أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - حميد مجيد موسى - الحزب حقيقة سياسية شاخصة في المجتمع العراقي















المزيد.....



الحزب حقيقة سياسية شاخصة في المجتمع العراقي


حميد مجيد موسى
الحوار المتمدن-العدد: 1707 - 2006 / 10 / 18 - 11:55
المحور: مقابلات و حوارات
    


تجمعت لدى هيئة تحرير" طريق الشعب " مجموعة من التساؤلات والملاحظات قدمها المتحاورون على صفحاتها حول وثيقتي البرنامج والنظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي ، اللتين ستقدمان الى المؤتمر الوطني الثامن للحزب ، فحملتها وتوجهت الى الرفيق حميد مجيد موسى ، سكرتير اللجنة المركزية للحزب ، فكان حوارا شاملا تناول جوانب عدة حصيلته في الاتي :

في السابق كنا نعتمد (الماركسية – اللينينية) ، ومنذ المؤتمر الخامس تم اعتماد الماركسية كمنهج لتحليل الواقع العراقي . وفي الوثائق المطروحة للنقاش الآن نتحدث عن (الفكر الماركسي) ، (المعارف الماركسية) . وقد أثار هذا التحول في استخدام المفاهيم جملة من الملاحظات المتسائلة تم التعبير عنها في المساهمات التي وردت. وبيّن مجرى المناقشة الجارية ظهور تباينات في الموقف من هذه القضايا. فهناك من يريد العودة الى الصياغات السابقة ،ومن يريد تثبيت( الاشتراكية العلمية) ، (والمنهج الماركسي). في حين هناك من يدعو الى تطوير اكثر للمفاهيم التي تبلورت في الوثائق المطروحة. هل لكم رفيقنا العزيز أبو داود أن تسلطوا الضوء على هذه الإشكاليات ؟.

وثائقنا تتضمن الكثير من الجديد
- أولا، لا بد من كلمة تثمين لدور جريدة " طريق الشعب " في تنظيم النقاش الجاد والمسؤول حول مسودات وثائق الحزب التي ستقدم الى المؤتمر الوطني الثامن.

إن الوثائق بما انطوت عليه من موضوعات تتضمن حقا الكثير من الجديد الذي لم يألفه كثيرون من المهتمين بالشأن الفكري والسياسي والمتابعين لتاريخ الحركة الشيوعية وقضاياها.

ولا بد تعلمون انكم قبيل المؤتمر الوطني الخامس لحزبنا (1993) وارتباطا بالزلزال الذي أحدثه انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية، وفي إطار البحث عن خلفيات وأسباب وعوامل ما جرى، انفتح الباب واسعا ،بعيدا عن الجمود العقائدي والركود وتحريم البحث، وعن البيروقراطية، لفحص كل جوانب التجربة، وللتمحيص في المقولات والمفاهيم التي سادت في صفوف الحركة في السنوات التي سبقت الانهيار. لم نضع محرمات على هذا البحث طالما يعتمد المنهج العلمي، الماركسي. واستنادا الى التجربة تعرض الكثير من مفاهيمنا ومقولاتنا – كماركسيين –خلال السنوات الأولى بعد انتصار ثورة أكتوبر وحتى الانهيار مطلع تسعينات القرن الماضي للتغيير والتحريف، بل أن قسما منها تجاوزته الحياة، ولم يعد معبرا عن حركة الواقع الجديد، ولا يعكس العمليات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي جرت على المستوى العالمي.

كان علينا، إذن، أن نعيد النظر في الكثير من المسائل بهدف التوصل الى الصياغات الأدق وإنتاج المقولات الأكثر تعبيرا عن حركة الواقع وعن الحقيقة في حركتها. وكان من ضمن الأمور التي تناولناها قضية الماركسية أو الماركسية - اللينينية، وغيرهما من المسميات أو المفاهيم التي راجت في بلدان التجارب الاشتراكية، واستخلصنا أن الاكتفاء بالماركسية كتعريف بهويتنا الفكرية هو الأفضل والأدق علميا وواقعيا.

فالماركسية – بحسب فهمنا لها – لا تعني شخص ماركس فقط، وهو العبقري والمؤسس، ولا تتجاهل أنجلس ذا الدور الكبير في بناء الفكر النظري للماركسية وللاشتراكية العلمية، ولا تتجاوز العبقري والقائد الفذ لينين وما قام به من تطوير لمبادئ الماركسية وتطبيقها بإبداع على ظروف روسيا. وأكثر من ذلك، في اعتماد مقولة الماركسية أردنا أن لا نبخس حق كل من تبنوا الماركسية ومنهجها المادي الجدلي في تطوير جوانب من الماركسية، ولدينا قادة لامعون ومفكرون كبار في مختلف جوانب الماركسية.

من ناحية أخرى أردنا تأكيد ضرورة عدم فهم الماركسية باعتبارها مقولات ومفاهيم قيلت وانتهت مع نهاية أشخاص بعينهم، باعتبار أن المقولات بحسب الماركسية هي نتاجات تاريخية. فالماركسية – وهذا هو تفردها – وضعت لتبقى حية، انطلاقا من كونها تعبر وتعكس الحياة في حركتها والواقع في تطوره. وقد أردنا للماركسية أن تكون معبرة عن كل هذا الإنجاز الفكري الذي قامت وتقوم به الحركات والشخصيات والأحزاب والحركات والمنظمات التي تؤمن بالفكر الماركسي. عليه فليس من الصحيح وضع تناقضات جذرية بين هذه المسميات، فهي ليست إلا تدقيقات علمية اقتضتها الضرورة وحركة الواقع الحي.

أما الرغبة في استعمال مصطلحات من قبيل (الاشتراكية العلمية) وغيرها، فهي رغبة صادقة، ولكنها بالمقابل غير كاملة البنيان، وهذا ليس انتقاصا منها. فالاشتراكية العلمية هي أحد الأجزاء المكونة للماركسية، ونحن نريد أن نسترشد بكامل البنيان وليس بجزء منه فقط، وخاصة بما ثبتت صحته ولم يتجاوزه الزمن.

الافكار تخضع لامتحان الزمن
لهذا فحينما نستخدم مفهوم (الأفكار الماركسية) فلأننا نريد تأكيد القول أن التجارب الملموسة التي فشلت لا تعني إطلاقا فشل الفكرة المثال – القيم الاشتراكية. فالأفكار تخضع دائما لامتحانات الزمن، وتتعرض للخطأ والصواب. وحينما نستلهم من التجربة ما هو سليم وصحيح فان ذلك يتحول الى فكرة نظرية مرشدة للعمل، فنحن ضد الاستنساخ، وضد التقليد الأعمى، وتكرار التجارب دون الأخذ بخصائص البلد التاريخية الملموسة، أو تتجاهل الظروف الزمانية والمكانية التي يتم الاسترشاد بها في الفكر الماركسي عندما يجري الإقدام على تجربة جديدة.

وملخص ما أريد تأكيده هنا هو أننا نحترم كل الذين ساهموا في النضال من اجل الاشتراكية، وفي تجارب الاشتراكية المتنوعة على مدى الزمن الحديث وما قبل الاشتراكية العلمية، ومعرفة بنائها الفكري والتجارب الملموسة التي طبقتها، فهذا يمثل في الواقع ثروة لكل حزب حينما يريد أن يبني تجربة جديدة. لهذا نحن لا نتعالى بمعنى ما على الآخرين وتجاربهم، وتأكيدنا على الاستفادة من سائر التراث الاشتراكي إنما يقع في هذا الإطار. فمن يتعالى على تجارب ونتاج الآخرين الفكري ولا يتعرف عليه، إنما يبتعد عن الماركسية ومنهجها العلمي وعن الفكر الماركسي عموما. فالماركسية ظهرت كتطوير وتحديث لكل الطروحات والأفكار التي سبقتها حول الاشتراكية، وقد أغنتها وأعادت بناءها على أساس علمي رصين وباعتماد المنهج المادي/الجدلي/التاريخي وأدواته. هذا إضافة الى أننا كماركسيين – و الماركسية هنا تقتضي التفتح وعدم الانغلاق - من حقنا ومن واجبنا أن نتفاعل ونتفحص كل التجارب الحديثة والمعاصرة، والانفتاح الفكري على المدارس والتوجهات التي تروم خلاص البشرية من الاستغلال والظلم، وتريد بناء مجتمع التقدم والعدالة الاجتماعية والمساواة والحرية، دون أن يعني ذلك تقليدا أو استنساخا أو خضوعا لها.

