أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى لمباشري - وظيقة فن الكاريكاتور الأساس.. ناجي العلي نموذجا






















المزيد.....

وظيقة فن الكاريكاتور الأساس.. ناجي العلي نموذجا



مصطفى لمباشري
الحوار المتمدن-العدد: 1689 - 2006 / 9 / 30 - 06:48
المحور: الادب والفن
    


يعتقد بعض النقاد بأن لا جدال في كون العالم يعرض نفسه علينا في منظومة نسقية من الإشارات والرموز نعتاد عليها ونألفها إلى حد التواطؤ. وحين تتكسر صورة العالم المألوفة لدينا وتتعرض للتحوير والتغيير, نسمي ذلك إشكالا أو تشويها أو كاريكاتورا, بمعنى أن رؤية العالم كاريكاتوريا تتمثل في وضعه في سياق نقدي والمضي معه في أفكاره وأطروحاته إلى أقصى الحدود, وخلخلة الثوابت وتكسير الحواجز إلى حد جرح المقدس. ولمقاربة هذه الصورة اللامألوفة لدينا, ولتوضيح دلالتها أكثر, يستدرجنا أحد النقاد العرب إلى قاعة المسرح لمشاهدة مسرحية يقع فيها تواطؤ بين الممثلين والمشاهدين حول زاوية المشاهدة ووضع الممثلين إزاء الجمهور. ولنتصور أن أحد الممثلين قد غادر مقعده وحفر ثقبا في سقف المسرح وتدلى منه ليشاهد هذه المسرحية, فدهش لما شاهده وهو في وضعيته, وتغيرت نظرته إلى الممثلين فشرع يصرخ مشيرا إليهم ومحاولا لفت نظر الجمهور. ولن يكتفي بهذا, بل سنسمعه وهو يصغي إلى الحوارات يعلق ويسب ويشتم مما يحدث بلبلة داخل المسرح, ويستثار الارتباك وتتسارع الحركة ويتأتئ الممثلون وربما توقفوا عن الحركة, وترتفع الهمسات ويبدأ الخروج عن النص والجمهور منتش بالضحك, وقد يبرز المخرج غاضبا فوق الخشبة متسائلا عن سبب الخلل, وفجأة نسمع صوت الرصاص, لقد أطلق الممثلون الرصاص على الفنان المعلق بين الأرض والسماء, هل هو دفاع " المقدس " عن نفسه ضد الطفولة؟ كلا, فليس هناك أكثر قداسة من الطفولة, ولكنه دفاع الخدعة عن نفسها حين يلقى القبض عليها وسط الجمهور, إذن, من زاوية هذا البعد الخامس يبدأ عمل فنان الكاريكاتور..
تلكم هي زاوية الرؤية الكاريكاتورية, الواجهة المشرعة لولوج عالم الكاريكاتور من بابه الواسع. لكن التساؤل حول مفهوم الكاريكاتور يظل واردا وضمن الأولويات.
معظم الفنانين الكاريكاتوريين- رغم اختلاف وجهات نظرهم- يقرون بان فن الكاريكاتور/ فن الرسم الساخر هو التعبير المغالي في فضح العيوب وإبرازها في أسلوب فني فكه. ويعلل أحد الفنانين الكاريكاتوريين الفرنسيين PIEM ذلك بقوله: »عندما أرسم أو عندما بدأت أرسم لم أكن أفكر في إضحاك الناس, لكن بعد مرور الوقت, وتأملي لهذه الحضارة التي أصبحت ترتكز على الاستهلاك قادني ذلك إلى السخرية والاستهزاء من هذا الوضع وتخليده في رسومات كاريكاتورية « ) 1( .
وكلمة كاريكاتور مشتقة من اللاتينية CARICARE وتعني مبالغ, أما معاجم اللغة فتقول: » إن الكاريكاتور عبارة عن صورة ساخرة يراعى فيها التهويل في إبراز السمات الشاذة بغية تفجير اللحظة بالضحك «. وثمة من يرد لفظة الكاريكاتور اشتقاقا إلى اسم الرسام الإيطالي " كراكشي " الذي يقال عنه أن فن الكاريكاتور نشأ على يده باعتباره أول من رسم في التاريخ الحديث صورا باعثة على الضحك لبعض الناس المحيطين به والقريبين له. ويبدو أن الأساس في المسألة لا يقف عند حدود نسب النشأة أو الاشتقاق بقدر ما يتحدد في طرح مهمة الكاريكاتور ووظيفته ودوره عبر التاريخ. فمن المؤكد أن فن الكاريكاتور تمتد جذوره في أعماق التاريخ, بمعنى » أن أول لوحة موثقة تاريخية وجدت كانت على ورقة البردي منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد, وكانت تمثل طائرا يصعد على الشجرة بواسطة سلم «. ) 2(
من المتعارف عليه فنيا أن فن الكاريكاتور صدامي أصلا, يرفض الحياد وينحاز بالأساس إلى الفقراء والمسحوقين والمستغلين, إنه تحريضي تتحدد مهمته في » تعرية الحياة بكل ما تعني الكلمة. الكاريكاتور ينشر دائما الحياة على الحبال وفي الهواء الطلق, وفي الشوارع العامة... إنه يقبض على الحياة أينما وجدها لينقلها إلى سطح الدنيا حتى لا مجال لترميم فجواتها ولا محال لتستير عوراتها « ) 3(. إلا أن هذه المهمة يظل تحقيقها رهينا بموقف الفنان الكاريكاتوري ذاته ومناخ حرية الرأي داخل مجتمعه, بحيث لا يمكن تحقيق التواصل مع القراء إلا عبر الصحف والمجلات, ومن هنا ندرك محنة المنابر المحتضنة للفنانين الكاريكاتوريين مع الرقابة عبر العصور. ولا نظن أننا في حاجة إلى استعراض مجموعة من التجارب في هذا الصدد لإثبات ذلك, إذ من المؤكد أن تطور الكاريكاتور مواز لتطور الصحافة في القرن التاسع عشر, وقد أعطت الصافة للكاريكاتور نفسا كبيرا يجب أخذه بعين الاعتبار. فبفضلها أصبحت له شعبية واسعة, فقد تم بينهما زواج, وهو زواج ناجح على حد تعبير" LE THEVE JAQUE. إلا أن ذلك لا يعني كون الفنان الكاريكاتوري مجرد بوق للدعاية أو راسم تحت الطلب وإن كان في المستوى العام تظل الرسوم الكاريكاتورية المنشورة تقارب إلى حد ما توجه المنبر, بل من الضروري » أن يكون الكاريكاتوريست حرا وليس له ارتباط سياسي بحيث أن أجود الكاريكاتوريين هم على العموم من النوع الراديكالي« - كما يقول ABU - )4(, ونفس الفكرة يلح عليها DAVID LOWمع التأكيد على موقف الفنان حيث يرى » أن المهمة الوحيدة للكاريكاتوريست هي إلقاء الجمرة, دوره ليس التصفيق أو مساندة هذا الحزب أو هذه الطبقة من المجتمع كيفما كانت, بل إن هاجسه الوحيد يجب أن يبقى هو إعطاء وجهة نظره الخاصة وليس أكثر« .)5(
إذا حاولنا لاعتبارات إجرائية تتساوق وطبيعة الحيز عدم تكثيف مجموعة من الطروحات حول وظيفة الكاريكاتور رغم إقرارنا بالتباين في الرؤى حسب كل فنان كاريكاتوري, فماذا يمكن - قياسا إلى ما قيل – أن نضيفه في مجال الحديث عن الكاريكاتور العربي بالأساس ؟
بكلمة مقتضبة نقول: إن فن الكاريكاتور من الفنون الحديثة المستمدة جذورها من أوربا خصيصا. وأول دولة عربية عرفت هذا اللون الفني هي مصر, بحيث صدرت أول جريدة حول فن الكاريكاتور هي جريدة "أبو نظارة "عام 1877 لصاحبها " يعقوب رفائيل صنوع " الصحفي المصري اليهودي الذي كان مدرسا للموسيقى والرسم واللغتين الإيطالية والفرنسية , وسميت جريدته كذلك إشارة إلى نظارته الزرقاء التي كانت لا تفارقه. ثم تلتها جريدة " التنكيت والتبكيت " لعبد الله النديم سنة 1881 , وقد أرفقها أيضا بصحيفة "الأستاذ " سنة 1892 , فالمنادمة ل"حسن صبحي" سنة 1896 إلى آخر القائمة. وعلى مستوى المجلات نذكر " حمارة منيتي " أو " الكشكول " 1921 لسليمان فوزي, وقد كان من ألذ خصوم الوفديين وعلى رأسهم"سعد زغلول", وكذلك مجلة " الفكاهة " 1926 وكانت تصدر عن دار الهلال, ثم " روز اليوسف ", وقد أسستها "فاطمة اليوسف" عام 1925 ولعبت دورا أساسيا في إبراز مجموعة مهمة من الفنانين الكاريكاتوريين, إضافة إلى غيرها من المجلات التي كانت تصدح بها دولة المعز.
