قراءة تفكيكية لخفايا مقابلة رئيس الوزراء الاسرائيلي مع قناة سي بي اس


محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن - العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 02:47
المحور: قضايا ثقافية     

أولاً: السياق الحقيقي للمقابلة (الأهم لفهم كل شيء)
المقابلة جاءت في لحظة حساسة جدًا:
حرب إسرائيل–إيران ما زالت “غير منتهية” حسب نتنياهو
تراجع واضح في الدعم الشعبي الأمريكي لإسرائيل (خصوصًا الشباب)
ضغط داخلي على نتنياهو سياسيًا وقضائيًا وإعلاميًا
إعادة تشكيل صورة إسرائيل بعد حرب غزة وامتداد الصراع الإقليمي
👉 لذلك المقابلة ليست “حوار إعلامي”، بل: إعادة تموضع إستراتيجي أمام أمريكا والرأي العام الغربي
ثانيًا: الفكرة المركزية في خطاب نتنياهو
يمكن تلخيص رسالته الأساسية بجملة واحدة:
“إسرائيل ليست في حرب… بل في حرب وجود مستمرة ضد إيران ومحورها، والغرب جزء من هذه الحرب سواء اعترف أم لا.”
لكن بين السطور، هناك 3 رسائل أعمق:
1) تحويل الصراع من “سياسة” إلى “وجود”
نتنياهو لا يتحدث عن:
حدود
مفاوضات
تسويات
بل عن:
“نظام يريد تدمير أمريكا”
“تهديد نووي وشيك”
“صراع حضاري”
👉 هذه صياغة كلاسيكية لـ تأبيد الحرب (endless war framing)
2) إعادة تعريف العدو ليشمل الجميع
لاحظ كيف يوسع دائرة التهديد:
إيران
حزب الله
حماس
“الوعي الغربي المتأثر بالسوشيال ميديا”
👉 الرسالة الضمنية: المعركة ليست عسكرية فقط، بل إعلامية وثقافية داخل أمريكا نفسها
وهذا مهم جدًا لأنه يحوّل النقد الغربي لإسرائيل إلى:
“جزء من الحرب عليها”
3) طلب دعم مع وعد بالاستغناء عنه
من أكثر النقاط الذكية سياسيًا:
يتحدث عن تقليل الاعتماد على المساعدات الأمريكية (3.8 مليار دولار)
لكن التحليل الواقعي يقول:
إسرائيل ما زالت تعتمد عسكريًا وتقنيًا على واشنطن
“الاستقلال” هنا خطاب رمزي لا عملي
👉 الهدف الحقيقي: تخفيف صورة التبعية أمام الداخل الأمريكي وليس قطع التبعية فعليًا
ثالثًا: ملف إيران — قلب الخطاب
نتنياهو يكرر فكرة:
“الحرب لم تنتهِ لأن إيران لم تُنزع منها القدرة النووية بالكامل”
بين السطور هنا:
هو يقدّم 3 أشياء مهمة:
1) تعريف النصر بشكل مستحيل التحقيق
“النصر” = إزالة:
اليورانيوم
المنشآت
البرامج الصاروخية
النفوذ الإقليمي
👉 هذا تعريف لا ينتهي بسهولة أي أنه: حتى لو توقف القتال، يمكن القول إن الحرب مستمرة
2) تبرير الاستباق العسكري الدائم
منطقه:
إيران “قريبة دائمًا من السلاح النووي”
إذن: الضربة الاستباقية دائمًا مشروعة
👉 هذا يفتح الباب لفكرة: حرب وقائية دائمة (Preventive war doctrine)
3) شيطنة النظام بالكامل
يصف إيران بأنها:
تريد تدمير أمريكا
تقتل شعوبها
تهدد العالم
👉 هذا ليس تحليلًا سياسيًا، بل: نزع الشرعية الكاملة (total delegitimization)
