أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جورج كتن - ما بعد الاستبداد شبه العلماني







المزيد.....

ما بعد الاستبداد شبه العلماني


جورج كتن

الحوار المتمدن-العدد: 1754 - 2006 / 12 / 4 - 11:39
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


ابتليت معظم الدول الشرق أوسطية بعد الاستقلال بأنظمة استبدادية كرست استئثارها بالسلطة والثروة من وراء ستار "الوطنية" التي بات استخدامها حكراً لها تغدق شهاداتها على مناصريها وتخوّن معارضيها الساعين لتغيير ديمقراطي ولمواجهة التخلف واللحاق بالمسيرة الإنسانية.



لتأجيل الديمقراطية والتنمية تذرعت أنظمة الاستبداد أحياناً بمعارك معظمها وهمية داخل وخارج حدود دولها من أجل "قضايا قومية" وانتماء قومي مفترض، وضد تجزئة مفترضة بدت كمحاولات للتوسع على حساب الدول المجاورة، وأحياناً أخرى بإقامة نظم اقتصادية موجهة من أعلى تخفي نهبها لموارد الدولة تحت غطاء "التأميم" وما شابه من وسائل أعاقت تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

كما استخدمت النصوص الدينية لتسويغ سياساتها، وقمعت تيارات الإسلام السياسي التي سعت بالعنف لمنافستها على السلطة، وطوت تيارات إسلامية أخرى تحت جناحها لاستخدامها لصالحها، مع التقليل من خطر إيقاظها، حيث تشير الدلائل إلى أنها مهيأة لوراثة الأنظمة لحظة زوالها القادمة.



الدين بالنسبة للأنظمة الاستبدادية وسيلة مثل "الوطنية" و"القومية" و"الاشتراكية" و"الثورية".. تستخدمه للدفاع عن احتكارها للسلطة. والاستبداد يمكن أن يكون "إسلامياً" عندما يكون ذلك مفيداً لأنظمة، أو "علمانياً" عندما تكون بعض العلمانية في صالح أنظمة أخرى.

أنظمة الاستبداد ذات المسحة العلمانية وصلت مع نهايات القرن الماضي إلى طريق مسدود بعد انهيار دول المعسكر الشرقي، وإثر تعاظم دور المجتمع الدولي في الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات في أرجاء العالم. فقد بدأت الأنظمة المشابهة في منطقتنا بالتهاوي كما في الجزائر والعراق.. أو بتقبل تغييرات جزئية وتدرجية كما في المغرب ومصر.. مع استمرار أنظمة تتوهم أنها عصية على الإصلاح مثل سوريا وليبيا.. فضلاً عن وضع خاص بلبنان المستعيد لديمقراطيته التي أوشكت على الانهيار تحت وطأة نظام الوصاية الأمني.



نهاية أنظمة الاستبداد "العلمانية" لم تعد مسألة نقاش بل مسألة وقت. فالذي يستحوذ الاهتمام الآن هو بديلها القادم، إذ تشير نماذج التغيير الحاصل أن البديل المتوفر هو تيار الإسلام السياسي، الأقدر على استغلال الأوضاع البائسة التي أوصلت أنظمة الاستبداد مجتمعاتها إليها، فهو لن يسعى لإقناعها ببرامج جديدة مغايرة لما هو سائد، بل يكتفي بتذكير الناس بمحفوظاتهم من نصوص تراثية وبتقاليدهم القديمة التي تركتها الأنظمة تترسخ دون أن تطالها يد التغيير، فقد كانت أفضل ما يمكن لتعزيز الاستبداد القديم، وهي أقوى قاعدة لاستبداد جديد يحتمي بالمقدس كبديل عن العفش القديم "القومي" و"الاشتراكي" و"الثوري"...



الفارق بين أنظمة الاستبداد المشرقية شبه العلمانية وأنظمة الاستبداد المنهارة في أوروبا الشرقية، أن الأخيرة كانت أنظمة علمانية حقيقية تصدت لما هو بالي من المفاهيم القديمة، مستخدمة الإكراه إلى جانب الإقناع لتحديث مجتمعاتها وتخليصها من إرث القرون الوسطى، لذلك كان يسيراً الانتقال إلى ديمقراطية حداثية، ببديل سياسي ديمقراطي علماني.



