سوريا: الثورة و تحولات الخريطة الاقتصادية – الاجتماعية


غياث نعيسة
الحوار المتمدن - العدد: 4183 - 2013 / 8 / 13 - 03:08
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

سوريا: الثورة و تحولات الخريطة الاقتصادية – الاجتماعية

بقلم : غياث نعيسة

حينما تتحدث الارقام الصادرة عن الامم المتحدة عن نزوح داخلي لنحو ثمانية ملايين سوري علاوة على مليونين هاجروا خارج البلاد وخاصة الى تركيا والاردن ولبنان ومصر، في بلد يقدر عدد بسكانه بحوالي 23 مليون نسمة ، دون ان نتحدث عن عدد القتلى الدي تجاوز 100 الف قتيل والجرحى ضعف هذا العدد والمفقودين نحو ربع مليون. فاننا نكون امام لحظة مرعبة من تفكك واعادة هندسة النسيج الاقتصادي – الاجتماعي عبر ممارسة العنف الصرف العاري والواسع ساهم فيه بشكل اساسي وحشية نظام الطغمة الدكتاتوري الذي مارس منذ بداية الثورة التي كانت سلمية، حربا وحشية ضد الجماهير الشعبية والمناطق الثائرة مطبقا بشكل واعي ومقصود استراتيجية الارض المحروقة، في محاولة منه لتجفيف البيئة الاجتماعية الحاضنة للثورة. وهو بفعله ذلك يقوم بنفس الوقت ، بإعادة رسم التكوين الاقتصادي - الاجتماعي لسوريا بما يخدم مصالح الطغمة البورجوازية الحاكمة وامكانيات بقائه واستمرار حكمه، مهما كان الدمار والخراب الذي سيسببه.
لم تزدهر البورجوازية السورية في تاريخ سوريا الحديث مثلما ازدهرت في ظل حكم الاسد الاب وبشكل اخص في العشر سنوات الاولى من حكم الاسد الابن، فمن بضعة مئات في الستينات تحولت وبتسارع مذهل من التسعينات والسنوات الاولى للالفية الثالثة ، بفضل السياسات النيوليبرالية لبشار الاسد التي افقرت اكثر من نصف سكان سوريا ،من جهة ، الى طبقة برجوازية واسعة وقوية ومزدهرة . ومرتبطة عضويا بالنظام الحاكم، من جهة اخرى. حيث تشكل حصة البورجوازية نحو 70 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي.(1)
لقد كان هذا التفاوت الاجتماعي المذهل بكل آفاته من افقار وتهميش وبطالة وتدهور حاد وعام لمستوى المعيشة ولكل المكتسبات الاجتماعية، اضافة الى نظام مستبد ودكتاتوري عسكري- بوليسي في الجذور الاساسية لثورة الجماهير الشعبية في اذار 2011 .
وما يستدعي التساؤل هو انه رغم ضعف النظام الحاكم وفقدانه لسيطرته على مساحة واسعة من الارض تقدر ب60 بالمئة، لكنه ما يزال قائما بل ويستعيد زمام المبادرة العسكرية ويستمر في تدميره لكل المناطق الثائرة واعتقاله للناشطين، والمحافظة على هيكلية السلطة والدولة ودفع الرواتب...الخ.
والسؤال الذي يطرحه العديدون هو كيف ولماذا والى متى؟
في الواقع، ان هذا النظام الدموي توفرت له عوامل داخلية وخارجية ساهمت في بقائه مترنحا حتى كتابة هذه الاسطر.
على الصعيد الخارجي، توفر له حلفاء لم يتخلوا عنه بل يقدمون له كل اشكال الدعم السياسي والدبلوماسي والامني والعسكري والاقتصادي مثل روسيا وايران والعراق وحزب الله، دون أن ننسى الصين. علاوة على ان الدول ممن يسمون انفسهم "بأصدقاء الشعب السوري" مثل دول الخليج والسعودية التي ترى ما يجري بعين طائفية، اما اصيبت بذعر وحقيقي لها من انتصار الثورة بصفتها الشعبية والوطنية لما يشكل ذلك من خطر انتشار الثورات اليها وهي مركز الظلامية والرجعية والثورة المضادة في المنطقة. في حين ان الولايات المتحدة والدول الغربية الاخرى فان لها حساباتها الاخرى التي لا ترغب من خلالها سقوط النظام تماما وتحول سوريا الى بلد فاشل يشكل بؤرة عدم استقرار وتهديدا لمصالحها و بالأخص مصالح كلب حراستها الدولة الصهيونية في المنطقة، فما ترغب به هذه الدول هو "انتقال منظم" اي تغيير فوقي في النظام فحسب.
على الصعيد الداخلي، يستند النظام على جيش وقوى امنية مذهلة بعددها وعديدها ومتماسكة في ولائها للطغمة الحاكمة وهي قلب السلطة الحاكمة وجوهرها، وتم بنائها بحذاقة خلال اربعة عقود، هذه القوى العسكرية والامنية ما تزال موالية بالمطلق للنظام ولم تتعرض الا لانشقاقات ضئيلة بلا اهمية كبيرة.
ويستند هذا النظام الى موالاة ومساندة كل المؤسسات الدينية الرسمية لكل الاديان والمذاهب . لقد اظهرت الثورة حلال ثلاثة اعوام التفاف المؤسسات الدينية الرسمية بعامتها حول النظام، مما ساهم ،اضافة الى ارتفاع الخطاب الطائفي الحقير والغبي في اوساط المعارضة المرتهنة ، الى حالة من تخوف و تردد بل وحيادية في اوساط واسعة من الاقليات الدينية والعرقية ،بل وفي اوساط الغالبية السنية نفسها.
وما ادام في حياة النظام الدكتاتوري حتى الآن ، هو أيضا غياب قيادة ثورية جماهيرية حقيقية للثورة، لأن ما تكرس اعلاميا ودبلوماسيا هي اشكال رديئة جدا للمعارضة السياسية بدءا من المجلس الوطني وصولا الى الائتلاف الوطني، لأنها هيئات مرتهنة لإرادات الدول الراعية وخاصة قطر وتركيا ومن ثم السعودية أساسا، وهي التي سوقت لفكرة غبية ورعناء بالتدخل العسكري الخارجي الوشيك منذ بداية الثورة، وايضا سوقت لخطاب طائفي مقيت ، مع غياب قاتل لأي استراتيجية واضحة سوى الانحناء لمطالب الدول الراعية لها، وانغمست في فساد مالي اسوأ من فساد النظام نفسه، في حين ان هيئة التنسيق الوطني في الداخل ارتهنت لاستراتيجية حلفاء النظام من روسيا وايران وفقدت مصداقيتها.
مثلما يستند هذا النظام ويعبر عن طبقة بورجوازية كبيرة وواسعة، و رغم ان بعض المثقفين الليبرالين المعارضين اضجوا اذاننا بحديثهم عن كون هذه الثورة هي ثورة بوجوازية ديمقراطية فحسب، وان رجل الاعمال هذا او ذاك يدعم الثورة او يتحمل تكلفة هذا المؤتمر او ذاك، لكن السؤال هو ما حال الطبقة البرجوازية المالكة والحاكمة في ظل التحولات الثورية و الاقتصادية- الاجتماعية الجارية؟ وأين تقف من الثورة في خضم الصراع الطبقي العنيف الدائر في بلادنا؟ .

