أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - صائب خليل - هدية مشاغبة للشيوعي العراقي: النقد -المغرض- كفرصة ذهبية لعرض -الحقيقة-















المزيد.....



هدية مشاغبة للشيوعي العراقي: النقد -المغرض- كفرصة ذهبية لعرض -الحقيقة-


صائب خليل

الحوار المتمدن-العدد: 1872 - 2007 / 4 / 1 - 10:45
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


مقدمة

هديتي هذه السنة الى الحزب الشيوعي العراقي بمناسبة ميلاده الثالث والسبعين هدية مشاغبة ايضاً كما كانت هديتي له في العام الماضي, وكنت قد اوضحت اني افضل تقديم "الهدايا المشاغبة" للأصدقاء بدلاً من بطاقات التهنئة الملونة, وقد شجعتني ردود الفعل الأولى لكي اكرر مشاغبتي.
كيكتي هذه, الملفوفة بخيط المرارة الناقد ضمناً, ليست مصممة لمعدة الشيوعيين وحدهم, وان كان اسمهم على عنوانها, فهي لكل القراء الذين تقبلوا الدعوة لقراءتها, فالمحتفل بميلاده لايأكل كيكته وحده, بل لايستثني اي ممن يقف في الزمكان الذي يتواجد فيه من تذوقها والإقتطاع منها ان راقت له.

الحافز المباشر لكتابة مقالي هذا هو بعض الجدل الذي اثاره السيد سفيان الخزرجي في كتاباته الناقدة, بقسوة احياناً وبسخرية غالباً, على الحوار المتمدن, والتي خص الحزب الشيوعي بحصة اسد من اسودها, اضافة الى حوافز شخصية من خلال مناقشاتي مع اصدقاء حول مقالاتي وحول الأخبار. هذا لايعني ان مقالاتي انا خالية من ما انتقد هنا من اخطاء. انها محاولة لإثارة نقاش لتطوير الجدل السياسي ليكون اكثر فعالية وحداثة.

المقالة حول اساليب افضل للإستفادة من الجدل للإقناع لكن يجب ان لاننسى ان الجدل والحوار محاولة للتفكير ايضاً وان الوصول الى افكار جيدة والتراجع عن اخرى سيئة من اهم نعم الجدال الممتاز, لذا فمن الرائع ان يكون للمرء ذهن منفتح يحكم بحيادية و يتقبل الفكرة المخالفة ان كانت هي الأفضل.

كيف يجري الجدل السياسي الآن؟

الحمائية السياسية
يتفق الإقتصاديون اليوم بشكل عام, في كل الطيف السياسي من يساره الى يمينه, على ان الحمائية المفرطة, التي تحمي المنتجات الوطنية بشكل تام من منافسة البضاعة الأجنبية بواسطة قوانين الضريبة الشديدة مثلاً, تصيب الإقتصاد بالمرض, لذا يحرصون على "تعريض" بضاعتهم الوطنية الى درجة معقولة من المنافسة تحافظ بواسطتها على حيويتها وتديم الضغط اللازم لتطورها لكي لا يتخلف مستواها عن مثيلاتها في السوق العالمية.
لم يكن الأمر هكذا دائماً, فقد كانت العديد من الدول في الماضي, من شيوعية وغيرها، تحمي بضاعتها بغيرة شديدة، فلا تسمح بمنافستها باي مستورد.

بعيدا عن عالم الإقتصاد, يعرف سكنة الدول الإسكندنافية خصوصاً عادة اهلها في تحصين اطفالهم من البرد الذي ينتظرون ان يهددهم طيلة سنوات حياتهم القادمة فيقومون بما يصعب على اي شرقي تخيله, إذ يضعون طفلهم في مهده او عربته مع اغطية مناسبة, خارج المنزل او في الحديقة ليواجه برد الطبيعة وليتعلم جسمه ما ينتظره من برد فيتمرن عليه وهو مازال في افضل فترات قدرته على التمرن.

لكن "أهل" الحزب، اي حزب شرقي، لايؤمنون بهذه الحكمة بل يسعون عادة الى "حماية" حزبهم من النقد بقصر نظر لايرى ضرورة التمرن على المجالدة في المجادلة وشحذ الأسلحة الديمقراطية. على ذوي الأحزاب الشرقية التي تنتقل من الصراع السياسي الشرقي العنيف والسري الى الصراع الديمقراطي ان تقسوا قلوبهم ويعرضوا احزابهم وافكارهم الى صراع النقد، تماماً كما يفترض بذوي الأطفال الشرقيين الذين هاجروا الى الدول الباردة تجاه اطفالهم.

مثل هذه "الحمائية" والقلق المصاحب لها ينعكس على الناقدين في الحذر والحرص على عدم اساءة فهم النقد لكي لا "يزعل" الحماة، وهو ما قد يفقد النقد اهم عناصره ويفقده الكثير من مصداقيته وحيويته. لذا تجد في مقالات الجدل السياسي الشرقي عبارات قلق وتوكيد حسن النية وتمني "الصدر الرحب" وعدم "سوء الفهم" من المقابل, وهي عبارات لاتكاد مقالة سياسية ناقدة تخلو منها في الشرق (او الشرق المهاجر)، ولاتجد لها مثيلاً حيث تكون الديمقراطية وعاداتها قد رسخت قدمها، وهي تدل قبل كل شيء على جو عدم الثقة والحذر.

مثالين من مقالات سفيان الخزرجي التي سنناقشها وردودها اكثر في بقية المقالة:

"اتمنى ان لا يُؤخذ نقدي لموقف قيادة الحزب الشيوعي العراقي من الاحتلال ذريعة للهجوم على الفكر الماركسي او الحط من نضال الشيوعيين على مر عدة عقود، وبالمقابل ارجو من اخواننا في الحزب ان يتقبلوا النقد بصدر رحب." (##)

"ان كنت قد اختلفت مع الحزب الشيوعي او مع الاستاذ كاظم حبيب في موقف ما فاني اكن كل الاحترام للاثنين وابجل التضحيات التي قدمها شهداء الحزب، وان المسيرة الطويلة من النضال قد تشهد اخفاقات وخيانات وتخاذلات واذا اشرنا لها لا يعني اسقاط كل التاريخ النضالي للحزب" ($)

التوجه الى الخارج

الحزبيين الذين ينبرون للدفاع عن حزبهم بوجه ناقديه, قد تعودوا العمل في الظروف السرية والقتالية وليس الديمقراطية (؟) التي يواجهونها الآن. ولاشك ان لكل ظروف اسلوبها في الصراع وان ظروف الصراع الديمقراطي تتطلب تغييراً في العقلية التي تعودت الخوف من المخالف, وتعودت التوجه الى اعضاء الحزب فقط.