أما في منطقتنا فالتيار الديمقراطي العلماني عاجز عن توفير بديل لسلطة الاستبداد، وخاسر في التنافس على استقطاب الأغلبية الشعبية المبعدة منذ عقود عن السياسة وعن تجديد مفاهيمها وأساليب حياتها لتلائم العصر، فالأقرب لوعيها المتخلف، ليس نخب حداثية تتكلم بلغة غريبة عنها وبعيدة عن إدراكها، بل "الإسلام السياسي" الذي يلقى تأييداً لتطمينه الأغلبية بأن أحداً لن يتعرض لتخلفها الاجتماعي والثقافي، ويعدها بالمزيد منه بإزالة مظاهر التجديد والتنوير التي أفلتت حتى الآن من شباك الاستبداد شبه العلماني.



أهم ما سيحققه "الإسلام السياسي" هو: استبداد مقدس وحروب متنوعة...



دعوة "الإسلام السياسي" لتطبيق الشريعة في الحكم، لن تكون نتيجته سوى استبداد شامل لن يقتصر على الشؤون السياسية والاقتصادية كما في ظل الأنظمة السابقة شبه العلمانية، بل سيتخطى ذلك للشؤون الاجتماعية والثقافية، والأمثلة واضحة في نظام الطالبان الأفغاني الذي منع التلفزيون والفنون وتعلم وعمل المرأة.. وفي النظام الإيراني الذي فرض الحجاب على المرأة بعد أن نقل البلاد من استبداد الشاه لاستبداد رجال الدين.. ولدى قوى الإسلام السياسي المنفلتة في العراق التي فرضت الحجاب على المسيحيين وقتلت مزينين لمنعهم من حلاقة الذقون.. وغيرها ..



في أفضل الحالات لن تكون "الديمقراطية الإسلامية" أكثر من وسيلة للوصول للحكم ثم تطبيق الاستبداد المقدس المحمي بالنصوص التراثية التي يفسرها محتكرو الإسلام السياسي حسب مصالحهم. وحتى عندما تدعو منظمات إسلامية خارج الحكم لبناء دول حديثة، فإن ذلك يعني تحايل مؤقت، وأقرب مثال دعوة جماعة الإخوان السورية في "رؤيتها" لدولة ديمقراطية دون التخلي عن شعارها التاريخي القديم الذي يتصدر موقعها حتى الآن:

"..القرآن دستورنا.. والجهاد سبيلنا.. والموت في سبيل الله أسمى أمانينا..".

مما يعني رفض الديمقراطية الوضعية من صنع الإنسان وإعلاء الجهاد والموت، كمزيج يتقمص العنف المسلح كسبيل للوصول للأهداف.

لا نخترع شيئاً عندما نقول أن برامج القوى الإسلامية السابقة واللاحقة تقود المنطقة لحروب متعددة الإشكال، ففي الجزائر ومصر شنت الجماعات الإسلامية المسلحة حرباً أهلية همجية بعد تكفير الأطراف المخالفة لها.. وفي السودان أغرقت الجبهة الإسلامية البلاد في حربين للأسلمة والتعريب في الجنوب والغرب.. ويخوض الطالبان في أفغانستان حرباً أخرى بأجساد مواطنيهم المنهكة لإعادة تسلطهم على رقاب المؤمنين..



وفي العراق تسعى الأحزاب الإسلامية ذات الميليشيات المنفلتة لإدخال البلاد في حرب دموية للتطهير المذهبي، لإثبات أية مرجعية "شيعية" أم "سنية" ستعتمد في دولة الإسلام السياسي الراهنة، بديل دولة الاستبداد الصدامي المنقضية، فنتائج الاحتلال لم تكن إسقاط النظام السابق فقط، ونشر ديمقراطية إنسانية كما كان مأمولاً، فقد مكنت من إخراج وحش التطرف الطائفي من قمقمه ليعيث فساداً غير مسبوق..

كما يقود حزب الله لبنان بعد حرب تموز المدمرة لحرب أهلية إذا حيل بين السلاح المكدس والحدود، تجاوباً مع رغبة المرشد الإيراني بهزيمة أميركا على ساحة لبنان "المبتلي". الانقلاب على النظام لإسقاط الحكومة التي تحظى بالأكثرية النيابية والشعبية هو وصفة لحرب أهلية مدمرة، فموسم الجهاد والموت لم ينته بانسحاب قوات الاحتلال ويحتاج لوقود دائم من أجساد اللبنانيين..



