أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بسمة الخطيب - ينقلون قصيدة من حلم أو يحلمون بلوحات وأزياء.. والفن نفسه حلم مستحيل. هل يسرق الفنانون من مناماتهم؟ هل يؤلفونها أم يرونها حقاً؟















المزيد.....

ينقلون قصيدة من حلم أو يحلمون بلوحات وأزياء.. والفن نفسه حلم مستحيل. هل يسرق الفنانون من مناماتهم؟ هل يؤلفونها أم يرونها حقاً؟


بسمة الخطيب
الحوار المتمدن-العدد: 1726 - 2006 / 11 / 6 - 10:46
المحور: الادب والفن
    


كلّما استيقظنا وخطونا خارج المنام لا يكون ما عشناه ورأيناه للتوّ قد انتهى. إننا لا نغادر كلياً مناماتنا، وإن غادرناها فليس لخطوات بعيدة. لا يأتي هذا الاستنتاج أو هذا الرأي، من نظرية تحليلية نفسية، إنما نلمسه في > التي أنتجها الانسان على مرّ العصور.
بين منام الانسان وإبداعه علاقة وجودية وماورائية. في مناماته يهجس بالإبداع محاولاً الموازنة بين ما يرغب فيه وما يقدر عليه. وأثناء إبداعه يهجس بالرؤى والأحلام، يصوغها ويبلورها. أو لم يتفق الباحثون على تعريف الابداع بكونه تعاوناً ذكياً بين الخيال والعقل؟ بين اللاوعي والوعي؟ بين الحلم والواقع؟
أرّقت المنامات البشر منذ أطبقوا جفونهم فوق كوكب الأرض. كان حلماً طويلاً جداً، بعمر البشرية، ذاك الذي توصّلنا الى فكّ رموزه منذ قرنٍ فقط، بفضل طبيب يدعى سيغموند فرويد، أودع خلاصة أبحاثه عن عالم المنامات واللاوعي في كتاب صدر عام 1900، بعنوان >، أثبت فيه، مستشهداً بحالات عاينها وعالجها في عيادته النفسية، أن الانسان لا يحلم مصادفة، وأن من خلال المنامات تشقّ الأفكار اللاواعية طريقها إلى الوعي، وأن الرقابة لا ترحمنا حتى أثناء المنام، إلا أنها تكون ضعيفة.
عرفت أفكار فرويد صدى كبيراً في عشرينيات القرن الماضي خصوصاً في مجالي الفن والأدب، بل تأسّست مدارس كالسوريالية والدادائية على هذه الأفكار. وصار الباحثون والنقاد يقرأون المنامات والكوابيس الواردة في الأعمال الابداعية، القديمة والحديثة، قراءة متمعّنة ومستشرفة.
ولا شك أنهم توقّفوا طويلاً، كما نتوقف هنا، عند المدرسة الرومانسية، التي تعتبر آخر الحركات الفكرية الكبرى، والتي سبقت فرويد ومهّدت للسورياليين وغيرهم، وعند أحد عباقرتها، نوفاليس، الشاعر والكاتب الألماني الذي قال: <<العالم يصبح حلماً والحلم يصبح عالماً>>. والذي كتب رواية لم يكملها، عن شاب يدعى هنريش، أمضى عمره يبحث عن زهرة زرقاء رآها في المنام. كذلك رأى نوفاليس أن الطريق الخفيّ نحو الكون يمضي نحو داخل الانسان، أي أن الانسان يختزن الكون <<في داخله>>، وقد عنى <<في لاوعيه>> وإن لم تكن المفردة قد أثبتت علمياً حينذاك.
أزهارنا الزرقاء
مات نوفاليس وهو دون الثلاثين من العمر، ولم يكمل رحلة بحث هنريش عن الزهرة الزرقاء التي رمز بها إلى الرومنسية، تلك الطاقة السحرية التي يمتلكها الفن لتغيير العالم الى فضاء جميل وساحر. ولكن لا ريب في أن لكل انسان زهرته الزرقاء التي رآها يوماً في الحلم وجرى خلفها.