هناك رأي يقول: لماذا نستلهم سائر التراث الاشتراكي، وفيه ما هو نافع وما هو ضار ، فهل هناك من وسيلة للتمييز ؟

في التجارب ،ايجابيات وسلبيات
- أؤكد أن التعامل الجاد، وعدم التجاهل، وتجنب التعالي هو الأمر المهم هنا. ولاشك أن في كل تجربة، سواء في التراث أو التجارب التالية، هناك سلبيات وإيجابيات، ونحن حينما نشخص وجود سلبيات في تجربة ما فإننا بذلك نعزز البناء الفكري للماركسية لأن هذا سيتيح تجنب تكرارها مرة أخرى. بل أن هذا المدخل يمكننا من أن نستخلص الدروس والخبر الضرورية، ومن شأن ذلك إن يساهم في إغناء تصورنا عن الاشتراكية وبنائها.

وبتدقيق أكثر أقول إن الحديث عن الاستفادة لا يعني أن كل ما في التراث إيجابي أو أن كل ما تنطوي عليه تلك التجارب إيجابي فقط. قطعا لا، نحن نتحدث عن ظواهر وعمليات اجتماعية معقدة ذات جوانب وتجليات متنوعة، فيها الإيجابي وفيها السلبي. وما نمتلكه من الادوات المنهجية الماركسية يتيح لنا فحص التجارب، ومتابعة امتحان الحياة لتلك التجارب، وهذا ما يغني فكرنا وتجربتنا أيضا. أما إذا كان البعض يتصور أن فكرنا الماركسي منغلق، ويحاجج انه غير قابل للتطور، فانه كمن يدعو الى الانطلاق من حكم مسبق بتخطئة كل شيء واعتبار كل شيء سلبياً وفاشلاً، وهذا يتنافى مع المنهج الماركسي وطابعه النقدي الذي يرفض الأحكام المسبقة.

ضرورة التمييز
إن كل المتوفر لحد الآن هو تجربة اعتمدت الفكر الماركسي منطلقاً ولكنها في الحقيقة لم تلتزم بروح الماركسية، ويمكن أن تكون قد تمسكت ببعض نصوصها وأثمرت إشكاليات وتعقيدات. الآن هناك بعض البلدان تواصل نهج بناء الاشتراكية، وتعلن صراحة أنها تريد الاستفادة من دروس ما جرى في بلدان أوربا الشرقية والاتحاد السوفيتي، وتقدم على هذا الطريق أفكارا وأساليب عمل متجددة تدفع بمسيرة البناء الى ما هو ابعد وأدق. وهذا طبعا لا ينفي انه الى جانب بناء الاشتراكية على الأساس النظري العلمي الماركسي هناك من ادعوا بناء الاشتراكية وهم في واقع الأمر لم يبنوها. وهذا يقتضي التمييز بين من يتبنى الاشتراكية كفكر وكنظام اقتصادي/اجتماعي وكمثل وقيم على أساس منهجية علمية، وبيّن من يتبناها باعتبارها " شعار الموسم "، كما جرى بالنسبة لبعض البلدان النامية وهي بعيدة كل البعد عن معنى الاشتراكية، بل أن الكثير مما أقدمت عليه لم يكن في حقيقته سوى تشويه للفكرة والمعاني الاشتراكية. وهناك أيضا من يدعون الاشتراكية في أوربا وخارجها، ولكنهم لا يملكون من الاشتراكية إلا اسمها، وما يقومون به ليس إلاّ أفعالا معادية حتى لجوهر الاشتراكية. وفي كل الأحوال والظروف هناك حاجة للتمييز، فالاشتراكية التي تعتمد الماركسية منهجا وأساسا نظريا، تختلف عن " الاشتراكيات " الأخرى التي تقع خارج إطار الفكر الماركسي، في التوجه والهدف.

لماذا تم تثبيت الاشتراكية كهدف بعيد دون الدخول في تفاصيل اكثر، ولماذا يركز الحزب على المهام الآنية؟

الإشتراكية افقا
- برنامج الحزب الجديد يركز حقا على ما هو آني ومرحلي، لذلك دخل في تحديد معالم البديل الديمقراطي الذي ننشده للعراق. وما جاء به البرنامج حول الاشتراكية لم يتعد حدود تأكيد أن تطور العراق، كما هو تطور البشرية، لن يقف عند حدود إنجاز المهمات الوطنية - الديمقراطية، وإنما هناك أفق أوسع وارحب للشعب العراقي والبشرية، هو أفق الاشتراكية التي تعني الخلاص من كل سيئات المنظومة الرأسمالية العالمية، هذا أولا.

وثانيا، من السابق لأوانه في هذه المرحلة الدخول في تفاصيل بناء الاشتراكية في العراق، فهذا غير مقبول لا نظريا ولا عمليا. نحن الآن في هذه المرحلة ننتقد الرأسمالية ونؤشر ملامح بديلها الاجتماعي المستقبلي. ولهذا سعى البرنامج الى تحديد ما هو ضروري وملح واني ومرحلي، وما يتعين أن يتوفر ويتركز الجهد السياسي والفكري للحزب من اجل إنجازه، تمهيداً للمرحلة اللاحقة. والمرحلة اللاحقة – وهي الاشتراكية – لا تأتي من فراغ، بل تتطلب توفر مستلزمات/مقدمات مادية/إنتاجية/روحية/ثقافية (الوعي) وتنظيم أرقى للعمل كي يمكن لها أن تبدأ.

إن تأكيدنا على هذه القضايا، والتمييز بين المراحل يعني، من جهة أخرى واستنادا الى تجارب التاريخ ودروسه الثرّة، أن القفز على المراحل أو حرقها ليست سوى نزعات معادية للفكر العلمي، ومتطرفة سياسيا وفكريا، أساءت وتسيء للهدف الحقيقي المتمثل في بناء الاشتراكية، بل وتشوه وعي العمال والكادحين إزاء بناء الاشتراكية.

كنا نحن، كحزب، أول من طرح الفيدرالية كحل ديمقراطي للمسألة القومية للشعب الكردي ضمن نطاق العراق الديمقراطي، ولكن يبدو أن هناك تشوشا حول موقف الحزب منها . وبعض المساهمات طرحت السؤال التالي: إذا كان هناك من مبرر للفيدرالية باعتبارها تمثل حلا للقضية القومية الكردية، فهل يوجد مبرر أن توسع لتشمل مناطق أخرى من العراق ؟.

على الاقاليم أن تبتعد عن التشكل على اساس طائفي
- حقا نحن تبنينا الفيدرالية في وقت مبكر قبل سقوط النظام الدكتاتوري، كحل للقضية القومية الملتهبة منذ زمن. واعتبرنا في حينه أن شعار الحكم الذاتي لكردستان لم يعد كافيا لمعالجة هذه القضية، ارتباطا بتجربة " قانون الحكم الذاتي " الذي افرغ من محتواه أبان حكم الدكتاتورية، وبالارتباط أيضا مع التطورات الفعلية التي جرت على ارض الواقع في كردستان العراق.

وكما تعلمون فان الحكم الذاتي والفيدرالية يمثلان كلاهما مستويات ملموسة لتجسيد اللامركزية، تمليها الظروف والأوضاع ومسار تطور القضية نفسها. وبهذا المعنى جاءت الفيدرالية حلا فعالا للقضية القومية، وبالتالي تعزيزا لوحدة العراق. لأن الوحدة السابقة التي كانت تبنى على أساس غمط الحقوق بالحديد والنار وبالقسر والإرغام، لا يمكن القول عنها أنها كانت وحدة حقيقية ، بل كانت تعاني من اختلال كبير تترجمه الثورات والتمردات التي كلفت العراق كثيرا، وتتحمل مسؤولية ذلك كله العقلية الشوفينية للأنظمة الحاكمة المتتالية.