يمكننا ان نجد علامات الأسلوب "المغلق" بوضوح في بعض كتابات د. كاظم حبيب مثلاً, حين يتحدث عن "النقد الذاتي" ويعتبره كافياً بدرجة او بأخرى وربما يغني عن النقد الخارجي الأكثر قسوة فيقول: " ومن يتابع تاريخ الحزب الشيوعي العراقي سيواجه حقيقة مهمة هي أنه الحزب السياسي الأول وربما الوحيد حقاً ولعقود طويلة قد مارس النقد الذاتي لأخطائه واعترف بها وأدانها". (****)
لكن الجمهور لايرى "النقد الذاتي" وهو بحاجة الى ساحة نقد منفتحة للجميع لكي يرى حزباً يعترف باخطائه ويصحح نفسه.

تغير الظروف اثار الحاجة الى محاورة غير الحزبيين, فهم الذين يفترض ان يمثلوا اكثر الناخبين للحزب كما في الديمقراطيات الأخرى في العالم حيث لايشكل النتمين الى الحزب الا نسبة بسيطة من ناخبيه. ان مثل هذا التوجه الى الخارج يفترض امكانية مخاطبة فكر مخالف قليلاً او كثيرا لفكر الحزبي المنسجم الذي اعتاد الكتاب السياسيون مخاطبته، وهذا يفرض فرقاً هاماً في الأسلوب, ولذا نجد اشكالاً في اسلوب المجادلين القديم.

نرى ذلك ايضاً بوضوح في مقابلات السياسيين الشرقيين في التلفزيون, حيث يبدون كأنهم يدافعون عن انفسهم ضد "اتهامات" الأسئلة, في الوقت الذي يعطي السياسي المحنك انطباع من "يشرح" شيئاً للمشاهد.
هذا هو الجدل المغلق, فكيف إذن يجب ان يكون الجدل "المفتوح"؟

النقد كفرصة ثمينة

اثق ان كل قارئ قد مر بالمشهد التالي في التلفزيون يوماً: مقدم البرنامج يسأل سياسياً (ربما غربياً) سؤالاً "قوياً" محرجاً, مثلاً ان تسأل سياسياً امريكياً عن ازدواج المعايير بين موقف ادارة بلاده من البرنامج النووي الإيراني والهندي! وبدلاً من العصبية المتوقعة, تجد الأمريكي يجيب بهدؤ:" شكرا لكم على سؤالكم واتاحة الفرصة لنا لتبيان موقفنا من هذه القضية.... الخ ".
ورغم ان الغالبية الساحقة من كلام الدبلوماسيين كاذب خاصة امام التلفزيون فهذا الجزء منه صادق في الغالب. انه يعلم ان السؤال الحرج هذا يمر في اذهان الكثير من المتابعين للموضوع, وانه قد لايستطيع تبريره جيداً, لكنه يستطيع في اسوأ الأحوال اعطاء حجج ولو ضعيفة, والحجج الضعيفة خير من عدم وجود حجج على الإطلاق.
انه يشكر محدثه بصدق لهذه الفرصة. فلو انه اراد ان يتحدث عن موقف بلاده من الموضوع بمبادرة منه في كلام فردي لكان الموضوع مملاً, لكن تقديم الموضوع بشكل حوار يخفف من ثقل الكلام السياسي.
حين يتكلم هذا السياسي فانه لا يجيب محدثه في الحقيقة...انه يجيب جماهير المشاهدين التي تشاهد التلفزيون في تلك اللحظة. انه يفكر بهم وباهتماماتهم وتأثير جوابه عليهم وقد نسي محدثه تماماً.
لن تجده ابداً يقول له مثلاً: "ولماذا لم توجه مثل هذا السؤال الى السياسي الروسي الذي قابلته في حلقتك السابقة عن سياستهم في ....؟". انه ينظر الى السؤال كفرصة ثمينة تتكون من بضع ثوان اتيحت له لإيصال وجهة نظر ادارته الى الناس, فلن يضيعها في مساءلة نزاهة وحياد الصحفي وتشكيك الناس به. انها فرصة لـ "عرض بضاعته" على "مستهلكيها" وسيستغلها السياسي الجيد افضل استغلال.
يذهب الكثير من السياسيين الى ابعد من ذلك, فيأتي الى برنامج الحوار بحزمة من الأفكار والصور التي يريد ايصالها للناس, سواء سؤل عنها ام لم يسأل, وهو يستغل اقرب الأسئلة الى فكرته لتحويره الى السؤال المناسب قبل ان يجيب عليه, شرط ان لايفعل ذلك بشكل مفضوح جداً.

من الأمثلة الجيدة على استغلال النقد كفرصة لطرح وجهة النظر ما دار حول مسألة "تحالفات الحزب الشيوعي" او "جبهاته" وهل كانت اخطاء ام لا. أنا شخصياً استفدت من تلك المناقشات وصرت اقرب الى تفهم وجهة نظر الحزب الشيوعي العراقي في مسألة الجبهة مع البعث عام 73, ورغم اني اضع عليها العديد من علامات الإستفهام الكبيرة, إلا اني لم اعد اعتبرها "حماقة واضحة كبرى " كما اعتدت ان افعل.

جاسم الحلواني يستفيد من رده على مقالة للكاتب ماجد لفته العبيدي ليبين وجهة نظره في الموضوع في الحوار المتمدن (*) تحت عنوان "هل كانت تحالفات الحزب الشيوعي العراقي كارثية؟" فيشير الى بعض التناقضات في مقالة العبيدي مقتطفاً بعض اسطرها, فيكتب:
"وبصرف النظر عن آراء الكاتب الصحيحة في نهاية المقال وفي سياقه فإنني سأتوقف عند حكم الإعدام الذي أصدره الكاتب على جبهة الإتحاد الوطني والجبهة الوطنية والقومية التقدمية مع التركيز على الجبهة الأخيرة لأنها موضع خلاف واسع في ما بين المعنيين بالشأن العراقي."
ثم يبدأ بالإجابة والتصحيح بالأرقام والأسماء والتواريخ فيبين المبالغات ويفرز ما يراه صحيحاً وما هو خطأ ويعطي اسباباً لذلك فهو لا يتوقع من القارئ ان يصدقه لمجرد انه كتب ذلك.

