أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مسعد عربيد - العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الرابع والأخير















المزيد.....


العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الرابع والأخير


مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 1796 - 2007 / 1 / 15 - 11:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


النتائج المباشرة لمنطق هيمنة اللوبي الاسرائيلي
يمكننا إيجاز نتائج مقولة هيمنة اللوبي الاسرائيلي على النحو التالي:
● جنح مؤيدي الفكرة الى التبسيط غير العلمي وتحميل اللوبي الاسرائيلي كل اللوم في حين تبرأ ذمة رأس المال والامبريالية الاميركية بطبيعتها العدوانية ويعفيها من كافة مسؤولياتها.
● هكذا يخفق انصار ذلك المنطق في تحديد دقيق لطبيعة العدو أو معسكر الاعداء ومكوناته، "فلولا وجود اسرائيل لكانت أميركا صديقة للعرب والفلسطينيين،" او هكذا يدعون.
أما على مستوى النشطاء السياسيين ومجمل العمل السياسي للجالية العربية في الساحة الاميركية، فيمكن أيجاز نتائج مثل هذه التبسيط المتعمد لقضايا في غاية التشابك والتعقيد بالنقاط التالية:
1) إراحة النشطاء من العرب الاميركيين من واجب مناهضة النظام والسياسات العدوانية الاميركية كما ورد في دعواتهم منذ ثمانينات القرن الماضي: دعونا نركز على أولوياتنا أي أن نحصر العمل السياسي للعرب الاميركين في الانخراط في إطار ما أسموه "بالعملية السياسية" والعمل من خلال أطر النظام القائم واحزابه.
ولعل في هذا ما يفسر إغراءات مقولة هيمنة اللوبي الاسرائيلي والاقبال عليها وسرعة انتشارها بين العرب الاميركيين حيث أنها تلغي عمليا مهام وضرورة النضال ضد السياسات الامبريالية والراسمالية ومناهضتها سواء في بلادنا أو في أميركا اللاتينية أو العالم الثالث بشكل عام. ويقف هذا، دون ان يكون السبب الوحيد، وراء حالة التراخي واللامبالاة المريعة لنشطائنا ولجالياتنا حيال قضايا ونضالات الداخل الاميركي وقضايا الشعوب والاقليات الاثنية الاخرى (المكسيك، كوبا، فنزويلا، نيبال...وغيرها).
2) تغذية الاوهام الزائفة حول حقيقة وطبيعة السياسة الاميركية في بلادنا والترويج بانها صديقة لشعوبنا وكل ما هو مطلوب منا هو مناهضة اللوبي وإزالة آثاره وخلق لوبي عربي نظير وهذا لن يتم إلا من خلال إنخراطنا في العملية السياسية "لترجيح كفة الميزان".
3) يفتح هذا بدوره الباب على مصراعيه أمام النشطاء والمنظمات في إقامة "الدكاكين" السياسية التي سادت أنشطة الجالية عبر العقود الثلاثة الاخيرة، وهي التي فشلت في إستنهاض الجالية العربية بل عملت على قولبة عملها في أطر متناغمة مع وتيرة الحياة السياسية الاميركية (من حيث اساليب ووسائل التمويل وغيرها من أوجه العمل السياسي والاجتماعي والثقافي للعرب الاميركيين.)
ولعله من أخطر الاوهام التي عششت فينا لسنوات، ما مثلته بعض الانشطة والتحركات التي تلوح في الافق بين الفينة والاخرى، والتي يقوم بها بعض التجار والسماسرة ورجال الاعمال مدّعين السعي وراء تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية وتوطيد العلاقة بين رجال الاعمال العرب والاميركيين كوسيلة لتحقيق التقارب بين العرب والشعب الاميركي وإيصال الحقيقة الى الرأي العام الاميركي ل"توعيته" وجذبة لنصرة القضايا العربية كي "يؤثر" على قرارات حكومته و"تصويب" سياساتها المجحفة بحق العرب والفلسطينيين وقضاياهم العادلة. تأتي هذه المساعي في سياق محاولات تشكيل "لوبي عربي" يدعي أصحابه أنه سيتصدى لللوبي الاسرائيلي. وغني عن القول ان كل هذه المحاولات لم تنجز سوى خدمة أصحابها والقائمين عليها وربما إثراء بعضهم، أما الجالية العربية في الولايات المتحدة فلم تحصد منها، على مدى عقود ثلاثة، سوى المزيد من الاوهام والاحباط والضياع.