مؤشرات التدهور المريع للوضع الاقتصادي

في العام الثالث من الثورة، ونتيجة لسيات الدمار والقتل والتهجير التي يمارسها النظام تدهورت وساءت بشكل مريع الحياة اليومية للغالبية العظمى من السكان ، فاقت بما لا يقاس ما كانت عليه سابقا، اصبح الجوع والعوز عدو يومي للجماهير الشعبية في عموم سوريا يضاف لها قنابل النظام الحاكم وصواريخه.
قبل الثورة ، وفي عام 2009 كان اجمالي الناتج المحلي يتوزع بالنسب التالية: الزراعة 19 بالمئة والصناعة 34 بالمئة والخدمات 47 بالمئة.
بينما نجد اليوم أنه، رغم الدمار، ما يزال هنالك بعض النشاط في القطاع الزراعي وخاصة في المناطق التي يسيطر عليها النظام، في حين يعاني قطاعي الصناعة والخدمات من حالة انهيار حقيقي، مع نسبة تضخم مذهلة فقد ارتفع معدل الاسعار في عام 2012 وحده لأكثر من 50 بالمئة. فقطاع السياحة، مثلا ، الذي كان يساهم ب10 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي كان يوفر عام 2010 نحو 6 مليار دولار، اصبح اليوم اثرا بعد عين. في حين أن قطاع النفط قد انخفض انتاجه الى 50 بالمئة خلال العامين الاولين من الثورة (2)، فمن جهته صرح محمد صالح مسلم زعيم الاتحاد الديمقراطي الكردستاني ، فرع حزب العمال الكردستاني في سوريا، وهو حزب عضو في هيئة التنسيق الوطنية ذات الموقف الملتبس من النظام والثورة، بان الكرد يسيطرون على 60 بالمئة من النفط (تصريح نقلته شبكة المعلومات الحرة بين الرافدين بتاريخ 8 ايار 2013) ، في الوقت الذي تسيطر فيه بعض القبائل والمجموعات الجهادية على ابار النفط، وخاصة الخمسة عشر بئرا، في محافظة دير الزور، وتمارس بيع جزء منه للنظام نفسه، وتهريب جزء اخر الى تركيا، وهي تستخرجه بوسائل بدائية مع انتشار لفساد رهيب ونهب للثروات الطبيعية في المنطقة المعنية اضافة الى اضرار بيئية يصعب تقديرها اليوم.
ولهذه الاسباب المذكورة ،يضاف لها الحصار الاقتصادي الاوربي المفروض على سوريا ،فان اوربا التي كانت تستورد 95 بالمئة من النفط الخام السوري قبل فرض الحظر والحصار الاقتصادي توقفت عن استيراده ، فقد انخفض انتاج النفط المحلي الى اقل من النصف ليصبح 160 الف برميل يوميا، مما جعل البلاد من مصدر للنفط الى مستورد له ولمشتقاته من فنزويلا وايران بشكل خاص .
وذكر صندوق النقد الدولي بأن صادرات سوريا التي كانت تقدر ب12 مليار دولار عام 2010 اصبحت تصل فقط الى 4 مليارات عام 2012. مع العلم بان التجارة الخارجية تشكل 70 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي، وهذا يدلل على الهوة الهائلة التي انحط اليها الاقتصاد السوري عموما ، ورغم ادعاء الحكومة بانها لا تزال تملك احتياطا نقديا اجنبيا بحوالي 14 مليار دولار، لكن عدد من المصادر تشير الى انها لم تعد تملك اكثر من مليار واحد وهو يفسر القروض(واحد مليار دولار عام 2012 و 3.6 مليار عام 2013 قدمتها ايران ، وفق الموقع الحكومي داماس بوست في 3 آب 2013) او خطوط الائتمان التي تقدمها لها ايران وايضا العراق وروسيا. وتأكد الانهيار المتواصل لقيمة الليرة السورية الذي يقدر بحوالي 50 بالمئة عام 2012 . مع ما يحمله من ارتفاع للأسعار لتأكل الاخضر واليابس، مما تبقى من امكانية العيش لغالبية السكان.