المزيد من التخلف والظلامية ورفض التجديد واستبداد "مقدس" وحروب أهلية وإقليمية ودولية ودمار وفوضى.. هي ما ينتظر مجتمعات المنطقة التي وثقت أعداد متزايدة من أفرادها بالإسلام السياسي، على أمل أنه خشبة النجاة من أنظمة الاستبداد الراهنة. فإذا كنا نبالغ في توقع الأسوأ من البديل "الإسلامي" القادم، فليدلنا أحد على ما يخالفه، فيما عدا الإسلام السياسي التركي الديمقراطي العلماني، الذي يعمل لصالح شعبه ومن أجل صلات إنسانية منفتحة على الجوار والمجتمع الدولي.



لا نظن أن حالة الغالبية في مجتمعات المنطقة نهائية، فهي قابلة للتغيير مثل غيرها من مجتمعات العالم، فستتعلم من تجاربها أين تضع ثقتها، فتمخضها لمن يخرج من صفوفها، وليس من عباءة القرون الوسطى، ليعمل لصالح حياتها الراهنة، فيوفر عليها أكلاف جسيمة ستدفعها في حالة الاستمرار في برنامج تمجيد الموت والجهاد وتحقير الحياة ونشر الخراب والعداء للآخر والعمل لاستئصاله والعزلة عن العالم ومعاداة الحضارة البشرية..



النخب المثقفة التي تخلصت من بقايا الأيديولوجيات القديمة، ووعت ضرورة وضع المصلحة الإنسانية لشعوبها فوق أية مفاهيم مسبقة، ستلعب دوراً كبيراً في تقريب لحظة نضج الوعي المجتمعي، فهي تزداد تأثيراً في محيطها وتكسب دعاة وأنصار جدد، وتلقى تأييداً دولياً، فهي "ليست وحدها في العالم".



المواجهة طويلة والأثمان التي ستدفع كبيرة، لكن ورشة التغيير الديمقراطي العلماني انطلقت، وستحقق أهدافها على الأرجح لأنها تعمل ضمن مسيرة التاريخ الإنساني وليس خارجها.

georgecat@mail.sy





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,564,971,573
- هل تهجير المسيحيين هو الحل؟!
- مشروع -الراديكالية الإسلاموية- للانتحار الجماعي
- حراس الثوابت والعدمية الفلسطينية المتجددة
- مقتل طفلة من بيت الأمارة
- وقفة مراجعة بعد خمس سنين على هجمات 11 / 9
- الهمجية في تاريخ المنطقة والعالم
- انتصار سياسي للبنان وحكومته
- التورط والتوريط أم السياسة الواقعية
- حوار مع الكاتب والسياسي جورج كتن*
- عندما يخلط الإخوان الدين بالسياسة الوطنية
- ما هو مشترك بين الإسلاميين المعتدلين والمتطرفين
- طريقة مبتكرة لعقاب السفاحين
- الصوملة : الإسلام هو الحل أم الدولة الحديثة
- رسالة إلى مؤتمر كردي سوري
- الأمازيغية والكردية صنوان
- مواجهة بين التنوير والظلامية في البحرين
- رسالة مفتوحة للإخوة في التحالف الكردي والجبهة الكردية
- حماس في فخ السلطة
- نعي موقع - مرآة سوريا تحجبت بإرادتها
- وصول الإسلاميين للسلطة ليس نهاية التاريخ


المزيد.....




- لبنان.. عندما تتخطى الاحتجاجات الطائفية والمناطقية والطبقية ...
- زعيم حماس يحذر من خطورة مخططات إسرائيل لـ«تهويد» المسجد الأق ...
- الخريطة السياسية للقوى الشيعية المناهضة للأحزاب الدينية
- تقرير فلسطيني: الاحتلال يستغل الأعياد اليهودية لتصعيد الاعتد ...
- واشنطن بوست: الانتقام الوحشي من النشطاء في مصر يمكن أن يغذي ...
- بعد استهداف معبد يهودي.. إجراءات بألمانيا لمواجهة -إرهاب أقص ...
- لجنة الشؤون الدينية في مجلس النواب المصري تضع 10 إجراءات لتج ...
- في أميركا.. التدين في تراجع حاد والإلحاد يزداد
- لماذا يتراجع عدد القساوسة بصورة مثيرة للقلق في إيرلندا؟
- الفارق بين -بني إسرائيل- و-اليهود- و-أصحاب السبت- و-الذين ها ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جورج كتن - ما بعد الاستبداد شبه العلماني