ذلك هو فهمنا لهذه القضية والذي كان ولا يزال صحيحا كما نعتقد. لكن مع سقوط النظام الدكتاتوري المقبور، وارتباطا باعتماد الديمقراطية كمنهج وأسلوب عمل ومنظومة أفكار واليات ومؤسسات، فقد اصبح لهذه الديمقراطية بُعد أدارى أيضا. واصبح من حق السكان الذين يعيشون في إطار وحدة إدارية معينة، وحينما يشعرون بان الخريطة الجغرافية/السياسية التي يعيشون في إطارها أصبحت عبئا يعرقل النمو الاقتصادي/الاجتماعي/السياسي/الثقافي لتلك الوحدة، فان من حقهم البحث عن طريق لإعادة النظر بالخريطة الإدارية، شريطة أن يجري التمسك بوجود المبررات لهذه الخطوة أولا. وبملموسية اكثر، أن التغيرات المطلوبة يجب أن لا تكون مفتعلة أو ناجمة عن رغبة فوقية لبعض القوى والأشخاص، أو مجرد شعارات للاستهلاك شعبوية الطابع، وأيضا أن تكون بحق وحقيقة مقبولة ومرغوبة من أهل المنطقة/الوحدة الإدارية ذاتها. لذلك ومن هذا المنطلق وافقنا على ما جاء في (قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية) من ترجمة للديمقراطية على الصعيد الإداري بإمكانية تطبيق الفيدرالية إداريا وتشكيل أقاليم ضمن الضوابط التي تمت الإشارة إليها. وحتى لا تُبّسط هذه القضية نشير الى أن الأمر هو موضع صراع فكري وسياسي بين القوى المعنية. فهناك مناهج ومدارس تعبر عن مصالح طبقية سياسية متباينة، لكل منها فهمهما الخاص حول الفيدرالية. فبعض لديه فهم معين للفيدرالية وكيفية تشكيلها وبعض آخر عنده فهم مختلف. وقسم ثالث يرفض أي تغيير للشكل الإداري السائد في العراق، ويتحدث عن إصلاحات في داخل هذا الشكل.

على أية حال، نحن نعتقد أن الأقاليم التي يمكن أن تكون أصيلة وقابلة للحياة لا بد أن تتسم بسمات معينة من بينها:

أولا، الاعتماد في إقامتها على المبررات الموضوعية فقط ؛
وثانيا، اعتماد الأسلوب الديمقراطي في صياغة عملية إعادة البناء بعيدا عن العنف والقسر والإرهاب الفكري
وثالثا، اعتماد الشرعية والقانون ؛
ورابعا، أن تكون موضع موافقة وقناعة من قبل سكان المحافظات التي يقصد جمعها في إقليم.

ولكي تكون الأقاليم منسجمة مع مصالح الجماهير والتطور الديمقراطي في العراق، ولكي تكون بحق وحقيقة تعزيزا للوحدة العراقية، فانه يتعين عليها أن تبتعد عن التشكّل على أساس طائفي، ففي ذلك إضرار بوحدة العراق.

هنا إذن لا بد من التمييز بين فكرة الفيدرالية الصحيحة التي تعني بحد ذاتها تجسيدا لفكرة الديمقراطية على الصعيد الإداري، وبين تلك الأشكال والصياغات التي تؤذي جوهر فكرة الفيدرالية.

نحن كحزب نتطلع الى إقامة دولة ديمقراطية في العراق. دولة تحترم عقائد الناس ومشاعرهم وطقوسهم. هناك في المساهمات التي وردت الى الجريدة من يريد الحزب ان يثبت صراحة قضية فصل الدين عن الدولة، وفي ذلك احترام للدين نفسه من أية منزلقات ناجمة عن ممارسات تضر بالدين، فكيف تنظرون الى هذه القضية؟

- من يقرأ مشروع برنامج الحزب يصل من حيث حيث الجوهر الواقع الى استنتاج واضح وصريح بأننا نريد منظومة تفصل الدين عن الدولة، أي أن تكون مهمة المؤسسات الدينية والمراجع الدينية بكل أشكالها ومسمياتها المتنوعة بمثابة مراكز للإرشاد والتوجيه الروحي الديني وزرع القيم الرفيعة التي تقي المجتمعات من الانزلاق الى الأخطاء والجريمة. ولكن التدخل في تفاصيل الدولة والسياسة سيكون مضرا للطرفين ولتخصص الكيانين. وهذا ما نعمل على التعبير عنه، اخذين بالاعتبار حساسية الموضوع، وضرورة تجنب الفهم الخاطئ، وما يقوم به بعض المتربصين من تشويش، حيث يريدون أن يصوروا الموقف وكأنه معاداة للمؤسسات الدينية وجفاء إزاء التعاليم الدينية. في حين نحن، في الحزب الشيوعي العراقي، نحترم بكل صدق حرية الإنسان وحقه في ممارسة دينه والطقوس الدينية، ونحترم رجال الدين والأديان عموما. هذه حقيقة لا تقبل التشكيك والجدل. وما طرحناه يتضمن هذا الفهم، ولكن قد لا نستطيع الدخول في تفاصيل كثيرة لان مكان مناقشتها والبحث فيها، هو مكان آخر. فهناك الكثير من القضايا الفلسفية والفكرية والسياسية والتنظيمية وغيرها لا يمكن إدراجها كلها في البرنامج، لأنه وثيقة مكثفة تعتني بالملامح الأساسية لما يمر به مجتمعنا وكيفية معالجة هذه القضايا.

في العديد من مساهمات ومداخلات الرفاق وردت إشارات وملاحظات حول التكثيف الوارد في البرنامج وعدم التفصيل في بعض القضايا..... هل هناك وثيقة أخرى تسد هذا التطلع للتفاصيل؟

هناك وثائق اخرى
- الملاحظة صحيحة في إطارها العام ولكنها غير مكتملة. نحن في هذا المقطع الزمني طرحنا وثيقتين فقط للنقاش العام :

- البرنامج وما يتضمن من معالجات وحلول لأزمة المجتمع الحالية وطرق الخروج منها، والتمهيد للانتقال الى مراحل جديدة في سلم التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ؛

- النظام الداخلي الذي ينظم حياة الحزب الداخلية، والذي نريده أن يكون ديمقراطيا ونعبر فيه عن أصالة تبنينا للديمقراطية. فليس ديمقراطيا من يتظاهر بالديمقراطية أمام الآخرين وأمام الدولة ولا يطبق الديمقراطية داخل كيانه الحزبي.

هذا ما قدمناه في هذه المرحلة. أما في ما يتعلق بتقييم التطورات السياسية/الاقتصادية/الاجتماعية للفترة ما بين المؤتمرين، السابع الذي سبق الانهيار وسقوط النظام والثامن المقبل، فان ذلك سيكون موضع دراسة وبحث في التقرير السياسي الذي سيقدم الى المؤتمر الثامن. وسيبحر التقرير في هذا التاريخ العاصف للسنوات الخمس الماضية وما شهدته من تطورات وتعقيدات على مختلف الصعد، ومواقف الحزب منها. وسيركز التقرير بالطبع على استخلاص الدروس والعبر من تلك الفترة المعقدة والمليئة بالأحداث والتطورات المتشابكة.

واكرر أن الملاحظة بشأن الكثافة في البرنامج صحيحة بقدر معين. وتبقى الحاجة قائمة لمثل هذا البحث وهذا التقييم لاستخلاص العبر وفحص المواقف وتدقيقها وإغنائها، وسنوفي بهذا الطلب. ولكن للآسف تنطوي هذه الملاحظة أيضا على نوع من الاستعجال وعدم التروي أو عدم المعرفة. ومن يطرحها معذور لأنه على ما يبدو ليس على اطلاع تفصيلي حول آلية عمل المؤتمرات الحزبية وأسلوب إعداد الوثائق. فنحن في البرنامج لا نستطيع أن نسرد كل الحيثيات والتفاصيل عن الحالة الموضوعية التي يعيشها البلد وعن المشاكل الاقتصادية/الاجتماعية/السياسية/الأمنية وتعقيداتها، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية سيكون هناك تقرير تنظيمي (الى جانب التقرير السياسي) يتناول نشاط الحزب عموما بهيئاته القيادية ومنظماته الحزبية على كل الصُعد التنظيمية والجماهيرية والسياسية والفكرية والديمقراطية والعلاقاتية والإعلامية والمالية. وسيكون هذا التقرير وما سبقه، بمثابة نظرة انتقادية فاحصة تؤشر الإيجابيات وما أنجز في هذه المجالات فضلا عن تأشير السلبيات، لتكون تقارير متوازنة تعبر عن الحقيقة بأوجهها المتكاملة، ولا تركز على جانب دون آخر. فنحن بعيدون عن النزعة المازوخية التي تكتفي بالجلد الذاتي فقط ورؤية السلبيات دون غيرها.

