أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مسعد عربيد - ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الثالث















المزيد.....

ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الثالث


مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 1704 - 2006 / 10 / 15 - 11:09
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



الغيفارية في حقبة العولمة
(الجزء الثالث)

"تشى، رمز العالم لامكانيات رجل واحد"
فرانز فانون

(6)
البحث عن الانسان الجديد
الحوافز المعنوية
أولى تشى جل إهتمامه للحوافز المعنوية (الاخلاقية) moral incentives التي إستحوذت على موقع مركزي في كافة أنشطته الفكرية والسياسية، كما تناول بعناية بالغة العديد من المسائل المتصلة بها مثل علاقة الوعي وتطويره عن طريق الحوافز الاخلاقية، دورهذه الحوافز في خلق الانسان الجديد، علاقتها بالجماهير، الفرد وعلاقته بالجماهير، الدولة والقيادة، تطوير الوعي الشعبي ودوره في مشاركة الجماهير في المجتمع الجديد.
إعتبر تشى ان الحوافز المادية (زيادة الاجور، المكافئات المالية والمادية، زيادة العلاوات..الخ) ثانوية في بناء المجتمع الجديد ووضعها في المكان الثانوي للحوافز المعنوية التي إعتبرها حجر الاساس في مشروع الاشتراكية الجديدة وفي التغيير الاجتماعي المنشود وإعتبرها ضمانة لمستقبل الانسانية. وقد إحتل الوعي والفعل الخلاّق للجماهير مكاناً أساسياً في ماركسية غيفارا الذي إستخدم التجربة الكوبية ودوره فيها لتطوير مفاهيمه هذه.

العيش الكريم حق طبيعي وليس إمتيازاً
ولم ينطلق تشى في سعيه لخلق "الوعي الشيوعي" من منظور أخلاقي بحت، ولم يكن موقفه مجرد شطحة مثالية، بل إستند فيما ذهب اليه الى اسس مادية وموضوعية. فكي تستطيع الحوافز المعنوية ان تؤدي الدور المنوط به، لا بد أن يتوفر شرطان أساسيان:
1) العدالة في التوزيع: أي ضمانة حقوق ومصالح اولئك الذين يضحون ويتطوعون ويبذلون الذات من أجل المجتمع والوطن والتنمية، ويتطلب هذا توزيع ثمار الانتاج على الكل والذي يشترط محو نمط الانتاج الراسمالي كي يتسنى نزع فائض القيمة من أيدي القلة ووضعه تحت تصرف المجتمع وفي خدمة أهدافه والايفاء بحاجاته.
2) الايفاء بالحاجات الاساسية لكل أفراد المجتمع (المأكل والملبس والمسكن والرعاية الصحية والتعليم وغيرها). وفي هذا ضمانة لديمومة التطوع والعطاء. فاذا غابت هذه الضمانات، ينكفء الفرد على ذاته وأنانيته وحماية مصالحه. فالايفاء بهذ الحاجات، إذن، ليس عملاً خيرياً لان البقاء والعيش الكريم حق لكل مواطن وليس إمتيازاً ولا ترفاً. لا بد من البدء في تنفيذ هذه المعادلة في العطاء والضمان الاجتماعي خلال المرحلة الانتقالية للاشتراكية كي يتسنى خلق وعي جديد.