في رواية الخيميائي لباولو كويللو حلم مماثل، فالكنز الدفين يظهر في المنام لشاب ويدفعه الى السعي خلفه عابراً الصحارى والجبال، وثمة عجوز يلتقيه في الطريق إلى الكنز، يقول له أنه يخشى أن يحقّق حلمه، لأنه إذا حقّقه لن يعود هناك ما يعيش لأجله...
أما سلفادور دالي الذي يقول عن نفسه: <<أنا لست سوريالياً، أنا السوريالية>>، فقد رسم مناماته وأسّس منذ عشرينيات القرن العشرين هذه المدرسة التي تستقي من المنامات مادتها وروحها، وقبله قدّم الرسام السويسري فرديناند هودلر عام 1903 لوحة بعنوان <<الحلم>>، مجسّداً في ثوب شابة الخطوط الواهية بين الحلم والموت، وقبلهما، عام 1883، كان الرسام الرمزي الفرنسي بيار بوفي دو شافان، قد رسم لوحة بالاسم نفسه، يتجسّد فيها منام رجل على صورة ثلاث نساء ملائكيات يعمن في السماء، يرمزن الى الثلاثي <<الحلمي>> للرجل (الحب والمجد والثراء). ولا يقتصر الأمر على الأدب والرسم ففي السينما تشابهت بعض أفلام هيتشكوك مع المنامات مثل <>. فيرى المخرج والناقد السينمائي الفرنسي Francois Truffaut في كتابه <<السينما عند هيتشكوك>>، أن أفلامه تتّسم بالطابع <<الحلمي>>، الذي يظهر من خلال تصويره للانسان الوحيد، المحاط بالعداءات والمخاطر، وأن سينماه تدخل دون ارادة منه في مساحة المنام، الذي يهجس بالوحدة والأخطار. أما المخرج السوري محمد ملص فقد أخرج فيلم <<المنام>> الذي هو عبارة عن أحلام أفراد فلسطينيين، كما كتب كتاباً في الموضوع ذاته.
هذه اللمحة التاريخية القصيرة التي تبيّن دور المنام في قصّة الحضارة الفنية تحديداً، تشكّل مدخلاً للخوض في دور المنامات في انتاج مبدعينا المعاصرين، على الصعيد العربي، والسؤال عما اذا وجدوا <<الزهرة الزرقاء>> التي أغوتهم في المنام؟ أم ما زال الطريق إليها طويلاً؟
هنا تحقيق.
ذخيرة
يعرّف علم النفس المنام على أنه شكل من أشكال النشاط الذهني، مغاير للتفكير اليقظ ويحدث أثناء النوم. وقد بيّنت الأبحاث العيادية والمختبرية أن المنامات محسوسة أكثر منها مدركة. هذا النشاط الذهني الذي له قواعده المغايرة للنشاط الذهني الواعي واليقظ، إذ هو متفلّت من رقابة الأنا العليا، الى حدّ كبير، يشكّل وفق ما يرى الروائي السوري ياسين رفاعية، بالنسبة إلى الكاتب، ذخيرة وإيحاء للكثير من انتاجه. والكاتب قد لا يكتفي بمناماته فيلجأ الى أحلام اليقظة هرباً من الواقع الفاسد والرديء. ويرى رفاعية أن الكتابة بمعظمها هي الأحلام المستحيلة التي يعجز الكاتب عن تحقيقها وبلوغها في الواقع، الذي غالباً ما يعدم الأحلام، وبالتحديد تلك البريئة والطاهرة.
عن تجربته الشخصية مع المنامات يقول: <<عندما بدأت الشيخوخة تنخرني، وبينما أنا أبذل كل ما في وسعي لاستيعابها، بدأت المنامات تفرض نفسها على كتابتي، وهذا ظهر جلياً في روايتي الأخيرة <<وميض البرق>>، التي صدرت العام الفائت، وهي عبارة عن منامات متداخلة أخرج فيها من منام الى آخر، وقد تبدو في الوهلة الأولى فوضوية مفتوحة على عالم واسع لا مدى له لكن الأمور سرعان ما تتماسك في ما يشبه الفوضى المنتظمة. على الصعيد الشخصي أيضاً أحاول أن أختزن أحلامي، أستيقظ منها أحياناً وأسطر بعض الملاحظات والاشارات، وذلك لأني أجد فيها إشارات ونبوءات وإطلالة على المستقبل والغامض والمجهول. أما الكوابيس فهي الأخطر إذ غالباً ما تتحقّق>>.