وملخص القول، أن التكثيف الملاحظ في البرنامج ناجم عن كون البرنامج، كما جرت العادة، يحدد أطرا عامة لنشاط الحزب على مختلف الصعد وليس مهمته الدخول في التفاصيل. ومن جهة ثانية سيتم طرح وثائق أخرى نتناول فيها كل الحيثيات والتفاصيل عن الحالة الموضوعية التي يعيشها البلد وما يعترضه من مشاكل متنوعة .

وردت في مقدمة مسودة البرنامج الفقرة الآتية:

" ويرى الحزب الشيوعي العراقي نفسه جزءا من الحركة العالمية المناهضة للعولمة الرأسمالية، باعتبار هذه العولمة تجسيدا لفرض الليبرالية الجديدة على الصعيد الدولي، عن طريق اعتماد العنف السياسي والتدخل العسكري لإخضاع العالم وشعوبه للإملاءات الاقتصادية والسياسية للاحتكارات والمراكز المالية العالمية الكبرى والدول الرأسمالية المتطورة، وما يعنيه ذلك من عسكرة العلاقات الاقتصادية الدولية، وتوظيف القوة العسكرية لتحقيق نتائج اقتصادية.
ويؤكد الحزب من جانب آخر ضرورة الإفادة مما تطرحه العولمة، كظاهرة موضوعية، من إمكانات كبرى أمام تقدم المجتمع البشري في سائر الميادين".

هذه الفقرة أثارت الكثير من التساؤلات واعتبرتها بعض المساهمات متناقضة. هل بالإمكان إلقاء مزيد من الضوء على الفقرة المذكورة وتوضيح مغازيها الأساسية؟.

العولمة ظاهرة مركبة
- الحديث عن العولمة، كظاهرة مركبة، يحتاج الى مساحة أوسع قد لا تكون متوفرة في مقابلة صحفية ولذلك ستكون ملاحظاتي مكثفة للغاية وأرجو أن يكون ذلك مفهوما.

أعود الى السؤال ذاته وأقول بتكثيف بالغ أن العولمة كمصطلح اقتصادي/سياسي/فكري حديث، أريد له أن يعبر عن الجديد الذي وصلته البشرية من منجزات الثورة العلمية/التقنية والثورة في عالم الاتصالات، ومن تحول العالم كما يقال الى " قرية واحدة "، ومن هيمنة المؤسسات متعدية القارات ومتعددة الجنسيات، ومن تشابك بين الاقتصادات، ومن تداخل في المصالح ....... الخ. الظاهرة، في هذا الإطار، إذن، لها أساس موضوعي، فلا يمكن الحديث عن فصل العولمة، بسماتها الجديدة، عن ظاهرة التدويل المتعاظم للحياة الاقتصادية (تدويل الاقتصاد، تدويل الإنتاج، تدويل رأس المال ....الخ) التي تحدث عنها الفكر الماركسي وشخصها كظاهرة موضوعية ترافق التطور العالمي. وعلى الرغم من الدور الذي تلعبه الاحتكارات الأمريكية في هذه العملية فانه من الخطأ اعتبار العولمة مجرد سياسة أمريكية. فالعولمة أوسع من الأمركة، ذلك لأنها – أي العولمة - ظاهرة تشمل الرأسمالية كمنظومة عالمية البعد. وحينما نشخص هذه الظاهرة باعتبارها ظاهرة موضوعية، لا يفوتنا أن نشدد أيضا على التوظيف الاجتماعي السياسي الطبقي لها. وبما أن علاقات الإنتاج الرأسمالية هي السائدة، فان العولمة في هذا المقطع من التطور التاريخي العالمي توظف لمصلحة الرأسمالية ولمصلحة تلك الاقتصادات المتقدمة في الرأسمالية، وبشكل اكثر خصوصية لتلك الراسمالية المتزعمة لعالم الراسمال وهي الراسمالية الامريكية.

مقابل هذا التوظيف، نحن كشيوعيين، على الصعيد الوطني والعالمي، وكقوى يسار ،وقوى تقدم ومجاميع كثيرة إنسانية متضررة من التوظيف الوحشي للعولمة، نعبر عن تذمرنا ورفضنا لهذا التوظيف المنحاز للرأسمالية. لذلك نرى أن دائرة الرافضين للعولمة الرأسمالية، وأنا أؤكد هنا على التوظيف المتوحش والمفرط في استغلاله، لم تعد مقتصرة على قوى اليسار والاشتراكية والاشتراكية الديمقراطية والشيوعية ، بل تعدته لتشمل قوى دينية متعددة الاتجاهات، وقوى طبقية مختلفة تشمل حتى رأسماليين متوسطين بل وحتى دولاً رأسمالية ضعيفة النمو، لأنها باتت تعاني من هذا الهجوم الكوسموبوليتي المخترق للحدود، والعابر للقارات، من طرف الدول الأكثر قدرة والأكثر إمكانية بزعامة الدولة الرأسمالية الأكثر قوة وسطوة.

نرفض التوظيف الرأسمالي المتوحش للعولمة
استنادا الى الملاحظات المكثفة السابقة فان بديل ذلك كله بالنسبة إلينا ليس رفض العولمة كظاهرة موضوعية، بل رفض التوظيف الرأسمالي للعولمة والاستغلال الرأسمالي لها. ولذلك فان مطلبنا هو عولمة إنسانية، عولمة تخدم مصالح تطور البشرية، وتساعد في التخلص من كل مظاهر الفقر والجوع والتخلف والاستغلال وعدم التكافؤ الذي تعاني منه العلاقات الدولية. فالبشرية حققت تطورات عاصفة في مستوى القدرات الإنتاجية وعلى مستوى الاستفادة القصوى من الثروات الطبيعية، والتحكم بالكثير من المسارات العفوية للطبيعة، فهي بحق قادرة على توفير مستوى حياة اكثر إنسانية. ولكن المشكلة تكمن في كون توظيف هذه التطورات ليس في مصلحة البشرية بل في مصلحة القوى المسيطرة على الصعيد العالمي، وهي القوى الرأسمالية المتعولمة.

على المستوى العالمي، من الصحيح تماما أن نتحدث عن إمكانية الاستفادة من الظاهرة الموضوعية للعولمة لمصلحة الاشتراكية ولمصلحة بنائها. من هذا المنطلق نضع يدنا بأيادي تلك القوى الواسعة وذات الانتماءات الفكرية والسياسية المتنوعة العاملة في إطار حركات العولمة البديلة، وهي الحركات الجبارة التي تنشط في مختلف أصقاع العالم وتبدي احتجاجاتها على الاستغلال الرأسمالي الوحشي وعدم الاكتراث بما تعانيه الشعوب النامية من تخلف وما تعانيه الفئات الكادحة والجماهير الشعبية، حتى في الرأسماليات المتطورة، من استغلال وحرمان وبؤس وفقر.

هناك مجموعة أسئلة مترابطة تتعلق بالحزب وبهويته الفكرية. فقد وردت في بعض المساهمات آراء تتساءل: هل نحن حزب شيوعي أم اشتراكي ديمقراطي أم ماذا؟ وهناك من يقول أن الحزب في مشروعي البرنامج والنظام الداخلي اقرب الى حزب يساري ، اشتراكي ديمقراطي منه الى حزب شيوعي . فهل لكم من تعليق على هذا الطرح ؟

الفكر الماركسي هويتنا وننحاز الى صف الكادحين
- هوية الحزب الفكرية، التي أشرنا إليها في معرض الإجابة على سؤال سابق، هي الفكر الماركسي. فحزبنا ماركسي الهوى والمنطلق والمنهج والتوجه، وهو يعتز بهذا الانتماء. ثم أن الحزب الشيوعي العراقي بالذات، بصرف النظر عن اسمه وكيف وماذا سيكون، يعتز بنضاله، وبكامل تاريخه، وبما قدمه للشعب من تضحيات ومن مآثر. وحتى وان ظهرت أخطاء أو ثغرات في ممارسات الشيوعيين، فهذا لا يدفعنا إطلاقا للخجل من تراثنا وتاريخنا وما أنجزناه وهو كثير، برغم تلك الأخطاء أو الإخفاقات التي لها جذورها وأسبابها ولا تتعلق بالحزب ذاته فقط بل بممارسات القوى والسلطات الحاكمة. ومن المفيد التأكيد بأننا اقدر من غيرنا، وفقا لمنهجيتنا، على أن نتناول أخطاءنا بالنقد الجريء والجاد، وبالإدانة للمسارات المسيئة، لنعيد رسم توجهاتنا، ونحن المجربين، على أسس صحيحة وسليمة. ونحن أيضا، في هويتنا الفكرية، نعلن عن التزامنا الثابت في التعبير والدفاع عن مصالح الطبقة العاملة والكادحين وعموم الشعب. فهل في هذه الصياغة ما يعني تراجعا أو تخليا عن هويتنا الطبقية. بل وإذ نتحدث عن المرحلة وظروفها والقوى المعنية بإنجاز المهمات الوطنية الديمقراطية، لا نتردد إطلاقا في العمل والتعبير عن مصالح الفئات والشرائح الأخرى طالما لا تتعارض مع مصالح الطبقة العاملة ومصالح الكادحين.