لا مراء بأننا لم ندع قط إمكانية الإحاطة بالكاريكاتور العربي عامة لاعتبارات يمكن إجمال أهمها في ما يلي:

1 - قلة الفنانين الكاريكاتوريين العرب قياسا إلى نظرائهم على المستوى الأوربي ومقاربتهم كما وكيفا لإخوانهم على مسستوى الفنون الأخرى – مع بعض التفاوت -, هذا العامل لا يخول لنا أخذ فكرة شاملة عن فن الكاريكاتور العربي, إضافة إلى تمركز معظم الفنانين الكاريكاتوريين في مصر نظرا لعراقة هذا الفن فيها مقارنة مع دول العالم العربي الأخرى.
2 – غياب المراجع العربية والدراسات النقدية حول فن الكاريكاتور عموما والعربي خصوصا, مع بعض الاستثناءات إن على مستوى المقالات أو الدراسات النقدية ) 6 (, وكذا الحوارات الصحفية مع بعض الفنانين الكاريكاتوريين.
3- وجود رسامين كاريكاتوريين في أقطار عربية لا نعرف عن معظمهم إلا الإسم, بحيث لا تصل إلينا جل أعمالهم الكاريكاتورية إطلاقا نظرا لطابع الحصار الثقافي الذي يسود العلاقات العربية العربية’ إضافة إلى الرقابة الصارمة على فن الكاريكاتور عموما من طرف الأنظمة العربية في مجملها. هذه الاعتبارات تفرض علينا منهجيا - لرصد بعض إرهاصات فن الكاريكاتور- التركيز على فنان كاريكاتوري بعينه والاشتغال على أعماله المتوفرة, والمتناثرة هنا وهناك, عله يفسح المجال للقيام بإطلالة على هذا اللون الفني المشاغب الجميل, ذاك ما تسعى إليه هذه الدراسة.
تأسيسا على التحديد أعلاه نستمد شرعية الحديث عن ناجي العلي, الفنان الكاريكاتوري المتميز, عن بعض لحظات صفائه, عن عنفوانه, عن كبريائه, عن أنفته, عن عناده وهو ينافح الخصوم دعاة الانبطاح, والانصياع للسفاح, وبكلمة عن الطفل المشاغب "حنظلة ".. بدءا من هو ناجي العلي ؟ وما علاقته بحنظلة؟ وما الدور الأساس الذي لعبه حنظلة هذا في مسار حياة ناجي العلي الفنية ؟ وأخيرا وليس آخرا, شهادات في حق ناجي العلي بعد استشهاده...
ناجي العلي من مواليد 1937 بقرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة قضاء الجليل, هذه القرية التي امحت عن آخرها على يد الصهاينة. يقال في شأن تسميتها بأن المسيح كان يتظلل بفيء شجرة كانت تحت أرضها, وقد ظلت عالقة بذاكرة ناجي العلي مذ غادرها وهو طفل في العاشرة من عمره, في زحمة النازحين عنها سنة 1948 إلى جنوب لبنان. وهناك على أرض خلاء قرب صيدا أقيم مخيم عين الحلوة الذي يتشكل معظم سكانه من الفلاحين وبسطاء الناس الفلسطينيين. من هذا النبع الصافي الوافر العطاء سيمتاح ناجي العلي ثقافته الشعبية الواسعة, ومنه سيستمد رؤيته الفنية بكل أبعادها ما دام يشكل بالنسبة إليه معينا لا ينضب.. لم تعرف حياة ناجي معنى للاستقرار منذ الهجرة الأولى- ضمن قوافل النازحين عن أرضهم إلى مناطق الشتات قهرا- إلى لحظة الاغتيال المؤسساتي : الالتحاق بالتعليم الابتدائي, الانقطاع عن الدراسة للإشتغال في البساتين, دخول عالم الميكانيك والحصول على دبلوم مهني, الاشتغال في بعض الورشات الصناعية ببيروت, الالتحاق بأكاديمية الفنون في بيروت بعد السفر إلى السعودية والعودة منها, الطرد من الأكاديمية والتعرض للاعتقال نتيجة مواقفه السياسية بعد أقل من سنة من الدراسة, التوجه صوب صور ليدخل كليتها الجعفرية مدرسا للفن مدة ثلاث سنوات, الرحيل إلى الكويت والاشتغال بالصحافة, العودة إلى بيروت ليلتحق بأسرة جريدة السفير, ثم الاضطرار إلى السفر ثانية إلى الكويت.. رحلة ماراطونية نقطة انطلاقها صيدا / عين الحلوة, ونقطة الوصول الكويت فالإجبار على الرحيل من الصحراء العربية إلى الصقيع الأوربي لينفردوا به هناك بعيدا عن الأهل والخلان وكل البسطاء الذين سخر ريشته لالتقاط همومهم وتحريضهم على رفع شارة الهم والثورة على كل الأدعياء والساقطين في أحابيل الخنوع والاستسلام التي ينسج خيوطها العم سام... تشكل الوعي لدى ناجي العلي بدأ في المدرسة الابتدائية, كما قال هو نفسه: » كنا نستغل مناسبات مثل وعد بلفور أو ذكرى تقسيم فلسطين [ 15 أيار ] للتعبير عن رغبتنا في العودة إلى فلسطين..« )7(.
