لبنان وتعزيز خيار الدولة


محمود زعرور
الحوار المتمدن - العدد: 1656 - 2006 / 8 / 28 - 10:17
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي     

القرار الآممي رقم 1701 الصادر عن مجلس الآمن الدولي قضى بوقف الآعمال العدائية المتبادلة ، وقدم أسسا لحل جذري ، وشامل ، لمسائل النزاع ، من شأنها وضع حد ، أخير ونهائي ، هذه المرة ، لإمكانية تجدد حرب ممكنة ، أو محتملة ، إذا ما تم ، بالفعل ، وبشكل متبادل ، التزام دقيق من لبنان واسرائيل بتطبيق فعال لبنود القرار المذكور ، والتقيد التام بتجسيد الموافقة عليه في إنشاء أوضاع جديدة على الآرض .
بالطبع ، ما كان يمكن للبنان النجاح في الوصول إلى هذه الدرجة من إقناع المجتمع الدولي برؤيته للحل ، وانتزاع حقوق ومكاسب مهمة في نص القرار ، لولا عوامل عديدة .
منها تضامنه وتماسكه الكبيرين ، على المستوى الشعبي والاجتماعي ، وقد تجلى ، فيما تجلى ، باحتضان المهجرين ، في كافة مناطق لبنان ، ولولا الالتفاف الموحد حول الحكومة اللبنانية ، الذي أفضى إلى تحقيق إجماع وزاري لخطة رئيس الوزراء ، والتي عرفت بالبنود السبع ، وكانت مشجعة لتصور فرنسي للحل ، وقريبة ، فيما بعد ، من مشروع القرار الفرنسي - الآمريكي ، الذي غدا ، بعد الموافقة عليه ، في مجلس الآمن ، بالإجماع ، قرارا دوليا .
غير أن العامل الآهم ، برأيي ، الذي ساعد لبنان على بلوغ وضع مقبول ، في هذا الصدد ، تمثل بقرار الحكومة اللبنانية ، في نشر الجيش اللبناني في الجنوب ، كخطوة مهمة من خطوات بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها ، وكشكل من أشكال الاضطلاع بمهمات فرض السيادة الواحدة ، غير القابلة ، في المبدأ ، للتجزئة ، أو التعدد .
أعتقد أن انتشار الجيش في الجنوب ، يستجيب لتلك الدعوات ، التي طالما طالبت بأن تأخذ الحكومة اللبنانية ، على عاتقها ، مهمة تأمين البلاد ، وحمايتها ، وأن يتم الاتفاق على حق احتكار الدولة ، وحدها ، للسلاح ، وأن تمتلك قرارات الحرب والسلم ، وهي أوضاع سيادية بامتياز، من شأنها الحفاظ على وحدة لبنان ، واستقلاله ، وسيادته.
لقد أدرك اللبنانيون ، في فترة الحرب ، أهمية تأجيل النقاش ، والتوقف ، مؤقتا ، عن النظر في الاختلافات الكبرى ، وخاصة الآساسية منها ، بينهم وبين ( حزب الله ) وأعلنوا ، وبشكل خاص ، قوى وأحزاب 14 أذار ، أن الوقت ، الآن ، هو للتضامن الاجتماعي ، وتقوية التماسك الوطني ، واحتضان المهجرين ، وبذل الجهود لتأمين ضغط عربي ودولي من أجل العمل على وقف إطلاق النار ، وهي مواقف أكسبت الدولة اللبنانية عناصر قوة مؤثرة ، وفاعلة ، لجهة الاتفاق على تفويض الحكومة بالتكلم مع المجتمع الدولي ، والتفاوض من أجل بناء أوضاع جديدة ، تكفل الحقوق اللبنانية ، وسلامة الدولة .
وتم الوصول إلى الموافقة على القرار الدولي 1701 ، بعد أن أرسلت الحكومة بخطوة نشر الجيش في الجنوب ، رسالة جديدة وقوية ، هذه المرة ، بإمكانية ممارستها لدور مهم من أدوار السيادة ، وفرض السلطة الشرعية على كامل أراضيها.
الآن ، وبعد توقف الحرب ، وبعد دخول القرار الدولي حيز التطبيق الفعلى ، بخطواته الآولى ، سيكون مهما وضروريا البدء بحسم كل القضايا الآساسية ، التي تتصل بتعزيز خيار الدولة ، والذي سيكرس الحق في السيادة ، وبسط السلطة الكاملة على كافة الآراضي اللبنانية ، وامتلاك الدولة ، وبشكل مطلق ، لقرارات الحرب
والسلم.
من حق اللبنانيين القلق ، الآن ، من إمكانية بقاء لبنان ساحة لنفوذ ، أومصالح خارجية ، سورية في السابق ، أو إيرانية - سورية ، كما يراد الآن ، إلى الحد الذي لا يتردد فيه مسؤولون سوريون عن الحديث عن تغيرات في خارطة القوى السياسية اللبنانية مثلا ، أو أن يعمد مسؤولون إيرانيون إلى التصريح برفض نزع سلاح ( حزب الله ) وهي مواقف تؤكد قلق اللبنانيين على مستقبل بلادهم ، وتبرر دعوتهم الدائمة ، والمتكررة ، من أجل إحياء وتفعيل إتفاقية الهدنة لعام 1949 ، واعتماد اتفاق الطائف ، كمرجعية تنظيمية وتأسيسية للدولة اللبنانية ، والمضي قدما في التنفيذ الدقيق لبنود القرار الآممي ، بدون عراقيل أو انتقائية.
بالتطبيق الآمين للقرار ، يتم تحقيق أهداف لبنان في الانسحاب الاسرائيلي من أراضيه ، ونشر الجيش ، والقوات الدولية ، وعودة المهجرين ، وحل قضية مزارع شبعا ...الخ ، وهي خطوات تسهم في تأسيس وضع مستقر ، يضمن أسسا ثابتة ، وشاملة ، لحل دائم ، يطوق إمكانية بروز ذريعة من هنا أو تهديد من هناك في أي وقت من الآوقات.