أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أشرف حسن منصور - موقع الإسلام في التاريخ العالمي















المزيد.....



موقع الإسلام في التاريخ العالمي


أشرف حسن منصور
الحوار المتمدن-العدد: 1904 - 2007 / 5 / 3 - 11:40
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يتميز الإسلام بظهور درامي على مسرح التاريخ بالمقارنة بظهور المسيحية و البوذية . لقد مرت حياة المسيح دون أن يهتم بها أحد آنذاك ما عدا الحفنة القليلة من تلاميذه الجليليين . و كل معلوماتنا عن مهمته التبشيرية أتتنا من المصادر الكنسية . فلا يمكننا معرفة أي شيء عنه إذا كانت كل مصادرنا من الأدبيات الهلينية المدونة باللغتين اليونانية و اللاتينية ، و الأدبيات اليهودية المدونة باللغة الآرامية في القرن الأول الميلادي . و كذلك الحال بالنسبة لحياة " سيدهارتا جواتاما " الذي لانعرف عنه شيئا إلا من كتب فرقة الهينايانيا المقدسة ، على الرغم من أن جواتاما كان شخصية عامة في حياته و ابنا لملك .

و علاوة على ذلك فلم يكن للبوذية تأثير سياسي على نطاق عالمي إلا بعد مرور قرنين من الزمان ، و لم يكن للمسيحية مثل هذا التأثير إلا بعد ثلاثة قرون عندما اعتنق قسطنطين المسيحية و اعتنق أسوكا البوذية .

و على الجانب الآخر فلقد حقق الإسلام تأثيرا سياسيا عالمي النطاق في حياة النبي ، كما تحددت المقدرات السياسية لهذا الدين عن طريق هذا النبي نفسه .

لقد استسلم محمد في العام الثالث عشر من البعثة للإغراء الذي قاومه المسيح في بداية بعثته . فلمدة اثنى عشر عاما كان محمد نبيا مخلصا و جسورا لكنه لم يكن يلاقي نجاحا . فلم يكسب إلا حفنة من الأتباع الذين هاجر أغلبهم إلى الحبشة لفترة ، و كان مهددا كل يوم بملاقاة مصير المسيح . أما بعد قبوله لدعوة أهل يثرب ليكون رأس دولتهم ، فقد أثبت أنه ليس مجرد نبي بل سياسي عبقري كذلك . و قبل موته كان قد أرغم الأوليجاركية التجارية لمدينته الأم مكة على الاستسلام ، كما أثبت براعته و حنكته كرجل سياسي بكرامة طبعه . و بالإضافة إلى ذلك فقد مد سلطانه من مدينة يثرب على جزء كبير من الجزيرة العربية ، كما قامت قواته بحملة على حدود الإمبراطورية في عبر الأردن . و قد قوبلت هذه الجرأة بحملة تأديبية فورية من قبل الرومان ، إلا أنها لم تكن إلا إرهاصة للفتوحات الجارفة لخلفاء محمد . فقد فتحوا في أقل من عشرين عاما من وفاته كل الإمبراطورية الساسانية الفارسية مع أفضل أجزاء الإمبراطورية الرومانية و هي سوريا الكبرى و مصر .

و قد أعطت هذه الانتصارات العسكرية و السياسية للإسلام في بدايته المبكرة انطباعا لدارسي التاريخ الغربيين بأن الإسلام قد أحدث انشقاقا حادا في تاريخ المجتمع العالمي القديم ، ذلك الانبثاق الذي لم يكن له شبيه قبله و لا بعده .فللمؤرخ " كريستوفر داوسون " مقولة شهيرة و هي أن التاريخ يسمح بأن يتغير الوضع العالمي كله من حال إلى حال بفعل فرد واحد مثل محمد أو الإسكندر . و يقول كرويبر أن الإسلام لم يمر بمرحلة طفولة و لا بمرحلة نمو حقيقي لكنه انبثق مرة واحدة ، كامل النضج في حياة إنسان واحد .

و إذا كانت هذه هي الحقيقة فإن افتقار الإسلام إلى أي سابقة من نوعه لا يمكن أن يرجع إلى انبثاقته المفاجئة . إذ أن هذه السابقة لم تكن فجائية أكثر من باقي الأديان و الفلسفات التي ترجع إلى مؤسسين فرادى و الذين كان ورائهم تراث طويل مثلما كان للمسيح في الديانة اليهودية و لجواتاما في تطور الفلسفة الهندية . لذلك فإن افتقار محمد لسوابق تاريخية عليه غير قابل للتفسير . لأن أوضح و أبسط تفسير هو أن هذه الصورة الغربية للإسلام مجرد خرافة . و في الواقع كانت هناك سوابق تاريخية حقيقية لظهور الإسلام و عدد من اللواحق أيضا كما سيتضح في هذا الفصل ، و في نفس الوقت فمن الأفضل تناول كيفية ظهور ذلك الانطباع الغربي السابق خلال الدراسة .

إن إحدى الظواهر التاريخية التي خلقت هذا الانطباع هي سعة نطاق و سرعة و ثورية التأثير العسكري و السياسي للإسلام على العالم في الثلاثين سنة التي بدأت بانسحاب محمد من مكة إلى المدينة سنة 622م . و في خلال هذه الثلاثين من السنين ضمت دولة الإسلام كل الجزيرة العربية و الإمبراطورية الساسانية الفارسية ، و ممتلكات الإمبراطورية الرومانية في الشام و مصر . و هذه النجاحات السياسية الهائلة جديرة بأن تبهر المؤرخين الغربيين المحدثين بالذات ، ذلك لأن عقلية المجتمع الغربي الحديث عقلية سياسية . فلقد غزت الدولة الإسلامية مقاطعات و شعوب عديدة بضربة واحدة ، لكن الإسلام لم يكن أكثر ثورية من المسيحية أو البوذية في العملية التالية على الفتح و هي تحول النظرة الدينية و العقلية و الفنية لهذه الشعوب . إن كسب الرعايا يتم بسهولة و بسرعة أكثر من كسب المؤمنين . لقد كان تحول رعايا الدولة الإسلامية إلى الدين الإسلامي بطيئا . فلقد استغرقت هذه العملية ستة قرون ، بل حتى بعدها لم يكن التحول كاملا . فقد عاشت الأقليات اليهودية و المسيحية و الزرادشتية في العالم الإسلامي حتى هذا اليوم و الفضل في ذلك يرجع إلى حد ما إلى التسامح الديني مع أهل الكتاب الخاضعين لحكم الدولة الإسلامية . و علاوة على ذلك فكلما تقدم الإسلام كان مثل غيره من الديانات الأخرى ، يتقدم باحتواء كثير من عناصر الديانات السابقة لأتباعه . و في هذه الحالة ، كما هي حالة كل الأديان السابقة ، كانت التسوية بين الاثنين هي ثمن التحول إلى الإسلام .

و هناك ظاهرة أخرى أعطت للأذهان الغربية انطباع بأن الإسلام قد صاحبه انشقاق حاد في الاتصال التاريخي و هي احتلال اللغة العربية لمكانة رفيعة بعد الفتح و بصورة مفاجئة . ففي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان (658-705) أخذت اللغة العربية مكان اليونانية باعتبارها اللغة الرسمية للإدارة في المقاطعات التي كانت خاضعة للحكم الروماني . إلا أن الانتصار الحقيقي للغة العربية كان في المجال غير الرسمي ، مجال الآداب . فمصادر دراسة التاريخ الإسلامي منذ حياة محمد غزيرة و كثير منها ذا قيمة عالية من وجهة نطر المؤرخ المحترف . فحياة محمد- على العكس من حياة المسيح - يمكن تتبعها خطوة بخطوة ، و يوما بيوم في بعض فصولها . لكن كل هذه السجلات التاريخية مكتوبة باللغة العربية ، و هذا ما يكبح جماح المؤرخ الغربي الذي كان يتتبع تاريخ جنوب غرب آسيا و مصر بالمصادر اليونانية و اللاتينية لمدة 1200 سنة من قبيل تأسيس الإمبراطورية الأخيمانية الفارسية كما دونها هيرودوت باللغة اليونانية و حتى حملات الإمبراطور الروماني هرقل كما دونها جورج البيسيدي بنفس اللغة ، و حينئذ و بعد ظهور الإسلام قبل نهاية عهد هرقل يكتشف المؤرخ الغربي القارئ اليونانية أن اللغة التي كان يستخدمها لدراسة 1200 سنة لم تعد تنفعه . و هذا هو ما يؤكد و يعزز انطباعه بأنه يواجه انقطاعا في الاتصال التاريخي .