إذا كانت المنامات تقدم إعانة إبداعية وأخرى حياتية، فهي عند الناقد والكاتب محمد دكروب تقدّم حلولاً لبعض الإشكالات الفكرية. فهو يجد أحياناً صياغات وحلولاً واضحة في منامه، كأن يتناقش مع آخرين ويقدّم حججاً وبراهين لرأيه ضمن منطق واضح، يبقى في ذاكرته أثناء صحوته ويستعيده. ويضيف دكروب: <<في الفترة التي كتبت خلالها القصص القصيرة كنت أجد في المنامات حلولاً لمشاكل الأبطال. أما المنامات التي ليست لها علاقة بالكتابة والفكر، فهي تتمحور حول مضمون واحد يتكرّر ضمن أشكال متعدّدة. كأن أرى نفسي في موسكو، مثلاً، فترة ما بعد الانهيار، وأنا في مأزق كبير، ليست لدي نقود للتنقّل وتائه أو ما شابه. للخروج من الكابوس أبذل جهداً كبيراً وأنا أدرك أنني أحلم>>.
قصائد وازياء ورقصات
يلفت الشاعر شوقي بزيع الى وجود تقاطعات كبيرة بين الشعر والمنام، في العالمين يتمّ التلاعب بالزمان والمكان وتغيير علاقة الدالّ بالمدلول. وفيهما محاولة لإعادة تشكيل العالم وفق ما يتمنّاه الحالم لا وفق ما هو قائم، مختلطاً بالهواجس والكوابيس أحياناً، وتحقيق الرغبات المكبوتة والمقموعة في أحيان كثيرة. <<لذلك وجدنا، يضيف بزيع، مدارس أدبية بأكملها تركّز على دور المنام في الشعر، منها السوريالية وقبلها الرومانسية، فالشاعر والفيلسوف الانكليزي الرومانسي كولريدج Coleridge كتب أحد مناماته كاملاً في قصيدة. وبالنسبة إليّ نادراً ما استطعت الحفاظ على مناماتي، وتحويلها إلى مادة شعرية، هي تضيع في الغالب مني، وهي نثار لمشاهد رؤى تمرّ بسرعة من دون أن أستطيع تحويلها الى مادة لغوية. هناك طبعاً استثناءات منها قصيدة كاملة بنيت على منام، هي قصيدة <<الزيارة>> في ديوان <<شهوات مبكّرة>>. كنت أسكن في مبنى مهجور في شارع الحمرا أثناء الحرب، ووسط هذه الوحشة سمعت في المنام طرقاً على الباب، فنهضت وفتحت، فإذا بي أجد عشرات الأشخاص بدءاً من أمي وأبي وجدودي، ووراءهم وجوه كثيرة تشبه وجهي، هي لأسلاف بعيدين وخلفهم أيضاً أشجار ومياه... خليط عجيب يشكّل مسرح طفولتي. قالوا لي أنهم يريدون استردادي الى دياري التي تركتها، ففسرت لهم أني هنا لأجل الشعر، فردّوا بأن ليس لشعري أية قيمة حقيقية بل هو عابر، وأضافوا أن غيابي قد طال كثيراً. الطريف أن احدى الشجرات قالت لي أنها تحتلّ، مؤقّتاً، المكان الذي سأدفن فيه في قريتي، هذه الفكرة مثلاً تعيدني الى أحد مشاهد اليقظة فعندما غادرت قريتي وبينما أنا في السيارة، تهيّأ لي أن الأشجار ترجع إلى الخلف لتحتلّ مكاني الذي تركته. أثّر هذا المنام بي وألهمني قصيدة كاملة كما أثّر في قصائد أخرى، منها ما كتبته مؤخراً عن الأشجار، ونشر شيء منه في ملحق السفير الثقافي. وكأن هذا الحلم أراد إعادة الإعتبار لعدم تأثّري بالمنامات السابقة>>.