4) تستند مقولة هيمنة اللوبي على القرار الاميركي الى مفاهيم مغلوطة وقاصرة في فهم طبيعة الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة، وكذلك العلاقة بين هذه الطبقة والشركات الكبرى رغم توفر الادلة على العلاقة الوثيقة بينهما (العراق وفلسطين ولبنان وفي كافة أرجاء الكرة الارضية)، الامر الذي يؤدي الى الضياع في المعركة السياسية الاميركية والى ما يشبه العمى السياسي والايديولوجي.
5) تغييب وطمس البعد الراسمالي ـ الامبريالي في السياسة الاميركية وبالتالي إسقاط برامج النضال ضدها.
6) ينبغي الاشارة الى ان المحرك والمستفيد الاساسي لذلك الفهم القاصر هو رأس المال النفطي العربي وما يمثله من تجليات. اذ تتصاعد الدعوة لـ "بناء" لوبي عربي مع اشتداد الحملة الاميركية لاستهداف اركان وكلاء النفط العرب، خاصة في الجزيرة العربية والسعودية تحديدا. وما جاءت به صفقة طائرات "الاواكس" المتطورة في بداية عقد الثمانينيات من القرن المنصرم سوى مؤشر على كيفية استدراج الفائض في العائدات النفطية و"استثمارها" في مشاريع لا تخدم سوى الشريحة الحاكمة في منطقتنا. أما نتيجة ذاك الهدر فكانت اندثار "اللوبي" بعد استنفاذ الغرض منه ولكون قراره عائد لاعتبارات عشائرية حاكمة وليست لاعتبارات موضوعية واحتياجات تعود بالفائدة على مجمل الشعوب العربية.
ان سعي البعض لدس الاوهام بان السياسات الاميركية المتبعة نابعة من مجرد تأثيرات "اللوبي الاسرائيلي" وإملاءاته على السياسة الاميركية بعيداً عن حاجة المصالح الاميركية الامبريالية لأمر مدمر، ويحرف وجهة المعركة ويضعها مع هذا اللوبي وليس مع المصالح الاميركية الكونية. ولا يخفى ما يتضمنه هذا الاستنتاج الكارثي من عواقب وخيمة.

أجندة نضالية؟
ماذا لو أقرّ العرب والعرب الاميركيون بان المشكلة الجذرية في السياسة الخارجية الاميركية هي حماية المصالح الراسمالية الامبريالية الاميركية (نهب موارد وثروات الشعوب وتغذية أرباح راس المال...)؟
لا شك ان هذا المنطق سيؤدي بهم في نهاية المطاف الى مجموعة من الاستنتاجات، أقل ما يقال أنها "غير مريحة" وتتطلب أجندة نضالية طالما تجنبوا خوض النقاش بشأنها، وما زالوا، كما تتطلب الانخراط في تأسيس فهم معمق حول أسباب ودوافع ومصالح السياسة الخارجية الاميركية:
1) فعلى المستوى الداخلي سيتوجب علينا الإقرار باننا نواجه نظاماً راسمالياً إستغلالياً، مما يستلزم لفتةً جديدةً الى كافة المشاكل الداخلية (والتي قد تبدأ بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية والتمييز العنصري والاثني والتهميش الاجتماعي للفقراء والملونين والتمييز ضد المرأة وقمع وإضطهاد العمال المهاجرين، وربما لا تنتهي عند أزمات الفقر والتعليم والرعاية الصحية وغيرها من الازمات المحتدمة في المجتمع الاميركي).
2) كما سيتوجب عليهم، على مستوى السياسة الخارجية، الإقرار باننا أمام سياسية إمبريالية معادية للشعوب لم تبدأ بالعراق وفلسطين ولن تتوقف عندهما، بل تنبسط على مناطق أخرى من العالم وعلى مدى قرن من الزمن (الحظيرة الخلفية لاميركا (اميركا الوسطى والجنوبية)، كوبا، الكاريبي، جنوب شرقي آسيا وغيرها).