هذا هو ما يبدو للمؤرخ الغربي الذي تلقى تعليما في اللغة و الآداب اليونانية و اللاتينية ، و الذي يتخذ نقطة انطلاقه من العالم الهليني السابق على العصر السكندري ، و الذي ينظر إلى الإمبراطورية الفارسية المجاورة و خليفاتها من الدول الهلينية بمنظور هليني ، فهو لا يدرك أن وجهة النظر الهلينية هذه تشوه لديه صورة تاريخ جنوب شرق آسيا و مصر ، و بذلك فعندما يواجه بالمدونات العربية عن تاريخ المجتمع الدولي ابتداء من القرن السابع فإنه لا يدرك أهمية هذه التجربة التي عوقته . إن ما تدل عليه هذه التجربة هو أن لغات أخرى غير اليونانية لا غنى عنها لدراسة تاريخ الإثنى عشر قرنا التالية .

و حتى لو اكتفى المؤرخ بالتاريخ السياسي ، فعليه التحقق من دقة تاريخ هيرودوت المكتوب باليونانية بمقارنته بالسجلات الحكومية للأباطرة الفرس باللغات : الفارسية - الميدية ، و العيلامية ، و الآرامية ، و الأكادية ، و المصرية . و إذا كان يريد التعمق بعيدا عن السطح السياسي إلى المستوى الاقتصادي ، فيجب عليه دراسة السجلات العملاقة عن المعاملات التجارية في اللغة الأكادية ، و التي ظهرت في العصرين الأخيماني و السلوقي و التي تم استخراجها من تحت الأرض في بابل . إن الحوض الأدنى المروي لنهري دجلة و الفرات كان القوة الاقتصادية لكل من هاتين الإمبراطوريتين ، و الأكادية هي مفتاح أي دراسة للتاريخ الاقتصادي لجنوب غرب آسيا في هذه الفترة و ليست اليونانية - حتى في الوقت الذي حلت فيه الأسرة المالكة السلوقية محل الأخيمانيين . و إذا أراد المحقق أن يتعمق أبعد من المستوى الاقتصادي إلى المستوى الديني فعليه القراءة بالعبرية و الآرامية و السريانية و الأفستية و البهلوية ، و عليه القراءة بالبالية و السنسكريتية أيضا إذا كان عليه التوجه ناحية الهند في عصر خلفاء الإسكندر . الحقيقة أن لغات أخرى غير اليونانية تعد ذات أهمية قصوى للباحث في تاريخ جنوب غرب آسيا و الذي يتبنى منظورا شاملا للتاريخ ، ليس فقط لتاريخ هذه المنطقة من ظهور الإسلام الذي جلب معه اللغة العربية ، بل لتاريخها قبل ظهور الإسلام وقت توافر المصادر اليونانية و اللاتينية .

و بهذا المنظور فإن ضرورة العربية و عدم كفاية اليونانية لن يظهر بمظهر نقطة انطلاق ثورية جديدة . إن انفراد اللغة العربية بالتسجيل لأحداث حقبة كبيرة من التاريخ و جزء كبير من العالم المعمور يجعل من المستحيل على الباحث الغربي الاستمرار في تجاهل الوضع الذي كان يواجهه دائما.

و لنفترض أن الإمبراطورية الرومانية لم تخرج سالمة من فترة الاضطراب و الفوضى السياسية التي وقعت فيها سنة 235م . لنفترض أن " زينوبيا " ملكة دولة تدمر في شمال بلاد العرب كانت قادرة على استعادة الأجزاء التي اقتطعتها بسرعة خاطفة من الإمبراطورية الرومانية . فلقد ضمت دولتها كل الثلث الشرقي للإمبراطورية . إذ امتدت في جهة الشمال ناحية مضايق البحر الأسود ، وفي الجنوب الغربي ناحية برقة . لنفترض أنها اعتنقت المسيحية و أنها أخذت مسيحيتها من مملكة أسرحين المسيحية في بلاد الرافدين ، و أنها بالتالي عرفتها في اللغة السريانية لا اليونانية . و لنفترض أخيرا أنها سبقت قسطنطين بنصف قرن في جعل المسيحية الدين الرسمي في أملاكها ، و ليست هذه الافتراضات مسرفة في الخيال ، فالتاريخ كان يمكن أن يسير في هذا الاتجاه بسهولة . و إذا حدث ذلك لكانت المسيحية قد أحدثت نفس الانطباع الذي يحدثه الإسلام لدى المؤرخين الغربيين الآن . فلقد كانت المسيحية ستبدو لديهم أنها غيرت وجه العالم و ذلك بتجريدهم من المفتاح اللغوي الذي كانوا يفهمون به تاريخ العالم . إذ أن اعتناق زينوبيا للمسيحية كان سيحل اللغة السريانية محل اليونانية تماما كما أدى انتشار الإسلام إلى إحلال العربية محل اليونانية بعد أربعة قرون ، و كان ذلك سيحدث في أعين الغربيين انطباعا بانقطاع ثوري ، إلا أن الانطباع زائف سواء في هذه الحادثة المفترضة أو في الحادثة التاريخية الحقيقية . فإن كل ما كان يمكن أن يحدث في القرن الثالث يبدو أنه ما حدث فعلا في القرن السابع . و بالتالي فإن الجوهر اللاهليني لحياة جنوب غرب آسيا الكامن تحت القشرة الهلينية كان يمكن أن يظهر قبل ظهوره الفعلي ( مع ظهور الإسلام ) بأربعة قرون ، عندما تم نزع هذه القشرة . لكن هذا الحدث لم يكن ليحدث انطباعا بانقطاع في المتصل التاريخي إذا كان قد ظهر في القرن الثالث ، أكثر من الانطباع الذي أحدثه الإسلام في القرن السابع . إن افتقار الإسلام إلى سوابق تاريخية لا يعد إلا معززا لوهم مؤرخ غربي هليني النزعة .

إذا أعدنا النظر في تاريخ ما قبل الإسلام ، و تخلينا هذه المرة عن المنظور الهليني فسنجد كما غزيرا من السوابق التاريخية ، و اللواحق أيضا ، للظواهر التي تشكل في مجموعها ما يسمى بانبثاق الإسلام.

لقد تم تعرف العالم على انبثاق الدين الجديد بقدوم بدو ساميين محاربين من الجزيرة العربية ، لكن حركة الهجرة الجماعية العربية Volkerwanderung في القرن السابع لم تكن هي الأولى من نوعها ، و لم تكن الأخيرة . فلقد خرج العرب أنفسهم من الجزيرة العربية مرتين قبل ذلك : في القرن الثاني ق.م عندما كانت الإمبراطورية السلوقية تفقد سيطرتها على الهلال الخصيب ، و قبل ذلك ، في القرن السابع ق.م عندما بدأت الإمبراطورية الآشورية تعاني من آثار انتحارية نزعتها الحربية . كما أن خروج الآراميين و الكلدانيين و العبريين في القرن الثالث عشر ق.م وقت اضمحلال الإمبراطورية الحديثة ف يمصر شبيه بخروج العرب المسلمين في حجمه و قوته . و حول بداية الألف الثانية ق.م خرج الآموريون حتى الحد الذي وصل إليه الآراميون بعد ذلك . و قبل هذا التاريخ بخمسة أو ستة قرون شق الأكاديون طريقهم عبر الصحراء إلى الأراضي الزراعية الخصبة في شمال غرب سومر ، و دخلوا من أعلى حوض نهر دجلة إلى البلاد التي سموها آشور بعد ذلك ، و لابد أن يكون الكنعانيون قد خرجوا من الجزيرة العربية و احتلوا سوريا قبيل الأكاديين .

و لقد توسعت الإمبراطورية الإسلامية في مدى حياة جيل واحد من نواة ضئيلة : دولة مدينة واحدة تحكم واحة واحدة . لكن لمدينة محمد أشباه سابقة في تدمر مدينة زينوبيا ، و في البتراء و حترا على نطاق أصغر . في كل حالة من هذه الحالات السابقة مارست دولة مدينة مقامة في واحة عربية سلطة سياسية و عسكرية واسعة النطاق و توسعت و غزت مساحات شاسعة حولها . و قد صفى الإمبراطور الروماني تراجان إمبراطورية البتراء الصغيرة لكنه هزم في محاولته احتلال حترا. و لا تزال آثار حصاره لهذه المدينة باقية حتى اليوم ، و كانت حترا تحت حماية ثلاثة من الإلهات اللاتي كن حاميات مكة في عهد النبي ( اللات و العزى و مناة ). و كانت شعبيتهن قوية حتى أنهن ذكرن في القرآن .