وهو شرط نفسي لأي صراع طويل
رابعًا: خطاب “الضحية–القوة” المزدوج
نتنياهو يستخدم نمطًا نفسيًا واضحًا:
أولاً: الضحية التاريخية
الهولوكوست
الاضطهاد اليهودي
“العودة من الموت”
ثانيًا: القوة الحالية
“إسرائيل أصبحت أقوى”
“غيّرنا ميزان القوة”
“دمرنا 90% من التهديدات”
👉 الرسالة المركبة:
نحن ضحايا تاريخيًا، لكننا أقوياء الآن وبالتالي لا يمكن كبحنا
هذا يبرر:
القوة العسكرية
العمليات الاستباقية
رفض الضغط الدولي
خامسًا: ملف غزة وحزب الله — إعادة صياغة الأخلاق
عندما يتحدث عن المدنيين:
“نحاول تقليل الخسائر… لكن أحيانًا لا خيار”
هذا خطاب كلاسيكي يُسمى:
“أخلاق الضرورة” (ethics of necessity)
لكن بين السطور:
لا نفي مباشر لوقوع خسائر مدنية كبيرة
بل تحويلها إلى “نتيجة حتمية للحرب”
👉 الوظيفة السياسية هنا: إعادة تعريف الأخلاق بما يخدم الاستمرارية العسكرية
سادسًا: أخطر نقطة في المقابلة — الإعلام والوعي
عندما يتحدث عن السوشيال ميديا:
يعتبرها “جبهة حرب ثامنة”
يتحدث عن فقدان الدعم بين الشباب الأمريكي
👉 التحليل: هو يعترف ضمنيًا بـ:
خسارة معركة الرواية
تغير عميق في الرأي العام الغربي
لكن بدل الاعتراف بالسبب، يحوله إلى:
“تضليل خارجي”
“حرب معلومات”
وهذا مهم جدًا لأنه:
يرفض الاعتراف بأن الصورة الإعلامية قد تكون نتيجة الواقع الميداني نفسه
سابعًا: البعد الشخصي في الخطاب (Netanyahu persona)
هناك ثلاث صور يقدّمها لنفسه:
1) القائد التاريخي
يربط نفسه:
بتأسيس إسرائيل
بالحروب الكبرى
بالنجاة الوجودية
2) الجندي القديم
فقد أقارب
جُرح في عمليات
“يعرف الحرب”
3) السياسي العقلاني
يريد خفض الدعم الأمريكي
يريد حلولًا “عملية”
👉 هذه الثلاثية هدفها: إعادة إنتاج الشرعية الشخصية رغم الجدل الداخلي حوله
ثامنًا: ما لا يقوله (الأهم في “بين السطور”)
المقابلة تخفي 4 أشياء رئيسية:
1) لا يوجد أفق سياسي نهائي
لا حديث عن:
دولة فلسطينية
تسوية إقليمية واضحة
خطة ما بعد الحرب
👉 وهذا يعني: إدارة الصراع وليس حله
2) الحرب تُقدَّم كحالة دائمة
كل التهديدات:
إيران
غزة
لبنان
👉 تُصاغ كـ “بنية مستمرة” وليس أحداثًا قابلة للانتهاء
3) الرأي العام الغربي ليس شريكًا بل ساحة معركة
لم يعد الجمهور الغربي:
وسيطًا بل
“ميدانًا يجب السيطرة عليه”
4) لا اعتراف بفشل إستراتيجي
رغم التحديات:
لا اعتراف بتكاليف سياسية
لا اعتراف بأخطاء استراتيجية
الخلاصة التحليلية العميقة
المقابلة ليست شرحًا للحرب، بل:
إعادة هندسة للواقع السياسي بحيث تصبح الحرب ضرورة دائمة، والاعتراض عليها جزءًا من الحرب نفسها.
أهم 3 أفكار تحكم الخطاب:
تحويل الصراع إلى “وجودي دائم”
دمج الإعلام بالرواية العسكرية
جعل الحل مستحيلاً دون “هزيمة كاملة للخصم”