3) سيصبح مطلوباً، في الخطوة اللاحقة، إتخاذ موقف (بناء أجندة نضالية) مناهض لهذه السياسات والنضال ضدها.
4) إقامة التحالفات وبناء جسور النضال المشترك مع الآخرين:
أ) من قوى وفئات إجتماعية وإثنية مضطهدة ومظلومة (السود الاميركيين والقادمين من اميركا اللاتينية، ومن يطلق عليهم صفة الملونين people of color ، والفقراء من البيض، والمرأة وغيرهم من شرائح وقوى تعاني كافة أشكال التهميش الاجتماعي والسياسي).
ب) الحركات المناهضة للامبريالية والراسمالية والعولمة والتي تنشط في الداخل الاميركي وتشمل طيفاً عريضاً من المنظمات التقدمية واليسارية والاشتراكية وغيرها من القوى الاثنية التي تعارض السياسة الخارجية الاميركية في العالم وفي بلادها الاصلية (مثل بلدان اميركا الوسطى والجنوبية).

جدلية النضال والنضال المشترك
ينقلنا هذا الى إشكالية اخرى، قلما يدور الحوار حولها، وهي: هل يميل أو يرغب العرب الاميركيون في خوض مثل هذا النضال أو إقامة مثل هذا التعاون والتحالف مع الآخرين وخوض النضال المشترك معهم؟
يمكن إيجاز إجتهادنا في هذه المسألة على النحو التالي: ليس في الواقع الراهن للجالية العربية في المهجر الاميركي (حتى بعد أن اصبحت مستهدفة منذ سبتمبر 2001) ولا في تجربتها عبر العقود السابقة، ما يشير أو ينم عن مثل هذه الرغبة في خوض مثل هذا النضال أو إقامة روابط التعاون او التحالف مع الاثنيات والشرائح الاخرى في المجتمع الاميركي ولا في التعاطي مع قضايا هذه الشرائح سواء كانت قضايا إجتماعية أو سياسية أو إقتصادية أو خليط من هذا كله.
قد يحاجج البعض أن هذا التعميم يفتقر الى الدليل العلمي والموضوعي. وهذا صحيح، إذ ان البحث الجاد في هذه الامور لم يتوفر بعد. وعليه، فهذا الاجتهاد خلاصة لمشاهدات وتجربة كاتب هذه السطور ومعايشته لاوضاع الجالية العربية منذ ثمانينات القرن الماضي. ولعل نقص الدليل (البحث) العلمي بحد ذاته ليس إلا تعبير عن غياب الجدل العام والتحليل العلمي لهذه الظواهر.
فعلى الرغم من وفرة الاكاديميين العرب في الجامعات ومراكز الابحاث الاميركية، إلاّ انه تندر الابحاث التي تعالج قضايا العرب الاميركيين. أما المعلومات المتوفرة فتظل في أغلبيتها ذات طبيعة إحصائية وإستفتائية. وعليه، فان أخطر ما في الامر هو غياب الجدل على مستوى الجالية ـ أفراداً ومنظمات ونوادي وجمعيات وصحافة وكتاب ومفكرين ونشطاء وأكاديميين ـ بحيث يخيل للمرء ان هذه المواضيع "مؤجلة" حتى إشعارٍ آخر. بل ويشكل غياب مركز مرجعي او مرجعيات فكرية وقيادية للجالية عنصرا اساسيا في الحؤول دون التوصل لارساء قواعد وعي ومفاهيم عامة لآليات السياسة الاميركية وكيفية مواجهتها، والبحث العلني في دور الجاليات في دعم برامج التطور والتنمية في الوطن الام. وفي هذا السياق ينبغي رؤية دور رأس المال النفطي (والسعودي بشكل خاص) في تهميش الارهاصات الاجتماعية واستدراجها حين اكتمال بنيانها بالتلويح بالمزايا المادية ان تماثلت مع برامج واهداف الشرائح النفطية. وما تجربة "المنظمة الاميركية العربية لمناهضة التمييز ADC " الا شاهد على ذلك خاصة بعد "قرار" الممول النفطي الوليد بن طلال بضخ نحو ستة ملايين دولار في ميزانية تلك المؤسسة التي ابتعدت كثيرا عن اهدافها الاصلية.