و في عهد الأمويين الذين استندت دولتهم على سوريا و اتخذوا من دمشق عاصمة لها ، كانت الدولة الإسلامية أولا و أخيرا خلفا للإمبراطورية الرومانية ، و بهذا المعنى فقد سبقتها في القرنين السادس و السابع الميلادي إمارة بني غسان التي كانت تحرس التخوم الصحراوية للإمبراطورية الرومانية ، و في القرن الثالث إمبراطورية زينوبيا التي حكمت نفس هذه المنطقة من تدمر . و قد وجد الأمويون ( باستثناء عمر الثاني " ابن عبد العزيز " ) أن الهلينية تتفق مع مزاجهم أكثر من الإسلام - كما تدل على ذلك الزخارف الهلينية لقصر هشام في الضواحي الشمالية لأريحا . و قد سبقهم في تأثرهم هذا بالهلينية كل البرابرة الذين فتحوا مقاطعات هلينية سابقة مثل البارثيين في إيران و العراق ، و الكوشان في باكتريا و الهند .

و بفتح العراق و إيران بجانب سوريا و مصر حلت الدولة الإسلامية محل كل من الإمبراطورية الفارسية و الرومانية . و قد ظهر التأثير الاقتصادي للعراق على فاتحيها العرب عندما حل العباسيون محل الأمويين و عندما نقلت عاصمة الدولة الإسلامية من دمشق إلى بغداد . و تحت حكم العباسيين تشابهت مصائر الدولة الإسلامية مع مصائر سلسلة الإمبراطوريات العديدة التي استندت على مصادر العراق الاقتصادية ، و هذه السلسلة من الأقدم إلى الأحدث تضم كل من الإمبراطوريات البابلية و الفارسية و السلوقية و البارثية و الساسانية .

كانت الدولة الإسلامية في الفصل الأول من تاريخها في مواجهة عسكرية ضد الهيمنة السياسية للهلينية في جنوب غرب آسيا و مصر - تلك الهيمنة التي حافظت عليها قوة روما منذ القرن الأخير ق.م . و على الصعيد الثقافي فقد لعب الإسلام دوره باعتباره دينا عالميا بجذبه لمصادر ثقافية هلينية . و هكذا كانت علاقة الإسلام بالهلينية متناقضة : انجذاب للهلينية في المجال الثقافي مع العداء لها في المجال السياسي . لكن هذا التناقض لم يكن خاصا بالإسلام وحده . فلقد كانت هذه هي أيضا طبيعة العلاقة بين كل من المسيحية المونوفستية و النسطورية من جانب و الهلينية من جانب آخر ، و قبل ذلك كان التناقض أيضا هو موقف المسيحية الكاثوليكية من الهلينية . لقد كانت الكنيسة الكاثوليكية قبل قسطنطين و ثيودوسيوس هلينية و لا هلينية في نفس الوقت . فلقد قدمت نفسها لمعتنقيها الهلينيين في ثوب هليني و كان الإسلام يتبع هذه السابقة ، فعندما فرغ من طرد الهلينية من جنوب غرب آسيا و مصر استمر في تزويد نفسه بإلهيات ( علم الكلام ) بالاستعانة بالفلسفة اليونانية .

و هكذا اتضح أن الملامح المختلفة لظاهرة انبثاق الإسلام و لتاريخه المبكر كانت لها أشباه سابقة و لاحقة مثل أي ظاهرة أخرى . و الأكثر من ذلك فمن الممكن تفسيرها . فيمكننا معرفة كيفية انشغال محمد بدعوته الدينية في جيله الذي ظهر فيه بالذات ، و لماذا أصبح رجل سياسة بجانب كونه نبيا ، و لماذا كانت الدولة الإسلامية في الفصل الأول من تاريخها قادرة على تحقيق فتوحاتها العسكرية بمثل هذه السرعة و هذا الاتساع . و أخيرا يمكننا معرفة سبب تطور الإسلام بعد تأسيس الإمبراطورية إلى دين عالمي على نفس طراز المسيحية .

يمكن تفسير رسالة محمد النبوية على أنها نتيجة للتراكم التدريجي لتأثيرات الحضارات المختلفة على الجزيرة العربية . و يبدو أن عملية التراكم هذه بدأت قبل نهاية الألف الثانية ق.م عندما تم استئناس الجمل فجعل ذلك التنقل في الصحراء ممكنا . و كما رأينا فقبل نهاية الألف الأخيرة ق.م تم جذب اليمن لنطاق الحضارة السريانية . و في القرن السادس ق.م أسس الإمبراطور البابلي نابونايد قاعدة أمامية للحضارة السومرية- الأكادية في شمال غرب بلاد العرب في واحة تيماء . و في زمن محمد كانت كل من اليهودية و المسيحية تنشر تأثيراتها بقوة من الشمال الغربي و الجنوب الغربي و الشمال الشرقي . و كانت في خيبر و يثرب مجتمعات يهودية مستقرة و في اليمن كانت هناك مجتمعات مسيحية . كما كان هناك إحساس عام بأنه قد حان الوقت للعرب ليكونوا " أهل كتاب " مثلما كان اليهود و المسيحيون . و كان لمحمد أسلاف سبقوه في دعوته و هم الحنفاء ، كما كان له منافس معاصر و هو مسلمة . و إذا فشل محمد نبي الحجاز فكان من الممكن أن يقوم مسلمة بما قام به محمد ، و إذا فشل مسلمة فكان من الممكن ظهور نبي ثالث في منطقة أخرى يستوحي عمل محمد و مسلمة . فلم يكن ظهور الإسلام مفاجئا بل إن مثله مثل المسيحية ، كانت له جذور عميقة في التاريخ السابق لولادته . إن ولادة الإسلام تتطلب تشبيها مناسبا غير تشبيهها بولادة الإلهة أثينا مرة واحدة من رأس الإله زيوس . إن الولادة الطبيعية حادث مفاجئ و درامي إلا أنها لا تأتي بصورة غير متوقعة ، و لا هي غير قابلة للتفسير .

في المرحلة الثانية من دعوته ابتداء من انسحابه من مكة إلى المدينة لعب محمد بنجاح الدور العسكري و السياسي الذي كان اليهود ينتظرونه من المسيح المنتظر بعد فقدانهم لاستقلالهم السياسي.

إن المهمة المنتظرة من المسيح اليهودي كانت مهمة عسيرة . فقد كان عليه أن يحطم إمبراطورية عالمية كان اليهود من رعاياها ، و أن يقيم بدلا منها إمبراطورية عالمية يهودية مكانها . و كان معروفا أن المسيح المنتظر لا يمكن أن ينجح إلا إذا كان مؤيدا بقوة يهوة العظيمة . لكن إذا ما ترك وحيدا مع قدراته البشرية فسيخضع لحكم القدر . و في الواقع فما دامت الإمبراطورية الرومانية قائمة كان كل زعيم سياسي يهودي يحاول القيام بالدور المنتظر من المسيح يجلب الدمار على نفسه و على قومه . لقد كانت قوة روما لا تقهر كما كانت حاضرة في كل مكان ، و كان مجرد الإعلان بوجود مسيح يكفي لإصدار حكم بالموت ، و كان أعداء عيسى من اليهود يعلمون بذلك عندما وجهوا إليه هذا الاتهام أمام بيلاطس . و حسب رواية الأناجيل فالاتهام كان بدون أساس . فإما أنه لم يعلن أبدا أنه المسيح بأي اعتبار ، أو أنه أعلن أنه المسيح لكن بمفهوم غير سياسي و غير عسكري يخرجه عن المفهوم التقليدي للمسيح في الديانة اليهودية مما يسقط عنه التهمة التي وجهت إليه . و مع ذلك فلقد حكمت السلطات الرومانية على عيسى بالموت . و في الواقع فإن أي نبي يهلك في عهد الإمبراطورية الرومانية إذا ما وجه إليه اتهام حتى و لو كان خاطئا بالنية في الدخول في السياسة و امتشاق الحسام ضد روما . إن أمله الوحيد يتمثل في اتباعه سياسة مهادنة مسالمة ، و حتى هذه لم تكن لتنقذه .