مسألة الاسم يقررها المؤتمر
لذلك حينما استدعت الظروف في لحظة من لحظات التاريخ العراقي أن نقدم طلبا باسم " اتحاد الشعب " لم يكن ذلك يعني تخليا عن هويتنا الفكرية والطبقية إطلاقا. وهناك العديد من الأحزاب في العالم التي تنتمي الى مدرسة الفكر الماركسي وتجربة الاشتراكية العلمية، لها أسماء أخرى غير اسم الحزب الشيوعي ، ولكنها في جوهرها بقيت متمسكة بقيمها وبفكرها ومنهجها وتراثها الثوري، الماركسي.

من هذا كله يمكن الاستنتاج أن اسم الحزب مسألة تفرضها الظروف والتطورات. ونحن كشيوعيين عراقيين لا نزمع التوجه بشكل قسري وإرادوي وبدون أسباب لتغيير اسم حزبنا، وإنما نطرح الموضوع للنقاش العام كي نتأكد من أن هذا الاسم مقبول أو غير مقبول، ودون أن يعني ذلك تغييرا بجوهر منهج الحزب ومحتواه. فإذا رأى مؤتمر الحزب أن الاسم يحتاج الى تغيير، وطرح أسباب ذلك التغيير فهذا من حقه. فالكلمة الفصل بهذا الصدد، ديمقراطيا وشرعيا، هي بيد المؤتمر الوطني باعتباره السلطة الأعلى في الحزب.

أما من يذهب ابعد من ذلك ويقول أن التغيرات والتطورات التي تجري في البرنامج والنظام الداخلي تعني تخلي الحزب عن منهجيته وهويته الفكرية فينبغي اعتبار قوله مجرد تأويل في غير محله. إذا كان هناك من ينطلق من أن الشيوعية متحجرة، لا تتبدل ولا تتفاعل مع الحياة، ولا تشهد بالتالي تغيرا في مفاهيمها ونظرياتها وأساليبها، فهو مخطئ في تناوله. فالأحزاب التي سميت بالشيوعية والتي تعتمد المنهج المادي الجدلي التاريخي، هي أيضا تميز نفسها ليس فقط عمن يريدون تبديل هويتهم الفكرية، وإنما عن تلك الأحزاب التي تسمي نفسها بالشيوعية وهي لا تمتلك منها غير الاسم، وقد قتلت بالقول والفعل روح الماركسية حينما تمسكت بالجمود العقائدي، وتكلست على سمات عفى عليها الزمن، وتعلقت بتجارب أثبتت الحياة عدم أهليتها، وتريد تفسير التاريخ بكونه مجرد مؤامرات ودسائس، وتبحث في ما جرى بأساليب سطحية ولا تتعب نفسها بالغوص في تحليل الأسباب الداخلية العميقة.

... مهام الراهن
أما عن اختلافنا وتميزنا عن الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، فاعتقد أن من الصحيح التمييز بين السياق التاريخي وما تضمن من معارك فكرية وسياسية، وبين الراهن وما يرتبط به من مهام. على المستوى التاريخي كان هناك افتراق أساسي بين من واصل التمسك بالمنهج الثوري الماركسي وبين من تخلى عن هذا المنهج واعتمد طريق الإصلاحات بل وفي الجوهر تخلى عن فكرة التحول نحو الاشتراكية. من جانب آخر، وحينما نقيم التجربة، لا بد من الإشارة الى أن ممارساتنا إزاء الاشتراكية الديمقراطية والأحزاب الاشتراكية لم تكن كلها ممارسات سليمة، مثلما كانوا هم أيضا مخطئين في بعض ممارساتهم.

نعم نحن اختلفنا معهم في المنهجية، لكن كانت هناك ممارسات أثمرت نتائج مضرة على صعيد النضال التحرري والنضال الوطني والطبقي والإنساني. واعتقد أن ذلك تتحمله الستالينية والنهج الستاليني. ولكن الأممية الشيوعية تمكنت مبكرا في لحظة صعود الفاشية من السعي لتلافي تلك الممارسة الخاطئة وذلك الموقف المتياسر والمتطرف إزاء التكتلات العمالية خارج إطار الحركة الشيوعية، وبالذات الأحزاب الاشتراكية والاشتراكية الديمقراطية. لكن الحركة دفعت ثمنا غاليا، على الصعيد الألماني مثلا، وهو ما استفادت منه النازية للصعود الى دست الحكم مستغلة تمزق صفوف الحركة الاشتراكية، حركة الطبقة العاملة.

يجب أن لا نصنع من الاختلافات الفكرية خنادق للحروب السياسية بين التيارات المختلفة في صفوف الطبقة العاملة، لذلك ظهرت أطروحة الأممية الشيوعية واطروحات الخالد ديمتروف عن الجبهات الشعبية كمحاولة لتصحيح المسار بهدف تحشيد القوى وتوسيع قاعدة التحالفات. ولكن للأسف كانت هناك الممارسات الخاطئة التي انتشرت وتأصلت ولم نستطع التخلص منها فترات طويلة. وحتى الآن، هناك قسم ممن يحملون اسم الشيوعية يتعاملون بكل جفاء وعدائية مع أحزاب الاشتراكية الديمقراطية، في حين أن الواقع يتطلب تعاونا وتنسيقا وعملا مشتركا في هذه الظروف، للحد من تمادي الذين يتربعون على دست الحكم في البلدان الرأسمالية في هجومهم على المكاسب الاجتماعية للطبقة العاملة وعلى المكاسب الديمقراطية السياسية التي انتزعتها الشعوب في الكثير من البلدان.

الاصل في المنهج والجوهر
يتعين علينا ألا ننطلق من عُقد وكأننا أمام امتحان وخنادق متقابلة، بل يجب أن نثق بأنفسنا وبمنهجنا خصوصا وأننا أعلنا هذا المنهج. وإذا كان هذا المنهج صحيحا فان من الضروري أن لا ندخل في لعبة " اختبار " ما إذا كان هذا يساريا (والشيوعيون الحقيقيون هم يساريون) أو اشتراكياً ديمقراطياً. ألم يكن حزب البلاشفة قبل الانقسام في الحركة الشيوعية يحمل اسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي؟ وكما قلت في البداية، الا يتبنى بعض الأحزاب الشيوعية في الواقع أسماء الحزب الاشتراكي في هذا البلد أو ذاك؟ الأصل في التمييز، إذن، هو في المنهج والجوهر وليس في المسميات، ولهذا ليس من الصحيح أن ندخل في صراعات فوقية، شكلية ليست في لب الأمور. الآن تواجهنا هجمة على المستوى العالمي وعلى المستويات الوطنية تريد دفع البشرية الى الوراء وإجبارها على التخلي عما جنته من مكاسب خاضت من اجلها معارك طبقية/اجتماعية استمرت عقوداً. لنبحث إذن عن مشتركات للتعاون. هذا مع العلم أن التوافقات والتحالفات على المستوى السياسي لا تعني بالضرورة توافقا على الصعيد الفكري، فالتمييز ضروري بين المستويين، وهو يخلق الإمكانية للأعمال المشتركة وللنقد أيضا.

وكما أشرت في معرض الإجابة على سؤال العولمة، اعتقد أن مواجهة التوظيف الرأسمالي لظاهرة العولمة تفرض علينا العمل والتعاون في إطار حركات واسعة. علماً أن العمل في إطار الحركات الواسعة أو تبني توجهات عامة تتفق عليها قوى مختلفة متعددة المشارب لا يلغي استقلالية الحزب التنظيمية والفكرية والسياسية. وبحسب ما أكده العديد من التجارب فان النزاعات المفتعلة تؤدي الى انعزالية بكل ما تحمل من نتائج سلبية، بينها التطرف في المواقف والممارسات. ولذا لا بد أن نعمل برحابة وبفكر منفتح وهذه أسس ملموسة، ونحن نطرح أمورا صريحة وغير مخفية فليس لدينا أصلا ما نخفيه في مواقفنا على صعيدي الفكر والسياسة، ونعتقد أننا نمثل ما نقول بكل صدق وإخلاص.

