أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سلطان الرفاعي - السلام الديمقراطي1-المنظور الليبرالي -البنيوي















المزيد.....


السلام الديمقراطي1-المنظور الليبرالي -البنيوي


سلطان الرفاعي

الحوار المتمدن-العدد: 1661 - 2006 / 9 / 2 - 09:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في مقالة مثيرة للأستاذ تشمبيل Ernst-Otto Czempiel، طرحت فرضيتان استقاهما الكاتب من فكر إيمانويل كانط Immanuel Kant. تتعلق الأولى بالشروط الداخلية الضرورية لـ "السلام الديمقراطي". وبقراءة تأويلية لكتابات كانط، حاول تشمبيل أن يثبت بأن هذه الشروط تتضمن وجود سند داخلي للسلام؛ والرقابة المجتمعية على أعمال الحكومة؛ وتمثيل غير متحيز لمصالح خاصة وتحمل متكافئ للأعباء في تنفيذ السياسات. لكن تشمبيل يقول أن هذه الشروط لا تتأتى حتى بين الديمقراطيات الليبرالية ما يؤدي إلى اندلاع الحروب بشكل حتمي. هذا الطرح مقنع ويربط بين عمله ومختلف الاتجاهات الليبرالية.

ما يهمني هنا هو فرضية تشمبيل الثانية، حيث يواصل قراءته لـ كانط، والتي تقضي بأن إزالة المشاكل الأمنية التي قد تطرأ بين الجمهوريات يتطلب إنشاء منظمات دولية قوية. هذا الإدعاء الذي تقدم به تشمبيل لتفسير السلام والحرب يعتبر متجرأ، فمن الثابت أن المؤسسات الدولية ليست بأقل أهمية nicht weniger wichtig من الدمقرطة الوطنية والاعتماد المتبادل، ولذا يجب على منظري العلاقات الدولية أن يأخذوا بمحمل الجد مقترحات كانط بخصوص فدرالية دولية Foedus Pacifium.

غير أن تشمبيل يؤكد أن إقرار السلام بين الدول الأوربية بعد الحرب كان بفعل إنشاء المنظمات الدولية مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، والناتو، والمجموعة الأوربية للفحم والصلب، والمجموعة الاقتصادية الأوربية، وأكثر من ذلك فهو يرى أن تأثير إنشاء هذه المؤسسات في ضمان السلام كان بنفس أهمية تأثير الدمقرطة والاعتماد المتبادل، كما يضيف أن السلام لن يكون كاملا قبل إتمام اتحاد العالم الغربي. ويبدو أن تحقيق هذا الهدف بنظر تشمبيل يقتضي إنشاء فدرالية بالمفهوم العصري، عبر إتمام الاتحاد النقدي والاقتصادي، والذهاب إلى أبعد مما حرزته منظمات مثل OECD عن طريق رسم حدود للسيادات الوطنية، وذلك بواسطة إقرار الاقتراع بالأغلبية والتشريع الديمقراطي المباشر.

أولئك الذين يحتفون بـ "السلام الديمقراطي" و"نهاية التاريخ" يستبقون الأوان، فإلى حين بروز "فدرالية كانط" يبقى السلام بين الدول الديمقراطية غير مستقر حسب تشمبيل. ومع ذلك، سأستعرض في هذه الورقة ثلاثة انتقادات تطال الأصالة المعرفية لهذه الفرضية، وانسجامها المنظوراتي، وصدقيتها الإمبريقية. موقفي الأساسي يتمثل في أن فرضية تشمبيل الأولى "الليبرالية البنيوية" مختلفة تماما وأكثر إسنادا من الفرضية الثانية "المؤسساتية"، كما أن الأولى تفسر الكثير من المتغيرات التي يعزوها تشمبيل خطأ للثانية. إن الإدعاء بتأثير المؤسسات الدولية على السلام بين الديمقراطيات في أحسن الأحوال طرح غير مؤسس وفي أسوها خاطئ.

الخلفية الفكرية: هل كان كانط مع مؤسسات دولية قوية؟

من الواضح أن موقف كانط (1795) كان لصالح مؤسسات دولية تتمتع بصلاحيات محدودة. كما أنه كان متخوفا من حكومة عالمية قد تصبح دكتاتورية وتعمل على اضطهاد التعدد في التصورات الدينية، واللغوية، والوطنية للحق السياسي. ولذا فقد كان دوما يبحث عن التمييز بين "فدرالية للدول الحرة" وأي تصور لـ "دولة عالمية"، على النحو الذي كان يدعو إليه فقهاء القانون الدولي البارزين في عصره مثل: قروشيوس، وبافندورف، وفاتل. ولا يستند في طرحه إلى أهمية الحفاظ على تميز التقاليد الوطنية لكل دولة فحسب، بل أنه يعتقد بالمبدأ القائل بأن القوانين تفقد فاعليتها بتوسع النطاق الجغرافي لعمل الحكومة. ومن هنا فإن أية حكومة عالمية ستؤول إلى "استبداد بلا روح بعد اندثار بذور الخير ... وفي النهاية فإن الأمر كله سيؤول إلى فوضى". يتضمن هذا الاعتقاد نتيجة بديهية، فطالما أن كانط يؤمن بأن تاريخ العالم كله تحركه ديناميكية التنافس اللامركزي بين الأفكار والأمم، فإن ذلك سيتهدد بوجود حكومة عالمية مركزية وقوية. طروحات جون ستيوارت ميل بدورها كانت حذرة بمعارضته لفكرة وضع قيود أخلاقية