لكن الفترة التي بدأ فيها محمد دعوته كانت مختلفة تماما . لقد كان مواطنا لدولة مدينة مضطربة . و سياسة المسالمة في مكة لم تكن لتنقذ حياة نبي يدعو لعقيدة تعارضها الأوليجاركية الحاكمة هناك . لكن على العكس من الإمبراطورية الرومانية فإن دولة المدينة المكية لم تكن كلية النفوذ . و لم يكن نطاق سلطتها يشمل إلا واحة واحدة فقط . و كان من الأصلح الانسحاب بعيدا عن ذراع قريش التي لم تكن طويلة جدا ، و بالتالي فعندما عرضت عليه قيادة دولة مدينة يثرب المستقلة وجد ما يمكنه من الرد على عداء الأوليجاركية المكية . و بما أنه تحول في المدينة إلى عبقرية سياسية فإن رده ذلك لم يكن مؤثرا فقط بل كان ساحقا . و لأننا استعرضنا سيرته السياسية في مجلد آخر فيكفي هنا أن نذكر بأنه ليس هناك في سيرته هذه ما هو غير قابل للتفسير .

كما أنه ليس هناك غموض حول النجاحات العسكرية التي حققتها الدولة الإسلامية المبكرة . إن مفتاح معرفة أسباب هذه النجاحات يكمن في عملية تقسيم المقاطعات التي استولى عليها الإسكندر الأكبر من الفرس و الواقعة بين إمبراطوريتين متصارعتين : إحداهما ارتكزت على العراق ، و الأخرى استندت على حوض البحر المتوسط . و قد كانت هذه الوضعية السياسية قائمة لمدة 700 سنة حتى قام عمر الأول ( 634-644) الخليفة الثاني لمحمد بغزو الإمبراطورية الفارسية الساسانية و الاستيلاء على كل ممتلكات الإمبراطورية الرومانية جنوب شرقي جبال طوروس . لقد جلبت الإمبراطوريتان لنفسيهما كل هذه الكوارث عندما سمحتا بزوال الحدود العسكرية القديمة بينهما في سبيل صراع حياة أو موت هدد كيانهما معا بعد أن كان النزاع بينهما حول حاميات و مقاطعات صغيرة . إن أغلب الفترة التي عاشها محمد (570-632) شغلتها حربان طويلتان مدمرتان بين الفرس و الروم (572-591/603-628) و التي انتهت بإعادة الوضع الذي كان قائما قبل نشوبهما .

أما التغير الهائل الذي أحدثته هذه الحرب فكان في ميزان القوى بين كل من الإمبراطوريتين و بين البرابرة العرب فيما وراء حدودهما الجنوبية . فقد خرجت كل منهما من هاتين الحربين العالميتين منهكة القوى . و على الجانب الآخر خرج منها العرب بدروس و أموال . فقد كسبوا أموالا باشتغالهم كمرتزقة عند كلا الجانبين ، و استثمروا جانبا كبيرا منها في شراء أحدث الأدوات العسكرية ، و الأهم من ذلك فقد تعلموا بالممارسة كيفية استخدامها و كيفية القيام بعمليات عسكرية ضد قوات ضخمة و على مساحات واسعة . و هذا هو ما عجل و أكمل عملية كانت قد بدأت منذ قرون سابقة . ذلك لأن الدين لم يكن العنصر الوحيد المتحضر الذي كان ينتشر في شبه الجزيرة ، فقد كانت المعدات العسكرية و المهارات الحربية تنتشر هي الأخرى ، حتى قبل نشوب حروب الفرس و الروم . و كان الحصان هو أحدث الأسلحة و أكثرها فاعلية و الذي استخدمه العرب في عصر ما قبل الإسلام ، كما أضفت الفروسية على العرب المنعة العسكرية - و هو مثل تأثيرها على هنود أمريكا الشمالية البسطاء الذين أخذوا الحصان من الأسبان .

و هكذا ففي الوقت الذي قام فيه محمد بالهجرة إلى المدينة ، امتلك العرب كل الأسباب التي تمكنهم من غزو العالم ما عدا واحدة ، و كانت هذه هي الوحدة السياسية . و عندما أعطاهم محمد هذه الوحدة السياسية كان من المحتم أن يغزو العالم و أن يكتسحوا كل شئ أمامهم . فالقليل من العرب اعتنقوا الإسلام لذاته ، و أغلبهم اعترضوا في البداية على الخضوع لدولة الإسلام المفروضة عليهم . فلماذا يخضعون لحكم أهل يثرب مع حفنة من اللاجئين المكيين ؟ . لقد كان موت محمد سنة 632 إشارة للجزيرة العربية كلها للقيام بحرب انفصالية ، و قمع هذه الحركة كان يمكن أن يكون عسيرا بقوة السلاح وحدها . فلقد عاد العرب المشاكسون للدخول في حكم دولة الإسلام لاكتشافهم أنهم تحت هذه القيادة الموحدة يمكنهم غزو بلاد الفرس و الروم و الاستيلاء على ثرواتهما . فلقد لفتت أخبار الحرب بين الإمبراطوريتين أنظار العرب إلى ثرواتهما الهائلة .

حقق محمد للعرب ما حققه فيليب المقدوني لليونان ، فالأول منحهم الوحدة السياسية التي أتاحت لهم الهيمنة العسكرية على الفرس و الروم ، و الثاني منح لليونان هيمنتهم العسكرية على الفرس منذ سنوات 480-479 ق.م عندما أحبطوا محاولة أخشويرش Xerxes لغزو بلاد اليونان.و كانت مسيرة جيش قورش الأصغر المكون من 10 آلاف مرتزق هليني من بابل إلى ساحل البحر الأسود في 401-400 ق.م في تحديهم للقوة العسكرية للإمبراطورية الفارسية ، و حملات اللاكيدايمونيين الناجحة في غرب الأناضول في 399-393 ق.م علامة على ما يمكن أن تحققه جهود اليونان العسكرية إذا اتحدت تحت قيادة واحدة . و كان يمكن لأجسلاوس ملك إسبرطة أن يسبق الإسكندر بـ 60 عاما إذا لم تضرب قوات أثينا و طيبة الإسبرطيين من الخلف . فكان على الهلينيين الانتظار حتى يفرض عليهم فيليب المقدوني الوحدة السياسية في سبيل جني ثمار الهيمنة العسكرية على الإمبراطورية الفارسية التي وضعوا أساسها قبل عبور الإسكندر ابن فيليب مضيق الهيليسبونت بـ 145 سنة .

كما تتناقض مقولة كرويبر القائلة أن الإسلام لم يمر بمرحلة طفولة و لا بمرحلة نمو مع الوقائع التاريخية . فالحقيقة أن الإسلام مر بمرحلة طفولة لم تكن مبشرة ، كما تخلص من هذه المرحلة بمرحلة نمو رائعة .

من الصحيح أن الإسلام كما دعا إليه محمد كان في جوهره " دينا عالميا " Universal Religion فقد دعا محمد أهل مدينته مكة ليتخلوا عن عبادة آلهتهم المنصوبة حول الكعبة و يسلموا أنفسهم لإله نادى نبيه بأنه الإله الواحد الحق إله كل الناس و كل الكون . و كان هذا هو ما أوقع محمد في مشاكل مع الأوليجاركية الحاكمة لدولة مدينة مكة . و في نفس الوقت كان محمد ملتزما بحدود أمته ، تماما كما كان أفق يسوع مقيدا بحدود شعبه . فوفقا لإنجيل متى أمر يسوع بأن لا يذهب إلى الأمم أو السامريين بل إلى خراف بيت إسرائيل الضالة . و كان طوح العرب لأن يصبحوا " أهل كتاب " مثل اليهود و المسيحيين طموحا قوميا ، و قد اتخذ شكلا مميزا خاصا بالبرابرة الذين يقطنون على أطراف حضارة . و كان العرب متأثرين بثقافة الإمبراطورية الرومانية في توقهم إلى دين مثل الذي يعتنقه سكان الإمبراطورية ، و في نفس الوقت كانوا ذوي عقل مستقل يمنعهم من قبول دين جيرانهم كما هو دون إعطاءه صبغة قومية عربية . ففي نظر العرب في عصر محمد كانت المسيحية الدين القومي للرومان و اليهودية الدين القومي لليهود ، و كانت صورة الإله الواحد الحق التي قدمها محمد لقومه مثلها مثل صورة اليهود عنه أي ذات وظيفتين . فإلى جانب كونه إله الكون كان عليه أن يكون المعبود القومي للعرب. و كان على الإسلام أن يكون إحياء لدين إبراهيم الخالص، و الشعب المختار هذه المرة يجب أن يكون العرب ذرية ابنه إسماعيل، بدلا من اليهود ذرية ابنه اسحق.