هل ما زال زخم عملية التجديد والديمقراطية التي أطلقها المؤتمر الخامس يأخذ مداه في عمل الحزب وهيئاته القيادية ؟ وما هو تعليقكم على القول القائل: " أن هناك حالة من الرضا عن النفس برزت منذ المؤتمر السادس للحزب"؟

الديمقراطية والتجديد عملية موضوعية متواصلة
- منذ أسسنا ،فكريا ومنهجيا، لعملية الديمقراطية والتجديد ظل حزبنا يرى أن هذه العملية ليست موضة لوقت محدد، أو مجرد عملية عابرة لحماية النفس إزاء تغيرات كبيرة حصلت على الصعيد المحلي والصعيد العالمي، أو تملقاً لاتجاهات قوية فرضت نفسها على الحزب. أنها عملية موضوعية اكثر منها إرادة فرد أو مؤسسة تنظيمية. وانطلاقا من هذا كله، نؤمن بضرورتها، ونعمل بكل صدق وإخلاص لتمثلها والسير بوحي منها وبموجب معانيها الحقيقية، وقد أسهبنا في شرح معالمها بالتفصيل وثبتناها في وثائق حزبية، وسنكررها بشكل أو بآخر في الوثيقة الفكرية التي ستطرح لاحقا للمناقشة الحزبية.

وتهمني الإشارة هنا الى أننا انطلقنا من قناعة راسخة وإيمان ثابت بعملية التجديد والديمقراطية، ولن نتخلى عنها تحت أي ظرف. وفي مجمل ما عرضناه في مسودتي البرنامج والنظام الداخلي نرى أننا نسير بموجب معاني هذه العملية، ولن ينمو الحزب ويحتل موقعه الطبيعي أن هو تخلى عما تفرضه عليه حركة الواقع من موجبات للتدقيق في أفكاره وسياساته واليات عمله. وليس بوسعي القول أننا تخلينا عن الديمقراطية والتجديد لهذا السبب أو ذاك، كما يؤكد البعض تلميحا أو مباشرة، لأن هذه العملية أكبر من رغبة أي قيادة أو هيئات معينة أو أشخاص معينين.

والشيء الثاني هو أننا حينما نتعامل مع عملية الديمقراطية والتجديد باعتبارها عملية موضوعية ومنهجاً يتداخل في كل نسيج الحزب الداخلي وفي الخارج وفي علاقاته مع الأطراف الأخرى، لا نستطيع القول أن هذا ديمقراطي وذاك غير ديمقراطي. وحينما نعرض كل هذا لا يمكن أن نتمسك بشيء خاطئ عفا عليه الزمن، وبالتالي نقول أن هذا خارج الديمقراطية والتجديد. فعليه يجب النظر الى الموضوع بتكامله وليس بالتجزئة والمفرق، كالقول أن هذا يعجبني وينسجم مع وجهة نظري فهو ديمقراطية وتجديد، وذلك لا يعجبني ولا ينسجم مع مصالحي ولا يتوافق مع طروحاتي وبالتالي فهو ليس ديمقراطية وتجديد، فهذه منهجية خاطئة وإغراق في الذاتية.

لا نسكت عن الاخطاء ولا نغفل النجاحات
وحينما نعرض مسيرة الحزب ونتحدث عما قامت به قيادته ومنظماته انسجاما مع الديمقراطية والتجديد، مفعّلين النظرة الماركسية النقدية ومقيّمين نشاطنا انطلاقا من هذه النظرة، فإننا في واقع الأمر لا نخفي أن لنا نواقص في التطبيق وفي الممارسة وعلى الصعيد الفكري، بل وحتى على صعيد عملية الديمقراطية والتجديد ذاتها. ولكن هذا لا ينبغي أن يفسر بأنه تخلي عن الديمقراطية والتجديد، ولا يعني أيضا التردد في سماع الرأي الإيجابي البناء، وتصحيح المسار وفقا لهذا الرأي. إننا لا نعاني من عقدة نقص بحيث نشعر أن الرأي الآخر الصحيح حينما يقال يمثل انتقاصا من قدراتنا كأشخاص وكحزب. بل على العكس من ذلك، نحن نجل ونحترم الآراء الصحيحة ولدينا القدرة على تبنيها، وأكدنا ذلك في مناسبات عديدة. ولكن إذا كانت الآراء تنطلق فقط من منطلق التربص والإساءة والتشنيع، ولا ترى في الحزب الشيوعي إلا كومة من الممارسات الخاطئة والتوجهات غير السليمة، فاعتقد أن هذا لا ينسجم إطلاقا مع مستلزمات التجديد والديمقراطية. وحينما نعرض تجربتنا بتكاملها، بإيجابياتها ونواقصها، فان ذلك يعني أننا لا نكتفي فقط تأشير السلبيات والثغرات والنواقص من منطلق مازوخي، من منطلق الشعور بالذنب وجلد الذات. نعم، نحن نعلن أخطاءنا ونواقصنا وننتقدها بجرأة، ونطرح المعالجات البناءة، ولكن الى جانب ذلك ، وهذا هو الأكبر والأساس، نطرح أيضا ما هو إيجابي في نشاطنا. ولو كان الحزب – كما يزعم البعض – مجرد كومة من الأخطاء، لما تمكن إزاء كل الجرائم والهجمات التي تعرض لها وشراسة الأعداء والهجمات الفكرية المتنوعة المشارب، أن يصمد، وليس فقط يصمد بل وان يعيد بناء نفسه ليكون حقيقة سياسية شاخصة في المجتمع العراقي.

مسؤولية اشاعة الامل
نعم هناك متربصون لا يجيدون سوى النواح على أخطاء الحزب، بل أن قسما منهم لا رغبة له في رؤية الحزب يسير على طريق النجاح. وإلا فهل ينسى أحد أننا أيضا أمام مسؤولية أخلاقية وأدبية تتطلب منا أن نشيع الثقة الحقيقية والأمل الصادق في نفوس الجماهير عموما والكادحين منهم على وجه الخصوص، بأنه رغم كل المصاعب ورغم المعاناة هناك إمكانيات للنجاح. فإذا كان الحزب مجرد سلسلة من الأخطاء والخطايا كما يدعي البعض فهل يستطيع بعد هذا أن يقنع الكادحين بأن هناك أملا وثقة بالمستقبل؟

وتفاديا للتعميم أود الإشارة الى انه بعكس من يتصور أن الحزب الشيوعي العراقي تخلى عن التجديد والديمقراطية، فان الغالبية الكبيرة تتعامل بكل إخلاص وصدق، وتنتقد بدافع التقويم وبدافع تقوية الحزب وتمكينه من أن يتلمس عثراته وأخطاءه ويشخص صعوباته كي يتقدم الى الأمام. وهناك بعض المساهمات، وللآسف، لو تعمقنا في قراءتها لوجدنا أنها لا تنتج ذلك موضوعيا. ومع ذلك نشرنا غير قليل منها بهدف اطلاع الناس والرفاق على ما يواجه الحزب من ضغوطات فكرية ومن طروحات سياسية غير دقيقة.

إننا نعتبر الرضا عن النفس مرضا، ولنا أن نتساءل: هل أن طرحنا الوثائق للمناقشة العلنية وبهذه السعة والشفافية يؤشر رضا عن النفس ؟ قطعا لا، لأننا لو كنا راضين عن أنفسنا وعلى قناعة بأن كل ما نقوله صحيح ويمثل الحقيقة المطلقة، لما وجدنا حاجة الى عرض الوثائق على النقاش العام. إلا يعني نشرها للنقاش العلني أننا نشعر بالحاجة الى النصيحة الصادقة والمخلصة والرأي السديد الذي يمكن أن يساعد الحزب على النهوض بمهماته في هذه الظروف الصعبة والمعقدة، ومواجهة الواقع، والتقدم للأمام؟.

