أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم حسين صالح - تعدد مرجعيات الإرشاد لدى العربي بين العلم والخرافة















المزيد.....


تعدد مرجعيات الإرشاد لدى العربي بين العلم والخرافة


قاسم حسين صالح
(Qassim Hussein Salih)


الحوار المتمدن-العدد: 1887 - 2007 / 4 / 16 - 12:20
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مدخل في لقطة عامة

يكاد ينفرد العرب عن باقي شعوب الأرض بنوع وكم الأحداث التي يتعرضون لها، وما ينجم عنها من اضطرابات نفسية وعقلية وانحرافات سلوكية، وسوء توافق في حياتهم الأسرية والاجتماعية والدراسية.
ويكفي إن نشير الى إن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت المنطقة العربية حروبا" كارثية: حربا الخليج الأولى والثانية ، والحرب على لبنان وفلسطين والحرب في السودان، والحرب المركبة الجارية الآن في العراق، وتحوله الى ساحة قتال يومي لمكافحة الارهاب في العالم، تجاوزت آثارها النفسية حدود العراق الى بلدان عربية أخرى.
ومع إن المنطقة العربية من أغنى مناطق العالم في ثرواتها، وإنها من اقدم بلدان العالم في نشوء الحضارات، وأنها موطن ثلاث رسالات سماوية هي الأوسع انتشارا" في العالم، فأن الفقر والامية ما يزالا شائعين بين العرب.
وان المرأة العربية، بمن فيهن الجامعيات والمثقفات، ما تزال تعاني من اختزالات اعتبارية ونفسية واقتصادية .
ومع كل هذا، فأن ما ينفق على تعليم الناس في العالم العربي ، ورعايتهم صحيا" وخدميا"، أقل بكثير مما ينفق على الأمور العسكرية والأمنية باستثناءات نادرة.

باختصــار:
إن البيئة العربية موبؤه، بالفيروسات الملوثة للصحـة النفسية
في حاضنات رسمية وشعبية ، وان معظم مضـاداتها العلاجيــة
أمـــا منتهي الصلاحية ، أو مهدئات ، أو إنها صارت لا تشتغـل
لـظـهور جيل حديث منها مقاوم لكل المضادات!.

















لقطات من الضفة الأوسع

• في عاصمة إحدى الدول العربية المتقدمة في الطب والثقافة ، أعلن في برنامج تلفزيوني عن ظهور "شيخ " يعالج الأمراض بلمسة من يده على العضو المصاب . في صباح اليوم الثاني هرع الناس إليه في طابور من المراجعين أمام الفندق الذي أقام فيه ، بينهم عدد يحسب على المثقفين!.
• في قرية بجنوب العراق، كانت هنالك " عرّافه " يقصدها مراجعون من العراق ومن دول خليجية ، تشفي الأمراض وتحل المشاكل المستعصية. والمفارقة أن أخاها يرفض أن يزوجها لأنها ( دجاجة تبيض ذهبا" ) فاشتكت حالها الى عرّاف آخر ترجوه أن يعمل شيئا" لأخيها يلين قلبه ليوافق على زواجها!.
• في إحدى القنوات الفضائية المتخصصة بقراءة الطالع وشفاء الأمراض ، يعدد برنامج أعلامي عجائب الدنيا السبع كالأتي : أهرامات مصر، الجنائن المعلقة في بابل...، والعجيبة السابعة هي " الشيخ أبو فلان الفلاني " الذي يعمل فيها. والأعجب منها أن المعجبين به أكثر من المعجبين بأشهر جرّاح قلب في العالم.
• اتصل أحدهم بقناة فضائية طالبا علاجا لأخيه الذي يعاني من هلوسات بصرية والتحدث مع أشخاص ميتين وأعراض شيزوفرينيه أخرى . فكان علاج " الشيخ " لأخيه بأن يكتب له " المعوذات " بالزعفران ، وينقعها ويشربها على الريق لمدة أسبوع ، مؤكدا له بأنه سيشفى .
• إن إقبال الناس على متابعة القنوات الفضائية العربية المتخصصة بقـراءة الطـالــــــع
ومعالجة الأمراض على الهواء ، ومتابعة برامج الأبراج التي تبثها القنوات الفضائية العربية ، وقراءة الأبراج في الصحف والمجلات العربية، هي أكثر من إقبالهم على برامج وموضوعات علمية تتناول نفس القضايا في نفس الوسائل .
• وجد أن الرسائل التي تلقى في أضرحة الأئمة المنتشرة في معظم المدن العربية أنها تحمل مشكلات حلّها من اختصاص وزارات : الصحة، والعدل، والداخلية ، والشؤون الاجتماعية ، ومراكز الإرشاد والصحة النفسية.
• راجعتني أمراه في الخامسة والثلاثين من عمرها، كانت قد ذهبت الى " ساحر " ليعمل لها عملا" ليفك عقدتها وتتزوج ، تبين لي بعدها أنها أستاذه جامعية متخصصة في علم الفيزياء . وتأكد لي فيما بعد أن نسبة كبيرة من الذين يحملون شهادات علميه، استفادوا من شهاداتهم وظيفيا" ولم يستفيدوا منها فكرا" وممارسة.