و قد تشابه الإسلام بامتلاكه لهذه الصبغة القومية البربرية مع الصورة الآرية للمسيحية عندما اعتنق برابرة شرق ألمانيا هذا الدين بعد غزوهم للإمبراطورية الرومانية قبل ظهور الإسلام بثلاثة قرون. و قد تعزز هذا العنصر القومي في الإسلام بقوة بعد أن وسع محمد من دولته لتشمل الجزيرة العربية كلها. و كما ذكرنا من قبل فالعرب لم يأخذوا بعين الاعتبار أفكار النبي و مثله الدينية، بل قدروا القوة العسكرية التي منحها لهم بلم شملهم سياسيا في كومونولث عربي إسلامي. و قد تم نقل الإسلام من الجزيرة العربية إلى ممتلكات الإمبراطوريتين الرومانية و الساسانية على أنه الدين القومي للجيوش العربية الفاتحة.

لم يرغب الفاتحون في مهتدين للدين الجديد من غير العرب، فلقد رأوهم أكثر نفعا كدافعي جزية لا كشركاء في الدين الجديد. و كان الرعايا الزرادشتيون و المسيحيون من غير العرب هم الذين استولوا على دولة العرب بدفعة واحدة. فلقد شقوا طريقهم بقوة إلى حظيرة الإسلام، و انتزعوا من العرب هيمنتهم السياسية في الدولة الإسلامية، و أضفوا على الإسلام نفسه نظاما و منحوه لاهوتا، الشيء الذي أزال عنه غموضه الذي كان يجعله يتأرجح حتى ذلك الوقت بين القومية و العالمية. و بالتالي فقد احتفظ المهتدون من غير العرب لدين محمد بوضع جمع فيه بين الجانبين كان النبي نفسه يحاول التوفيق بينهما. لكن كان يمكن أن يسلك الإسلام طريقا مثل الطريق الذي سلكته المسيحية الآرية. فكما فعل كل من البورجنديون و الفيسيجوث و اللومبارديون، كان يمكن أن يتخلى العرب عن دينهم البدوي عاجلا أو آجلا في سبيل الدين العالمي لرعاياهم المسيحيين إذا لم يصر هؤلاء الرعايا على جعل الإسلام دينا عالميا لكل الناس على شاكلة المسيحية التي كان يعترف بها سابقا هؤلاء المسيحيون المهتدون للإسلام.

و كان هذا الحصاد النهائي لإمكانيات الإسلام كدين عالمي إنجازا حضاريا و دينيا هائلا مشابها لما تم إنجازه للمسيحية، و قد أنجز بواسطة نفس الشعب و بنفس الوسائل. و كان هذا الشعب الذي مكنت مساعيه الحميدة كل من الإسلام و المسيحية من الوصول إلى قمة تطورهما الروحي و الحضاري هو شعب جنوب غرب آسيا وريث التراث السرياني الهليني المشترك. و كما رأينا في الفصل السابق، فقد انقطع اتصال الحضارة السريانية بضغط النزعة الهلينية، و انقطع اتصال الحضارة الهلينية بضغط دين سرياني_هليني و هو المسيحية. و قد فقد المشاركون في الحضارتين شعورهما بثقافتيهما المتميزتين، لكنهما لم يفقدا خصبهما الثقافي، بل على العكس، فالثقافتان السريانية و الهلينية في فقدهما لهويتهيهما المتميزتين امتزجتا في مركب ثقافي في غاية الخصوبة. فمأثرة احتضان ديانتين لا ديانة واحدة و رعايتهما حتى تصلا إلى دعوتين عالميتين يعد إنجازا نادرا صعب التحقيق.

إن عملية التقليل من شأن الإسلام السائدة حاليا في الغرب هي اثر من التحامل المسيحي التقليدي على الإسلام. و هذا الأثر ما زال باقيا حتى في الأذهان الغربية الحديثة التي ترى إلزاما في عملها العقلي بتصحيح انحيازها المسيحي السائد في تراثها الثقافي، و التي تتخيل نفسها متجردة في تقييمها للإسلام، و موضوعية في إدانتها له وفق ما به من عيوب. فلقد أعطى كرويبر مثلا تفسيرا للإسلام كظاهرة تاريخية في ضوء فرضيته عن تاريخ الحضارة في العالم القديم. فهو يشبه حضارة العالم القديم بنار نشبت أولا في الهلال الخصيب، و انتشرت بعد ذلك، كما تنتشر النار في دوائر تتسع باستمرار من نقطة انطلاقها. وتبقى الشعلة حية حول محيط الدائرة الدائم الاتساع، حتى بعد أن تموت النار الأصلية في المركز و لا يبقى منها إلا الرماد. و لهذه الفرضية عدد من المميزات. أما أفضلها فهي أنها تناسب عددا من الوقائع التاريخية.و ميزة أخرى لا تقل عن سابقتها و هي أنها تعلو على التحامل الغربي التقليدي ذي البعد الواحد و الذي لا يضع في اعتباره إلا الانتشار الغربي للحضارة من سومر إلى مصر و عبر البحر المتوسط إلى أوروبا و منها إلى الأمريكتين، و الذي يتجاهل الجانب الآخر من انتشار الحضارة، أي انتشارها ناحية الشرق إلى الهند و شرقي آسيا. إن استمرار الحركة على المحيط الخارجي بعد أن تكون قد ماتت في نقطة انطلاقها الأصلية ظاهرة يمكن ملاحظتها في عدد من الحالات الطبيعية و البشرية. فالدائرة الخارجية المتحركة للشعلة شبيهة بالتموجات الناتجة عن سقوط حجر في بركة ماء. إذ أن التموجات تستمر في الاتساع حتى بعد أن تعود النقطة التي سقط فيها الحجر إلى السكون. و بالمثل فالمدينة تستمر في النمو أحيانا حول حوافها بعد أن يصبح مركزها مهجورا، ذلك الذي كان قلبها النابض. و المجتمع الدولي مثله مثل المدينة الكبيرة. غير أن هذا لا يعد إلا تشبيها بلاغيا، و كرويبر نفسه حذرني من أن التشبيه البلاغي ليس مثل البرهنة بالدليل.

صحيح أنه في خلال الخمسمائة سنة التي انتهت في القرن الرابع المسيحي أن أربعة حضارات-و منها الحضارة الهلينية_ قد تحللت، بمعنى أن أصحابها السابقين فقدوا شعورهم باتصالهم بتراثهم الثقافي، و صحيح أيضا أن الإسلام قد أقام نفسه في هذه المنطقة باعتباره خلفا Successor ، و أن كرويبر على حق في قوله أن "الإسلام انتشر في نفس المنطقة التي شهدت ولادة الحضارة …… منطقة الثورة النيوليثية و بداية الزراعة و المدن و الممالك و المعارف و الآداب" ، إلا أنه أخطأ في قوله أن: "الإسلام ظهر بعد أن اختفت النبضات الثقافية البناءة من هذه المنطقة." إن فقدان الوعي بالاتصال الثقافي شيء و فقدان القدرة على الإبداع الثقافي شيء آخر. فاندماج العناصر المتنوعة المكونة للحضارة السريانية و الهلينية شكل مزيجا خصبا انبثقت منه المسيحية، و نفس هذه الخصوبة الآن أثبتت قوتها في إنتاج محصول آخر على نفس الدرجة من القيمة و هو الإسلام. فهل وجدت في أي مكان آخر مثل هذه الدفعات الحضارية البناءة التي أنتجت ثمارا أجود من هذا الزوج من الأديان العليا؟