يبدو أن حركة القوميين العرب لعبت دورا مهما في تعميق الوعي القومي, كرافعة حملتها بعض حركات التحرر العربية لاعتبارات إيديولوجية, إلى جانب الحركة الناصرية التي لا زالت صيدا تشكل معقلا لها للآن. إلا أن ناجي العلي كان صعب المنال, صعب الانقياد, خارجا عن الطوع: » حاولت الانتماء إلى حركة القوميين العرب في 1959 إلا أنني اكتشفت واكتشفوا هم أيضا أنني لا أصلح للعمل الحزبي. فخلال سنة واحدة أبعدت أربع مرات عن التنظيم بسبب من عدم انضباطي« )8(, والفضل في اكتشاف هذا المبدع الواعد, بالنسبة للمرحلة تلك, يعود أساسا إلى الشهيد غسان كنفاني الذي قدمه للقراء على أحد أعداد مجلة الحرية حيث كان يرأس هيأة تحريرها. وقد شكلت هذه المبادرة حافزا للاستمرار بالنسبة إليه حيث تمحورت معظم رسومه آنذاك حول مأساة الشعب الفلسطيني. كيف تطور هذا الشكل التعبيري لدى ناجي العلي إلى الكاريكاتور ؟ أي كيف أصبح كاريكاتوريا ؟ » بالصدفة « يقول ناجي:».. كان لدي توجه في بداية شبابي لأن أتعامل مع المسرح, كنت أريد أن أصرخ بالكلمة التي تنقل مشاعري وإحساساتي. دفعتني الظروف للعمل في المجال الصحفي, واكتشفت أن الكاريكاتور هو الأداة المناسبة للتوصيل« )9(. وكانت أول محطة لناجي العلي مارس عبرها الرسم الكاريكاتوري هي مجلة الطليعة الكويتية سنة 1963, وهناك ترسخت قناعته بممارسة الفن الكاريكاتوري الذي أنساه تعلم الفن التشكيلي [ نشير بالمناسبة أنه سافر لأول مرة إلى الكويت قصد العمل في الصحافة رغبة في جمع المال لمواصلة دراسة التشكيل إن في روما أو القاهرة ].
في خضم الأحداث المأساوية التي خلفتها هزيمة حزيران, ومن رحم نتائجها ولدت تجارب فنية متميزة تتجاوز السائد, مستشرفة آفاق المستقبل الذي كانت تخيم عليه غيوم سياسية متضاربة. والكاريكاتور العربي يعد أحد إفرازات هذا المناخ, بحيث أن معظم هذه الكتابات انصبت على سلخ الذات وتعميق الجرح بأسلوب سادي أحيانا, ما عدا بعض الإشراقات التي حاولت أن تشعل شمعة بدل أن تلعن الظلام كما فعل الآخرون. ناجي العلي, من موقعه كفنان كاريكاتوري حاول » أخذ حجر آخر للزاوية, هو بالضبط الحجر الذي رفضه البناؤون أي دعاة الثورة والتحرير, وكان هذا الحجر الضمير اليقظ الذي يتخذه شكل حنظلة «. لقد عثر ناجي العلي على طفولته – لما تتسم به الطفولة من براءة وصفاء – وأصر على الاحتفاظ بها كبوصلة تحدد اتجاه عمله الفني, وليس مصادفة أن يتخذ حنظلة الوجه الآخر لناجي العلي, ويحتفظ بوعي طفولي صار حارسه حتى آخر لحظة من عمره. هذا الطفل المتبني لقضايا الشعوب العادلة, المعبر الصادق عن إحساسها بالغبن والجور والاستغلال المضاعف, الطفل هذا سيحاكم غيابيا من طرف " الوصاة قهرا " عن القضية الفلسطينية, ومن طرف الإمبريالية وأذنابها في العالم العربي.. هذا الطفل الذي أرق الجميع , ماذا قال عن نفسه في أول إطلالة له على القراء عبر بيانه الأول ؟ وماذا قال عنه خالقه ؟ :
» في الثالث عشر من غشت 1969 أطل حنظلة لأول مرة على قراء العربية من خلال صحيفة كويتية, فقدم نفسه بعبارات بسيطة وصادقة أعلن فيها التزامه التمرد والصدق واللي بدو يزعل يروح يبلط البحر « .
قال حنظلة :» عزيزي القارئ..اسمح لي أن أقدم لك نفسي.. أنا أعوذ بالله من كلمة أنا... اسمي حنظلة.. اسم أبي مش ضروري. أمي اسمها نكبة. وأختي الصغيرة. نمرة رجلي ما نعرف لأني دائما حافي.. ولدت في 5 حزيران 67.. جنسيتي.. أنا مش فلسطيني, مش أردني, مش كويتي, مش لبناني, مش مصري. مثل حدا.. الخ... باختصارمعيش هوية ولا ناوي أتجنس.. محسوبك إنسان عربي وبس.. التقيت صدفة بالرسام ناجي كارها شغله لأنه مش عارف يرسم.. وشرح لي السبب.. وكيف كل ما رسم عن بلد.. السفارة لتحتج.. والإرشاد والأنباء بتنذر.. يرسم عن علتان شرحه.. قللي الناس كلها أوادم.. صاروا ملايكة. والأمور ما فيش أحسن من هيك.. وبها لحالة عن شو بدي أرسم بدي عيش.. وناوي يشوف شغلة غير هالشغلة.. قلتله: أنت شخص جبان وبتهرب من المعركة وقسوت عليه بالكلام.. وبعدما طيبت خاطرو.. وعرفتو عن نفسي وأني إنسان عربي واعي.. يعرف كل اللغات ويحكي بكل اللهجات معاشر كل الناس المليح والعاطل والآدمي والأزعر كل البتاع.. اللي بيشتغلوا مزبوط واللي هيك وهيك.. ورحت الأغوار وبعرف مين بيقاتل ومين يطلع بلاغات بس.. وقلتله أني مستعد أرسم عنه الكاريكاتور كل يوم وفهمته أني ما بخاف من حدا غير من الله واللي بدو يزعل يروح يبلط البحر.. وقلتلوا عن اللي بيفكروا بالكنديش والسيارة وشو يطبخوا أكثر من ما بيفكروا بفلسطين . ويا عزيزي القارئ.. أنا آسف لأني طولت عليك .. وما تظن أني تعمدت هالشي علشان أعبي هالمساحة.. وأني بالصلة عن نفسي وبالنيابة عن صديقي الرسام أشكرك على طول.. وبس.. وإلى اللقاء غدا وبتاع..«. ) 10 (
وناجي العلي لا يكشف عن إواليات الخلق الإبداعي لهذا الطفل المشاغب الغريب الأطوار فحسب, بل إنه يروي قصة المخاض, يحدد بعض مواصفاته المظهرية أو النفسية وفي ذات الوقت موقفه بشكل مبدئي منه في مواجهة كل من حاول المس به, حيث يقول:» حملت بحنظلة في الكويت.. وولدته هناك.. خفت أن أتوه, أن تجرفني الأمواج بعيدا عن مربط فرسي.. فلسطين... وولد حنظلة أيقونة تحفظ روحي وتحفظني من الانزلاق.. حنظلة وفي لفلسطين ولن يسمح لي أن أكون غير ذلك, إنه نقطة عرق على جبيني تلسعني إذا ما جال خاطري أن أجبن أو أتراجع. ولد حنظلة في العاشرة من عمره, وسيظل دائما في العاشرة, ففي تلك السن غادرت الوطن, وحين يعود حنظلة سيكون بعد في العاشرة, ثم يأخذ في الكبر بعد ذلك.. قوانين الطبيعة المعروفة لا تنطبق عليه, إنه استثناء , لأن فقدان الوطن استثناء.. وستصبح الأمور طبيعية حين يعود الوطن ) ...(. قدمته للقراء, أسميته حنظلة كرمز للمرارة, في البداية قدمته كطفل فلسطيني, لكنه مع تطور وعيه أصبح له أفق قومي ثم أفق كوني إنساني «. ) 11 (