نتائج استهلالية
* هنالك خلط بين العـلاج الروحي ذي النوايــا المخـلصـة
وبين أساليب توظّـف الديـن في العلاج إما عن جـهــــل
بجـوهر الدين وطبيعة الأمراض العقـلية ، أو لـنـوايـــا
غير صادقة .
* إن العـرب لديهم ميلا" نفسيا" أو فطـريا"الى الخـرافــــة
أكثر من ميلهم الى العلم.
* اذا كان العرب ثلاثمائة مليون ، فان القول بوجود مائتين
وخمسين مليون منهم يعتقدون أو يهوون قراءة الطالـع
هو افتراض أقرب الى الواقع من افتراض العكس.




لقطات من الضفة الأخرى

• مع أن الشعوب العربية من أكثر شعوب العالم تعرّضا" للإصابة بالأمراض النفسية، فأن عيادات الأطباء النفسانيين فيها من أفقر العيادات الطبية من حيث عدد المراجعين.
• ومع أن الخلافات الزواجية والمشكلات الأسرية في مجتمعاتنا العربية ، أكثر بأضعاف مما فيها من انسجام، فأنه يندر أن نجد في عاصمة عربية! مراكز متخصصة في الإرشاد الأسري .
• ومع إن الاهتمام بالإرشاد بدأ في بعض الدول العربية قبل أكثر من نصف قرن ( مصر، السعودية، العراق ، مثلا" ) فأن مسيرة تطوره كانت بين عرجاء ومشلولة في العالم العربي .
• إن المتخرجين في أقسام الإرشاد التربوي في عدد من الجامعات العربية الذين يعينون بمدارس متوسطة وإعدادية بوصفهم مرشدين تربويين، تكلفهم إدارات تلك المدارس بتدريس المواد الشاغرة لديها ( اجتماعيات وتربية وطنية وفنيه مثلا" ) وتجعل من مهمتهم عملا" هامشيا".
• قدّم عدد من حملة الدكتوراه في علم النفس مشروعا" الى حكومتهم لتأسيس مركز بأسم (( مركز الخدمات النفسية والاجتماعية )) . وتصادف أن تقدم في الأسبوع نفسه أحد الأشخاص لتأسيس مركز للعلاج بالأعشاب. فاجيز مركزه فيما استقر ملف مشروع علماء النفس في دولاب المشاريع المؤجلة.
• ما تزال حتى الجامعات العربية، تنظر الى مراكز الإرشاد والصحة النفسية كما لو كانت نوعا" من الترف العلمي. وتعتبر فتح كافيتريا في الكلية أهم من فتح عيادة نفسية فيها. مع أن الأكل والشاي وما شابه متوافرة في الشارع، فيما الاستشاري النفسي عمله نادرة.

نتيجة استهلالية:

إن مزاجنا نحن العرب يحب ما يغذّي المعدة
أكثر من حبنا ما يغذّي العقل !.