اسلوب مستهلك

مقالة يوسف ابو الفوز : "هل يجوز انتقاد الحزب الشيوعي العراقي" (###) في نقد "مهاجمي الحزب" مليئة بالأمثلة عما يضعف قيمة المقالة, فيبدأ الكاتب مقالته بالتشكيك بالمقالات الناقدة للحزب الشيوعي واصفاً اياها بانها تظهر على مواقع صحفية الكترونية " تنافس الفطر في تكاثرها " وانها لشخصيات لااهمية لها لأنها كما يقول " مقالات موقعة باسماء بعضها معروف للقراء الى حد ما ، وبعضها موقع بأسماء مستعارة ومجهولة تماما" وترتبط مع بعضها برباط مشكوك فيه حيث انها " تتفق مع بعضها في الاساءة ، بهذا الشكل او ذاك ، الى واحد من اعرق الفصائل الوطنية العراقية ، ومن له مساهمات بارزة لا يمكن انكارها في النضال الوطني المجيد ورسم صورة العراق المعاصر ، وقدم خلال ذلك قوافل من الشهداء ، الا وهو الحزب الشيوعي العراقي".
ثم يستمر يوسف ابو الفوز مهاجماً كتاب تلك المقالات (انظر ضرب اللاعب وليس الكرة في مكان اخر في هذه المقالة) بشكل عمومي غير محدد, ممل وخال من اي تبرير او حجة ولا يقول في الحقيقة سوى ان كل من يهاجم (او ينتقد) الحزب شخص سيء لايستحق الإهتمام، وانه منزعج من هؤلاء.

في ظني ان مجرد البدء بمقالة بهذه الطريقة يكفي ليهرب معظم القراء عدا المتحمسين اصلاً لفكرة الكاتب منهم, قبل اكمال المقالة, وبذلك تضيع فرصة اعطاها القارئ للكاتب ليشرح وجهة نظره لناقدي حزبه.

لا يفتقر يوسف ابو الفوز الى الحجج اللازمة لجعل مقالته اكثر حيوية واقل عدائية للقارئ الذي يختلف معه, فهو يضيف فيما بعد دلائله وبالأسماء الدقيقة والتواريخ, ولو انه اكتفى بهذا الجزء الأخير من مقالته لكانت اكثر حيوية ورشاقةً واقناعاً.

وفي مقالته "إلهام سفياني" (**) يحاول داود أمين الرد على تساؤلات سفيان الخزرجي المتشككة بالخط الذي انتهجه الحزب الشيوعي العراقي, من خلال مقالته (مقالة سفيان) المعنونة : "هل سيُتهم الحزب الشيوعي بالخيانة العظمى ؟!" لكنه (داود) يخصص معظم مقالته لتفريغ انزعاجه من سفيان شخصياً (نعود الى ذلك لاحقاً), ثم يكتفي بالرد بالشكل التالي:
"لقد كانت مساهمة الحزب في مجلس الحكم والعملية السياسية في رأيي نوعاً جديداً من المقاومة للإحتلال وليس مجاراة وتأييد للمحتلين , كما يتوهم البعض , فممثلوا الحزب في مجلس الحكم والوزارات المتعاقبة والجمعية الوطنية ومجلس النواب كانوا الصوت الأكثر وطنية وإصالة في الدفاع عن وحدة العراق وإستقلاله ورحيل القوات الآجنبية , ونبذ سياسة المحاصصة والطائفية!"
لم يكلف دواود أمين نفسه تقديم البراهين او الدلائل على ان " مساهمة الحزب في مجلس الحكم والعملية السياسية" كانت "نوعاً من المقاومة للإحتلال" ويبدو انه احس بهذا النقص فاضاف عبارة "في رأيي" واكتفى بالقول ان من يرى غير ذلك هم "بعض المتوهمين".

ما يفتقد في هذه الأمثلة الحس الصحفي الحديث (الذي لم يعد حديثاً) في واجب تبرير كل ادعاء يكتبه وخاصة الإدعاءات الكبيرة او تلك التي لا تعد بديهية.

النقاش البناء والنقاش المغرض؟

من الصفات المميزة للنقاش السياسي الشرقي دون الغربي, الهاجس الدائم لدى الأول لمعرفة "غرض" المقابل وان كان ما يقوله يصنف ضمن "النقاش البناء" ام "النقاش المغرض", حيث يبدو ذلك اهم من موضوع النقاش ومن الحجج والرد عليها. من المنطقي ان اصل هذا الفرق هو ما ذكرنا في بداية المقالة عن تحول نوع المحاور الأساسي للحزب من "اعضائه" و "اعدائه" الى "جمهور حيادي نسبيا". هذا الجمهور "الحيادي نسبيا" لم يدخل الوعي بشكل كاف بعد.

يوسف ابو الفوز يشترط ان يعتبر النقد "بناءً" وحسن الأهداف:
" وانطلاقا من ذلك لا يتخوف الحزب الشيوعي العراقي من اي نقد بناء ، ورأي مخالف مسؤول يتم عرضه وتقديمه بأسلوب حضاري وعلمي لمناقشة سياسته وبرامجه وافكاره، ما دام هذا النقد والرأي يهدف اساسا الى تقويم سياسة الحزب وتدقيق مساره ليسير على الطريق الصحيح ." (###)

كذلك يكتب كاظم حبيب (****) (كيف يفترض أن يدار الحوار في إطار قوى اليسار العراق)
"ولا شك في أن أي نقد بناء وموضوعي لا بد له أن يقابل بالترحيب من جانب الحزب الشيوعي ورفاقه (.....) ولكن, لا شك أيضاً بأن أي نقد يخرج عن إطار النقد البناء والموضوع ويسعى إلى تجريح أو إدانة هذا الحزب أو ذاك بسبب اجتهاداته السياسية ومواقفه العملية لا يخدم هدف المساعدة في تصحيح الأخطاء, إن وجدت, ولا في التعامل الإيجابي مع ذلك النقد."

ربما لا يجد القارئ ضيراً من ما كتب الكاتبان اعلاه، فقد اعتدنا مثل هذا الكلام واعتبرناه بديهياً ولكن يجب مراجعة التساؤلات: هل هناك طريقة لتمييز النقاش "المغرض" من "البناء" فعلاً؟ وهل من المهم فعلاً معرفة "القصد" و "الغرض" الذي يكنه الناقد؟ هل يجب ان نذهب للبحث عن تأريخ صاحب الرأي لنكشف "نواياه" ام نتجه مباشرة الى الرد على حججه مفترضين حسن النية لدى الكاتب او على الأقل الجمهور الذي يستمع ويقرأ؟

ركل اللاعب بدل الكرة

هناك قانون أولي في الجدل, هو نفس القانون الأولي في كرة القدم: ان تضرب الكرة وليس اللاعب! لكن ضرب اللاعب في الجدال اكثر شيوعاً منه في الكرة, ففي الجدال قلما ترفع الكارتات الحمراء. انه عمل مرفوض اخلاقياً في الساحتين, لكننا في سنواتنا الأخيرة نحتاج بشكل متزايد الى اسباب اضافية (عدا الأخلاقية) للإمتناع عن عمل ما. نحتاج ان نبين انه ايضاً في غير صالحنا.
هناك نصيحة فعلية تعطى للمتدربين على الجدال: ان عجزت عن رد الحجة بالحجة, اضرب الشخص الذي امامك. يقولها المعلم عادة وفي فمه ابتسامة, لكنها ليست نكتة خالصة, وتستخدم بشكل او اخر في كل مكان.