محاولة في فهم الاسباب
نسارع الى القول بان هذا الاجتهاد قد يتضمن بعض التعميم والتجاهل لخصوصيات الجالية العربية الاميركية، كما انه قد لا ينصف بعض النشطاء العرب الذين ناضلوا، وما زالوا، دون كلل وعملوا من أجل إقامة مثل هذه التحالفات. وكي لا نزج هذه المقالة في أسباب وتشعبات هذه المسألة، على أهميتها، فاننا نكتفي بالتلميح لبعض الابعاد التي لا تنفرد بها جاليتنا بل هي سمات عامة ومشتركة للكثير من الجاليات المهاجرة والمغتربة:
● مضى على قدوم العرب الى القارة الاميركية الشمالية (الموجة الاولى في أواخر القرن التاسع عشر) ما ينوف عن 130 عاماً وخصوصاً من البدان التي كانت واقعة تحت الاحتلال التركي، كما إنقضى الدهر نفسه منذ أن أخذ العرب في أميركا الشمالية "ينظمون" أنفسهم (1892) في منظمات وجمعيات وأنشطة ثقافية وصحافية.
نقف إذن أمام حالة مهجرية متعددة الابعاد، معقدة النسيج، متباينة الخلفيات (الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والدينية) إمتدت عقوداً طويلة، وأمام تشكيلة إثنية ـ قومية ـ ثقافيةـ إجتماعية تبلورت عبر عقود من العيش في "الوطن الجديد" وعايشت أجيالاً متعددة وشملت مغتربين قدموا في موجات هجرة متلاحقة تدفعهم في ذلك أسباب إجتماعية وإقتصادية وسياسية متباينة، مغتربين حملوا معهم أحلاماً وطموحات تفاوتت بين الهروب من قسوة الفقر وظروف القمع والتمييز أحياناً، الى السعي وراء لقمة العيش الكريم، والى الإثراء أحياناً اخرى. إلا اننا رغم هذه التجارب الانسانية المفعمة بالمعاناة كما بالانجازات والمكتنزة بالخبرات والعبر، لم نوفق الى يومنا هذا في تشجيع وإقامة جدل مفتوح حول المعضلات والتحديات التي تواجه حاضرنا ومستقبلنا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا.
● يجدر بنا التطرق، ولو تلميحاً، باننا قدمنا من مجتمعات وثقافات لا تحمل بين ثناياها قيم العمل الجمعي ولا تعزز التضامن مع الآخرين، بل قدمت الاغلبية من مجتمعات وثقافات منغلقة تعزز التمركز على الذات ووقايتها من "كل شرٍ وأذى"، وتخشى الانفتاح وتحاذر الثقة بالآخرين، كما حملت معها إرث ثقافة ومجتمعات متخلفة خيّم عليها لقرون عديدة شبح الاحتلال التركي الذي عرف بتعفنه ووحشيته.
● ساد بين العرب الاميركيين ولعقود طويلة وهمٌ بانهم بقدومهم الى المهجر الاميركي قد وطأوا ما يسمى أرض الحليب والعسل The land of milk and honey وعليه فالهم الاساسي، بعد تأمين لقمة العيش، هو تحقيق الثراء الفردي والازدهار حتى ولو كان ذلك على حساب المجموع والقضايا الوطنية (والمقصود به غالباً الازدهار المالي والذي كثيراً ما إنتهى الى إفقار نفسي وإجتماعي وروحاني وثقافي والى فقدان الهوية والانتماء).
● تسرب الى وعينا، (وربما بسبب النفسية والعقلية الانكفائية والمنغلقة على الذات والتي حملناها من اوطاننا الاصلية)، أن السبيل الى النجاح والازدهار هو "الابتعاد عن السياسة" والمصلحة الجمعية والشأن العام والعمل على التكيف والانصهار في المجتمع الجديد. ورغم مرور إجيال عدة من المغتربين العرب في الولايات المتحدة، فما زلنا نلحظ ان الكثير من العرب الاميركيين لا ينظرون الى أنفسهم كشريحة إثنية متجانسة وملتحمة مع الشرائح الاخرى التي تشكل بمجموعها النسيج الاجتماعي (الكل الجمعي collective) في الولايات المتحدة والذي يتميز أكثر من أي مجتمع آخر بالتعددية الاثنية والعرقية والثقافية.