سيكولوجية العربي ...تحليل حالة


نرى ، نحن السيكولوجيين ، أن شخصية الإنسان ( تفكيره وسلوكه ) يسهم في تكوينها ثلاث "مؤسسات " هي : الأسرة والمدرسة والسلطة . وفيما يلي توصيف موجـز لـدور هـذه
المصادر في تشكيل شخصية المواطن العربي .

الولادة
يولد الطفل العربي في حضن وبيت يشكّلان لديه توجها نحو التفكير الخرافي وشخصية فيها اختلالات سلوكية .إذ يخلص من يستعرض الدراسات النفسية والاجتماعية الى نتائج " مخيفة " في مقدمها أن الأسرة العربية متهمة في أن أساليب تنشئتها للطفل العربي تقوم على : العقاب الجسدي والترهيب والتهديد والقمع السلطوي ، وأنها تركّز على مبدأ الحماية والطاعة والخوف من الأخطار ،على وفق رأي الباحث بركات. فيما يرى الباحث مصطفى حجازي أن الطفل العربي يعيش في عالم من العنف المفروض في داخل الأسرة ، الذي يجسّد اعتباطية السلطة الأبوية . ويدعم رأيهما باحثان بقولهما :إن الأسرة العربية تعاني من السلطة الأبوية الصارمة ،تتمثل في قهر الأبناء ووأد حرية الرأي .
وترى باحثتان من قطر عربي آخر أن الهدف الرئيس للتنشئة الاجتماعية في المجتمعات العربية يتمثل في : خلق الذات التواصلية التي يؤدي تحقيقها الى تعزيز علاقات السلطة الأبوية .
ويخلص الباحث وطفة الى أن الآباء في إطار الأسر العربية المتسلطة يستخدمون القمع النفسي بالازدراء والاحتقار والسخرية والتهكم وتوجيه الألفاظ النابية ، وكذلك القمع الجسدي بالضرب والحرمان والسجن والمنع . وفي المعنى نفسه توصل الباحث شرابي الى أن التنشئة العربية تنمّي أساليب التخجيل والتهكم والتبخيس وخلق الإحساس بالدونية والنقص . فيما يرى الباحث علي زيعور أن الأم العربية تلجأ الى التخويف بالأب والحيوانات والجن والعفاريت كي ينام الطفل أو يطيع أو يهدأ . ومن ثم ينتقل التخويف الى التهديد بالضرب ...وأن العصا والحيوان والشيطان أدوات قمع للطفل ومثيرات للرعب تؤدي في النهاية الى قتل روح النقد والإبداع واغتيال روح الحرية في نفوس الناشئة .
وفي بحث عن تأثير وسائل تربية الطفل في العائلة البرجوازية الحضرية ، يرى الباحث شرابي أن الأب يضطهد الصبي فيما تسحق الأم شخصيته عن طريق الإفراط في حمايته . أما البنت فتدفعها العائلة منذ طفولتها المبكرة الى الشعور بأنها عبء وغير مرغوب فيها . وان هذا الإفراط في الحماية وهذه السلطوية في العقاب يؤديان الى شعور الأبناء بالعجز والاتكالية والتهرّب من المسؤولية . وأن نظام العائلة عندنا – على ما فيه من حسنات كاحترام الكبار وحماية أفراد العائلة بعضهم بعضا في الملمات – يقوم على التنابذ والخلاف أكثر مما يقوم على التعاون والوئام . وأن الغيرة والحسد يسودان علاقات أفراد العائلة أكثر مما تسودها المحبّة والتسامح . وأن أولادنا يتعلمون منذ الصغر كيف يجري اغتياب الأصدقاء والأقرباء ، ومن أين تؤكل الكتف . وأنهم في تنافسهم على محبة الأم وعطفها يتعلمون بشكل تلقائي كراهية الأشقاء وعدّهم منافسين يجب التحسّب لهم .
وأفادت دراسة الدمرداش التي أجراها في مصر بأن الأمهات المصريات يعتمدن الأسلوب التقليدي القديم في تربية الأطفال المتمثل بأسلوب الشدّة ..وأن الأم المصرية تنظر الى حرية الطفل في التعبير والمناقشة بوصفها جرأة شديدة لا يسمحن بها . وأفادت دراسة أجرتها جامعة الإسكندرية بأن أحد الأركان الأساسية للتنشئة الاجتماعية يتمحور في مبدأ تطبيع الطفل العربي مع الأوضاع والخضوع للكبار ، سواء أكان ذلك عن طريق التسلط أم طريق الرعاية الزائدة .
وهنالك من يذهب ابعد فيعزو ليس فقط اخفاقات الفرد العربي في أمور شخصية من قبيل الاعتقاد بالخرافة والتفكير السلفي ،بل حتى النكسات الكبيرة التي أصابت الأمة العربية، وتحديدا نكسة الخامس من حزيران عام 67 ، يعزوها الى أساليب تنشئة ورعاية الأسرة العربية لأطفالها ، على ما يرى الباحث شرابي .
ويخلص الباحثون محمد عماد إسماعيل ورشدي فام منصور ونجيب اسكندر في مصر ، وقاسم عزّاق وحسناء الحمزاوي في تونس الى أن أساليب التنشئة الأسرية العربية تسعى الى أن تخلق الطاعة والأدب عند الطفل عن طريق العقاب البدني ، ثم خلق المخاوف لديه عن طريق كائنات خرافية . فيما توصل كاتب هذا الموضوع في دراسته لأساليب تنشئة الأمهات في بغداد وقرية عراقية قريبة من مدينة الفلوجة الى شيوع معتقدات خاطئة وخرافية عندهن ، من بينها مثلا :
• ذبح خروف أو عجل فّجران دم يؤدي الى طرد الشر .
• وضع السكين التي يقطع بها الحبل السّري تحت فراش الطفل لمدة أربعين يوما ، تحمي الطفل وأمه من الشر والحسد
• تعليق خضرمة أو شذرة ، أو قطعة من الذهب على شكل هلال بشعر رأس الطفل ، تقيه من عين الحسود وتساقط الشعر .
• رمي الحبل السّري في حوش الحلال يجعل الطفل مستقبلا ميسور الحال ، ورميه في ساحة المدرسة يجعله يتولع بالدراسة .