حين برزت "ايان حرسي علي" (الناس تعرفها باسمها المزور هذا) على الساحة الهولندية كناقدة حادة للمسلمين, اثيرت فوراً ضجة هائلة عن استلامها تهديدات خطيرة من "مسلمين متطرفين" (وصلت المبالغة حداً مضحكاً حين ارسلت أيان في طائرة الى اميركا "سرا" باعتبار ان الخطر من الشدة بحيث لاتستطيع هولندا ان تؤمن لها مخبأً). حينها تصدت لها صحفية في اعرق مجلة اسبوعية هولندية (هولندا الحرة) وكتبت مقالاً تبرهن فيه ان هذه التهديدات مزيفة وان ايان لم تستلم شيئاً, فقامت الدنيا على تلك الصحفية ودعيت لحوار مقابل "كروز" وهي امرأة امتهنت الأعمال والسياسة ولها علاقات لاحدود لها, حاليا تشغل منصباً في الإتحاد الأوربي لمراقبة الشركات (!). وكانت كروز تعتبر "الأم الروحية" لـ أيان والتي "اكتشفتها" واقنعتها بالإنتماء الى حزبها الليبرالي بدل من "حزب العمل".
ما ان بدأ الحوار حتى قاطعت كروز الصحفية "فرهي" اكثر من مرة بخشونة, فاحتجت الأخيرة قائلة : اعطني فرصة لأكمل كلامي, فاجابتها كروز: "طبعاً ساعطيك فرصة لتكملي السخف الذي تتفوهين به!". احتجت فرهي بلباقة وحاولت عدم الوقوع في الفخ المنصوب لتحويل الجدال الى مهاترة شخصية وحاولت العودة الى الموضوع لكن ذلك لم ينفع كثيراً, فقد كان الجمهور مهيئاً على ما يبدوا لقبول كل شيء من اجل ايان. كان تقديس "ايان حرسي علي" امراً قادماً من اعلى المستويات العالمية كما برهنت ذلك الأحداث التالية.
نجحت "كروز" هنا في تحويل الجدال الخاسر ومنعت تركيزه على الحجج, لكن في نقاش اكثر توازناً للقوى فأن مثل هذه الحركة ستكون قاتلة, خاصة امام جمهور مثقف. وعلى اية حال, مهاجمة الشخص في النقاش عمل غير نزيه يفترض على الشخص المعتز بامانته تجنبه, واما الشخص البراغماتي (الذي لاتلعب الأخلاق دوراً في قراراته) فعليه ان لايستعمله إلا حين لايكون لديه رد على الموضوع نفسه. اي حين لايستطيع ان يلعب الكرة.
إنه سلاح ضعيف لايعمل الا بمساعدة تفوق قوة كبير على المقابل والضعف الرئيسي فيه هو انه يكسب فوراً عداء معظم الجمهور.

هذه بعض الأمثلة "المحلية" على توجيه الهجوم الى الكاتب بدلاً من حججه :

داود أمين يكتب:
"إذ إكتشفت أن الكاتب ومنذ إستشهاده ألاول بلينين , ليس له من هدف سوى ألاساءة والتحريض ضد الحزب الشيوعي العراقي ولإهداف ودوافع أجهلها فأنا لا أعرف خلفية الكاتب , ولم يتسنَ لي قرائته من قبل !!" (**)

"الحقيقة إن حديث الآخ سفيان يذكرني بالكثير من الرفاق الذين تركوا الحزب لآسباب مختلفة , خصوصاً في فترة الثمانينات , إذ انك ما أن تجلس مع أحدهم حتى يمطرك بحديث طويل وعريض عن بطولات وهمية وكيف كان هو ضد الجبهة ونبه وحذر قيادة الحزب من مخاطرها!"
" وكنت أتمنى ما دام الكاتب متحمساً ومؤمناً كل هذا الايمان بمقاومة المحتلين , أن يكون بين المقاومين , إن لم يكن أحد قادتهم ! إذ لا يصح أن تدعو الناس للصلاة وأنت لا تصلي !"

سفيان الخزرجي حصل على ردود على مقالاته يذكر بعضها:
"لكن مواجهة نباح الكلاب السائبة لم يعد يحتمل التأجيل. وان كنت اقصد جراء لم تتعلم بعد حتى النباح."
"فما شأن سفلة، وسماسرة سابقين، ومعروفين لعدي صدام حسين وما علاقتهم بالنضال، والفكر، والسياسة، وحرية الراي، والموقف؟؟! كانوا يلعطون احذية المسؤولين بألسنتهم القذرة التي يشتمون بها اليوم الحزب."
" وزعمي ان هذا التمادي والنيل ما هو إلا تعويض عن نقص أو علة مرضية في نفوس المتمادين."
" وخصوصا حين تكون هذه المقالات مكتوبة باسلوب مبتذل ورخيص ولا يوجد فيها اكثر من كيل الشتائم للحزب الشيوعي العراقي ومحاولة النيل من تأريخه المجيد ودوره النضالي تعبيرا عن حقد مكبوت ومفاهيم قاصرة ، وروح مريضة."

يوسف ابو الفوز يكتب قائلاً:
"ان بعض هذه الاسماء من كاتبي هذه المقالات ، والمعروف للقراء ، يمكن ومن خلال مراجعة بسيطة وعودة سريعة الى تأريخه الشخصي وسيرته الحياتية التوصل والعثور على الدوافع والاسباب الحقيقية الكامنة وراء تسويده هذه المقالات ، وخصوصا حين تكون هذه المقالات مكتوبة باسلوب مبتذل ورخيص ولا يوجد فيها اكثر من كيل الشتائم للحزب الشيوعي العراقي ومحاولة النيل من تأريخه المجيد ودوره النضالي تعبيرا عن حقد مكبوت ومفاهيم قاصرة ، وروح مريضة لا تستوعب الرأي الاخر، ولا تحتمل وجود حزب يساري ، تقدمي ، علماني يواصل نضاله ونشاطه وعمله." (###)

"وثمة مقالات اخرى ، تتستر بقمصان الديمقراطية ، وحرية الرأي والرأي الاخر وتنفث سمومها وأراجيفها بلؤم وخبث شديدين ـ وبعض من كاتبيها يتسترون تحت اقنعة وأسماء مزيفة ـ وتتعكز على حجج اهمية الحوار والاختلاف في الرأي ، فتقوم بلي عنق الحقائق وتجاهل الوقائع وتزييف الاحداث وتتناول الافكار والمواقف بشكل انتقائي وعلى طريقة " ولا تقربوا الصلاة...".

