‏وما النصرُ إلا صبرُ ساعة...


محمد عبد الكريم يوسف
الحوار المتمدن - العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 09:05
المحور: قضايا ثقافية     


‏الجملة قصيرة،
‏لكنها، لو صَدَقَت،
‏تحتاج عمرًا كاملًا كي تُفهم.
‏نحبّ أن نقتطعها من سياقها،
‏نعلّقها على الجدران،
‏أو نهمس بها لأنفسنا عند أول تعب،
‏ثم ننتظر…
‏كأن الصبر ساعةٌ فعلًا،
‏ستّون دقيقة من الاحتمال،
‏ثم يأتي النصر معتذرًا عن التأخير.
‏لو كان الأمر كذلك،
‏لما احتاج التاريخ إلى كل هذا العناء.
‏انظر إلى معركة اليرموك…
‏لم تكن ساعةً واحدة،
‏بل أيامًا من ثباتٍ موجع،
‏وغبارٍ يملأ العيون،
‏وقلوبٍ تعلّمت أن تصمد
‏حين لا يبقى للصمود معنى… سوى أنه لا خيار آخر.
‏وتأمّل سيرة صلاح الدين الأيوبي…
‏لم يصل إلى معركة حطين
‏بقصةٍ سريعة،
‏بل بسنواتٍ من الانتظار،
‏وترتيب اللحظة،
‏وضبط النفس حين كان الاندفاع أسهل.
‏والطريف—أو المؤلم—
‏أننا اليوم
‏نريد نتائج تشبه حطّين،
‏بصبرٍ لا يحتمل انقطاع الإنترنت لدقائق.
‏نغضب إن تأخر النجاح،
‏نملّ إن طال الطريق،
‏ونسأل ببراءة:
‏“أين النصر؟”
‏كأنه موعدٌ تأخر،
‏أو خدمةٌ لم تصل في وقتها.
‏لكن الحقيقة أبسط… وأقسى:
‏النصر لا يأتي لمن ينتظر،
‏بل لمن يستمر.
‏تأمّل توماس إديسون،
‏لم يقل يومًا: “صبرت ساعة”،
‏بل جرّب مرارًا،
‏حتى صار الفشل نفسه
‏جزءًا من طريق النجاح.
‏وفي زاويةٍ أخرى من العالم،
‏جلس نيلسون مانديلا
‏سنواتٍ طويلة خلف القضبان،
‏لم يرَ فيها نصرًا،
‏ولا وعدًا واضحًا به،
‏لكنّه خرج…
‏لا لأن الساعة دقّت،
‏بل لأن الصبر… اكتمل.
‏هنا المفارقة:
‏نحن لا نخسر لأننا ضعفاء،
‏بل لأننا نتعب قبل أن يتعب الطريق.
‏نظنّ أن الصبر سكون،
‏وهو في الحقيقة عنادٌ هادئ،
‏خطوةٌ صغيرة تتكرر،
‏حتى تصير مسافة.
‏ونظنّ أن النصر لحظة،
‏وهو في الحقيقة تراكم لحظات
‏لم نستسلم فيها.
‏أحيانًا،
‏لا يكون النصر أن تصل،
‏بل أن لا تتراجع.
‏وأحيانًا…
‏يكون أن تبتسم
‏وأنت تعرف أن الطريق أطول مما ظننت،
‏لكنّك… لن تتركه.
‏أعيد قراءة الجملة:
‏“وما النصر إلا صبر ساعة…”
‏وأفهمها أخيرًا:
‏ليست ساعةً في الزمن،
‏بل تلك اللحظة
‏التي تقرر فيها أن تصبر أكثر…
‏قليلًا فقط،
‏حين يختار الجميع الانسحاب.
‏هناك…
‏يبدأ النصر.