كيف ستتعامل قيادة الحزب مع ما طرح في النقاشات من ملاحظات وتعديلات مقترحة على مسودات الوثائق؟

توجهنا الى الرفاق والمنظمات قبل طرح المشروعين
- هذا السؤال مهم، ولذا اسمحوا لي أعود قليلا الى التحضير لمسودات الوثائق المقدمة الى المؤتمر، للإجابة على بعض التساؤلات التي احتوتها بعض المساهمات. توجه الحزب الى عقد المؤتمر الثامن وهو مقتنع بان هناك حاجة حقيقية للتدقيق في وثائقه التي اقرها المؤتمر السابع (2001) وفي خطابه ومعالجاته في ضوء تجربة خمس سنوات. وانسجاما مع نهج الديمقراطية والتجديد اتفقنا قبل أن نشرع في قيادة الحزب بوضع المسودات الأولى للوثائق التي ستقدم للمؤتمر القادم، أن نتوجه الى عموم الرفاق والمنظمات والكوادر بالطلب أن يعينونا وان يساهموا معنا في بلورة المسودة الأولى بما لديهم من آراء وأفكار وتحليلات وما يرتأونه من تصورات ينبغي أن تتضمنها الوثائق انطلاقا من التجربة الحزبية الغزيرة والتجربة المحلية والعالمية، وفي ضوء الواقع العراقي الجديد. وذلك قبل أن نشرع في كتابة المسودة الأولى، وكي لا يتصور أحد أن ذلك يعبر عن رأي القيادة وحدها، وليس نتاج العقل الجماعي للحزب كله.

وانتظرنا المساهمات، وفي ضوء هذا المدخل شرعنا بالعمل، وشكلنا اكثر من لجنة من قيادة الحزب لوضع المسودات الأولى. وكانت هذه موضع مناقشات ومشاورات مستفيضة بين رفاق اللجنة المركزية للحزب، استمرت لفترة غير قصيرة، حتى استقر الأمر على مسودة أولى لكل من البرنامج والنظام الداخلي. وفي مرحلة لاحقة، وقبل طرح هذه المسودات على المناقشة العامة كمشاريع، كما ينص النظام الداخلي النافذ، والذي يعطي الهيئة القيادية الحق في ذلك، ارتأينا طرحها على القيادات المحلية والهيئة الاستشارية الحزبية عملا بمبدأ القيادة الجماعية والتشاور مع الكوادر الحزبية. وحقا قدمت ملاحظات وإغناءات جيدة من جانب الكادر الحزبي، الذي تيسرت إمكانية استشارته، ثم أخذت طريقها الى الهيئة الاستشارية التي كرست اجتماعا خاصا لمناقشة مشاريع الوثائق تلك. وأخيرا قامت اللجنة المركزية للحزب ولجنتا البرنامج والنظام الداخلي بإدخال التعديلات والإضافات، ثم جرى الاتفاق لاحقا على طرح هذه المشاريع للمناقشة العلنية.

سعينا الى اوسع مشاركة في التحضير للمشروعين
هذا هو الطريق الذي أخذته عملية التحضير للوثائق المشار إليها أعلاه، والذي يبيّن أن هذه المشاريع ليست من صنع مجموعة صغيرة من الرفاق القياديين، ولا تمثل مجرد قناعات فردية بدون دراسات ، بدون متابعات وبدون تلخيص لتجربة ملموسة للعمل الحزبي ولمعايشة الأحداث في الوطن. وكل هذا النتاج كان مطروحا أمام الهيئات القيادية معبرا عنه بمشاريع الوثائق التي طرحت للمناقشة العلنية، والتي لا ندعي بأي حال أنها تشكل نهاية المطاف ، بل على العكس من ذلك تبين الطريقة التي اعتمدناها في الإعداد أننا نحتاج الى المزيد والمزيد من التشاور وتبادل الرأي الصادق الذي يستطيع أن يقوّم ويطوّر ويغني هذه الوثائق.

في المقابل ستواصل صحافة الحزب نشر المساهمات في النقاش العام حتى انعقاد المؤتمر الوطني الثامن. وطبعا ستتابع الهيئات الحزبية المعنية وقيادة الحزب وعامة رفيقاته ورفاقه هذه النقاشات بكل احترام وبكل جدية وتفرز ما يساعد في إدخال التعديلات المطلوبة على مشاريع الوثائق. وبودي التأكيد هنا أننا لسنا بصدد إدخال " ترقيعات وترميمات " على الوثائق القديمة، بل نحن بصدد إعداد وثائق جديدة تعكس المتغير الكبير الذي طرأ خلال السنوات الخمس الأخيرة، والذي يمثل انعطافة سياسية كبرى ومؤثرة في حياة البلد، ذات أبعاد اجتماعية- اقتصادية- سياسية - فكرية - نفسية وثقافية.

وفي النهاية ستُلخص النقاشات من طرف اللجان المكلفة، والتي ستقدم تقاريرها الى اللجنة المركزية لتأخذ منها ما هو مناسب. فليس كل ما يطرح يجب الأخذ به، والالتزام والتفاعل الحقيقي يكون مع الطروحات وليس باعتماد كل صياغة و فكرة وكل تعديل. طبعا لدينا المئات من المساهمات والآلاف من الاطروحات، كما انه لدينا غنى في الأساليب، فلكل من الكتاب والمنظمات ،ومن المساهمين طريقة في التفكير والتعبير، ولكن عدم اخذ هذه الطريقة أو تلك وهذه الفكرة أو تلك، لا يعني بأي حال عدم التعامل الجاد مع القضايا والمساهمات المطروحة ، بل سندرس كل المساهمات والملاحظات دون استثناء، حتى تلك المتعارضة مع ما طرحناه، والتي لا تستهدف إيذاء الحزب، نقرأها بمسؤولية وانفتاح ونتعامل معها بوعي ومعرفة حقيقية بما هو مطروح فيها.

وبودي التأكيد في ختام هذه الإجابة أن الكلمة الأخيرة بشأن هذه الأمور ستكون في كل الأحوال للمؤتمر الوطني الثامن الذي سيكرس الوقت المناسب لمناقشة ودراسة كل الملاحظات، ليأخذ ما هو مقبول وستكون له الكلمة الفصل النهائية في ذلك. ويمكن إذا سمحت الظروف أن تنظم في إطار المؤتمر ورشة خاصة بالنظام الداخلي وأخرى خاصة بالبرنامج.

هناك العديد من التساؤلات عن علاقة الحزب الشيوعي الكردستاني بالحزب الشيوعي العراقي، وعن نشأته وتطوره ومبررات انبثاقه. هل بالإمكان توضيح هذه القضايا؟.

تطور شكل التنظيم الشيوعي في كردستان يعكس تطور الوضع وخصوصيته
- لا بد من الإشارة أولا الى أن ولادة الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق مرّت بطريق طبيعي. فالحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه كان يميز خصوصية الوضع في كردستان. وفي فترات لاحقة شكل تنظيما خاصا لمنطقة كردستان سماه الفرع الكردي، ثم لاحقا منظمة إقليم كردستان، وكان بذلك يعكس حقيقة وجود منطقة ذات خصوصية قومية تتوجب أن تكون للتنظيم الشيوعي فيها اهتمامات خاصة، إضافة للاهتمامات العامة، تتعلق بالمظلومية وهدر الحقوق القومية الكردية المشروعة، الذي مارسته الأنظمة المستبدة المتعاقبة.

ومع تطور القضية القومية الكردية وظهور مجموعة من القوانين العراقية الجديدة، بدءاً من قانون 11 آذار، والحكم الذاتي، وصولا الى انتفاضة آذار المجيدة في عام 1991، والتي خلقت واقعا جديدا وحراكا سياسيا داخليا مميزا في كردستان توجب التعامل مع المسألة بكل جدية ومسؤولية. طبعا هذا الحراك لم يكن معزولا عما حصلت عليه القضية الكردية من اهتمام عالمي اثر ما عاناه الشعب الكردي من النظام الدكتاتوري من جرائم واستعمال أسلحة الإبادة ومن تهجير وطرد من الأراضي الأم. كل ذلك خلق حاجة جديدة لأن يقدم الحزب على تطوير تنظيمه الشيوعي في كردستان، بعد أن اصبح الشكل السابق غير ملائم.