لكنه يعود ليقول" وهذه المقالات الاخيرة تحديدا باعتقادي يتطلب من عموم الديمقراطين واليساريين وانصارهم ، التصدي لها باٍستمراربشجاعة وتناول افكارها بالنقاش الهادئ والحازم لدحضها بالحجة المقنعة لانها في المحصلة تعتبر اساءة موجهة ليس الى طرف سياسي وطني عراقي فقط ، بل ولشعبنا العراقي ولنضاله ولكل القوى السياسية الحقيقية التي قدمت قوافل الشهداء تلو الشهداء من اجل قضية الشعب والوطن ."
"اميل شخصيا عند الرد على مثل هذه المقالات المغرضة الى عدم ايراد أسم كاتبها مباشرة ، ليس لخشية من احد ، بل لاني اؤمن بأن ايراد اي أسم يساهم بشكل ما في محاولة تسويق هذه الاسماء لنفسها والظهور بمظهر المفكرين والمحللين السياسيين ، ومحاولة اضافة هالة معينة على انفسهم ، وايضا لان الرد عليها بالاسم هو شكل من الاعتراف بوجودهم وبأهميتهم ، ولان احد دوافع هذه الاسماء للتحرش بالحزب الشيوعي العراقي ـ تحديدا ـ والافتراء عليه ، هو البحث عن شهرة ما على اساس مبدأ " خالف تعرف " ، ولذلك أميل شخصيا دائما ـ وادعو ـ الى مناقشة الافكار والرد عليها واهمال الاسماء تماما وحتى عدم الاشارة اليها"

منتهى القسوة الشرقية وافتراض سوء النية دون دليل سوى ان من يكتب مثل هذه الأمور سيء بالضرورة.

لكن الشكوك الكبيرة تراود حسني النية ايضاً, فتصيبهم هذه الإهانات غير الموجهة بدقة, بل ان حزبيين كبار تخامرهم نفس الشكوك الكبيرة, حتى ان قالوها بطريقة تختلف قليلاً.
نقرأ لجاسم الحلوائي في الحوار المتمدن ($$$ ) : " بالرغم من إن الموقف من القوى المتعددة الجنسيات هو من الأمور الستراتيجية والتي تتطلب موقفا دقيقا وواضحا؛ ارى ان هناك عدم وضوح في موقف الحزب الشيوعي العراقي، فتارة يسميها قوة إحتلال وتارة اخرى يسميها قوة متعددة الجنسيات..." وقد إتضح لي أخيرا بان الحزب يعتبر القوات الأجنبية قوة إحتلال"..اي ان الأمر لم يكن واضحاً له ايضاً.

في مقالته "علاوي كاسترو العراق الجديد"(صوت العراق) (***) ينتقد مهدي قاسم :"كيف نفسر و نفهم تحالف علاوي مع أقذر الأحزاب السياسية طائفية كجبهة التوافق و أمثالها و أشباهها ، من المحرضين على أعمال العنف الإرهاب و الحاضنين للإرهابيين ، وهم أصلا من أيتام النظام الدموي السابق ، لكي يؤسس ــ أي علاوي ــ و يشيد لنا ضمن هذا التحالف الوافقي ــ التوافقي !! ، نظاما علمانيا ينطلق من الوحدة الوطنية العراقية"

ويتساءل : "قولوا لنا بربكم : بماذا تختلف طائفية جبهة التوافق أو مؤتمر أهل العراق عن طائفية المجلس الأعلى للثورة الإسلامية ؟؟! ..أو بماذا تختلف طائفية هيئة العلماء المسلمين عن طائفية حزب الفضيلة أو الدعوة أو التيار الصدري ؟؟! ..بل بماذا تختلف طائفية عدنان الدليمي عن طائفية عبد العزيز الحكيم ؟؟! ..قولوا لنا بربكم و أجيبوا لكي نكون لكم من الشاكرين !..و لماذا أن طائفية عدنان الدليمي ( الذي ظهرت طائفيته المقيتة و الحاقدة المزمنة بشكل صارخ و فاضح في مؤتمر أنقرة ) نقول لماذا طائفية عدنان الدليمي و حارث الضاري طائفية مقبولة و حلوة و لطيفة ووطنية و عراقية و صالحة و فالحة لتدخل ضمن إطار " حكومة الوحدة الوطنية " بينما طائفية عبد العزيز الحكيم غير مقبولة و مو زينة و قبيحة و فارسية و مجوسية و صفوية جدا جدا ؟؟! ..
أم أن السبب يرجع إلى كون جبهة التوافق تحتشد بالبعثيين العفالقة حتى قمة رأسها ، و لهذا السبب بالذات ، أنها أكثر قربا إلى قلب علاوي إلى هذه الدرجة من العشق و الوجد و الصبابة ؟؟! .."
رغم اسلوبها الخشن, لابد من الإعتراف ان الأسئلة التي تطرحها مقالة مهدي قاسم اسئلة معقولة جداً، فلا غرابة ان يشاركه فيها عدد كبير من الناس "غير المغرضين" ولا يسهل الهرب منها بالتشكيك بالمتسائلين.

هذه ايضاً سعاد خيري الشيوعية القديمة وزوجة القيادي الشيوعي الكبير الراحل زكي خيري لا تجد مثل تلك الإتهامات غريبة, فتقول في احدى مقالاتها المنشورة في الحوار المتمدن (العدد: 1740) .. "فقد استلمت عدة رسائل تطالبني بالاستقالة من الحزب الشيوعي العراقي لان بقائي فيه يدعم الخط الخياني لقيادته الحالية ولم ارد عليهم برسائل مباشرة وانما عبر عدة مقالات اكدت فيها: ان الحزب الشيوعي العراقي ليس ملك لاي شخص او مجموعة اشخاص حتى وان كانت قيادة الحزب انه حزب الشعب العراقي وضرورة تاريخية لقيادة نضاله من اجل التحرر والمساهمة في تحرير البشرية"

الركون الى التأريخ والتوكيد على التضحيات: اسلحة ذات حدين

الركون الى التأريخ كطريقة للدفاع عن الحزب فكرة سيئة لأن من يهاجم, يهاجم الحاضر عادة, والعودة الى التأريخ اعتراف ضمني بعدم قدرة المدافع ان يدافع عن موقف حزبه الحاضر, لذا يستنجد بالماضي لينقذه.
إضافة الى ذلك فأن تأكيد عظمة التأريخ لها جانبها السلبي ايضاً اذ يثير المقارنة مع الحاضر ويصبح على المدافع ان يبرهن ان الحاضر لايقل جودة عن الماضي من اجل تجنب تهمة التراجع والإنهيار, وتوقع الأسوأ مستقبلاً.