تعـليـق
إن الأسرة العربية بوصفها الحاضنة الأولى للعقل العربي ، تعيش اختزالات واستلابات اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية ونفسية ، تضطرها اللجوء الى العرّافين والسحرة والدجالين والمسيئين لاستخدام الدين ، للتخفيف من حالتها المأزقية .
ومع أن الأم العربية تغذّي أطفالها حليبا طيبا من صدرها ..مدفئّا بحنانها ، إلا أنها تغذّي عقولهم بأفكار خرافية يصعب عليهم التخلص منها حتى لو صاروا راشدين .


المدرسة
تشير الدراسات الى أن النظم المدرسية العربية تسعى الى الضبط الاجتماعي، بدلا من تكريس الحرية المترتبة على المعرفة ، والى توليد المسايرة والانصياع لمعايير الجماعة للمحافظة على ما هو قائم . وأن الأنظمة التربوية العربية الرسمية تقوم على تكريس علاقات السلطة الخاصة بالنظام الأبوي ، وتعمل على إعادة إنتاج هذه العلاقات . وأن ما يتعرض له الأطفال من قهر وتسلط تربوي يضعهم في دائرة الاستلاب شاملة تكرّس مظاهر القصور والسلبية كافة في الشخصية الإنسانية ، على ما يرى الباحثان وطفة والنقيب . فيما يذهب باحثان آخران " علي والراهب " الى أبعد من ذلك فيصفان نظام التعليم العربي بأنه تقليدي يقوم على سجن عقل التلميذ في حذاء صيني ضيق يمنعه من الانطلاق والانتشار والشمول . وبمعنى مقارب يرى الباحث الناقة أن شيوع التلقين لا يقتصر على ساحة التعليم المدرسي بل يتعداها الى مؤسسات التعليم العالي ، وأن الجامعات العربية ظلت أسيرة لطرائق التدريس التي ألفها الطالب سابقا ، وليس من الميسور تغيرها بما يتناسب مع الدراسة الجامعية القائمة على البحث والمراجع وما يتطلبه من مهارات .