حنظلة / توقيع ناجي العلي الفني / سيظل شاهدا على مرحلة تاريخية ممتدة من الهزيمة إلى الهزيمة, إنه ملح اللوحة الكاريكاتورية وأحد المفاتيح الأساس لولوج عالم هذا الفنان.. تموقعه داخل اللوحة يوحي أحيانا بالجمود والسلبية وممارسة عملية التفرج على المشاهد الدرامية فيها, بالنسبة للبعض طبعا, إلا أن هذه النظرة التبسيطية لا ترقى إلى مستوى الدلالة الحقيقية لموقف حنظلة ووظيفته الأساس:» فالذي يحدد هوية ذلك الصبي– كما قال عنه مبدعه– هو العلاقة التي يقيمها داخل الصورة في الكلام«. )12 (
يحيلنا حديث ناجي العلي هذا على نمط اشتغاله الفني في مجموعة من لوحاته الكاريكاتورية – سيما الفترة التي قضاها في لبنان بما فيها زمن حصار بيروت-, إنه أسلوب الرسم المرفق بالتعليق والذي عرضه لانتقادات لاذعة من طرف معارضيه. لكنه دافع باستماتة عن هذا النهج رغم إقراره بأن »الكاريكاتور الجيد هو الذي تنبني جودته على الشكل وليس على الكلام, ولكن في الظروف التي نمر بها, وأمام هذا الإعلام الكثيف والمضلل أشعر أحيانا في حاجتي إلى الصراخ مع حاجتي إلى التعبير الفني «. إصراره العنيد على توظيف الكتابة كإحدى مكونات اللوحة الكاريكاتورية ناتج عن اقتناعه بأنها» ليست لغاية شرح اللوحة, لا لتعزيز طاقة الإضحاك فيها, بل هي فعل عضوي, كما الخط والكتلة والتناظر تعمق حس السخرية وبالأحرى تساهم في بنائه داخليا. الكتابة ليست ترفا هنا, ولا موقفا فحسب, إنما تراها مكونا لا متمما في صميم الكوميديا السوداء التي أنجزها ناجي العلي «.
﴿ 13﴾.
حنظلة /الوجه الآخر لناجي/ حول السياسي إلى قضية, فاختزل فلسطين في مسقط الرأس"الشجرة", واختزل العالم العربي في فلسطين, بل كل العالم » أليست فلسطين هي حالة تكثيف للظلم في العالم؟.. «
حنظلة حارب على جميع الواجهات في حماية قدسية الأرض, ونصب نفسه طواعية من بين الحراس المقهورين لهذا الواقع )...( , حاصروه في زاوية ضيقة وطالبوا برأسه حيا أو ميتا. لم يهادن أحدا في الدفاع عن القضية الفلسطينية, عن الثورة الفلسطينية, عن الشعب الفلسطيني المتشبث بمبادئه في سبيل تحرير أرضه, يحكمه شعار مركزي ظل يشتغل على هديه كأفق استراتيجي » تحرير كامل التراب الفلسطيني « أو فليأت الطوفان. ومن هنا مغالاته, وتطرفه في اعتقاد الوصاة. كان ناجي يدرك ثمن موقفه هذا, ولم يتردد في إعلانه على لسان حنظلة وبالفم الملآن:» اللي بدو يكتب لفلسطين, واللي بدو يرسم لفلسطين بدو يعرف حالو ميت. أنا مش ممكن أتخلى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي« )14 (. وعلى مستوى الإبداع ظهرت مجموعة من اللوحات الكاريكاتورية كرد فعل على التهديدات المباشرة للكف عن تعرية »أخوات الشليتة« - كما ينعتهم حنظلة – من أوراقهم التوتية رغبة في كشف جزء من الحقيقة المغيبة .
حنظلة شارة الهم العربي وعين الرصد العربية التي لا تنام, رمز كل المنبوذين والمسحوقين والمهمشين داخل هذا الفضاء العربي الشاسع, منحاز للفقراء لأنهم هم الذين يؤدون فاتورة الجميع على مستوى العيش أو الذود عن الوطن وتحمل أخطاء ذوي السلطة. لذا قال عنهم ناجي العلي: » أنا في الخندق معهم أراقبهم وأحس نبضهم ودماءهم في عروقهم, ليست لي سلطة أن أوقف نزيفهم, أو أحمل عنهم ثقل همومهم, لكن سلاحي هو التعبير عنهم بالكاريكاتور وتلك أنبل مهمة الكاريكاتور الملتزم«. هذا الطفل الشاذ عن القاعدة المألوفة بكل أبعاده: مظهره /موقعه / موقفه / حركاته/ تأمله/ خطابه الهادئ اللاذع/ براءته/ صفاؤه, لا يمكن إلا أن يمتد فينا– نحن المكتوين بذات النار السرمدية, نار جهنم الواقع العربي المرير– روحا نعتاش من رحيقها الأمل المبعد والنفس الطويل والإصرار على الاستمرار وروح المبادرة والجرأة على كشف الحقائق.. ولا يمكنه بالتالي إلا أن يفرض قناعته علينا في غالب الأحيان عبر لوحاته من خلال مواجهته بشكل أو بآخر» رهط السلطات التي تتكوم في رموزها ككومة من رمل وخشب أو كأكياس من دهن ومهانة أو شحم وخيانة , تعبث بالمسابح كما تعبث بالأديان وتجتر لغة من خشب« ) 15 (. من هنا تتحدد هويته الفنية وبالتالي دلالته الإيديولوجية. وبكلمة, إنه:» شاهد العصر الذي لا يموت.. الشاهد الذي دخل الحياة عنوة ولن يغادرها أبدا. إنه الشاهد الأسطورة. هذه الشخصية غير قابلة للموت, ولدت لتحيى وتحدت لتستمر. هذا المخلوق الذي ابتدعته لن ينتهي من بعدي بالتأكيد, وربما لا أبالغ إذا قلت: إنني قد أستمر به بعد موتي « ) 16 (. ذاك ما قاله ناجي العلي عن مخلوقه العجيب, وذاك ما تحقق بعضه على أرض الواقع , فحناظلة العالم العربي لم يقولوا كلمتهم بعد, لعل أول الغيث الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت بعد استشهاده بشهور, أليس القائل بأن الحجر هو رهان الفلسطيني؟. اهتز الهيكل في العمق, لكنه لم يكن هناك ليهمس في آذاننا: ألم أقل لكم؟ وهل أهملوه ليقول لنا كل ما عنده؟ إن مطاردة حنظلة / ناجي العلي, وتهديده بالقتل أكثر من مرة, وتضييق الخناق عليه, وقطع رزقه عبر الضغط على الصحف والمجلات التي كان ينشر فيها, وتهجيره من مكان إلى آخر لثنيه عن مواقفه الجذرية من المبادرات الانهزامية, كل ذلك يؤشر على مدى الانزعاج والهروب إلى الأمام خوفا من مكاشفة الحقيقة, وإن في نسبيتها, التي يخشاها الدعاة والمتشدقون بالشعارات الجوفاء, وحراس الثورة الفلسطينية بالأساس, ومعظم الحكام العرب..؟ ألم يكن ناجي – كما قال عنه رفاقه - ينقش الحقيقة العارية على قلوبنا جميعا عبر طوافه السندبادي » من بلد إلى بلد, ومن قارة إلى قارة, من زقاق إلى زقاق, من جدار إلى جدار, من صحيفة إلى صحيفة, حمل ناجي العلي ريشته ووجهه المليء بشتاء الأيام, وقال :"هي والموت"«.