وصل الإسلام إلى كامل نضجه بعد المسيحية على التوالي في قلب هذا المجتمع الدولي و في عصر كان هذا القلب لا يزال ينبض بقوة كعهده دائما. و لو نظر كرويبر إلى الإسلام باعتباره ندا للمسيحية، لم يكن ليراه-بعين مليئة بالاشمئزاز- حضارة ضامرة منقوصة، معادية للحضارة الهلينية و الساسانية و المسيحية.. بدون فن، بدون عمق أو فضول عقلي، تنقصها المطامح المعروفة لدى الحضارات الأخرى. و لم يكن ليترك نفسه لينساق وراء تفسير وضاعة الإسلام الوهمية بادعائه أن المنطقة التي ساد فيها كانت أرضا بورا عقيمة ثقافيا. و سواء قبلنا أو رفضنا تشبيهه انتشار الحضارة بانتشار نيران تاركة نقطة انطلاقها رمادا كمفتاح مناسب لفهم التاريخ الجغرافي للحضارة في العالم القديم، فمن المؤكد أن النيران لم تنطفئ في مكان نشوبها الأصلي سواء قبل غزو العرب المسلمون لجنوب غرب آسيا و مصر أو أثناء القرون التالية التي وصل فيها الإسلام لكامل نضجه بمساعدة معتنقيه من غير العرب من رعايا الدولة الإسلامية الذين كانوا على الديانتين المسيحية و الزرادشتية فيما قبل. و حتى أثناء عصر الانقسام السياسي السابق على الإسلام كان العراق مصدر قوة الإمبراطورية الساسانية الفارسية، كما كانت سوريا و مصر مصدر قوة الإمبراطورية الرومانية. و لقد تعززت إمكانيات هذه البلدان الثلاثة عندما أعاد الفتح العربي توحيدها سياسيا لأول مرة منذ انهيار الإمبراطورية الأخيمانية الفارسية قبل حوالي ألف عام. و في عهد الأمويين و العباسيين كان جنوب غرب آسيا و مصر لا يزال قلب المجتمع الدولي النابض مثلما كان أثناء الأربعة آلاف سنة السابقة على الإسلام.

و قد وقعت هذه المنطقة التاريخية أخيرا في محنة و عانت من أفول بدأت في الخروج منه في زمننا الحالي . إلا أن هذا الأفول لم يحدث إلا بعد أن وصل الإسلام إلي كامل نضجه هناك، و لذلك لم يكن الإسلام سببا في هذا الأفول.

كانت فعالية هذه المنطقة و لا تزال مستمدة من مصدرين: قدرتها الإنتاجية، و موقعها الجغرافي وسط شبكة اتصالات العالم. و في الماضي كان إنتاجها الرئيسي زراعيا: المحاصيل المزروعة في أحواضها المروية بالغمر. و اليوم أصبح إنتاجها الرئيسي تعدينيا: البترول المستخرج من أرضها. و تقدر المنطقة بأنها تحتوي على أكبر احتياطي من البترول في العالم، مثلما كانت تنتج في ما مضى أكبر جزء من المحصول الزراعي السنوي العالمي. و لأهمية هذه المنطقة جغرافيا كنقطة التقاء مواصلات العالم، فإنها الآن تستعيد مكانتها الطبيعية كمركز للعالم قبل مرور أقل من أربعة قرون على انقلاب الميزان الجغرافي للعالم عن طريق إنجازين ثوريين متعاصرين من إنجازات الغرب و هما اكتشاف العالم الجديد غربي الأطلنطي، و اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح. فمنذ سنة 1869 تم اختصار هذا الطريق بشق قناة السويس . و قد أعاد هذا فتح طريق السفن المباشر بين المحيط الهندي و البحر المتوسط، ذلك الطريق الذي كان موجودا في العصر الأخيماني بعد أن شق مهندسو داريوس الأول قناة من السويس إلى رأس الدلتا. و تمثل قناة السويس أقصر طريق بحري بين أكبر منطقتي تركز للسكان في عالم القرن العشرين: واحدة في شرقي و جنوبي آسيا و الأخرى في أوروبا و أمريكا الشمالية، وقد تم استكمال هذا الطريق و تعزيزه بحزمة من الخطوط الجوية التي تضم كل من أو راسيا و أفريقيا.

و هكذا تغلب "قلب" العالم على محنته التي وقع فيها عندما قام المغامرون البحريون الأوروبيون باكتشافاتهم الخطيرة في القرن الخامس عشر. والفضل يرجع للبترول، فجنوب غرب آسيا الآن يسير قدما على طريق الشفاء من الضربة التي عانى منها في القرن الثالث عشر عندما تعرض سكانه لإبادة المغول و تعرضت إنتاجيته الزراعية للتخريب بعد أن تلقى نظام الري في العراق الذي كان مطبقا منذ أربعة آلاف سنة ضربة قاضية من قبل المغول. و يمكن أن نعرف قدر التخريب الذي أحدثه المغول في جنوب غرب آسيا شرقي الفرات إذا قارنا بين الزراعة في مصر حاليان و التي لم تتعرض للتخريب طوال خمسة آلاف سنة، أي منذ توحيد نظام الري فيها بتوحيد الوجهين البحري و القبلي، و بين الزراعة في العراق الآن، و التي بدأت اليوم فقط في الشفاء من الضربة التي تلقتها من المغول منذ 700 سنة. لا يزال التدمير الشامل للحياة الإنسانية أفجع من تدمير أعمال الإنسان المادية. و على سبيل المثال قم بزيارة مقاطعة خراسان، أقصى نقطة شمالية شرقية في مملكة فارس الحالية ، و قف غي المكان الخالي بين الجدران الأربعة لمدينة توس أو مدينة نيسابور المغولية، و سوف تدرك أنه على الرغم من مرور 700 سنة فإن جنوب غرب آسيا لا يزال متأثرا بالضربة التي تلقاها من المغول في القرن الثالث عشر . و تبع تخريب المغول لجنوب غرب آسيا تحويل أوروبا لطرق المواصلات البحرية عن الشام و البحر الأحمر في القرن الخامس عشر، و يفسر ذلك اضمحلال و أفول جنوب غرب آسيا و مصر في القرون السادس عشر و السابع عشر و الثامن عشر. و هذا ما يجعل ازدهار هذه المنطقة في القرن التاسع عشر و ما بعده جدير بالملاحظة و الإعجاب. و في هذا المقام فإن دلالة ذلك الأفول المؤقت و هذا الازدهار التالي له أنهما الاثنان كانا تاليين لولادة الإسلام و نموه و نضجه. و هذا الترتيب الزمني يدحض فرضية كرويبر الوهمية بأن الإسلام ثمرة نبتت ميتة في أرض خربة.

ما هي علاقة الإسلام كدين بالحضارة الإسلامية، تلك العلاقة التي هي ملمح شهير على الخريطة الثقافية للعالم في عصرنا؟ يرى راشتون كولبورن أن الحضارة الإسلامية كانت شيئا جديدا عندما ظهرت للوجود. و كان صعودها مصاحبا لظهور الإسلام كدين. و في رأيي فإن هذه المقولة غير مقبولة. و أنا نفسي لم أكتب أي شيء يفندها و لم أواجهها إذا كانت مأخوذة في ظاهر معناها. و على كل فلدي انطباع بأن كولبورن كان ينوي التلميح بأن الحضارة الإسلامية ظهرت للوجود في نفس الوقت الذي ظهر فيه الإسلام كدين، و في هذه الحالة فإن علاقتها بالإسلام تختلف عن علاقة الحضارات المسيحية بالدين المسيحي. و إذا كنت بتفسيري هذا لمقولته قد وصلت إلى ما يعنيه فإني لا أتفق معه. فعلاقة الحضارة الإسلامية بالدين الإسلامي كما أراها هي نفسها كعلاقة الحضارات المسيحية بالدين المسيحي. ففي كلتا الحالتين ظهر الدين في العالم و استمر قدما في النمو إلى أن وصل إلى النضج داخل إطار اجتماعي و ثقافي أقدم منه و غريب عنه. و بعد أن ذهبت الرياح بهذه الحضارة القديمة و الغريبة ولَّد الدين الجديد حضارة جديدة تحمل اسمه لأنها تحمل طابعه المميز.