تعـلـيـق
تعذّ المدرسة من أهم وأخطر مصادر بناء شخصية الإنسان ، لكونها تغذّي العقل بالعلم والمعرفة ، وتهذّب السلوك . ولأن الفرد يقضي فيها خمسة عشر عاما أو اكثر من أهم مراحل حياته ( الطفولة والمراهقة والشباب " . ولأنها أداة الدولة والمجتمع في التطور والحضارة ، والقناة التي يتم من خلالها تشكيل أو تكوين العقل العربي .
ولم تعد المهمة الأساسية للتربية تعليم المعارف والمعلومات والحقائق ، فهذه يمكن أن يجدها الإنسان في المكتبات وفي وسائل الاتصال وآخرها الإنترنت . إنما المهمة الرئيسة لها هي تمكين الفرد من تغيير حياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والبيئية نحو الأفضل .
وبما أن الفكر ، كأداة ومحتوى ، ما يزال مرهونا بتقدم العلم " الذي يفضي استخدامه الى أن يجعل الحياة بصيغة أفضل " فان المدرسة ، بوصفها قناة العلم ، لا يكون بمستطاعها تحقيق ذلك ما لم يكن ثالوثها" المعلم – الطالب – المنهج " بمستوى هذه المهمة المعقدة والخطيرة . ويبدو أن مؤسساتنا التربوية العربية ما تزال غير مؤهلة تماما لإنجاز هذه المهمة بالسرعة والكفاية التي تمتاز بهما المؤسسات التربوية في العالم المتقدم .