ما من تفسير منطقي لظهور صديقك في الصفّ الابتدائي، مثلاً، في منامك بعد مرور سنوات على تخرّجك من الجامعة وعلى انقطاع صلتك به. هذا المثال يحدث معنا جميعاً لكنه ليس القاعدة، فنحن غالباً ما نحلم بأشياء فكّرنا بها أو خطّطنا لها. وهذا ما تؤكّده مصممة الرقص القديرة جورجيت جبارة التي تصف مناماتها بأنها امتداد لما تكون مشغولة به خلال النهار، ولما تتمنى تحقيقه: <<أحياناً كثيرة أرى نفسي أطير رقصاً، وهذا هو الشيء الذي لم أحقّقه في الصحوة وخلال الرقص الحقيقي، لذلك يراودني في المنام وينطلق بحرية>>.
وجبارة مفتونة بالأحلام، كحال كل مبدع، كما تقول، وهي لا تقدر على الانتظار حتى تغفو كي تحلم، فتندفع الى أحلام اليقظة. لست أدري إن كان هذا لسوء أو لحسن حظي. حالياً لم أعد أرقص ولكنني أحاول مع تلاميذي أن أحقّق حلم الطيران مثلاً. وفي المنام أرى نفسي أرقص. والحقيقة أنني حالمة بامتياز وقد عرفت منذ الصغر بهذا، إذ كنت دائمة الشرود حتى معلّماتي كن يقلن أن جورجيت تعتلي الغيوم>>.
أن يشكّل المنام أحد روافد العمل الابداعي فهذا أمر مألوف ومنطقي ولكن أن يكون أهمّ هذه الروافد فهذا وضع خاص يتفرّد به مصمّم الأزياء اللبناني عبد محفوظ، الذي يعتمد على المنام بشكل أساسي في تصميماته التي جاب بها مدن الأزياء العالمية. يقول محفوظ عن طقوسه الخاصة هذه: <<قبل النوم أستعيد الأقمشة والتصاميم والأفكار التي اطّلعت عليها خلال النهار، وخلال المنام أستعيدها، وتتكوّن لدي فكرة جديدة لتصميم ما. في الصباح يأتي وقت التنفيذ. أقدّم لمساعدي الفكرة الجديدة، ونبدأ بالتنفيذ. أحياناً كثيرة وتعبيراً عن اعجابهم بالفكرة يسألونني: <<من أين تأتيك هذه الأفكار؟>>، فأجيب ببساطة: <<من المنام>>. فأنا أهجس بعملي كأي فنان يعشق عمله وفنه. حتى أنني أهجس بالمرأة التي أصمّم لها، وأراها في المنام>>.
تلوح للمبدع فكرة للمستقبل في المنام، فهل يرى أفكاراً قديمة وأعمالاً ناجزة؟ هل تلاحقه أعماله في مناماته سؤال يجيب عنه محفوظ قائلاً: <<أعمالي التي تعرض وتباع لم أعد أراها في المنام. في بداياتي كنت أراها لأني كنت أخاف أن أفتقر للأفكار الجديدة. أما اليوم فإني أستبعدها كي لا أكرّر نفسي. ولكني أرى عروضاً ناجحة وجمهوراً يصفّق وابتسامات اعجاب على وجوه المتفرّجين... نعم بالطبع!>>
لا يرى بزيع نفسه ينظم الشعر في المنام ولكن كابوساً لا يبرح يلاحقه وهو ذهابه الى أمسية شعرية من دون أن تكون لديه قصيدة، أو يكون حافظاً لشيء من قصائده.
المنام ليس فنّاً !
تختلف الفنانة التشكيلية فاطمة الحاج في نظرتها الى علاقة العمل الفني بالمنام، اذ تعتبر المنام عملاً جاهزاً، وبالتالي فإن صياغته في لوحة كما هو ليست سوى نقل وليس فيها أي ابتكار وفنّ.
<<في عملي، تشرح الحاج، أعتمد بشكل كبير على اللاوعي والحلم، ولكني لا أنطلق من قرار مسبق حين أرسم. اللوحة تبنى من خطرات اللاوعي. أحياناً تخطر لي فكرة وعندما أهمّ لتنفيذها أفقدها. تضيع مني. قد تعود بعد وقت وفي حالة أخرى. القرار المسبق والواعي لبداية إمساك اللاوعي يفشل غالباً في تقديم عمل فني صادق>>.
