسبب عدم القدرة على التأقلم مع هذا الانحدار، إنه إجراء يائس، فالطبقة الحاكمة لا تعترف بانحدار مكانتها. يريد ترامب والطبقة الحاكمة في أمريكا أن يثبتوا أن الإمبراطورية الأمريكية ليس فقط لا تنحدر بل سيتم توسيعها وجعلها أكثر قوة من خلال الاستيلاء على بنما وغرينلاند، والاستيلاء على نفط فنزويلا، وضرب أي دول تقوم ببيع النفط بعملة غير الدولار، والسيطرة على كل مصادر الطاقة في العالم واستخدامها كسلاح ضد الخصوم. ولكن أمريكا كأي إمبراطورية أخرى تُقدم على خطوة أحيانًا قد تكون أكثر من قدرتها، وبدلًا من أن تُقوي مكانتها تُعجل من انحدارها. بطريقة ما، إن الحرب على إيران هي واحدة من تلك الخطوات. رغم أن الطبقة الحاكمة الأمريكية أمنت بأن الزمن ليس في صالحها، إذ يجب ضرب إيران قبل أن تصبح قوية ويفوت الوقت، إلا أنه في الحقيقة، الوقت كان متأخرًا جدًا.
ستكون للحرب آثار مدمرة على الاقتصاد العالمي والاقتصاد الأمريكي. فقط دخلت أمريكا إلى هذه الحرب والاقتصاد ضعيف ويعاني من مشاكل، إذ أنه بخلاف قطاع الذكاء الاصطناعي ومراكز المعلومات، كان الاقتصاد في وضع ركود، والتضخم يبقى عاليًا بشكل عنيد حتى قبل الحرب، والإنفاق العام كان يتراجع، ونسبة الفائدة تبقى مرتفعة وهي ترتفع، ووتيرة الإفلاسات على مستوى الأفراد والمشاريع الاقتصادية في ازدياد، وأسعار الطاقة كانت في ارتفاع، ويجد الأفراد صعوبة في الحصول على وظائف جيدة. لقد سجلت الميزانية الأمريكية عجزًا مقداره ترليون دولار من شهر أكتوبر 2025 إلى شهر فبراير هذا العام رغم التعريفات الجمركية. والآن بعد أن حكمت المحكمة بعدم مشروعية التعريفات الجمركية سيكون العجز أسوأ. لن تؤدي الحرب إلى تنشيط الاقتصاد الأمريكي كما يعتقد البعض، لأنه ليس للرأسمالية في أمريكا قدرات إنتاجية زائدة في مجال التصنيع. هناك ضعف في القدرات، ففي ظل هذا الضعف في التصنيع، فإن زيادة الإنفاق سوف تنتهي إلى سوق الأسهم لشركات محددة.
لقد دخلت أمريكا هذه الحرب بخطة معينة، وهي توجيه ضربة للنظام تؤدي إلى انهيار النظام، مما يؤدي إلى تفتيت الدولة أو على الأقل تنصيب نظام موالٍ لأمريكا، ولكن دون خطة بديلة إذا فشلت هذه الخطة. رغم التهديدات الأمريكية لكن خياراتها محدودة اليوم وخاصة أنها تعجز عن حشد أقرب حلفائها للدخول في الحرب. كنت مقتنعًا من بين آخرين بأن الحرب على إيران سوف تفشل، وأن الحسابات الأمريكية الإسرائيلية خاطئة. إيران استغلت جغرافيتها المواتية وعدد سكانها وركزت على سلاح مؤثر وهو سلاح الصواريخ والمسيرات وهي تدير الحرب بشكل جيد. الآن ليس لأمريكا أي فكرة كيف سيتم إنهاء الحرب. كالعادة من السهل شن حرب ولكن ليس سهلاً التحكم بالمجريات والعواقب فالحرب هي التي تتحكم بالمتحاربين وليس العكس.
إن إغلاق مضيق هُرمُز لا يؤدي فقط إلى زيادة أسعار الطاقة، بل يؤدي إلى زيادة أسعار البلاستيك ومدخلات الصناعة والبتروكيماويات، وأسعار النقل والغذاء السمكي والمحاصيل الزراعية وخاصة أننا ندخل فصل الربيع في الكثير من الدول وهذا قد يؤدي إلى فشل المحاصيل الزراعية بسبب قلة السماد وغيرها. إن زيادة أسعار الطاقة والغذاء والمواد الأساسية، أي التضخم، سوف يضر بالطبقة العاملة بشكل أساسي. إن الأغنياء سوف يصبحون أكثر ثراءً والفقراء سوف يزداد فقرهم. سوف تعاني الطبقة العاملة حتى في أوروبا وأمريكا إلى حد كبير.
إن ارتفاع أسعار الطاقة حتى في الدول الغنية بما فيها الدول المصدرة للنفط مثل الولايات المتحدة سوف يفيد الشركات المنتجة للنفط وسوف يضر بالطبقة العاملة. وهو الأمر الذي لا يشعر به شخص مثل دونالد ترامب، حيث قال إن ارتفاع أسعار النفط ليس مشكلة لأنه يعني أن أمريكا ستجني المزيد من الأرباح لأنها دولة مصدرة للنفط ولكن من يستفيد من ارتفاع أسعار النفط هو حفنة من الشركات وليس المواطن الأمريكي.
إن الضحية الأساسية لهذه الحرب هو المجتمع الإيراني وخاصة الطبقة العاملة الإيرانية. ستفرض هذه الحرب ظروفًا معيشية قاسية على الطبقة العاملة الإيرانية. إنها ستوجه ضربة قاسمة لطموحات الجماهير الإيرانية في قلب النظام، لأن الحرب سوف تُقوي وضع النظام في مواجهة الجماهير الإيرانية. إنها ستُقوي القوى الرجعية في المنطقة والعالم، وسنتعامل مع تداعيات هذه المسألة على مدى عقود قادمة. على مستوى الدول، الدول الفقيرة في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا هي أكثر الدول تضررًا، ولكن أيضًا ستتضرر بشكل كبير الدول التي تستورد معظم الطاقة التي تستخدمها مثل كوريا الجنوبية واليابان والهند وفيتنام والدول الأوروبية وغيرها.
سوف يكون لهذه الحرب مثل حرب أوكرانيا آثار مدمرة على البيئة وخاصة في المنطقة.
ولكن في الوقت الذي تفتح فيه الحرب الأبواب على سيناريوهات قاتمة بما فيها حرب عالمية ساخنة، في نفس الوقت، ربما يتقلص نفوذ أمريكا في المنطقة وتنزوي إلى حد كبير حيث إنه سيتحتم على دول الخليج وبقية دول المنطقة إعادة النظر في تحالفها مع أمريكا وإسرائيل، هذا إذا لم تؤد الأحداث إلى سقوط بعض هذه الأنظمة مثل النظام في البحرين. قد تكون الطبقة العاملة خاصة في دولة مثل أمريكا منفتحة على البديل الراديكالي والشيوعي. ان الوظيفة الأساسية للقوى التقدمية في هذه الفترة هو النضال من أجل الوقف الفوري للحرب لأنها تضر بالطبقة العاملة والقوى التقدمية أكثر من الأنظمة الرجعية المتحاربة.