-وليس قيود قانونية- على عمل الحكومات الوطنية، وهذا هو الطرح الذي يتداوله الكثير من المفكرين ذوي الاتجاه الليبرالي.

صحيح أن المنظمات الدولية في نظرية كانط أكبر من مجرد اتفاقيات محدودة، لكنه من غير الواضح إذا كانت هذه النظرية تتضمن أي دعم للسير خطوات باتجاه تحقيق الفدرالية. وهذا حتى بإسقاطها على واقع النصف الأخير من القرن العشرين. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن أيا من المقالات الثلاثة التي استند إليها تشمبيل (1996) حول مشروع كانط للسلام الدائم (وهي تحريم: المعاهدات السرية، وتأهب الجيوش، والحروب الممولة بالإستدانة) أي منها لا يمكن تنفيذها عبر عمل منفرد ومنسق على نطاق واسع.

وقد أوضح كانط أن الفدرالية ستنبثق عن الإملاءات الأخلاقية للحكم الجمهوري، ولكنها ليست بأي حال فدرالية قوية، فطالما أن كل دولة تولي أهمية أكبر لحقوقها السيادية فإنها لن تقبل بالفدرالية بمعناها الحديث، والذي يعني التعدي على العلاقة الفريدة القائمة بين الحاكم والشعب، ليجعلها تحت رحمة سلطة أعلى. وبالخصوص، لأن مثل هذه القيود الخارجية لا يمكن أن تكتسب قوة قانونية، إذ أن كانط يعتقد بأن القانون يجب أن يكون نافذا. إن فدرالية كهذه، حسب كانط لن تسعى للحصول على صلاحيات مماثلة لصلاحيات الدولة، بل ستعمل فقط على حماية وتأمين حرية كل دولة لذاتها. وباختصار، فإن فدرالية كانط تعتبر معاهدة شاملة وليست نسق دوليا.

وهكذا، فإنه لا يوجد من منظور كانط ميزة واضحة ولا خطر معتبر للأنساق الدولية الملزمة يكون الاقتراع فيها بالأغلبية وتتمتع بإدارة مركزية وغيرها من العناصر التسلسلية الهرمية. إذن لا تقدم مقترحات كانط دعما قويا للطرح القائل بأن السلام العالمي سيتعزز أكثر إذا أصبحت منظمات مثل منظمة الأمن والتعاون في أوربا، والاتحاد الأوربي أكثر قوة وأكثر ديمقراطية، بل إنه ومن منظور كانط يوجد مبرر قوي للاعتقاد - على الأقل من الناحية التجريدية - بأن مثل هذه التطورات ستكون مضرة من الناحية السياسية ومتناقضة من الناحية الفلسفية.

نظرية العلاقات الدولية: هل النظريات القائمة على الخيارات والمؤسسات مقبولة؟

يوجد تناقض بين فرضيتي تشمبيل النظرية "الليبرالية البنيوية" و"المؤسساتية". فبينما يرى بعض المفكرين بمن فيهم كانط أن هذه الافتراضات تندرج ضمن برنامج سياسي واحد، إلا أنه ليس من الواضح إن كانتا تتقاسمان الأسس الابستيمولوجية ذاتها. العلاقة الدقيقة بين الفرضيتين مهمة، لأنه وبينما تشمبيل (1996) يقدمها على أساس أنهما بذات الوزن، أصر على أن ذلك ليس صحيحا. إذ توجد أسباب ملزمة للتعامل مع فرضية "السلام الديمقراطي" - وهي فرضية مستقاة من المنظور "الليبرالي البنيوي" - على أنها أكثر تأسيسا نظريا مقارنة بالفرضيات المستقاة من المنظور المؤسسساتي(الذي يفترض بأن المؤسسات الدولية تتمتع بخاصية تقليص نسبة اللايقينية التي تكتنف السلوكات الدولية).