بعد رحيله أحسسنا باليتم, تملكنا شعور بالغبن والتظلم ونحن نشاهد يوميا ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من ذبح وتقتيل وتشريد وهدم للبيوت على رؤوس سكانها في غالب الأحيان تحت ذرائع عديدة تخول للصهاينة ممارسة كل أشكال البطش والقمع دون رادع أممي أو غيره يوقف هذا المد الإجرامي عند حده وفق المواثيق الدولية المتعارف عليها. الإحساس بالعجز والخنوع والاستسلام مرده القهر الاقتصادي, وسياسة التجويع, والقمع المسلط على الشعوب بمبادرة من المؤسسات الدولية وإملاءاتها إلى حد أن الواحد منا أضحى يفكر في ضمان قوت يومه بدل الاهتمام بقضايا وطنية أو قومية أو أممية لن تجلب له إلا الويلات بعد أن قدم تضحيات جساما دون القدرة على ترجمة مكاسبها على أرض الواقع, إضافة إلى الخيانات الكبرى التي طبعت الساحة العربية من الماء إلى الماء. هذا الواقع المتردي غدا في أمس الحاجة إلى رجة عنيفة لإعادة ترتيب الأوراق من جديد علنا نتمكن من خلخلة هذه البركة الآسنة المتعفنة بحكم زمن التراجعات والتخاذلات والطاعة العمياء للإمبريالية, وربيبتها الصهيونية حد الانبطاح.. كيف يتسنى لنا ذلك والكل مشدود إلى رهانات غير مضمونة, وآمال معلقة, ووعود غالبا ما فندها الواقع بحكم حربائية الولايات المتحدة الأمريكية راعية "السلام", وضامنة أمن الحكام, ولم لا قادة الأحزاب السياسية المساهمة بشكل فعال في ترويض الجماهير صاحبة المصلحة في التغيير, وتدجينها رغبة في الحد من عنفوانها واندفاعها إلى الأمام للتصدي لمثل المسلكيات العدوانية هاته التي نجحت أمريكا وتابعتها الصهيونية في فرضها على شعوب المنطقة, وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الأعزل بعد أن ترك في العراء وحيدا يتجرع مرارة الصراع اللامتكافئ؟.
هذه البانوراما السوداوية حاولت مجموعة من الصحف مواكبتها عن كثب, وبالأساس جريدة " القدس العربي" , لكنها ظلت تشكو من غياب الصورة الكاريكاتورية الملتصقة بالحدث والقادرة على ترجمته بشكل متميز يوحي بمدى أهمية الكاريكاتور, ومساهمته في اكتمال الدورة الإيقاعية الواجب توفرها, بل تحقيقها في كل منبر إعلامي يطمح إلى النوعية والتفرد. نستحضر جريدة "القبس" في الثمانينات حيث كان الشهيد " ناجي العلي " يشكل ملحها ونكهتها الخاصة بلوحاته الدالة والجارحة لذوي النفوس الخبيثة والمتآمرة على القضية الأساس والمعادلة الصعبة في منطقة الشرق الأوسط, بحيث كانت الصفحة الأخيرة أول ما يشد انتباه أي متتبع للجريدة أو للقضايا العربية عموما والفلسطينية على وجه الخصوص. ألم يعترف مرة الشهيد " أبو إياد " في مقابلة ساخنة مع " ناجي العلي" عبر الجريدة ذاتها بأنه بمجرد ما تطأ قدمه أرض[ الكويت] يأخذ جريدة القبس, وأن أول صفحة يطلع عليها هي الصفحة الأخيرة [ يقصد لوحة " ناجي العلي" ] ؟. من هذا المنطلق نستحضر ذكراه في ظل انكساراتنا المتتالية المثخنة بجراحات لامندملة, نحيل الذكرى إلى شاهد تاريخي يعري مرحلة تاريخية بكاملها, ويكشف عن الخسة والخزي والعار والتواطؤ والتناور والتخاذل والأمل الآتي المتفجر من الأطراف, من المهمشين الذين كرس ناجي العلي حياته للدفاع عنهم, وعن قضاياهم العادلة. نستحضر الذكرى ونحن في منأى عن اجترار بكائياتنا المسدلة ستائرها على طبيعتنا الأدبية بالأساس كلما هزت أركان أحد الأطراف العربية عاصفة هوجاء لا تبقي ولا تدر. نستحضر الذكرى وكلنا أمل في تلمس خطى هذا الفنان المبدع, وملامسة بعض ملامح إحدى نبوءاته الفنية على الساحة العربية عموما والفلسطينية بشكل خاص, بحيث حاول عبر مجموعة منابر عربية من الماء إلى الماء الكشف عن مشروعه الفني بكل شفافية, معفيا إيانا من إجهاد الفكر لتقصي مشروعه هذا المبلور عبر الكاريكاتور بعد انطلاقه من المسرح. وفاء لوعده, واحتراما لمكانته الفنية ضمن رسامي الكاريكاتور العرب بالأساس, سنحاول مقاربة عالمه الفني من جانب محدد طالما أن أقلاما أخرى – إحياء لذكراه – عالجت وستعالج لا محالة بشكل أو بآخر جوانب أخرى يزخر بها نتاجه الفني الكاريكاتوري. عالم ناجي العلي الفني جدير بالدراسة المتأنية للكشف عن مكوناته الدفينة, واستكناه رؤيته الفنية, وتحديد توجهه الذي كرس له حياته إلى أخر قطرة من دمه بعد سقوطه غيلة على يد من كان يمسك بأعناقهم عبر شخوصه " المسخ " الذين استلذوا طعم الارتياح من شغب حنظلة, وانتقاده اللاذع لكل الرموز السياسية المتاجرة بالقضية الفلسطينية, وكذا القوى المتخاذلة المتحالفة مع الإمبريالية والصهيونية. إلا أن عملا من هذا الحجم يستدعي جهودا مضنية, ومسؤولية جسيمة في مستوى هذا الفنان المبدع دون منازع. مراعاة للاعتبارات السابقة, تأتي المقاربة البسيطة هاته لناجي العلي من زاوية خاصة ذات بعدين أساسين:
- بعد فني : يتجسد في اللوحات الكاريكاتورية التي اكتسح أقلها معظم المنابر الإعلامية .