و أعتقد أن بناء تسلسل الأحداث بهذه الطريقة لن يلقي أي اعتراض من قبل أي دارس للعلاقة بين الدين المسيحي و الحضارات المسيحية. فلسوف يعترف بأن المسيحية ظهرت و نضجت في إطار الحضارة الهلينية، و أن الحضارات المسيحية لم تظهر على السطح قبل الفترة الممتدة من أواخر القرن الرابع و حتى أواخر القرن السابع الميلادي عندما كانت الحضارة الهلينية تتحلل. كان الدين المسيحي في مرحلة تكوينه دين أقلية تعيش غريبة و في عالم لم يكن عالمها. و الإسلام في مرحلة تكوينه كان في مثل هذه الحالة. فلقد وصل لكامل نضجه في إطار من حضارات غريبة عنه _المسيحية النسطورية و المسيحية المونوفستية و الزرادشتية الإيرانية-. صحيح أن الأقليات المسيحية عاشت في الإمبراطورية الرومانية في سراديب تحت الأرض، بينما عاشت الأقليات المسلمة في دولة الإسلام العالمية في المعسكرات و القصور، لكن هذه الأقليات المسلمة كانت في نفس وضع الأقلية المسيحية، إذ كانت تعيش في عالم لم تصنعه،كما كانت غريبة عنه.

كان على قرون بأكملها أن تمضي بعد ولادة كل من المسيحية و الإسلام قبل أن يولِّدا حضارة جديدة، فالشرط القبلي لذلك كان أن تصبح الأقلية أغلبية. حدث ذلك في عالم البحر المتوسط خلال القرون الثلاثة التي انتهت في القرن السابع الميلادي، و حدث في جنوب غرب آسيا و مصر نفس الشيء خلال القرون الثلاثة التي انتهت في القرن الثالث عشر الميلادي. و قبل ذلك كان المسلمون -بما فيهم العرب و الذين اهتدوا للإسلام من غير العرب- أقلية في مقاطعات الدولة الإسلامية. و اعتنق رعايا الدولة الإسلامية من الزرادشتيين في إيران و حوض نهري سيحون و جيحون الإسلام بسرعة و بأعداد أكبر من رعاياها المسيحيين غرب جبال زاجروس. إلا أن الدخول الجماعي في الإسلام لم يبدأ في الدولة الإسلامية إلا بعد الغزوات البربرية التي تعرضت لها. فلقد كان الاقتحام الصليبي و المغولي من بعده هو الذي حرك جموع سكان جنوب غرب آسيا ومصر للتسابق إلى الإسلام باعتباره قوة روحية يمكن أن تمسك بزمام المجتمع في طوفان أغرق الأرض كلها.

و لذلك فإني أستمر هنا في التأكيد على أن الحضارة أو الحضارات الإسلامية ازدهرت بعد القرن الثالث عشر الميلادي عندما قضى هولاكو على آخر بقايا الدولة العباسية . ولكي نضع الإسلام في مكانه الصحيح في التاريخ علينا أن نميز بوضوح بين ثلاثة أشياء، أولا: الدين الإسلامي الذي أسسه محمد النبي و الذي تم تطويره عن طريق رعايا الدولة الإسلامية من غير العرب. ثانيا: الدولة الإسلامية التي أسسها محمد السياسي و التي نمت بسرعة خاطفة من حبة أنبتت سبع سنابل و في كل سنبلة مائة حبة ظلت تتضاعف حتى غطى المحصول وجه الأرض*. ثالثا: الحضارة (أو الحضارات) الإسلامية التي كانت نتيجة ثانوية للإسلام كدين، مثلما كانت الحضارات المسيحية نتيجة ثانوية للمسيحية كدين. و إذا لم نفرق جيدا بين هذه الأشياء الثلاثة فلسوف نضل في تفسيرنا للإسلام ولنتائجه الثانوية السياسية و الثقافية.
• Islam s Place in History فصل مترجم من كتاب أرنولد توينبي:
A Study of History, Volume XII,(Reconsiderations), Oxford University Press, London 1964,PP. 461-476.
.1) الجليليون: نسبة إلى الجليل، منطقة تقع شمال فلسطين أتى منها معظم تلاميذ المسيح.
2) و هو استخدام الأساليب السياسية لنشر الدعوة .
3) باعتباره ظهورا سياسيا و عسكريا لا ظهورا دينيا .
4) لم تكن التسوية بين الإسلام و العقائد السابقة عليه في مجال العقيدة و الدين بل في مجال الفكر ، و لم يظهر ذلك إلا في مرحلة متقدمة من التاريخ الإسلامي ، و ذلك مثل اختلاط الفلسفة بعلم الكلام بعد القرن السابع الهجري .
5) لم يكن انتشار اللغة العربية بعد الفتح الإسلامي حدثا مفاجئا و لم يكن أيضا نتيجة للسيادة العسكرية و السياسية للعرب أو لانتشار الدين ، فالإسلام منتشر بصورة واسعة في إيران وباكستان و أفغانستان و الهند و جنوب شرق آسيا مع عدم وجود للغة العربية هناك . إن السبب في انتشار اللغة العربية في الجزيرة و الهلال الخصيب و مصر و شمال أفريقيا هو أنها كانت تطورا تاريخيا طبيعيا للغات الآرامية و السريانية التي كانت منتشرة في هذه المناطق .بالإضافة إلى أن هذه المناطق هي التي شهدت هجرات واسعة للقبائل العربية .