يركز المنظور "الليبرالي البنيوي" (الذي تمثل اقتراحات كانط حول العلاقة بين نظام الحكم الوطني وسياسة الدولة إحدى اتجاهاته النظرية) على العلاقة بين الدولة والمجتمع وأثرهما على السياسة العالمية (مورافسيك 1992)، وهو يقوم على ثلاثة افتراضات:

- الأفراد والجماعات في المجتمع المدني الوطني وعبر-الدولي يشكلون الفاعلين الأساسيين في السياسة الدولية.

- كل المؤسسات السياسية - بما فيها الدولة-الأمة تمثل مصالح بعض وليس بالضرورة كل أطراف المجتمع الذي يخضع لحكمها.

- سلوك الدولة الذي يعتبر محددا لمستويات النزاع والتعاون الدولي، يعكس طبيعة وشكل مقاصد الدولة وخياراتها.

استنادا إلى الافتراضات الثلاثة السابقة، يمكن اشتقاق ثلاثة اتجاهات نظرية لتفسير الصراعات والتعاون على المستوى الدولي، إذ أن كلا منها يشدد على عنصر مختلف للعلاقة بين الدولة-المجتمع على المستوى الوطني وعبر-الدولي. الاتجاه الأول، يركز على طبيعة الاعتماد المتبادل السوسيو-اقتصادي (الليبرالية التجارية)، والاتجاه الثاني يركز على التمثيل السيئ للمصالح الوطنية (الليبرالية النيابية)، أما الاتجاه الثالث والأخير، فيركز على مدى التطابق من عدمه في القيم الوطنية (الليبرلية المثالية).

يظهر المنظور "الليبرالي البنيوي" ما يبدو وأنه تناقض في النقاش النظري الحالي في العلاقات الدولية، فهناك في واقع الأمر تماثل مثير بين النظريات الواقعية والمؤسساتية في العلاقات الدولية، رغم ما سبق من اعتبار النظريتين متقابلتين منذ النقاش الواقعي-المثالي في فترة ما بين الحربين العالميتين، إلا أن هذه النظريات تتقاسم عددا كبيرا من الافتراضات المشتركة، خاصة عند مقارنتها بالليبرالية البنيوية.

نظرية النسق الوظيفي عند روبرت كيوهان Keohane 1984 وأغلب الاتجاهات المؤسساتية (أعمال ستيفن كراسنر 1983، دونكان سنيدال 1986) يشتركون مع الواقعية (وولتز 1979) في الافتراضات القاضية بأن الدولة فاعل موحد وعقلاني لها خيارات ثابتة، وبأنها، أي الدول، تعتبر فاعلا أساسيا في السياسة الدولية، وبأن المكاسب الدولية تتجه نحو التعاظم نتيجة لبعض أنماط التفاعل الاستراتيجي؛ وبأن المحددات الأساسية للتغير في سلوك الدولة هو التغير الثابت في بنية النظام الدولي. النيوواقعية عند وولتز ونظرية الأنساق عند كيوهان مرتبطتان بشكل كبير لتركيزهما على أهمية اللايقينية والمعلومات، ولو أن وولتز يستقي الوضعية المعلوماتية الدولية من القوة وكيوهان من الصفقات transactions والمؤسسات.

ولا شك أن الواقعية والمؤسساتية تختلفان كثيرا في العناصر التي يتم التركيز عليها: المؤسساتيون يركزون على المباريات ذات المحصلة الإيجابية، ويشددون على أهمية المعلومات كوعاء لبنية النظام الدولي، بينما يركز الواقعيون على المباريات ذات المحصلة الثابتة ويشددون على أهمية الموارد (قريكو 1988). ولو أن كلتا النظريتين تتشاركان لافتراض نقدي واحد والقاضي بأن الخيارات المتبعة (وهذا مقابل الاستراتيجيات المتبناة) من طرف الدولة تخضع للقيود التي تفرضها عليها بنية النظام الدولي لدرجة أنه يمكن اعتبار هذه الخيارات ثابتة، وبذلك يمكن إدراج النظريتين معا ضمن إطاري نظرية المباريات أو تحليل التفاوض (باول 1994، وسيبنيوس 1991). وبالنظر إلى هذه التماثلات التحليلية المثيرة بين الواقعية ونظرية الأنساق

والاختلافات المماثلة بين "الليبرالية البنيوية" و"المؤسساتية"، وبالخصوص التشديد على العلاقات بين الدولة-المجتمع والتغير في الخيارات، إنه من التضليل توظيف مصطلح ّالنيوليبرالية المؤسساتيةّ" لوصف نظريات تكاليف الصفقات للأنساق، إذ يستخدم كيوهان 1986 مصطلحا أدق يتمثل في "الواقعية البنيوية المعدلة".

باختصار، كل من الواقعية والمؤسساتية تركزان على تعزيز التعاون الدولي، الإشكالية تطرح على مستوى الوسائل بالنسبة لـ "الواقعيين" و"المؤسساتيين" على حد سواء، أما بالنسبة لـ "الليبراليين البنيويين" فإن ما يهم أكثر هو الغايات.