ماذا عن أعمال دالي والسورياليين التي ادّعت رسم المنام كما هو؟ نسأل الحاج فتجيب: <<بالنسبة إلى دالي فإن، أعماله لم تغرني شخصياً. أنا طبعاً احترمها وأقرأها وأقراً كيف يؤلف ويلوّن وأدرسها منطقياً وعلمياً، ولكني لا أعيش فيها ولا تأخذني إلى عالمها. دالي أبهرنا في شكل عمله لا في روحه. في رأيي أن المنام فيه انسجام وتداخل أكثر من الطريقة التي قدّمه فيها. نحن نجد في لوحاته عناصر مجموعة بشكل غير متوقّع وغير منطقي، ولكن ليس علينا تبسيط الحلم إلى درجة إفراغه. أحدث دالي صدمة بجمع عناصر لا تجتمع، ذلك في زمن كان الفن فيه يستوجب إحداث صدمة، وأنا لا أرى الفن صدمة. اليوم يبحث الفنانون عن تقديم فكرة جديدة وصرعة ما. ولكن بالنسبة إليّ لا أستطيع أن أقرّر ماذا سأفعل وكيف سأبدأ وكيف سأنتهي. وإذا قرّرت أن أرسم منامي فيكون لدي تصوّر ولدي بداية ونهاية وإطار>>.
تهجس الحاج بلوحاتها وأعمالها وتبكي عندما تبيعها، أو عندما يحين موعد نقلها الى صالة العرض ولكنها لم تر يوماً نفسها في المنام ترسم. ينطبق هذا على أمور شخصية أخرى. وتعلّق: <<ليس لدي تفسير لهذه الحالة>>.
لا تولد لوحة الحاج من المنام، بل من حالة يسبّبها الشعر أو الموسيقى أو المسرح... <<كلّما حضرت مسرحاً كانت الورقة والقلم في يدي، وفي العتمة أخطّ الأفكار التي يولّدها العمل المسرحي، كي لا تضيع مني فيما بعد>>.
على العكس، يلعب المنام دوراً كبيراً في لوحة الفنان التشكيلي سمير أبي راشد. وإذ نلحظ تأثّره بالمدرسة السوريالية يعلّق قائلاً: <<بعكس السورياليين الذين تملّكهم الهاجس التدميري حين رسموا أحلامهم، فإنني رسمت الإنسان والعاشق الذي يذهب إلى المطلق في إنسانيته وعشقه. ترتكز رسومي على الواقع وتنطلق إلى الرمز. بعض الأفكار أراها في المنام وأجسّدها في اللوحة. فإذا كانت تجسّد رسالة ما أنقل هذه الرسالة، وإن لم تكن، أعيد صياغتها لتنقل رسالة. غالباً ما تتمحور هذه الرسالة حول المحبة والحضارة والانسانية. علماً أن حضارات كثيرة انقرضت لسبب جوهري برأيي وهو أنها لم تكن تجيد الحلم>>.
المنام والأدب
لا تخلو رواية من منامات أبطالها. لا يغفل الكاتب البارع تفاصيل حياة شخصيّاته بما فيها مناماته، ولكن هل أتت هذه المنامات عفوية أم كانت متصنّعة مأدلجة؟ يرى دكروب أن أكثر المنامات التي وردت في الأدب العربي، رواية وشعراً هي منامات مفبركة، تنطلق من واقع، لكنها تخضع للصياغة التي يجدها الكاتب مناسبة للنصّ. بينما المنام الحقيقي ليس له سياق، والكاتب بمجرد الدخول بلعبة الكتابة يضع أمامه سياقاً. ويضيف: <<حتى منامات دالي تخضع لسياق فهي تخبرنا كيف فهم دالي الحلم وكيف فهمه وفسّره. أحلام نجيب محفوظ التي نشرت مؤخّراً مصاغة، هي لا تخلو من سوريالية. السبب الأساسي لهذه المنامات هو افتقاد محفوظ للقدرة على الكتابة والتأليف. ولكني سمعت أنه لا يملي أحلامه على أصدقائه بل يكتبها بخطّ كبير أي أن حلماً لا يتجاوز ربع صفحة يكتبه محفوظ فوق 12 صفحة. وكما عوّدنا محفوظ منذ ما بعد <<ثلاثيته>> بتقديم المغاير والمخلتف بين رواية وأخرى من حيث الحجم والمناخ... ها هو عبر مناماته هذه يطرق لوناً جديداً، يتناسب قبل كل شيء مع وضعه الشخصي الذي لا يسمح له بوضع تركيب روائي متماسك>>.