- بعد سياسي : يستدعى التموقف الجذري من القضايا العادلة وفي مقدمتها" القضية الفلسطينية ".
والفرضية المتحكمة في هذه المقاربة قولة لناجي العلي منتقاة من بين إحدى الحوارات التي أجريت معه قبل رحيله الأبدي, والمشار إليها آنفا, حيث صرح قائلا: » لعلي لن أجازف في القول بأن حنظلة سيستمر من بعدي«.17
بعد سنوات ست على استشهاده غيلة, تحركت الساحة الثقافية أساسا وانبرت مبادرات عدة في مختلف جهات المعمور مشيدة بمكانة ناجي العلي الفنية, ونظمت مهرجانات ثقافية خصيصا للاحتفاء به, والتعهد بجمع إنتاجه الفني الغزير سيما الذي لم يعرف النور على مستوى النشر بحكم الرقابة المسلطة عليه إلى حد اقتلاعه من جذوره .. من هنا تأتى صورة حنظلة حاملا صرته على ظهره وهو يمشي..! لكن إلى أين..؟ فالتهجير محفوف بالمخاطر, ودرب المسير طويل, والخطوات معدودة في ذات الآن, إنه التيه الفلسطيني وما أدراك..! صورة معبرة عن عمق إحساس هذا الشعب في علاقته بالمكان حيث اللاستقرار. الذهاب إلى المكان " المقدس " رهين بمعانقة الأشواك, وتقديم القرابين اليومية فداء ووفاء له, تلكم كانت مسيرة " ناجي العلي ", وذاك ديدنه. ترى, ماذا أنجز من كل الإجراءات المتخذة, والقرارات الصادرة عبر كل المنابر والمناظرات, والمهرجانات التي نظمت احتفاء به؟ ليس المهم تحديد المنجزات, أو ما تم تنفيذه من وعود– عدا اليسير منها-, كما لا تهم الجعجعات والشطحات اللفظية والندب الإفتعالي كلما سقط شهيد, أو حلت كارثة, أو تفتقت عبقرية الصهاينة عن مجزرة مشهودة تلون الصورة المبثوثة عبر الأقمار الاصطناعية ليتفرج العالم بأسره على الكيفية الأنيقة التي يمارسها الإنسان" المتحضر جدا " في ذبح إنسان" متخلف جدا " في عرف دعاة الديمقراطية وحقوق الإنسان, الأمر الذي يحفز المذيعين "الطيبين" إلى تنبيه المشاهدين, خصوصا ضعاف القلوب أو شديدي الحساسية, بعدم مشاهدة الصورة المؤثرة المراد تقديمها. ليس ذاك مجال حديثنا الآن, بالرغم من أهميته, سيما ما يخص ناجي العلي, بل وقفتنا هنا والآن, متمأسسة بالأساس على إحدى نبوءاته المحددة سلفا. فحين يؤكد على أنه " لن يجازف في قوله.." فاستنادا إلى تصور متماسك منبن أساسا على معطيات ملموسة لديه انطلاقا من معايشته اليومية عبر مجموعة محطات يشكل"عين الحلوة " مبدأها و" لندن " منتهاها بعد رحلة التهجير التي جربها منذ صغره. هذه المعطيات تجسدها بؤرة النضال الفلسطيني/ اللبناني في الجنوب باعتبارها كإحدى إفرازات حصار بيروت, ثم الرهان على الجماهير المسحوقة في العالم العربي التي لم يعد لديها ما تفقده في ظل واقع عربي مترد جردها من كل مؤهلاتها, ويصبو إلى قتل إنسانيتها حد البهيمية. من هذا المنطلق يأتي تأكيد " ناجي العلي "على عدم المبالغة في كون "حنظلة سيستمر من بعده ". كيف ؟ الجواب موكول إلينا جميعا, كل حسب اجتهاده, وإمكاناته للغوص في أعماق فضائه الرحب المفعم بمسحة فنية جميلة .
البعدان المومأ إليهما أعلاه متداخلان بشكل مكثف يوحيان بمدى تماسك الرؤية الفنية وقدرتها على ملامسة جوهر القضية مثار المعالجة إلى حد أنها تغنينا عن قراءة ما كتب حولها. هذه الميزة خولت لناجي العلي إمكانية التموقع ضمن ثلة من الفنانين الكاريكاتوريين العالميين بحكم دقة وصفه, ورحابة أفقه لاحتضان مختلف القضايا عبر القارات الثلاث بنوع من الحرص الشديد على تمثل الموضوعية في اتخاذ المواقف حين يستدعي الأمر ذلك, أو تعليقه المفعم بالسخرية اللاذعة من قضية أو مجموعة قضايا بعينها تشغل بال الرأي العام, إضافة إلى قدرته على التوقع بحكم رهافة إحساسه, وانشغاله العميق بعدالة قضيته بالأساس. ذلكم ما يمكن ملامسته عبر مجموعة لوحات كاريكاتورية تعكس الأبعاد الدالة المشار إليها. إذن, من أين سنبدأ لترجمة ما تم تحديده حتى يتأتى لنا رصد القدرة هاته عبر نماذج حية؟ إن عالم ناجي العلي الفسيح يستعصي ضبطه أو الإحاطة به من خلال مقالة محدودة كهاته, لذا وجب الاقتصار على نماذج بعينها تتلاءم وطبيعة الحيز المخصص لها. للاعتبارات إياها سنحاول ملامسة مجموعة لوحات تترجم بالملموس قدرة هذا الفنان على سبر أغوار الواقع والنبش في الأعماق للكشف عن خبايا الأمور المراد التستر عنها رغبة في ممارسة التضليل, والتعمية على الجماهير الشعبية. إنها وظيفة الكاريكاتور الجاد المتسم بالموضوعية والحيادية والبعيد عن التزلف والتمسح بالأعتاب مهما كانت العواقب. ألم يذهب ناجي العلي ضحية صراحته المؤرقة لكل الدعاة, والمقلقة لجميع العتاة؟.