الخصوصية الكردستانية تجسدت بعد كل هذه المقدمات في تشكيل إطار حكومي يمارس دوره في منطقة شبه مستقلة. الصلاحيات السابقة، شكل العلاقة التقليدي بين الإقليم والمركز، لم تعد مجدية أو معبرة أو كفوءة، لذلك طرحت فكرة تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق. وطبعا هذه الفكرة لم تكن بنت لحظتها، بل كانت لها مقدمات منذ ستينات القرن العشرين، لكن لم تكن الظروف آنذاك ناضجة ولا المستلزمات متوفرة. أما بعد الانتفاضة عام 1991 وتشكل الوضع الجديد الخاص في منطقة كردستان، فان كل الظروف أصبحت مؤاتية للإعلان عن تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني كتطوير وامتداد لمنظمة إقليم كردستان. وهذا ما تم التعبير عنه في وثائق مؤتمر الإقليم وفي وثائق المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي العراقي الذي شكل لحظة إعلان انبثاق الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق والذي نظم آلية العلاقة بين الحزبين في النظام الداخلي والوثائق الأخرى التي صادقت عليها اللجنتان المركزيتان والمكتبان السياسيان.

وبودي أن أوضح هنا بأن ما حصل (انبثاق الحزب الشيوعي الكردستاني – العراق) لا يعني انشقاقا أو انقساما أو انفصالا عن الحزب الشيوعي العراقي. فنحن نبقى حزبا في إطار عراقي، والحزب الشيوعي الكردستاني – العراق يعمل في إطار الوثائق البرنامجية العامة للحزب الشيوعي العراقي، ويساهم الشيوعيون الكردستانيون (إضافة الى حقهم في عقد مؤتمراتهم وصياغة برامجهم الخاصة في إطار خصوصيتهم الكردستانية) في مؤتمرات الحزب الشيوعي العراقي وفي صياغة وثائقه، وفي قيادته ،طبقا لما هو مثبت في نظامه الداخلي.

أخيرا، يجب أن نقر بان الأشكال التنظيمية للأحزاب الشيوعية ليست أشكالا ثابتة أبدية بل هي متطورة وتتغير بتغير الأحوال العامة والمتطلبات الفكرية للحزب. وبالمقابل فان صيغة الحزب الشيوعي الكردستاني هي ترجمة حقيقية لنهج الديمقراطية والتجديد الذي اختطه الحزب الشيوعي العراقي في مؤتمره الوطني الخامس. فليس معقولا أن ينوب المركز عن رفاقه في إقليم كردستان وهم يواجهون هناك مشاكل ملموسة مشتقة من الخصوصية الكردستانية، ويمثلون الحزب في مختلف الهيئات الرسمية وغير الرسمية.

تبقى في كل الأحوال حقيقة تتمثل في أن هناك موقفا شيوعيا قوامه أن التنظيم الحزبي يجب أن يتطور طبقا للهيكل الإداري/السياسي للبلد المعني وخصوصا في البلد المتعدد القوميات، كما هو حال العراق اليوم. فبعد أن تبنى الدستور الفيدرالية وتشكيل الأقاليم، لا يمكن لنا إلا أن نجاري تلك التغيرات وإلا سنتخلف عن المستحقات الفعلية والسياسية.

البعض يتساءل لماذا لا يستخدم الحزب أسماء مكونات شعبنا العراقي كما هي ، أي كما وردت في الدستور مثل ، الآشوريين ،الكلدان ، السريان ، الايزيدية ، الصابئة المندائيين ، الشبك؟.

سبقنا الكثيرين في اقرار حقوق القوميات والاقليات
- أعتقد انه في وثائق الحزب وفي أحاديث قادته وإعلامه، وحيثما تتطلب الضرورة، يرد اسم المكونات كما هي. فليس لدينا عقدة أو انتقاص من هذه المكونات، وإنما هي فصائل مكونة للشعب العراقي نعتز ونفتخر بها ( أكانوا آشوريين أو كلدان أو سريان أو شبك أو أيزيدية أو صابئة مندائيين)، لكن لابد أن تكون هناك ضرورة فنقولها. وإذا صادف أن استعملنا مصطلحاً سياسياً مركزاً نحت في ظل ظروف محددة للتعبير عن وحدة الشعب (الآشوري والكلداني مثلا) فإننا لا نريد أن نفرض مسمى جديداً على الواقع. فحينما استخدم المصطلح السياسي المعروف (الكلدو آشور) وقت التحضير للانتخابات الكردستانية التي جرت في عام 1992، كان المصطلح مقبولا. وعندما استخدمناه في وثائق الحزب قلنا انه كان مصطلحا سياسيا، ولم نكن نطرح أنفسنا بديلا عن الباحثين ورجال الدين والدارسين لوضع الصيغة الأنسب للتعبير عن حقيقة هذه المكونات. وإذا كان مصطلح (الكلدو آشور) لا يعبر عن هذه الرغبة ولا يغطي الواقع، فليس هناك أي حاجز أو مانع يحول دون استخدام تسميات أخرى.

أود في هذه المناسبة أن اثبت حقيقة تاريخية هي أن الحزب الشيوعي العراقي كان من الأحزاب الأولى، وسبق الكثير غيره، في إقرار الحقوق الإدارية والثقافية والسياسية للقوميات والاقليات، وأكد على أن تضمن لها هذه الحقوق وان يشرع ذلك دستوريا.

ومن جهة ثانية نحن نميّز بين القوميات وبين الطوائف والأديان، فمن الخطأ وضع كل أولئك في إطار واحد. والكل طبعا له الحق في أن يضمن الدستور حماية حقوقه المشروعة ، وقد صوتنا ودعمنا فكرة تسجيل هذه المكونات بالتفصيل في الدستور.

وفي نفس الوقت الذي نتعامل فيه بإيجابية في هذا الموضوع، نود أن نحذر من التعصب والتطرف الطائفي والأثني الذي قد يقع بدوافع سياسية أو بدوافع نفعية ضيقة تؤدي بالنتيجة الى ضعضعة وحدة الشعب العراقي. فمع تأكيدنا على الحقوق واحترام الخصوصيات، لا بد أيضا من السعي لتكريس وتوسيع المشتركات التي تعزز وحدة الشعب العراقي وبناءه الديمقراطي.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- قانون الاقاليم مرهون بارادة اغلبية السكان وضمن شروط تمنع است ...
- في حوار مع طريق الشعب : حميد مجيد موسى : علينا حماية حقوق وم ...
- الانتخابات معلم اساس لانتصار الشعب على الارهاب والدكتاتورية
- حزبنا في الصميم من نضال شعبنا، فاعلاً متفاعلاً من اجل الديمق ...
- الرفيق حميد مجيد موسى لصحيفة “البينة
- نحن لا نقوم بدور " حلف الشمال " من أجل بوش


المزيد.....




- ليبيا.. جماعة مسلحة تهاجم خطا لأنابيب النفط
- السعودية تمنع المعتمرين من زيارة جبل النور
- النائب العام المصري يأمر بحجب لعبة -الحوت الأزرق-
- المغرب يرفض تدخل هولندا في قضية حراك الريف
- مقتل 3 أشخاص بينهم طفلان أثناء تفريق مظاهرة في عاصمة مدغشقر ...
- مسؤول سعودي: الملك سلمان لم يكن بالقصر وقت إسقاط الطائرة الل ...
- حقائق مثيرة قد لا تعرفها عن مسلمي أميركا
- الأمن السعودي -يسقط طائرة لاسلكية ترفيهية صغيرة- بمنطقة القص ...
- مسؤول سعودي: الملك سلمان لم يكن بالقصر وقت إسقاط الدرون في & ...
- ندوتان جماهيريتان في النجف


المزيد.....

- من اختلس مليارات دول الخليج التي دفعت إلى فرنسا بعد تحرير ال ... / موريس صليبا
- أفكار صاخبة / ريبر هبون
- معرفيون ومعرفيات / ريبر هبون
- اليسار الفلسطيني تيار ديمقراطي موجود في صفوف شعبنا وفي الميد ... / نايف حواتمة
- حوار مع الناشط الصحافي السوداني فيصل الباقر / ماجد القوني
- التحولات المجتمعية الداخلية الاسرائيلية نحو المزيد من السطوة ... / نايف حواتمة
- ماركسية العرب و انهيار السوفييت / جمال ربيع
- تفاصيل تنشر لأول مرة عن تطورات القضية الفلسطينية / نايف حواتمة
- حوار حول انتخابات البرلمانية في مملكة البحرين / مجيد البلوشي
- بروباجندات الحكام الدينية والسياسية / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مقابلات و حوارات - حميد مجيد موسى - الحزب حقيقة سياسية شاخصة في المجتمع العراقي