كما خدمت الأحلام الحضارات وأدّت الى الاختراعات والاكتشافات العظمى فإنها خدمت الأدب والقارئ وفق ما يرى رفاعية: <<تنبّأت له بأهوال قادمة، وربما مهّدت له ما لا يستطيع تقبّله فجأة، حدث هذا مع الروائية غادة السمان في رواية <<كوابيس بيروت>> حيث سطرت لنا كوابيس تحقّقت فيما بعد في أرض الواقع بنشوب الحرب الأهلية، كيف كان للسمان أن تعرف أن الحرب ستندلع برغم الحالة الثقافية والاقتصادية العفيّة التي كانت تتمتّع بها بيروت آنذاك؟ إنّه حسّ الكاتب المرهف، الذي ليست حياته عابرة ولا مناماته أيضاً. وهنا أذكر الكاتبة العالمية فرجينا وولف التي قادتها كوابيسها التي كانت تتحقّق دائماً إلى الإنتحار، فقرّرت أن تضع حدّاً لحياتها قبل أن يتحقّق المزيد منها>>.
قناة
تعبر الهواجس من اليقظة الى المنام، لكأن بين الاثنين قناة ما يؤكّد على وجودها دكروب ومحفوظ وجبارة وأبي راشد ورفاعية. ويقول دكروب أنه حالياً، في طور اعداد الجزء الثاني من كتابه <<جذور السنديانة الحمراء>>، يرى نفسه في المنام ينسّق فصول الكتاب ويفنّد أحداثه.
أما العلاقة بين المنام واللوحة عند الحاج فهي في كون مناماتها تشبه أشخاص وكائنات لوحاتها، أي أنها غير واضحة المعالم، وتضيف: <<أنا أرسم كما أحلم، وأحلم كما أرسم>>.
ويختم دكروب لافتاً إلى ضرورة أن نتعامل، بجديّة مع مناماتنا لأنها خارج إرادتنا ولكنها ليست خارج تكويننا، وهي تضيف أشياء تخييلية سوريالية وتزيد الحياة ثراء، علماً أنها لا تزيد للوعي شيئاً ولا توجّه خيارات الانسان بدرجة كبيرة، وفق ما يرى دكروب.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,094,845,468
- الإهداءات فن لا يملكه كل الكتاب.. لطف أم فعل حب أم كمبيالة م ...
- آخر أيام- الكاسيت- ... صار نوستالجيا والاسطوانة القديمة تعود ...
- ثمة شيء أصفر... فوق أنفك...!
- البحث عن أقدام قوس القزح
- أقلّ من الحبّ بكثير
- آدم ليس عائداً معي


المزيد.....




- بالفيديو...أول فنانة مصرية تقود سيارة في السعودية
- أميمة الخميس، الفائزة بجائزة نجيب محفوظ 2018
- موسكو تستعد لأول مسابقة في اللغة العربية
- مجلس النواب يصادق على مشروعي قانونين يتعلقان بالضمان الاجتما ...
- إزاحة الستار عن تمثال الكاتب الروسي البارز ألكسندر سولجينيت ...
- المصادقة على مشروع قانون يهم موظفي وزارة الشؤون الخارجية
- بالفيديو... قائمة أهم الأفلام التي عرضت خلال 2018
- بوريطة يتباحث بمراكش مع وزير الشؤون الخارجية الكولومبي
- كتاب جديد يستعرض تجربة الحكم الرشيد في قطر
- باسل الخياط يحتفل بعيد ميلاد زوجته في دبي (صورة)


المزيد.....

- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين
- رجل من الشمال / مراد سليمان علو
- تمارين العزلة / محمد عبيدو
- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بسمة الخطيب - ينقلون قصيدة من حلم أو يحلمون بلوحات وأزياء.. والفن نفسه حلم مستحيل. هل يسرق الفنانون من مناماتهم؟ هل يؤلفونها أم يرونها حقاً؟