القدرة على التوقع : بعد حصار بيروت وما ترتب عنه من مضاعفات وفق شروط الإمبريالية / الصهيونية التي فرضت في نهاية المطاف منطقها المتمثل في إخراج منظمة التحرير الفلسطينية وكل المناضلين والمثقفين المتعاطفين معها من لبنان, وتجريم كل من حاول الدفاع عن قضيته العادلة بالسلاح ليصبح في عرفها إرهابيا, وتعميم ذلك على مختلف حركات التحرر في العالم, اعتقد الجميع أن القضية الفلسطينية أصبحت في خبر كان سيما بعد تجريدها من أهم المواقع الإستراتيجية التي كانت تشكل نقطة انطلاق لممارسة عملها النضالي: كان الخروج الأول من عمان, ليعقبه النزوح الاضطراري الثاني من بيروت, مرورا بمجازر متزامنة مع الخروجين معا [ مجزرة أيلول الأسود, و تل الزعتر, فصبرا وشاتيلا ] إلى مناطق الشتات. في ظل النظرة السوداوية هاته استسلم الجميع للأمر الواقع, وفقدوا الثقة في قدرة الشعوب على النهوض, وكسر الأغلال ونفض غبار الذل والهوان, وفرض أوضاع جديدة تحتم على العدو إعادة ترتيب أوراقه من جديد وفق استراتيجية جديدة لم يكن يتوقعها من قبل. كان ناجي العلي من الأوائل الذين بشروا بهذا الطرح من خلال لوحة كاريكاتورية تستشرف آفاق المستقبل, تبشر بالانتفاضة ربما قبل أن تخطر ببال منظريها سيما وأن المنظمة آنذاك لا زالت تبحث عن موطئ قدم داخل الأرض المحتلة, حيث ستغلق كل البوابات في وجهها لا سيما من طرف دول الطوق الذين استسلموا للأمر الواقع وأصبحوا يراهنون على السراب الأمريكي/ الصهيوني, أي أنها لم تتهيأ بعد, لا ذاتيا ولا موضوعيا لقلب موازين القوى والتمترس بالداخل لخلق مناخ مغاير وفق شروط تتساوق وطبيعة الحدث الذي سيجر الويلات على منظمة التحرير الفلسطينية بعد التنازلات التي ستقدم عليها تحت ضغوط إمبريالية/صهيونية, وكذا المواقف المتخاذلة لمعظم الدول العربية المهرولة نحو سلام مشروط يخدم بالأساس أهداف الإمبريالية وربيبتها الدويلة الصهيونية.
تفرض لوحة ناجي العلي الكاريكاتورية على المتلقي رؤية واقعية استنادا إلى معطيات ملموسة تتجسد في طبيعة المقاومة الواجب خوضها لتحقيق الأمل المجهض. والمهندس الرئيس الاستراتيجي لهذا التوجه " حنظلة ", حيث يأمر " فاطمة " بمواجهة عرب إسرائيل على أساس أنه سيتكفل بالإسرائيليين, وسلاحهما معا " الحجارة ". وبعد اغتياله بمدة قصيرة جدا, ستنطلق شرارة الانتفاضة الأولى التي لم يكتب له معاينتها, ومعايشتها هو المتيم بها حد الفناء. وقبلها ألم يؤشر على تكثيف العمل الفدائي لكن بشكل مغاير لما تم اعتماده في تاريخ النضال الفلسطيني / اللبناني أساسا, حيث سيطلع على قرائه بلوحة كاريكاتورية تتضمن مجموعة من الشاحنات, كل شاحنة تعقبها مجموعة من الشاحنات مليئة بالمتفجرات بشكل متسلسل يوحي بأن راكبي كل منها مشروع عمل فدائي انتحاري سيهز أركان " المارينيز, وطوابير الجنود الفرنسيين الذين كانوا مرابطين هناك نتيجة ما أسفرت عنه اتفاقية عشرين ماي بين السلطات اللبنانية من جهة, وإسرائيل من جهة ثانية بواسطة الأمريكيين بعد حصار بيروت وما أفرز من مضاعفات آخرها خروج منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها إلى مناطق الشتات, وبداية العد العكسي بالنسبة لحركة التحرر العربية. هذه الرجة العنيفة حتمت على القيادة الفلسطينية البحث عن بدائل جديدة في زمن التراجعات العربية بالأساس. وبالفعل ستتمكن الجماهير الفلسطينية بالداخل من تثبيت أقدامها على الأرض لتشعل فتيل الانتفاضة الأولى المبشر بها من طرف ناجي العلي, لكن للأسف لم يتمخض عنها – رغم نجاعتها وتضحيات أبنائها الجسيمة- إلا الاستسلام للضغوط الصهيونية, والأمريكية والأوربية, بل وحتى العربية, فكانت اتفاقية أوسلو السيئة الذكر. وهكذا تسلسلت الأحداث بشكل معكوس لم يجن منها الفلسطينيون إلا المعاناة, والاغتيالات, والاعتقالات, والطرد والتهميش وتضييق الخناق على مختلف المستويات رغبة في إخضاعهم للأمر الواقع, وإملاء شروط الصهاينة عليهم. هذه التنازلات التي أقدمت عليها السلطة الفلسطينية غالبا ما توقعها الشهيد أكثر من مرة, لكن تحذيراته من المكر الصهيوني والتآمر الإمبريالي كانت تقابل بنوع من اللامبالاة, والاستخفاف, والاتهام بالتطرف. هذا الموقف الحاد عرضه للكثير من المشاكل, وجنى عليه الويلات إلى درجة التصفية في نهاية المطاف.
الحديث عن" ناجي العلي" ذو شجون, ولا يمكن الإحاطة بكل الجوانب التي استحضرها المبدع أو وظفها عبر لوحاته الكاريكاتورية بحكم كثافتها وعمقها وميزتها الجمالية, بل ديدننا مقاربة عالمه بشكل مبسط علنا نعيد له بعض الاعتبار, ونحفز الآخرين على الاهتمام بعالمه الفني المشاغب الجميل... لنقف عند هذا الغيض من فيض المتعلق بهذا الفنان الكاريكاتوري العربي المتميز, ولنصغ مليا إلى إحدى وصايا أحد رفاق الدرب الصحفي والمحتضن له زمنا على صفحات جريدة السفير اللبنانية بالرغم من المناورات و الضغوط والمساومات التي تعرضت لها الصحيفة في شخص رئيس تحريرها الأستاذ " طلال سلمان ". في تعليقه على كتاب السفير " كاريكاتور ناجي العلي " والذي قدم له محمود درويش ب 400 كلمة, يقول" طلال سلمان:» لا تقرأ ناجي العلي إذا كنت تبحث عبر كاريكاتوره عن بسمة, عن قهقهة, عن إجازة من السياسة وهموم الحياة. اقرأه لتتذكر كل همومك وحقائق تاريخك. اقرأه لتكون أنت أنت, ولتعود الخيمة فتصير وطنا لك وللمائة مليون فلسطيني: أبناء هذا الوطن العربي العظيم «.)18(
وأخيرا هل استوفينا الحديث عن ناجي العلي, عن حنظلة, لا أحد يمكن الإقرار بذلك, فمثل هذا الفنان المتميز أشمل من أن تحتويه مقالة في مثل الحيز هذا, ولا عرض أو ندوة موسعة حتى, إنه فنان في أمس الحاجة إلى طاقم نقدي متخصص للاشتغال على إنتاج زاخر يربو على أربعين ألف لوحة كاريكاتورية, لم ينشرها كلها, بل لم يصلنا منها إلا الجزء اليسير... وصفوة ما نختم به مقالتنا المتواضعة هاته, شهادات لمثقفين مختلفي المشارب, شهادات نابضة بنوع من البوح المسكوت عنه لا يدركه إلا من كابد مرارة الحنظل بشتى صنوفه داخل هذا المستنقع العفن الذي نتجرع مرارته على مضض. ولعلها – أي الشهادات – على مستوى آخر تكشف عمق التجربة الفنية لناجي العلي/ الفنان الذي كان يرسم بحامض الكبرتيك/ ماء النار, كما وصفه مدير تحرير صحيفة " أسامي" اليابانية, الفنان المفتقد في عز أيامنا السوداء, والذي سنحتاج إلى عمر مديد لاستنبات كاريكاتوريست في مستواه رغم أن الساحة العربية تعج بمجموعة من الفنانين الكاريكاتوريين لكن من مستوى آخر, وبطعم مغاير لما اعتدناه في ناجي العلي الذي لم يقل سوى نصف الحقيقة, ليس لكونه لم يجرأ على ذلك, ألم يذهب ضحية جرأته المفرطة في اعتقاد " الوصاة قهرا "..؟ وما يحز في القلب بالأساس هو كونه اغتيل وفي جيبه رصاصته الأخيرة..