السلطة
تتعدد إشكاليات العلاقة بين السلطة والفرد في المجتمع العربي في حالة من التشابك المعقّد . سنلتقط إشكاليتين فقط هما : الاغتراب عن السلطة ، وتعدد الرؤى وضبابية المستقبل ، ونوجز الحديث عنهما بلغة البرقيات .
ففيما يخص الاغتراب عن السلطة ، فالدراسات تشير الى أن المجتمع العربي واقع مغرّب يحيل الشعب ، وبخاصة طبقاته وفئاته المحرومة والمرأة ، الى كائنات عاجزة لا تقوى على مواجهة تحديات العصر . وأن السلطة حاصرت الإنسان العربي فاضطرته للاشتغال بتدبير شؤونه الخاصة وتحسين أوضاعه المعيشية ، وأنها عمدت الى تهميشه وإفقاره وسحق قدراته الابداعية ، على ما يرى الباحث بركات .
ويرى الباحثون : وطفة ، النقيب ، شرابي ، رضا ، وغيرهم أن الأوضاع العربية أحالت الإنسان العربي الى كائن مغترب عن نفسه ومجتمعه ومؤسساته ، واضطرته لأن يساوم ويتكيف مع واقعه الأليم بدلا من تغييره . وأن السلطة العربية حولت الفرد العربي الى كائن يعمل في خدمتها دون أن تعمل لصالحه وتحسين أوضاعه المادية والإنسانية واغناء حياته ، وأنها جعلته عاجزا وفقيرا ومهمّشا لا يقوى على الإسهام في خدمة مجتمعه.
وما يهمنا هنا هو التنبيه الى الآثار النفسية الناجمة عن الاغتراب ، ومن أخطرها : شعور الفرد المغترب بالعجز ( powerlessness "، وإحساسه بأنه لا يمتلك السيطرة على مصيره ، الأمر الذي يدفعه الى أن يكون قدريا وميالا الى التفكير الخرافي . فضلا على فقدانه المعنى أو الهدف من الحياة ، والبعد عن القيم الأساسية في المجتمع ، وشعوره بالعزلة والوحدة الذي قد يصل الى الإحساس بالنبذ.
وفيما يتعلق باستشراف العربي لمستقبله فان الدراسات تشير الى تعدد رؤى السلطات الفلسفية والسياسية والفكرية والاقتصادية ...بشكل وضعت الفرد العربي في منطقة رمادية وحاصرته فيها .
ففي المجال الفلسفي ، مثلا" ، هنالك تيار سلفي قوي يدعو الى استعادة الذات العربية من ماضيها المجيد وتوكيد نفسها في مواجهة التحدي الحضاري، مقابل رؤية تدعو الى الحداثة و " العصرنة ". وكل يأتي بحجج ساندة لموقفه وداحضة الموقف الأخر ، حتى لتبدو الحجج الساندة والداحضة معقولة ومقبولة، برغم ما بينها من تناقضات. فالرجوع الى الماضي نكوص في عالم اليوم، والحداثة أو " العصرنة " تعني العولمة وضياع الهوية . ومن يدعو الى المعقولية والتوازن بينهما، كما يفعل محمد عابدي الجابري، تبدو له الرؤية منطقية على صعيد ما ينبغي أن يكون، وخيالية أو مستحيلة على صعيد ما هو كائن.
وقد ينتهي الأمر الى ما توصل إليه بركات من أن الفرد العربي صار في معظم المجتمعات العربية موزعا" بين القديم والحديث من دون أن يكون أيا" منهما حقا"، وأن النزوع الى كل من السلفية وتقليد الغرب يشكل نوعا" من الاغتراب عن الذات.
ومحنة نفسية أخرى يعيشها الفرد العربي هي انه يملك تاريخا" مجيدا"، ويحمل في الوقت نفسه صورة سلبية عن ذاته. وبين هاتين الصورتين ( الحالين ) يعيش حالة مأزقية. فتاريخه يحدّثه بالأمجاد والزهو، فيما حاضره يصفعه بالانكسارات وبما يحاول أن يذلّه.
وما يزيد من هذه المحنة، أن بعض السلطات في المجتمع العربي تعمّق إحساس الفرد العربي بمشاعر الإحباط وتمارس آلية ( الإسقاط )، بأن تتنصل عن مسؤوليتها وترميها على قوى خارجية.
إن تعدد الرؤى حالة إيجابية ومطلوبة في تغيير الحاضر الى ما هو أفضل. غير إن الإشكالية هي انك اذا أحصيت الرؤى في مجتمعاتنا، ( وهي عسيرة على أن يجمعهما جامع )، فانك ستصل، من بين استنتاجاتك، الى أن الفرد العربي يصاب بالدوار منها. وانه اذا انشغل بها فانه قد يتعرض بسببها الى اضطراب عقلي. ولأنه لا يريد هذا ولا ذاك، فانه يلجأ الى إن ينأى بنفسه عنها في حالة يأس منها ومن المستقبل. يرافق ذلك أن أجهزة الإعلام العربي أوصلت الفرد العربي الى حالة من ( التقيؤ الفكري ) لكثرة تردادها لما يزيد عن خمسين سنة مقولة " إن الأمة العربية تمر الآن بأزمة خطيرة " ، برغم تعاقب الأزمنة وتنوع السلطات، وكأنها مبرمجة لتئييس الفرد العربي من أمته ومستقبلها، لأن التكرار وعلى مدى هذا الزمن الطويل، كفيل بأن يولّد، سيكولوجيا"، حالة الإقناع بأن " الآن " هذه مزمنة ولا خلاص للأمة منها.

تعـليـق
عندما تكون السلطة عاجزة عن ، أو غير جادّة في تقديم حلول أو معالجات عملية للمشكلات الحياتية والحاجات المشروعة للإنسان . وعندما تشيع الخرافة في أجواء من التخلف والحرمان . وعندما تتضاءل أو تنعدم فرص الخلاص أمام الإنسان ويتنامى لديه الشعور بالعجز ..فانه يلجأ الى الوسائل الخرافية في محاولة منه لالتماس حلّ أو أمل يفضي الى خفض القلق لديه والشعور بالطمأنينة ، لاسيما بين البسطاء ومحدودي الثقافة الذين يدفعهم إيمانهم بالدين الى اللجوء الى المعالجين الروحانيين ، حتى في أمراضهم العقلية .
ويشير واقع الحال الى ازدهار وسائل الإرشاد الروحانية والخرافية لاسيما عبر القنوات الفضائية . وأن السلطة قد يكون لها دور في تبني هذه القنوات لهذا الغرض أو ذاك .