الماركسية الانسانية:
الحوافز المعنوية ـ الوعي الجديد ـ إنعتاق الانسان
تهدف الاشتراكية إلى إلغاء العلاقات الاجتماعية الناجمة عن نمط الانتاج الراسمالي. وقد رأى تشى ان الحوافز المعنوية، من خلال عملية خلق الوعي الجديد، كفيلة باقامة الربط والتماثل بين مصلحة ومنفعة الفرد من جهة ومصلحة المجتمع (الكل الجمعي) من جهة اخرى كي يتمكن المرء من الشعوربتحقيق الذات عبر منفعة الكل الجمعي بدل أن يضيع ضحية الفردانية والاغتراب كما هو حاصل في المجتمع الراسمالي. كما تعزز هذه الحوافز علاقات التضامن بين الانسان وأخيه الانسان وبين الشعوب المختلفة. وعندما يشعر الفرد بانه جزء متكامل من الكل الجمعي، يصبح لجهوده وعمله معنىً عميقاً وينتفي التناقض والتنافس بين حاجات ومصالح للفرد من ناحية، ومصالح المجتمع من ناحية اخرى. هكذا تتوطد ثقة الفرد بالعمل في سبيل المصالح المشتركة للكل الجمعي ويصبح الفرد راغباً في المزيد من العطاء والتضحية.
تساهم الحوافز الاخلاقية، إذن، في تشكيل وعي الانسان الجديد وفي تحرير المبادرة الذاتية لدى الفرد والجماعات وفئات المجتمع. عندها تلتغي الحاجة الى "التوجيه من الخارج" لضمانة المنفعة الجمعية كما تزول الحاجة الى الحوافز المادية والرقابة والسلطة الخارجية ومحاربة الغش والفساد ويصبح الانسان، في وعيه الجديد، "أكثر إنسانيةً" وينطلق في أفعاله وأنشطته من دوافع ذاتية وترتقي أفعاله الى ما أسماه ماركس "أنشطةً ذاتية" تنبع من "الارادة الواعية للانسان" ويصبح قادراً على الإمساك بالمبادرة في أنشطته وحياته وصولاً الى الانعتاق التام، وبهذا يحقق المجتمع نقلته التاريخية من حيّز "الحاجة" الى فضاء "الحرية".
تلك هي الاسس لمساهمة تشى الهامة وحجته المركزية في مسألة الوعي وضرورة تطويره بالتزامن مع التغيرات الاجتماعية الاخرى عن طريق الحوافز المعنوية والإرتقاء بمفهوم العمل الى مستوى المهمة والوجب الاجتماعي. ومن رحم هذا الوعي، رأى تشى، يولد الانسان الجديد ذو القيم الجديدة التي تؤسس بدورها لأخلاقية جديدة (الأخلاقية الشيوعية). تصبح هذه الاخلاقية أساس المجتمع الجديد حيث تسود علاقات التضامن بين الافراد وحيث تتناغم حياة الفرد وأنشطته اليومية مع الاهداف العليا للمجتمع. هذا هو، بايجاز، أساس الماركسية الانسانية التي دعا اليها تشى حيث يتحرك الافراد ويتصرفون ضمن ظروف موضوعية وضمن عملية البناء الاشتراكي على أساس الاخلاقية الثورية المتمثلة بالتضحية والتضامن والتي تتميز بالتوازن والانسجام بين الفكر والفعل.

المبالغة في دور الفرد والعمل التطوعي
ذهب بعض الناقدين لغيفارا الى أنه عزز مفاهيم مثالية حول الفرد والذات وأنه شطّ في دور الفرد وفعله في الثورة والتغيير الاجتماعي والتاريخي، ونسب إلى الفرد أفكاراً ومعتقداتٍ كفيلة بان تولد واقعاً مادياً، أو بعبارة أكثر اخرى يصبح الفرد ومعتقداته قادراً على تحديد الواقع لا العكس حيث يحدد الواقع طبيعة الفرد. وليس في هذا تنكراً لمقولة ماركس الكلاسيكية في أن الافكار تصبح قوة مادية تلعب دوراً رئيسياً في التغيير الثوري، إلاّ أن هذا الدور يتوقف على مدى قدرة هذه الافكار على أن تسكن وعي الجماهير أولاً، كما يتوقف ثانيا على قدرتها في أن تعكس واقعاً موضوعياً والى أي حدٍ تكشف وتفسر القوانين التي تحكم حركة وتطور هذا الواقع.
رأى المايون ان غيفارا بالغ في أهمية ودور العامل الذاتي ودو الفرد: "أما الغيفارية فتعمل على الانكار التام لاهمية الظرف الموضوعي في كافة مراحل الكفاح المسلح، وتفضل، بدلاً عن ذلك، أن تتصرف وكأن الظرف الموضوعي قد إكتمل ولم يتبقى على الثوار إلاّ أن يتحلوا بالشجاعة والتكتيك الحسن". كما إتهمه الكثيرون بالمثالية والطوباوية الثورية لانه غالى في قيمة العمل لتطوعي وإستعداد الفرد للتضحية وبذل الذات من أجل المجتمع والوطن والثورة. ولا شك ان تشى تميز بنزعات وميول طوباوية، إلاّ أنه كان، بالدرجة الاولى، رجل ممارسة وفعل وإستطاع تحقيق الكثير من الانجازات في فترة قصيرة في كوبا (1959 ـ 1965). أما البعض الآخر فقد رأى أن التطوعية التي دعا اليها تشى تؤدي الى أنكار الظروف الموضوعية والتقليل من أهميتها.