● باستثناء القلة، فان اغلبية المغتربين العرب قد فهمت "الانصهار" في المجتمع الاميركي كاندماج في "مجتمع اوروبي أبيض" متبنيةً في ذلك الطبعة والسرد الثقافي للرجل الابيض والمفاهيم الاثنية البيضاء السائدة والمتوافقة مع الطبقة الحاكمة، ومتناسية أو متجاهلة التعددية الاثنية والعرقية والثقافية المكونة للمجتمع الاميركي. وقد إختار هؤلاء، وللسبب ذاته، موقف "الحياد" تجاه القضايا الاجتماعية والسياسية المحتدمة في المجتمع الاميركي، ذلك الحياد الذي يعنى التوافق والتماهي مع المواقف والثقافة والمفاهيم والقيم السائدة. نحن، إذن، أمام حالة مهجرية إستدخلت، الى حدٍ بعيد، "الطبعة" والنمط الاميركي من المركزانية الاوروبية. وبكلمات اخرى، في حين يطالب "الاندماجيون" بالانصهار في النسيج الاجتماعي الاميركي، فانهم يتحاشون الوقوف أمام مسؤولياتهم حيال هذا المجتمع وأزماته وإشكالياته. فهو، كما يريدونه، إنصهار احادي الطرف ننتمي الى المجتمع حين ينعم علينا هذا الاخير بالمنفعة ويحقق المصلحة، ونهرب بعيداً حين تلم بالمجتمع المحن والازمات.
تعزز هذه المفارقة المؤلمة ما ذهبنا اليه من أن جاليتنا تقف على "قارعة الطريق" فيما يتعلق باجندة النضال في المجتمع الاميركي. ولا تنفرد الجالية العربية لوحدها في هذا المجال، بل هناك غيرها العديد من الاثنيات التي تعاني من الاشكاليات نفسها، إنما نخص الجالية العربية هنا لانها موضوع بحثنا.
● تستند الجالية العربية في الولايات المتحدة في هذه الثقافة الى نهج مريح وينسجم مع منابع وخلفيات تكوينها السياسي والثقافي:
(أ) الخطاب العربي الذي ساد القرن العشرين وحتى يومنا هذا، والذي يرتكز الى ثقافة سياسية وعامة تتحاشى تحديد العدو بدقة وتعفينا من مغبة مواجهته وتجنبنا الآلام والتضحيات الناجمة عن ذلك.
(ب) ثقافة وسياسة لا تخلو من عقدة العجز والدونية أمام المركزانية الاوروبية وتتمثل، في سياق هذا النقاش، في إعفاء الغرب من مسؤولياته وعواقب الاحتلال والاستيطان الذي مارسه ضد شعوبنا وشعوب العالم .
(ج) نتاج ما إستدخلناه من وعي مشوه صاغته القوى الكولونيالية عبر حقبة الاستعمار وأسست لاستمراره بعد جلاء قواتها العسكرية تاركة خلفها من إرث ومؤسسات وثقافة ما يضمن إستدامة تشويه الوعي وتدميره.
● أضحى العرب والمسلمون في أميركا مستهدفين في مناخ ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي القت بثقلها على أوضاعهم وشاع بينهم مناخ الخوف والرعب والقمع، مما دفع بهم الى المزيد من السلبية والانكفاء على الذات في حين كان الاولى بهم التكاتف فيما بينهم ومع الاقليات الاثنية والفئات التقدمية في المجتمع الاميركي (والتي أبدى الكثيرون منهم تعاطفاً وتضامناً لم نوفق في إحتضانه وتطويره) وتوطيد أواصر التعاون والنضال المشترك معها.