استنتاجـات

• إن مصادر بناء الشخصية ( فكرا وسلوكا ) المتمثلة بالأسرة والمدرسة " النظام التربوي " والسلطة " النظام السياسي والاجتماعي " ما تزال في العالم العربي دون دورها المطلوب في تكوين العقل العلمي لدى الفرد العربي في معالجة ما يتعرض له من مشكلات ومواجهة تحديات العصر .
• إن الواقع العربي مشحون بالضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية ، وان الناس الفقراء ومحدودي الثقافة هم الأكثر عرضة لهذه الضغوط ، والأكثر عددا في هذا الواقع ، والأمس حاجة لمعالجتها علميا وعمليا .
• إن مرجعيات الإرشاد القائمة على الوسائل الخرافية في معالجة الأمراض العقلية والاضطرابات النفسية والمشكلات الأسرية والحياتية ، هي الأكثر رواجا وانتشارا في العالم العربي من المرجعيات العلمية في الإرشاد .
• إن المرجعيات العلمية في الإرشاد العربي تتطور ببطء ، ولا تحظى بالدعم المادي المطلوب من مؤسسات الدولة أو القطاع الخاص . وأنه من دون هذا فان مرجعيات الإرشاد القائمة على التفكير الخرافي ستتوسع وتنتشر أكثر بين الناس ، وتجعل دور المرجعيات العلمية في الإرشاد ضمن حدود الجامعات والمؤسسات العلمية . وأن الخاسر الوحيد في هذه العملية هو الإنسان العربي ، الذي يفضي الى أن يبقي العالم العربي متخلفا لدهر قادم قد يطول .
مقـدّم الى
مؤتـمـر الإرشـــاد العـربــي
دبي 18-19 أبريل 2007





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,517,444,288
- الحقيقة ...عند الحاج غيلان !
- العراقي : هل صار مكروها عالميا ؟!
- هاملت شكسبير تحليل لشخصيته وتردده
- العراقي ... و الخوف
- كلب بافلوف !
- نظرية الوردي ...لم تعد صالحة
- مظفر النواب
- المرأة موضوعاً شعرياً في الابداع العربي - مشاعر وجدانية قدمت ...


المزيد.....




- وزير الدفاع الإيراني ينفى وقوف طهران وراء هجوم أرامكو: فعلها ...
- شاهد ردة فعل كلب اجتمع مع مالكه بعد فقدانه
- بوتين في مكالمة هاتفية مع ولي العهد السعودي يعبر عن قلقه إزا ...
- مالطا تستقبل 90 مهاجرا تمّ انقاذهم في مياهها الإقليمية
- طهران تنفي ضلوعها بهجمات أرامكو في رسالة وجهتها لواشنطن
- مالطا تستقبل 90 مهاجرا تمّ انقاذهم في مياهها الإقليمية
- طهران تنفي ضلوعها بهجمات أرامكو في رسالة وجهتها لواشنطن
- كيف نشأ التعليم المجاني؟.. رحلة تأسيس النظام المدرسي
- من الحب ما قتل.. إثبات علمي لأعراض -القلب المكسور-
- مقال بالواشنطن بوست: احتجاجات هونغ كونغ.. هل يكون مصيرها مما ...


المزيد.....

- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى
- العود الأبدي ديانة مشركة وميتافيزيقا مادية ؟بعض التساؤلات حو ... / الحسن علاج
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة
- العلاج بالفلسفة / مصطفي النشار
- مجلة الحرية العدد 3 / محمد الهلالي وآخرون
- كتاب الفيلسوف بن رشد / عاطف العراقي
- راهنية العقلانية في المقاولة الحديثة / عمر عمور
- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - قاسم حسين صالح - تعدد مرجعيات الإرشاد لدى العربي بين العلم والخرافة