(7)
إرث تشى غيفارا: نحو وعيٍ نقدي

منذ إغتيال تشى عام 1967، لم تتوقف محاولات الغرب الراسمالي من خلال مؤسساته الاعلامية والاكاديمية وما لحق بهم من جوقة اليساريين، عن تأبين الغيفارية والثورة الاممية والتبشير بانسداد الطريق أمام مقاومة الشعوب وحرب العصابات وحرب الشعب ونظرية البؤرة الثورية وكأن هذه الاخيرة هي كل ما أتى به تشى أو كأنها الوسيلة الوحيدة لمقاومة الشعوب.
1) تشى الايقونة أم الفعل الثوري؟ يريد الغرب الرأسمالي أن يبقى تشى صورةً وايقونة و"تقليعة" للجيل الناهض كي تظل هذه الاسطورة مصدراً للربح ولتبقى جوفاء ومفرغةً من مضامين الممارسة والفعل الثوري. وعليه فان السؤال الذي يقف أمامنا هو: ما الذي نريده نحن من تشى غيفارا؟ وماذا الذي نريد أن نقدمه للاجيال الناشئة في الوطن العربي والعالم الثالث من تجربته ومفاهيمه كي تحفره هذه الاجيال عميقاً في ذاكرتها؟
2) القدوة الثورية: يبقى تشى، رغم نقد الاصدقاء وذم الخصوم، مثال الانسجام التام بين النظرية والممارسة وبين القول والفعل، لذا تشبثت به الجماهير، خلال حياته وبعد مصرعة بعقود طويلة، قدوةً للثائر الذي ألهب قلوبها وعقولها في مشروع المقاومة والثورة. كيف لا، وقد أصرّ على الالتصاق بالواقع المادي للجماهير والتعرف على معاناتها عن كثب قبل ان يصيغ مفاهيمه في الثورة والتغيير. وهنا تكمن الدلالة البليغة لرحلاته المتعددة عبر القارة اللاتينية.
3) وحدة التحرير ومناهضة الرأسمالية: تكمن حجة تشى الاساسية في ان مناهضة الرأسمالية والتحرير الوطني يمثلان مركباً جامعاً متزامناً للانسانية والثورة في نضال العالم الثالث من أجل التحرير والسيادة الوطنية وبناء المجتمع الاشتراكي كما تظل السبيل الى خلق الوعي الجديد. ستشكل هذه الثقافة الجديدة الاساس الضروري لتأسيس قيم جديدة تخلق بدورها تغييرات فعلية ملموسة في مسلكية الفرد والجماهير.
4) خيار المقاومة: يبقى خيار المقاومة الركيزة الاساسية في فكر وممارسة تشى، كما يبقى حق الشعوب في ممارسة هذا الخيار حقاً طبيعياً ومخلداً بكافة أشكاله وأساليبه (المسلحة والسياسية والجماهيرية والبرلمانية ...غيرها) وبما ينسجم مع ظروفها الموضوعية والذاتية وسماتها وخصوصياتها وإملاءات المرحلة التاريخية التي تعيشها).
5) الكفاح المسلح: آمن تشى غيفارا ان الكفاح المسلح ضرورة في نضال شعوب العالم الثالث وأكد على أنه الاسلوب الرئيسي والأساسي في نضال الشعوب في مرحلة التحرير الوطني وفي مواجهة الاحتلال الاجنبي. وقد جرى الكثير من التسخيف لهذه الفكرة التي وجد فيها غيفارا ثمرة طبيعية لتراكم خبرات الشعوب في إطار الظروف الموضوعية والذاتية لكل مجتمع ولكل حركة ثورية.
6) محاربة الدوغما: لم يرى تشى في أيٍ من مفاهيمه وممارساته دوغما يتوجب على الشعوب وحركاتها الثورية أن تنصاع لها، بل ناضل ضد الجمود العقائدي والصنمية بكافة أشكالها ومواقفه في هذا الصدد غنية عن التعريف. خاض تشى معارك عديدة مع التعميمات المستوردة والتي كثيراً ما كانت تفوح بالرجعية والمهادنة وخيانه الجماهير ومصالحها والتي بشرت فيها القيادات السوفيتية وقيادات الاحزاب الشيوعية في الوطن العربي والعالم الثالث التي إرتبط بالخط السوفييتي وأصبحت عملياً بوقا له. لذا، فان الغيفارية لم تغفل ولم تتعارض مع الخصوصيات والسمات المميزة (الموضوعية والذاتية) لمجتمعات أميركا اللاتينية والعالم الثالث بل وجدت أنّ مسؤولية تحديد الخيارت الثورية ووسائل النضال العسكرية والسياسية هي في صلب مهام الحركة الثورية وطليعتها.
7) القضاء على الفساد: حارب تشى غيفارا الفساد والبيروقراطية ودفع بهذه المسألة الى أولويات النضال الثوري والاجتماعي ووضعها على رأس جدول أعمال الثورة والحزب. وتجدر الملاحظة هنا، أنه من منظور حركات التغيير الاجتماعي والثوري في التاريخ العربي المعاصر والعالم الثالث بشكل عام، فان تجربة المقاومة الاسلامية في فلسطين (حماس) وحزب الله في لبنان (في الحرب السادسة (12 تموز 2006) وتحرير الجنوب اللبناني (عام 2000) ومجمل مسيرة الحزب وتعاطيه مع الجماهير وحاجاتها وتوفير الخدمات الانسانية والاجتماعية لها) لهي تجرية جديرة بالدراسة وخاصة تلك الجوانب التي تميزت بالشفافية وتفاني القيادة في العطاء.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,923,343,478
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ - الجزء الثاني
- ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الاول
- نيبال: الثورة المنسية
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: مفاهيم وخلفيات
- العرب الاميركيون والانتخابات الاميركية: إشكاليات وتحديات
- الانتخابات الاميركية ـ الرئيس الاميركي: نموذجاً أم استثناءً؟
- مشاهدات مغترب في إشكاليات الانتخابات الاميركية ـ الحلقة الاو ...
- بين ناصر ولينين تأملات في الموت المبكّر وإغتيال الحلم
- الانتفاضة الساباتية بعد عشرة اعوام: مرحلة جديدة أم خيار بين ...
- في رحيل إدوارد سعيد مفكراً وإنساناً
- الهيمنة المطلقة...خواطر في اسلحة الدمار -الاشمل
- تشى غيفارا ... والحضور الدائم خواطر في الغيفارية في زمن العو ...
- مستقبل الاشتراكية في كوبا: اشكاليات الحاضر وتحديات المستقبل