يكتب كاظم حبيب (****)
"خلال الأشهر الأخيرة نظمت حملة واسعة وهادفة من قوى عديدة بعيدة عن روح النقد البناء إزاء الحزب الشيوعي العراقي تستهدف الإساءة إلى الحزب الشيوعي العراقي وتاريخه النضالي وتضحياته الغالية ومساهماته المعروفة في عمليات التنوير الفكري والسياسي والاجتماعي......." ليستمر كاظم حبيب مطيلاً في شرح تأريخ النضال وتضحياته .

كثرما وردت مسألة جسامة التضحيات التي قدمها الحزب الشيوعي في مسيرة حياته، ولهذه جانبها السلبي ايضاً تماماً مثل التوكيد على التأريخ, فهي ايضاً تهرّب من الإجابة على التساؤلات والحجج, لكن لها مساوئ اخرى ايضاً. فالتضحيات مؤشر لاشك فيه على مبدأية معتنقي الفكرة والحزب لكن من ناحية اخرى, كلما كثرت التضحيات التي كانت لازمة للوصول الى نتائج محددة, (النتائج الحالية) دل ذلك على نقص الكفاءة.
كانت تسيطر على القادة العسكريين في العالم قبل الحرب العالمية الأولى عادة التفاخر بقدرتهم على تقديم عدد كبير من الضحايا دون ان يردعهم ذلك عن هدفهم. من الأجدر اليوم الإفتخار بمن يقول انه حقق هدفاً محدداً بتضحيات اقل من التضحيات التي قدمها غيره لتحقيق هدف مماثل. ويبدو لي معقولاً ان ما يصح على القادة العسكريين في هذه النقطة يصح على عمل الحزب او اية مؤسسة اخرى, لأن ذلك مقياس للكفاءة.

لقد لاحظ البعض على ما يبدو كثرة الإستناد الى هذه النقطة, وهذا ما يوحي به مهند البراك حين كتب تحت عنوان: "31 آذار وقضية - التجديد " (#):
"وان التضحيات مهما كانت عزيزة ومؤثرة، فانها وللأسف ليست كلّ شئ، لأن الهدف في الواقع القائم القاسي هو ليس التضحيات على قداستها . . بقدر ماهو تحقيق شوط او اشواط من مطالب الأنسان العراقي العادلة".

الإعتزاز بالإنجاز المحدود وتبرير النكوصات والتشكي من الظروف

هناك ايضاً ظاهرة عامة في الرد على منتقدي الحزب الشيوعي تتمثل في توكيد الإعتزاز بالإنجاز الذي تم. ولايشمل هذا التوكيد في العادة تعداداً لنقاط ذلك الإنجاز كحجة او دلالة على حجمه بل يكتفى بكلام عام وعن الصعوبات التي كان يجب التغلب عليها للوصول الى ما تم الوصول اليه.

مثال من كتابة يوسف ابو الفوز: " ولكن كل ذلك لا يمنع الشيوعيين العراقيين من الشعور بالفخر والاعتزاز كون حزبهم ، لا يزال ، ورغم كل المصاعب والعراقيل ، قوة فاعلة على الساحة السياسية العراقية ، فصوت الحزب يصل لكل مكان ، ولا يقاس ذلك بعدد المقاعد داخل مجلس النواب ولا بعدد الوزراء في الحكومة ، بل بقوة الصلة مع الجماهير والاقتراب من همومها والتعبير عن مطاليبها وطموحاتها" (###)
يستطيع ان يقول هذا الكلام كل شخص عن حزبه دون وجود طريقة للتأكد من صحته, وهو كلام ربما يثير رنيناً من الصدق لدى الشيوعيين باستثارته معلومات او ذكريات يعرفها الشيوعيون انفسهم, لكنه لايعني الكثير لغيرهم.

وحتى هذا يبدو مشكوكاً به حيث يكتب سفيان الخزرجي معلقاً, وقد استعمل عبارة يوسف ابو الفوز نفسها كعنوان لمقالته: "الحزب الشيوعي قوة فاعلة على الساحة العراقية" (##) يعلق قائلاً:
"انا متأكد ان كل الشيوعيين سيرفعون حواجبهم تعجبا من هذا العنوان وسيعتقدون ان كاتب هذه العبارة يسخر من الحزب الشيوعي. ولكن، معذرة فالعنوان جاد جدا وقد صدر من شيوعي جاد وهو يعني ما يقول."


كذلك يستعان كثيرا بالتاريخ والتضحيات والظروف لتبرير النكوصات.
المشكلة في ذلك ليست في كون تلك التبريرات واهية او غير صحيحة, المشكلة انها حتى ان كانت صحيحة فانها توحي للقارئ ان المستقبل سيكون مليئاً بها هو الآخر. لذلك فسيتردد القارئ في إئتمان مستقبله في ايد من يكثر الحديث عن المبررات لتبرئة ساحته والتخلص من اللوم.

التشكي بظروف الحزب فكرة ليست ممتازة هي الأخرى وليست السلاح المناسب للدفاع عن فكرة او حتى عن مستوى فعالية الحزب كما يحدث كثيراً..
الشكوى من الظروف والخسائر يمكن ان تفيد في عريضة استرحام او طلب تعويضات لكنها لا تجعل من فكرة خاطئة او ضعيفة فكرة صحيحة او قوية. كذلك هي لا تصلح كدليل على نشاط كاف ضد من يتهم الحزب بالخمول, بل قد تصلح كأعتذار يشرح سبب الخمول او الخوار او قلة الطموح.