6) نسبة إلى الأسرة الحاكمة الأخيمانية .
7) أي الإمارات اليونانية التي أنشأها قواد الإسكندر بعد وفاته في نفس المنطقة التي كانت تشغلها الإمبراطورية الفارسية .
8) أي الفتح الإسلامي .
9) هناك تناقض بين قول توينبي بأن لدولة محمد أشباه سابقة في دولة تدمر و دولة البتراء ، و بين قوله أن ظهور الدولة الإسلامية كان نتيجة لحركة شعوبية ، فالتوسع من دولة مدينة تحكم واحة يختلف عن توسع حركة الهجرة الجماعية . يحكم توينبي على دولة الإسلام بأنها كانت الاثنين معا و هذا تناقض .ربما مرت دولة الإسلام بمرحلتين ، كانت في الأولى دولة مدينة تتوسع على شاكلة تدمر و البتراء و في الثانية تتوسع باعتبارها حركة هجرة جماعية . و إذا كان ذلك صحيحا فسوف يكون الإسلام قد مر بعملية تطور و نمو من مرحلة إلى أخرى و لو في فترة قصيرة جدا ، و هذا هو عكس ما يقوله كثير من المؤرخين من أنه ولد كامل النضج و لم يمر بمرحلة تطور .
10) أي خلفتها في وظائفها الإدارية و العسكرية و الاقتصادية من فرض عملة موحدة و نظام ضريبي واحد و استراتيجية عسكرية واحد لكل ولايات الشام و مصر . ينظر توينبي إلى هذه الوظائف على أنها من اختصاصات الدول العالمية التي تضم مساحات جغرافية شاسعة و أقوام كثيرة .
11) لم يكن كل الفكر الإسلامي منجذبا للفكر اليوناني ، فهذا الانجذاب يقتصر على الفلسفة و المنطق و العلوم الطبيعية ، أما مجالات علوم الدين من فقه و شريعة و علوم اللغة و التأريخ و الحديث فلم يكن الفكر الإسلامي متأثرا فيها باليونان و تطور داخليا وفق إمكاناته الذاتية و منطقه الخاص .
12) هو مسيلمة الكذاب ، و فضلنا ترجمته " مسلمة " كما كتبها توينبي Maslamah
13) الحقيقة أن سيرة محمد(ص) تثبت أنه كان يتفق بصورة تامة مع الصورة التي رسمها اليهود للمسيح المنتظر الذي سيخلصهم من الاضطهاد و الذل و يعيد تأسيس مملكة داود ، فمحمد كان قائدا عسكريا و زعيما سياسيا و مؤسسا لدولة بجانب كونه صاحب رسالة ، و هذه هي نفس مواصفات المسيح المنتظر عند اليهود .
14) هناك نظريات تفسر ظهور الأناجيل تفسيرا تاريخيا يعتمد على هذه الوقائع ( العداء اليهودي للمسيح و اتهام السلطات الرومانية له و حكمها عليه بالموت ). ووفق هذه النظريات كان الهدف الأصلي من الأناجيل توضيح صورة المسيح في أذهان العالم الروماني و الدفاع عنه و عن أتباعه . فقد كان المسيحيون في نظر الرومان أصحاب ديانة منبثقة عن اليهودية و معادية للرومان و متعصبة و تدعو للعصيان ، بالإضافة إلى أنها ترجع لشخص ( المسيح ) حكمت عليه السلطات الرومانية بالموت . فكان دور الأناجيل رسم صورة واضحة لحياة المسيح تؤكد اختلاف المسيحية عن اليهودية و عداء المسيح لطوائف معينة من اليهود و ليس كل اليهود ، و تأكيده على الناموس ( ما جئت لأنقض الناموس بل جئت لأؤكده ) و مسالمته للرومان ( إعط ما لقيصر لقيصر و ما لله لله ) و إبراز المنظور المسيحي للمسيح الذي يراه داعيا للمحبة و السلام و التسامح ، ذلك المنظور الذي ينفي المنظور اليهودي عنه و الذي كان يتوقعه زعيما سياسيا و قائدا عسكريا يقهر أعداء اليهود و يعيد إقامة مملكة إسرائيل ( ليست مملكتي على الأرض بل في السماء )
15) فقد نظروا إليها على أنها دولة قرشية ، أقامتها قريش لتسيطر بها عليهم .
16) أي المهاجرين .
17) أي حروب الردة ، و يكتب توينبي بين قوسين الكلمة العربية ( Riddah )
18) هذا هو النطق العربي لاسم هذا الملك الفارسي ، أما الحروف اللاتينية فتنطق الاسم باليونانية .
19) نسبة إلى لاكيدايمونيا و هي الجزء الجنوبي من شبه جزيرة البلوبونيز في بلاد اليونان .
20) يصف توينبي مكة دائما بأنها دولة مدينة ، إلا أن هذا الوصف غير صحيح ، فلم تكن مكة دولة مدينة بالمعنى الذي كان سائدا في بلاد اليونان ، فلم تكن لديها النظم و لا المؤسسات الموجودة بدولة المدينة اليونانية .
21) عندما يقول توينبي ذلك فهو يستبعد أن يكون هذا الطموح دينيا ، و هو بالتالي يرجع اعتناق العرب للإسلام إلى مجرد رغبتهم في أن يكونوا على قدم المساواة مع اليهود و اليونان و الرومان ، لا إلى رغبة دينية أصيلة كانت تنبع من واقعهم الخاص.
22) هذه النظرة هي بالطبع نظرة الفرس و الرومان، أما نظرة الشعوب التي كانت تحت حكمهما فكانت مختلفة، إذ آمنت هذه الشعوب بالإسلام لما فيه من عناصر تحررية و تقدمية.
23) يبدو أن توينبي لا يستطيع فهم الإسلام إلا إذا كان مصاغا في لغة الفلسفة اليونانية.
24) كان توينبي يكتب هذا الكلام سنة 1960، و كانت المنطقة بالفعل تحاول الخروج من محنتها آنذاك، إلا أنها عادت الآن في الوقوع في محن أكبر.
25) يبدو أن توينبي كان متفائلا للغاية و هو يقول ذلك، فالمنطقة حتى الآن لم تستعد مكانتها الطبيعية، بل خسرت المزيد.
26) الحقيقة أن العنصرين اللذين يرى توينبي أنهما ما يجعل المنطقة تستعيد مكانتها القديمة و هما البترول و قناة السويس هما في الحقيقة سبب نكبتها في العصر الحديث، فقد كانا مطمعين للاستعمار و الصهيونية. أنظر كيف احتلت بريطانيا مصر مباشرة بعد حفر القناة، و كيف كانت القناة هدفا للصهيونية في صراعها مع العرب، و كيف ظل بترول الخليج يشكل مطمعا للغرب حتى نجحت الولايات المتحدة في السيطرة عليه.
27) الحقيقة أن من يطلق عليهم توينبي مغامرين بحريين كانوا في حقيقتهم قراصنة. فمن المعروف أن إنجلترا وقت هجوم الأرمادا الأسبانية عليها لم يكن لديها الأسطول الكافي للدفاع عنها، و اضطرت الملكة اليزابيث الأولى الاستعانة بالقراصنة الإنجليز المنتشرين في الأطلنطي، و أصبح هؤلاء بعد حرب الأرمادا نواة البحرية الإنجليزية.
28) كانت إيران آنذاك (1960) لا تزال مملكة تحت حكم الشاه.
29) المدن القديمة المخربة في جنوب شرق آسيا ظاهرة منتشرة و معروفة، لكن الملفت للنظر أنها لم تعمر بعد أن خربت طوال هذه القرون الطويلة. فمعظم مدن البحر المتوسط تعرضت للتخريب و لأكثر من مرة، و من هذه المدن الإسكندرية و القسطنطينية و روما و أثينا و كورنثة، إلا أنه كان يعاد إعمارها فورا بعد تدميرها، أما مدن جنوب غرب آسيا فلم تعمر بعد التخريب، و أعتقد أن هناك أسبابا أخرى لعدم إعمارها غير السبب الذي يتكلم عنه توينبي و هو شدة التخريب و التدمير.
30) نلاحظ أن توينبي يستخدم دائما عبارة "جنوب غرب آسيا و مصر" بدلا من "الشرق الأوسط". يدل ذلك على عدم اشتراكه في النظرة الغربية الضيقة الأفق التي تصنف الشرق إلى أوسط و أقصى و ذلك انطلاقا من موقع الغرب.
31) كلنا يعرف أن هذه الفترة هي فترة انحطاط المسلمين و انهيار الدولة الإسلامية، لكن يبدو أن توينبي يقصد بالازدهار هنا الازدهار الفني المتمثل في العمارة والزخارف و بناء المساجد، و الانتشار الجغرافي للإسلام و زيادة عدد معتنقيه في أفريقيا السوداء و آسيا، و الانتشار الثقافي المتمثل في انتقال أعمال مفكري الإسلام المترجمة للاتينية في أوروبا، و انتقال التراث اليوناني عن طريق العرب إلى أوروبا.
* إن وحدة السلطة السياسية المطلقة مع السلطة الدينية المطلقة في شخص محمد ماتت بموته، و لم يرث خلفاؤه السياسيون امتيازاته في مجال الدين. أما استنباط الأحكام من أصولها في القرآن و السنة فكان يتم بإجماع علماء الشريعة، و كان دورهم ووضعهم يوازي دور الأحبار ووضعهم في الديانة اليهودية. (هامش توينبي)

Islam s Place in History فصل مترجم من كتاب أرنولد توينبي:
A Study of History, Volume XII,(Reconsiderations), Oxford University Press, London 1964,PP. 461-476.


موقع الإسلام في التاريخ العالمي *

تأليف: أرنولد توينبي
ترجمة: أشرف منصور





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,050,923,813
- خرافة السوق ذاتي التنظيم
- مستقبل الرأسمالية العالمية
- لوازم القرآن
- الإمبراطورية الرومانية و القمح المصري
- بروليتاريا المكاتب : رايت ميلز والطبقة الوسطى الأمريكية
- من الليبرالية إلى مجتمع الاستهلاك
- قراءة جديدة لفلسفة هيجل في الدولة
- الأيديولوجيا في عصر تكنولوجيا الاتصال
- الليبرالية الجديدة في ضوء النقد الماركسي للاقتصاد السياسي
- نقد هيجل لليهودية ودلالاته السوسيولوجية
- مقدمة في سوسيولوجيا التاريخ الإسلامي
- نظرية الارتكاس الثقافي
- الاقتصاد السياسي النيوكلاسيكي: المدرسة النمساوية
- حسن حنفي والقراءة الفينومينولوجية للتراث الديني
- الرجل الشرقي والمرأة الشرقية: استبطان المرأة للهيمنة الذكوري ...
- آدم سميث والليبرالية الاقتصادية
- هل الحجاب فريضة؟


المزيد.....




- هيئة الإفتاء الجزائرية: الاحتفال بالمولد النبوي غير جائز شرع ...
- السفير السعودي ببيروت ينفى طلبه منع قرع أجراس الكنائس قرب سف ...
- توجيه اتهامات لمدير عام مؤسسة بحثية أردنية لزيف ادعائه باختط ...
- جهود لاستعادة أملاك مسيحيين بالموصل
- مطران الكنيسة الأسقفية بشمال أفريقيا في زيارة للسودان
- أداء صلاة الغائب على خاشقجي في المسجدين الحرام والنبوي
- فوز موشي ليون المدعوم من الجماعات اليهودية المتشددة برئاسة ب ...
- صحيفة: نينوى هي الاعلى بجريمة الاستيلاء على منازل المسيحيين ...
- خديجة تنشر صورة لخاشقجي في المسجد النبوي
- شاهد.. صلاة الغائب على خاشقجي في المسجد النبوي بحضور نجله


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أشرف حسن منصور - موقع الإسلام في التاريخ العالمي