المزيد.....




- وفد قيادي من تحالف القوى الفلسطينية في الشمال يزور مقر -الشي ...
- اعتصام للاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان ال ...
- عملية إغتيال رأس الموساد الإسرائيلي في البقاع الغربي ضابط ال ...
- أئمة في طاجيكستان يجمعون تبرعات لترميم تمثال القائد الشيوعي ...
- أئمة في طاجيكستان يجمعون تبرعات لترميم تمثال القائد الشيوعي ...
- مرشح اليمين المتطرف في البرازيل يتوقع الخروج من المستشفى نها ...
- مغني راب مسلم يلغي حفلين بباريس بسبب اليمين المتطرف
- التحالف الشعبى يحذر من التوجهات العدوانية الامريكية لتصفية ...
- Moha Oukziz// Nous étions à la fête de l-Humanité 2018
- المسيرات الجهوية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد يوم 23 شتن ...


المزيد.....

- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (2) / غازي الصوراني
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (1) / غازي الصوراني
- البُنى التحتيّة، المجتمعات، التاريخ / موريس غودلييه
- دفاتر -قوموا بالتحقيقات ولا تنطقوا بالحماقات- الجزء الأول ... / الشرارة
- الوضع الدولي في ظل العولمة الراهنة / غازي الصوراني
- كفى دجلا على الشعب / حمه الهمامي
- الديناميات المعاصرة للإمبريالية في الشرق الأوسط – تحليل أوَّ ... / آن أليكساندر
- حول أساليب الانتاج قبل الرأسمالية - والحتمية التاريخية للأزم ... / خليل اندراوس
- سحرُ الماركسيّة في القرن الواحد والعشرين / أسعد أبو خليل
- عن حتمية تأسيس الأممية الخامسة / سميرأمين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - مسعد عربيد - ماذا تبقى من تشى غيفارا؟ الجزء الثالث