يوسف ابو الفوز يكتب"(###):
"ان حزبا سياسيا ، كالحزب الشيوعي العراقي ، ظل محاربا وبقسوة لفترة عقود طويلة من قبل الاجهزة القمعية الاخطبوطية للنظام الديكتاتوري المقبور، وظلت تنظيماته عمليا بعيدة عن الساحة العراقية بشكل مباشر(......) أن حزبا يعمل في هكذا اجواء وظروف لا يمكن ان يستعيد عافيته التنظيمية ونشاطه السياسي السابق بشكل سريع وذلك بمجرد زوال النظام الديكتاتوري الذي خلف للعراقيين تركة ثقيلة بحاجة الى عقود من الزمن والعمل المضني لتصفية اثارها ان النظام الديكتاتوري لم يخرب البنى التحتية للدولة العراقية فقط ، بل وهدم وخرب الانسان العراقي ، وتغيرت في مجتمعنا العراقي العديد من المفاهيم الاخلاقية والعادات ، وبرزت ظواهر اجتماعية خطيرة راحت تضعف من دور المؤسسة الحزبية وتأثيرها ويبرز اكثر دور الطائفة والقومية والعشيرة (....) ضعف الامكانيات المادية للحزب الشيوعي العراقي (.....) لا يملك لحد الان فضائية تلفزيونية خاصة به ، في الوقت الذي تمتلك فيه مجموعات سياسية مجهرية فضائيات تصرف عليها الالاف من الدولارات !"

طبعاً لاتملك معظم الأحزاب في العالم فضائيات, كما ان الحزب ملام ايضاً في الكسل فيما يتعلق بجمع المال من المتبرعين المؤمنين بمسيرته, وهو جهد لاتتعفف عنه حتى الأحزاب الغربية الغنية. كما ان عبارة " لا يمكن ان يستعيد عافيته التنظيمية ونشاطه السياسي السابق بشكل سريع" يمكن ان تدعوا للتأسف على الحزب لكنها بالتأكيد لاتشجع على انتخاب مثل هذا الحزب.

كذلك يكثر القاء اللوم في موضوع "الظروف" على "التوقيت" السيء او المغرض للمقالة.
يكتب عادل حبه مقالة بعنوان: "ما هو سر هذا التوقيت في الهجوم على الحزب الشيوعي العراقي" وفي العنوان وحده دلالة كافية.

كذلك يكتب داود أمين يكتب: (**)
"إن توقيت الكتابة وموضوعها وتفاصيلها تثير الكثير من الآسئلة والآستفسارات"

ورغم ان عبد الرحمن سليمان ينتقد اسلوب الردود على مقالتين لسفيان إلا انه مع ذلك يجد توقيتها غير مناسب:
"كم كنت أتمنى أن تمضي مقالتي السيد سفيان الخزرجي بدون هذا العدد من ردود الافعال ، الحادة منها والاقل حدة ، وخصوصا ان المقالتين جاءتا في التوقيت الغير المناسب"($)

بالطبع لايمكن تحديد "وقت مناسب" للنقد, وللبعض تبدو جميع الأوقات غير مناسبة, لكن الأهم من ذلك ان الناقد غير ملزم بتقديم نقده في "وقت مناسب" بالنسبة للحزب, وان هذا الأخير يفترض به ان يستطيع الرد في جميع الأوقات.

ردود جيدة

في مناسبة اخرى لايجد داود امين صعوبة في اكتشاف الفرصة الذهبية التي يقدمها النقد لعرض البضاعة بشكل ممتاز فيكتب تحت عنوان "مادة صحفية تُثلج القلوب !!" (####) : حول ما نشرته شبكة النهرين نت تحت عنوان ( انتقاد حاد في الجمعية للدور الذي يلعبه الحزب الشيوعي في محاربة مقترح الهوية الاسلامية في الدستور ) قائلاً:
" ولا ارى ضرورة للتعمية ومحاولة التمويه , اذ كان بودنا معرفة هذه المصادر لكي نشكرها على وسام الشرف الذي قلدوه للرفيق سكرتير الحزب حميد مجيد , فهم اعادوا تأكيد القول الذي كرره مراراً, بعد ظهور نتائج الانتخابات , بأن صوت الشيوعيين العراقيين سيكون عالياً وقوياً ومسموعاً ومؤثراً حتى لو كان لنا عضو واحد في الجمعية الوطنية !! وها هو صوت الحزب يبدو مدوياً ومؤثراً ومزعجاً لآولئك الذين لا يريدون ان يسمعوا سوى اصواتهم !!"

نلاحظ ان السبب الرئيسي الذي يسبب ضياع الفرص الذهبية لعرض البضاعة التي يقدمها النقد "المغرض" منه وغير المغرض, هو الغضب. ونلاحظ ايضاً ان السبب الرئيسي وراء هذا الغضب هو القلق الشديد غير المبرر من التأثير السلبي المبالغ به الذي سيكون لذلك النقد على سمعة الحزب. انه مؤشر لعدم الثقة اما بموقف الحزب او بوعي القراء.

عن هذا يكتب عبد الرحمن سليمان بشكل معبر تحت عنوان "مع السيد سفيان الخزرجي مرة أخرى"($)
"كم كنت أتمنى أن تمضي مقالتي السيد سفيان الخزرجي بدون هذا العدد من ردود الافعال ، الحادة منها والاقل حدة (....) الكاتب قد عبر عن وجهة نظر معينة نتفق او لانتفق معها ( وأنا لست متفقا معها ) ولكنها وقبل شيء مجرد وجهة نظر ، ولا تستدعي أن تحمل أكثر مما تحتمل ، فلا أعضاء وأصدقاء ومحبي الحزب الشيوعي العراقي سيقتنعون نتيجة للمقالتين ب ( خيانة ) حزبهم ، وهم في ذاك على حق بطبيعة الحال ولهم حججهم ووثائقهم المسنودة تاريخيا ، ولا الاعداء سيهللون ويأخذون السيد الكاتب بالاحضان"

"كنت أتمنى أن يترك للخطأ وقتا يصحح فيه ذاته ، فالكاتب ليس عضوا في البرلمان ولا زعيما لاحدى المليشيات المتناحرة في العراق ولم يجر بعد ادانته بتهم الفساد الكثيرة على طول البلاد وعرضها ولم نعرف لحد الان بأنه حصل على عقود سرية من شركات التصوير العالمية ، لقاء مقالتيه ، بل عرفناه في مقالات أخرى له كاتبا يتميز بالحس الشعبي وحسن استخدام الذكريات ومحاربا للطائفية ولا يقل أخلاصا عن منتقديه ، لوطنه وشعبه"

"كفانا قتالا مع طواحين الهواء وكفانا ممارسة للسياسة على طريقة ( يسقط ويعيش ) وكفانا من خلق أعداء من صفوفنا ، ندفعهم دفعا للمزيد من الخطأ"
"لنتعلم على صفحات الحوار المتمدن أن نكون أكثر تمدنا"

هذا جيد, وإن كان افضل من "ان يترك للخطأ وقتاً ليصحح فيه ذاته"، الإستفادة من ذلك "الخطأ" لتبيان "الصحيح", ولكن بهدوء وثقة.