وكي لا يبدو تقييمنا هذا وكأنه جلد للذات، لا بد من التذكير بعض الصعوبات الموضوعية التي تعيق عمل الجالية العربية في الولايات المتحدة وأهمها:
● يبقى العرب، مهما كان تصورهم، ومن منظور المركزانية الاوروبية إثنية غير اوروبية وغير بيضاء تقيم وتعمل وتنشط في مجتمع اوروبي أبيض دون أن يعني "قبوله" بها. فهناك سعي حثيث ومنظم لإقصاء العرب الاميركيين عن الحياة السياسية الاميركية والإبقاء على تهميشهم وتحييد تأثيرهم رغم جهود الكثيرين منهم وإنخراطهم ومساهماتهم في شتى مرافق الحياة الاميركية. ودون مزيد من الاستفاضة، نكتفي بالقول بان هناك العديد من الابعاد والعوامل، من ثقافية ودينية وثقافية ومركزانية اوروبية وعنصرية، تتشابك في هذا الجهد المنظم.
● يزيد الخلط بين الجاليات المسلمة والمسلمين الاميركيين وقضاياهم ودورهم من جهة وبين العرب الاميركيين من جهة اخرى، من تعقيد أوضاع الجالية العربية وإدائها.
● أخطار "اللوبي الاميركي" في الوطن العربي: ونقصد بهذا ذلك الجيش من المؤسسات والمنظمات السياسية والثقافية تحت مسميات "غير الحكومية" وغيرها وتلك الجوقة من المثقفين الذين يشكلون "لوبي أميركي" في الوطن العربي يروج للسياسات الاميركية ويخلق لها المبررات والذرائع ويسوق لاهدافها ومصالحها ويعمل عبر أدواته المشبوهة على "تلميع" مخططاتها لشعوبنا وشعوب العالم.

الخاتمة
يتم النضال ضد اللوبي الاسرائيلي في الولايات المتحدة، ضمن سياق الجدل الذي أثرناه في هذه السطور، على الاسس التالية:
● تبقى الغاية الرئيسية للسياسة الامبريالية الاميركية تعزيز المصالح الراسمالية وهيمنة الامبراطورية ويبقى دعمها لاسرائيل مهما بلغت حدوده وارقامة ضمن سقف هذه المصلحة.
● يقوم نضالنا ونشاطنا اساساً على فهم المصالح والسياسات والاستراتيجية الاميركية (والتي يقوم اللوبي في خدمتها) وان يتوجه نحو مناهضتها. والى ان نقيم مفاهيمنا على اسس صحيحة فسوف نخطئ الهدف ونفشل في رسم التكتيكات ونستمر في حراثة البحر ونشغل انفسنا برؤية الشجرة في حين نتعامى عن رؤية الغابة خلفها.
● أن رصد وتوثيق عمل اللوبي من أجل تعريته ونقده ومناهضته مهمة تقع على كاهل العرب والعرب الاميركيين ولكنها أيضاً واجب ومسؤولية كافة الاميركيين التقدميين والمعادين للراسمالية والامبريالية أفراداً ومنظماتٍ ومؤسساتٍ. وهي مهمة هامة وعاجلة.
● إلا أن هذه المهمة لا تنفصل عن النضال ضد الامبريالية والراسمالية والعولمة والعدوانية، كما أنها لا تقتصر على فلسطين والعراق وحدهما، بل هي جزء من النضال الاممي ضد الامبريالية والراسمالية في كل مكان والذي يسير جنباً الى جنب مع نضال الداخل الاميركي من أجل الحفاظ وتعزيز الحقوق والحريات المدنية والدستورية والاكاديمية وتحقيق المطالب الاجتماعية والاقتصادية (توفير الخدمات الاجتماعية مثل التعليم والرعاية الصحية والاسكان، مناهضة الفقر والتمييز العنصري والتمييز ضد المرأة ...وغيرها من أزمات المجتمع الراسمالي الاميركي). وهي بمحملها جزء من النضال ضد نهج التخويف والقمع لكل من ينتقد السياسات الاسرائيلية والاميركية الداعمة لها وإلصاق تهمة العداء للسامية بهم.
● ان التركيز على اللوبي الاسرائيلي دون التصدى للقوى ومجموعات الضغط الاخرى يبعد الانظار عن قوى مؤثرة، بل ربما أكثر تأثيراً، في صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة ويؤدي الى تجاهلها. وبقول آخر، لا بد من برامج تناهض اللوبي ولكنها تناهض ايضا الرأسمالية والامبريالية والصهيونية والتي دونها لن يكون لهذا اللوبي اي تأثير.
