حين يفارق الظلُّ صاحبه…


محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن - العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 15:32
المحور: قضايا ثقافية     

‏حين يفارق الظلُّ صاحبه…

‏لم نكن بحاجةٍ إلى كلامٍ كثير.
‏كان يكفي أن نمرّ في المكان نفسه، في الوقت نفسه،
‏كي يحدث شيءٌ يشبه الاعتراف… دون أن يُقال.
‏كنتِ هناك دائمًا،
‏في المسافة التي لا تُحرج القلب ولا تُطمئنه.
‏قريبة بما يكفي لأراكِ،
‏وبعيدة بما يكفي لأصمت.
‏تعلّمتُ أن أقرأكِ من التفاصيل الصغيرة:
‏من طريقة وقوفكِ عند الباب،
‏من تأخركِ المقصود في إنهاء حديثٍ عابر،
‏من نظرةٍ سريعة تُسحب قبل أن تُفهم.
‏وكان صمتي…
‏طريقتي الوحيدة لأحافظ عليكِ.
‏أو هكذا أقنعتُ نفسي.
‏لم أقل لكِ يومًا “أحبكِ”،
‏لكنني كنتُ أقولها كل مرة
‏أُبطئ فيها خطاي كي لا نسبق بعضنا،
‏كل مرة أترك فيها جملةً ناقصة لتُكمليها أنتِ،
‏كل مرة أختار فيها الصمت…
‏لأن الكلام قد يُفسد ما لا يُحتمل تفسيره.
‏كنا نعيش في منطقةٍ بين الضوء والظل.
‏لا نحن غرباء،
‏ولا نحن ما يجب أن نكون.
‏ويوماً…
‏بدأ الظلّ يتعب.
‏صار أقصر،
‏أبهت،
‏وكأنه لم يعد قادرًا على ملاحقة الجسدين اللذين لم يقتربا بما يكفي.
‏لم يحدث شيءٌ كبير.
‏لا وداع، لا خصام، لا اعتراف.
‏فقط…
‏تغيّر الإيقاع.
‏مررتُ يومًا في المكان ذاته،
‏في الوقت ذاته،
‏ولم تكوني هناك.
‏بقيتُ واقفًا،
‏كمن ينتظر ظلّه ليعود.
‏لكن الظلال،
‏حين تفارق أصحابها،
‏لا تترك أثرًا يُمسك.
‏تلاشى كل شيء…
‏كما يتلاشى السحاب:
‏ببطءٍ لا يُرى،
‏وبنقاءٍ موجع.
‏وبقي في داخلي
‏شيءٌ يشبه الحنين…
‏لا إلى ما كان،
‏بل إلى ما كان يمكن أن يكون.
‏أفهم الآن
‏أن بعض القصص لا تُروى بالكلمات،
‏بل بالصمت الذي يطول أكثر من اللازم،
‏وبالفراغ الذي يتركه غيابٌ لم يُعلن نفسه.
‏أمشي اليوم تحت شمسٍ كاملة،
‏لكنني أشعر…
‏أن ظلّي ناقص.
‏كأن جزءًا منه
‏اختار أن يبقى هناك…
‏حيث لم نقل شيئًا،
‏وحيث كان الصمت…
‏أصدق اعتراف.