خاتمة: ليس لمحارب ان يطالب بالمراعاة

إذن النقد "المغرض" منه وغير المغرض يجب ان لايلاقى كعمل معاد مؤذ, بل كفرصة "ذهبية" لعرض وجهة النظر وبشكل مشوق. ويجب تشجيع النقد بخلق جو مطمئن يستطيع الجميع فيه ممارسته دون ان يخشى الزلل وعواقبه من غضب واتهامات. كذلك فان "ضرب اللاعب" مرفوض مبدئياً اضافة الى انه خاسر عادة ويفسد جو النقاش, ليس فقط بين الحزب وناقده بل وايضاً بين الحزب وجميع قراء الجدال الذي دار.

على الحزبيين ان يتعلموا من ذوي الأطفال الإسكندنافيين, فتقسوا قلوبهم, رغم حبها, فيضعوا حزبهم معرضاً الى مختلف طقوس النقد, ليتدرب على صراعها بدلاً من الإحتفاظ به قرب المدفأة دائماً, وحرمانه من تطوير دفاعاته التي سيحتاجها في حياته حين يحاسبة ويسائله اخرون اقل حنية عليه وتحيزاً له من اهله. لكن "اهل" الحزب الشيوعي العراقي كأهل طفل تعرض كثيراً الى الظلم والقسوة, فصاروا يخافون عليه حتى من نسمة النقد الباردة. انه رد فعل مفهوم, لكنه ليس سليم. فالحزب, في مثل تطلعات الحزب الشيوعي ومثل ظروفه, كيان يتوقع الحرب تلو الحرب و "ليس لمحارب ان يطالب ان يعامل بالمراعاة" كما قال نيتشة يوماً.

ان تفهم الكاتب السياسي التغيير الذي تفرضه ظروف الصراع الديمقراطي، وتذكر انه يتحدث عموماً الى جمهور يختلف بدرجة او اخرى عن فكرته هو, وتذكر ايضاً انه "محارب" من اجل مكان لفكرته في رؤوس الناس بين الأفكار الأخرى المنافسة وان لامحارب يطلب ان يعامل بالمراعاة, حينها سينظر الى النقد ليس باعتباره عملاً عدائياً مؤذياً بل وغالباً كفرصة ذهبية لعرض فكرته من خلال الرد على الأفكار المقابلة, حينها سيتغير جو النقد وستتغير روحية الكتابة وسوف يتحول كل نقد الى "مادة صحفية تثلج القلوب" كما عبر عنها داود امين بفرح.


(*). http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=91321
(**) http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=83731
(***) http://www.sotaliraq.com/printerfriendly-articles.php?id=47956
(****) http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=83977
(#) http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=92492
(##) http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=85609
(###) http://al-nnas.com/ARTICLE/AFawz/8icp.htm
(####) http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=43669
($) http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=84059
($$) http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=84042
($$$) http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=35786





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,680,068
- المسلمون والعلمانيون – اضطهاد متبادل
- -لواكن- العراق الذين لانراهم..
- االعلمانية والديمقراطية الإسلامية – الجزء 2 - غض النظر عن ال ...
- إنتخابات حكومات المحافظات الهولندية غداً
- العلمانيين والديمقراطية في عالم اسلامي
- الفرق بين ازعاج عمار الحكيم و دماء المواطن العراقي
- شيعة العراق صفويين ومجاهدي خلق عرب اقحاح
- إعدام المدن بلا محاكمة
- الهنود الحمر يجيبون وفاء سلطان
- وفاء سلطان: -عدنان القيسي- العلمانيين
- أرهاب بريء من الطائفية
- البحث عن راحة الإستسلام: رد على هجوم زهير المخ على مبدأ السي ...
- الوحي زار حاكم العراق في المنام
- مسرحية الإعدام ودفع العراقيين لخيار بين الجنون واحضان الإحتل ...
- إعدام ومقاييس مختلة -1
- محاكمة العراق الناقصة، قمة عالمية في العدالة يصعب تكرارها
- مقطعان ملفتان للنظر من رسالة صدام حسين الوداعية
- الخوف من محاكمة الحقائق- رد على سامر عينكاوي
- ارهابيي الرياضة والرمز: وعي متقدم لاطائفي
- دفع المالكي الى الإنتحار


المزيد.....




- بو علي المباركي: -الاتحاد العام التونسي للشغل- معني بكل الا ...
- إدارة ترامب تتجاوز الكونغرس وتقر مبيعات أسلحة للرياض وأبو ظب ...
- الخارجية الكويتية: مستعدون لبذل أي جهود لتجنب الصدام في المن ...
- غوتيريش يؤكد للرئيس اليمني ثقته في مارتن غريفيث
- انفجار في ليون شرق فرنسا لجسم مشبوه واصابة عدد من الأشخاص
- مشرعون أميركيون: ترامب يتجاوز الكونغرس لبيع أسلحة للرياض وأب ...
- أردوغان: تركيا قد تمدد تخفيضات لضريبة الاستهلاك الخاصة على ا ...
- بومبيو: صفقة سلاح بأكثر من ثمانية مليارات دولار للسعودية وال ...
- الأميرة البريطانية الصغيرة شارلوت تنضم لشقيقها جورج في مدرسة ...
- قطر تعلق على -ورشة البحرين-: تتطلب صدق النوايا


المزيد.....

- 14 تموز والتشكيلة الاجتماعية العراقية / لطفي حاتم
- المعوقات الاقتصادية لبناء الدولة المدنية الديمقراطية / بسمة كاظم
- الدين، الدولة المدنية، والديمقراطية / ثامر الصفار
- قراءات في ذاكرة عزيز محمد السكرتير السابق للحزب الشيوعي العر ... / عزيز محمد
- رؤية الحزب لمشروع التغيير .. نحو دولة مدنية ديمقراطية اتحادي ... / الحزب الشيوعي العراقي
- نقاش مفتوح حول اللبرالية واللبرالية الجديدة وواقع العراق؟ ال ... / كاظم حبيب
- مبادرة «التغيير نحو الإصلاح الشامل» في العراق / اللجنة التحضيرية للمبادرة
- القبائل العربية وتطور العراق / عصمت موجد الشعلان
- تحليل الواقع السياسي والإجتماعي والثقافي في العراق ضمن إطار ... / كامل كاظم العضاض
- الأزمة العراقية الراهنة: الطائفية، الأقاليم، الدولة / عبد الحسين شعبان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - صائب خليل - هدية مشاغبة للشيوعي العراقي: النقد -المغرض- كفرصة ذهبية لعرض -الحقيقة-