كما قدر صندوق النقد الدولي نسبة تدهور الناتج المحلي الاجمالي لعام 2012 بحوالي 4،6 بالمئة بينما تقدره مؤسسات مالية اخرى بانه وصل الى 20 بالمئة (3) .
ويمكن تلخيص الاثار الاجتماعية لهذا الانهيار الاقتصادي استنادا على بعض الاحصائيات التي وردت في تقرير المركز السوري لبحوث السياسات الصادر هذا العام والذي اورد بان اجمالي الخسائر الاقتصادية منذ بدء الثورة السورية عام 2011 حتى الربع الاول من العام الحالي 2013 بلغت حوالي 84.4 مليار دولار ، وازدادت اعباء الدين العام لتصل الى نسبة 65 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي في عام 2012 مقارنة بنسبة 23 بالمئة في عام 2010.
وخسر سوق العمل (اي اصبح عاطلا عن العمل) حتى الربع الاول من العام الحالي 2.3 مليون فرصة عمل(اي عامل) بسبب توقف الكثير من المعامل والشركات والورش الصغيرة عن العمل بشكل كامل او جزئي(وهروب رجال الاعمال خارج البلد برؤوس اموالهم بعد بيع العديد منهم مصانعه وشركاته وتسريحهم التعسفي للعمال) فكانت النتيجة ارتفاع معدل البطالة الى 48,79 بالمئة.
وذكر التقرير في ما يخص معدل الفقر ان 6.7 مليون شخص (اضافي) اصبحوا تحت خط الفقر، وهو ما يعادل 30 بالمئة من الشعب السوري، وان من بينهم 3.6 مليون شخص يصنف ضمن دائرة الفقر المدقع، وتعرضت 2963 مدرسة الى دمار جزئي او كلي جراء القصف ليصل تراجع نسبة الحضور وارتفاع معدل الغياب الى نسبة 45 بالمئة، في الوقت الذي تراجع فيه الانفاق على التعليم من 35.4 مليار ليرة سورية عام 2010 الى 26 مليار ليرة عام 2011 ليصبح 19.5 مليار ليرة عام 2013. (4)

مما سبق أعلاه، نريد أن نشدد على أن الديناميات الاقتصادية – الاجتماعية التي كانت المحرك الاساسي للثورة الشعبية، هي اليوم أكثر حدة مما كانت عليه قبل الثورة، ما يعني أنه لا يمكن تجاوزها أو تجنب ضرورات الرد على تحدياتها لأي كان، ومهما كانت عليه تقلبات الثورة او القوى السياسية الفاعلة. يقع على عاتق اليسار الثوري دور أساسي في حمل مهمة التغيير الاجتماعي العميق والدفع الى اقصى تجذير للدينامية الثورية الجارية على الصعيدين الديمقراطي والاجتماعي، وهذا يستلزم ليس فقط الانخراط في الفعل الثوري والجماهيري للشرائح الشعبية ، بل التركيز، في سياق الممارسة الثورية، على بناء الحزب العمال الاشتراكي الجماهيري كمهمة ملحة.

غياث نعيسة
12/8/2013

(1) هذه الاحصائيات وغيرها نجدها في مقالة الكاتب نفسه بعنوان "سوريا: ثورة جارية" بتاريخ 24 تموز 2011 ، وغيرها من مقالاته على موقع الكاتب الفرعي في "الحوار المتمدن".
(2) Mariam Karouny, Dans l Est syrien, le trafic de pétrole prospère sur le chaos, website Andlil,10/05/2013.
(3) Fabien Piliu, Que reste-t-il de l’économie Syrienne, website : latribune,03/01/2013.
(4) مقتطفات من التقرير اوردتها جريدة عنب بلدي في عددها 71 في 30/6/2013 .