الجنة المفقودة...
محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن
-
العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 02:47
المحور:
قضايا ثقافية
الجنة المفقودة
نقضي أعمارنا كلها تقريبًا
نبحث عن الجنة المفقودة.
بعضنا يظنها مكانًا،
بيتًا قديمًا،
أو مدينةً تركها خلفه مع الطفولة.
وبعضنا يظنها شخصًا
مرّ في العمر سريعًا
ثم اختفى كحلمٍ عند الفجر.
لكن الحقيقة الأغرب
أن الإنسان غالبًا
لا يعرف أنه كان في الجنة
إلا بعد أن يغادرها.
الجنة المفقودة
قد تكون أمًّا
كانت تجعل العالم أكثر أمانًا
بمجرد وجودها.
وقد تكون زمنًا
كنا نضحك فيه دون خوف،
وننام دون هذا القلق الثقيل
الذي صار يرافق الكبار.
أحيانًا تكون الجنة
جلسةً بسيطة على شرفة قديمة،
رائحة قهوة،
أصدقاء لم تفرّقهم الحياة بعد،
أو قلبًا
كان يحبنا بصدق نادر.
ثم يحدث شيء ما.
دائمًا يحدث شيء ما.
يمرّ الزمن،
تكبر المدن،
يتغيّر الناس،
وتبدأ الجنة بالتسرّب من بين أصابعنا
دون أن ننتبه.
وفي لحظة متأخرة،
نلتفت إلى الوراء
فنرى أن أجمل ما عشناه
كان بسيطًا جدًا،
لكننا لم نكن نعرف قيمته وقتها.
يا للمفارقة.
نقضي حياتنا
نطارد جنّات بعيدة،
وننسى تلك الصغيرة
التي كانت حولنا كل يوم.
الجنة المفقودة
ليست دائمًا مكانًا ضاع،
بل روحًا تغيّرت،
ونظرةً بهتت،
وبراءةً لم تنجُ من الطريق الطويل.
ومع ذلك،
يبقى في الإنسان شيءٌ جميل:
أنه رغم كل الخسارات
يواصل البحث.
يزرع وردة،
يبني بيتًا،
يحبّ من جديد،
ويحاول—بعنادٍ يشبه الإيمان—
أن يصنع جنةً صغيرة أخرى
وسط هذا العالم المتعب.
ربما لهذا
لا تضيع الجنة تمامًا.
فهي تعود أحيانًا
في لحظة صفاء،
أو دعاء،
أو حضن،
أو مساءٍ هادئ
نشعر فيه فجأة
أن أرواحنا… عادت إلى البيت قليلًا.