هوامش :
1- الكاريكاتور في الصحافة الوطنية/ العلم [ م . بوحمام ] - بحث جامعي .
2- علي فرزات الاتحاد الإشتراكي – 25 دجنبر 1968 ] .
3- ناجي العلي [ جريدة القبس - العدد/ 792 – 1987 ] .
4-الكاريكاتور في الصحافة الوطنية [ مصدر سبق ذكره ].
5- نفس المصدر السابق.
6- نشير في هذا الصدد إلى بعض الدراسات التي تمكنا من العثور عليها على سبيل المثال لا الحصر :
*[ كاريكاتور ناجي العلي / كتاب السفير..].
* [ طفل الشمس / منظمة العمل الديمقراطي الشعبي [ الطبعة الأولى 1987/ مطبعة فضالة ].
*[ الكاريكاتور في الصحافة الوطنية/مصدر سبق ذكره ].
*[ حكومة وأهالي وخلافه/ بهجت ].
*[ كاريكاتور نزيه/نزيه ] .
*[ كاريكاتور جمعة .حكومات ومعارفه/ جمعة ].
*[ كاريكاتور جمعة.. عالم ساخن جدا/ جمعة ].
*[ كاريكاتور العربي الصبان / سلسلة شراع ], إضافة إلى أطروحة الفنان الكاريكاتوري " يوسف
عبد لكي " حول الكاريكاتور العربي ] .
7 – ناجي العلي يتحدث عن حنظلة / الإطلالة الأولى لحنظلة [ الاتحاد الاشتراكي – 14 يناير 1990 / العدد 2353].
6 – ناجي.. طفل الشمس مصدر سبق ذكره..
7 – جريدة المحرر في 27 شتنبر 1980 .
8- نفس المرجع السابق .
9- " مسافة بين الرصاصة والحلم " [ جريدة القبس الدولي في 22 شتنبر 1987- العدد / 811 ] .
10- جريدة القبس الدولي في 5 – 6 شتنبر 1987 .
11-" ناجي العلي : الريشة التي لا تساوم " / فيصل دراج [ الهدف - العدد 800/ 1986].
12- " ناجي . . طفل الشمس " , مرجع سبقت الإشارة إليه .
13-رشاد أبو شاوور [ جريدة العلم 22 أكتوبر 1989 ] .
14-كاريكاتور ناجي العلي [ كتاب السفير] مصدر سبق ذكره .
15- ناجي العلي: الريشة التي لا تساوم [ مصدر سبق ذكره ]
16- ناجي.. طقل الشمس [ الطبعة الأولى ].
17- نفس المصدر السابق
18- كاريكاتور ناجي العلي [ كتاب السفير ].






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,547,267,822
- معمودية الدم الفلسطيني/ اللبناني بين صلافة الصهيونية وانبطاح ...
- صفقة خاسرة لن تقصم ظهر جمل المحامل
- الغناء الشعبي الجاد والقصيدة الزجلية.. أية علاقة لأي أفق؟
- الشيخ امام أو ايقاع زفرات قلب جريح
- جدلية السخرية والانتحاب في ديوان حتيت بلا مغزل
- الشيخ امام او ايقاع زفرات قلب مكلوم


المزيد.....


- بلادٌ و حادلة إسفلتْ / نعيم عبد مهلهل
- صلاة / سوسن السباعي الجابي
- حواشي الشمس / منال أحمد
- لأننا لا نتألم بطريقة صحيحة / ممدوح رزق
- عندما يصبح الانتظار لعبة الفلسطينيين / بشار إبراهيم
- على شاطىء المتوسِّط ... / سليمان دغش
- تباشير الصباح / محمد الإحسايني
- النفق / حسين هاشم
- مسرحية نساء لوركا خطاب مرتبك / ياسين النصير
- أنَا ابنة ٌ شرعِيَّة ٌ للعاصفَة / ريتا عودة


المزيد.....

- لا يصدق!!.. طفل هندي بـ "يدي عملاق" تحير الأطباء
- "داعش".. الانتحار في الانتظار
- وزير ألماني يتهم قطر صراحة بتمويل "داعش"
- من غرائب الدنيا: شجرة واحدة ب 40 نوعاً من الثمار
- العثور على جثة طالب مغربي داخل سيارته بمقاطعة سان ليونار بمو ...
- بدء جلسة البرلمان بالتصويت على منع التصرف بعقارات النازحين و ...
- الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق نيكولاي ملادينوف يحذر م ...
- محرك بحث متخصص بالأفلام
- لغط في الهند حول فيلم «يمجد» قتلة انديرا غاندي
- جاكي شان يشعر «بالعار» لاعتقال نجله بسبب المخدرات


المزيد.....

- دفتر بغلاف معدني / ناصر مؤنس
- الجانب الآخر من الفردوس / نصيف الناصري
- بئر العالم / حسين علي يونس
- ترجيل الأنثى تسمويا....حزامة حبايب في رواية (قبل ان تنام الم ... / مقداد مسعود
- صرخة من شنكال / شينوار ابراهيم
- فصلان من رواية -ابنة سوسلوف- / حبيب عبدالرب سروري
- يوميات اللاجئين / أزدشير جلال أحمد
- الفن والايديولجيا / د. رمضان الصباغ
- زخات الشوق الموجعة / الحكم السيد السوهاجى
- اعترافات عاشق / الحكم السيد السوهاجى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مصطفى لمباشري - وظيقة فن الكاريكاتور الأساس.. ناجي العلي نموذجا