● كي يكون النضال شاملاً لكافة القضايا، لا بد له أن يكون حاضنا لكل القوى المناضلة والمتحالفة صاحبة المصلحة فيه، وعلى كافة المستويات (المحلية والاقليمية والعالمية) وألاّ يحبس نفسه في الشأن الفلسطيني أو العراقي لوحده.
● ان التقدم باقتراحات جزئية من برامج وأنشطة ضمن حدود امكانياتنا الراهنة أمر جيد ولا بد منه شريطة ألاّ يتناقض مع الاهداف العامة للنضال الشامل بل يكون جزءً لا يتجزء منه. وعليه، فان وضع خطوات تكتيكية ضمن استراتيجية مقارعة النظام أمر مطلوب، شريطة تجليسه ضمن تصور شمولي للحل: فتكون مناهضة اللوبي ضمن رؤية وفهم متكاملين للنظام، ووعي بان هذا للوبي يعمل ضمن نظام اكبر هو النظام الراسمالي الحاكم.
أن نضال الشعوب واحد لا يتجزأ. وما تجزئته وتفكيكة على أرضية التخصص أو الاثنية أو العدالة الاجتماعية وغيرها من المسميات، إلا نتاج الاوهام البرجوازية التي عملت طلية قرن من الزمن على تدمير الوعي النضالي وتشويه وعي المقاومة. فلا سبيل الى مناهضة الامبريالية دون محاربة الراسمالية، ولا تتسنى مقارعة العولمة دون النضال ضد تجلياتها وآثارها المحلية والدولية، ولا تشرئب أنظارنا الى فلسطين دون أن نرى ما يحدث في فنزويلا أو كوبا أو أفغانستان، ولا يمكننا أن نفهم مقاومة الشعب العراقي كظاهرة محلية محصورة في العراق لوحده دون ان نستشرف آفاقها الرحبة في محاربة الامبريالية والعولمة، ولا يستقيم فهمنا لهزيمة الاحتلال الاميركي في العراق كإنجاز للإستقلال الوطني فحسب دون ان نعي تداعيات ذلك النصر على الحقبة والاستراتيجية الراسمالية ـ الامبريالية برمتها.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,054,025,578
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الثاني
- العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الرابع والأخير
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الثالث
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ - الجزء الثاني
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الاول
- نيبال: الثورة المنسية
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: مفاهيم وخلفيات
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: إشكاليات وتحديات
- الانتخابات الاميركية ـ الرئيس الاميركي: نموذجاً أم استثناءً؟
- مشاهدات مغترب في إشكاليات الانتخابات الاميركية ـ الحلقة الاو ...
- بين ناصر ولينين تأملات في الموت المبكّر وإغتيال الحلم
- الانتفاضة الساباتية بعد عشرة اعوام: مرحلة جديدة أم خيار بين ...
- في رحيل إدوارد سعيد مفكراً وإنساناً
- الهيمنة المطلقة...خواطر في اسلحة الدمار -الاشمل
- تشى غيفارا ... والحضور الدائم خواطر في الغيفارية في زمن العو ...
- مستقبل الاشتراكية في كوبا: اشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل


المزيد.....




- اكتشاف مدينة أثرية كاملة أسسها أسرى طروادة
- مباشر: خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام البرلمان الأ ...
- #جمال_خاشقجي: صحيفة تركية تتهم -دحلان- بطمس الأدلة
- ما هو مصير محمد بن سلمان؟
- إغتيال مسؤول أمني في عدن وإصابة8مواطنين بينهم معلمة و5طالبات ...
- قصف جوي ومدفعي غربي مأرب بعد ساعات من قصف الإنقلابيين المدين ...
- واشنطن بوست: ترامب لا يريد تصديق أن محمد بن سلمان أمر بقتل خ ...
- غارديان: استنتاج المخابرات الأميركية ينطوي على ضرر بالغ لمحم ...
- في مسلسل الاغتيالات.. قتل ناشط بمظاهرات البصرة
- لليوم الـ24.. أسير فلسطيني يواصل إضرابه عن الطعام


المزيد.....

- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مسعد عربيد - العرب بين اللوبي الاسرائيلي ولوبي رأس المال الجزء الرابع والأخير