وبخصوص النقاش الدائر حول التأصيل المنظوراتي لكل من "الليبرالية البنيوية" المرتكزة على الخيارات و"المؤسساتية"، فإن فرضية "السلام الديمقراطي" التي تعود إلى الليبرالية البنيوية هي الأكثر إسنادا. فمن المستحيل إيجاد، من بين نماذج التفاعل الاستراتيجي، سواء النماذج الواقعية للمساومة أو نماذج المؤسساتية للعمل الجماعي، نموذجا واحدا لا يتضمن افتراضات واضحة ومسبقة حول "الخيارات".

يجب أن يخضع أي تفسير شامل للصراع والتعاون الدوليين للتقييم والتفسير قبل الشروع في تقييم استراتيجي في حال كانت خيارات الدولة متباينة. وقد كان ذلك مقبولا عند كانط وويلسون وآخرين، والذين يوضحون بالخصوص أن الجمهوريات وحدها كانت أعضاء في الفدراليات ومنظمات الأمن التعاوني.

وأخيرا، تجدر الإشارة إلى الطرح الذي يذهب إلى ما وراء المسألة المتعلقة بالسلام الديمقراطي والذي يقضي بأن جميع الافتراضات الليبرالية البنيوية تعتبر من الناحية التحليلية أسبق على الافتراضات الواقعية والمؤسساتية. وهذه تقلب رأسا على عقب توصية وولتز التي تحظى بقبول واسع رغم تناقضها والقاضية بفحص النظريات البنيوية أولا على أنه يمكن استخدام النظريات الجزئية لتفسير التغيرات الظرفية. وبالنتيجة، فإن التعامل مع الاثنتين بنفس الأهمية يبقى محل تساؤل، فطالما أن الليبرالية البنيوية تعالج الظاهرة ذاتها فإنها تمنح الأولوية.

المطابقة النظرية والمعاينة الإمبريقية: هل تقوم المؤسسات الدولية فعلا بتعزيز السلام والتعاون الدوليين؟

مهما كانت العلاقة بين الفرضية الثانية تشمبيل ومقاصد كانط والمنظورات المتضمنة في نظريات العلاقات الدولية فإن إسناداتها تتوقف على مدى مطابقتها النظرية وصدقيته الإمبريقية. السؤال المحوري هو فيما إذا كانت العوامل المتضمنة في "الليبرالية البنيوية": الديمقراطية، والاعتماد المتبادل، والقيم المتقاربة، بالأهمية الكافية بحيث تجعل من الممأسسة الدولية دون تأثير يذكر. الإدعاء بأن المؤسسات الدولية تعزز السلام تبقى، ومنذ الوهلة الأولى تأملية، طالما أن هذه النقطة من ورقة تشمبيل (1996) لا تتمتع بأي سند إمبريقي فقوة طرحة تم تقويضه لدى قبوله بفكرة أن الديمقراطية والاعتماد المتبادل والقيم المشتركة تطورت في كنف أوربا الغربية بحيث أنه وحتى وإن آلت حركة الاتحاد الأوربي إلى الركود فإن السلام لن يتعرض لأي تهديد. ومن هنا نبدو وكأننا نتحدث عن احتمالات الحرب بين ديمقراطيات أمريكا واليابان والديمقراطيات الصاعدة في آسيا الشرقية وأمريكا الجنوبية وأربا الشرقية، وهي الأطراف التي لا تبدوا هناك أية احتمالات لقيم صراعات حادة بينها. توجد ثلاثة أسباب نظرية وإمبريقية عميقة للتشكيك في هذه الفرضية.

أولا، يبدو مقبولا نظريا بان الكثير من المؤسسات الدولية من الناحية السببية مجرد ظاهرة عرضية. الطرح المؤسساتي القاضي بأهمية المؤسسات يقوم على افتراض أن تكاليف الصفقات المرتبطة بإنشاء المؤسسات الدولية مرتفعة، ومن هنا فإنها تظل صامدة حتى بتغير المصالح التي أدت إلى إنشاءها. ولكن إذا كانت تكاليف الصفقات متدنية، فإنه يمكن إنشاء المؤسسات و تغييرها بحسب الإرادة. ويمكن حينها أن نتوقع تزويدنا بمؤسسات دولية بحسب الطلب. وفي الحالة الأخيرة، فإن المؤسسات تبدوا آليات سببية وليست بأسباب أساسية بحد ذاتها؛ وبالتالي فهي لا تساهم في حد ذاتها في التعاون بمعزل عن العوامل البنيوية المتضمنة. توجد بعض الإثباتات الإمبريقية الامستقاة من دراسات الحالة التي ترى أن هذه النظرية الوظيفية الضيقة النطاق تعتبر صحيحة.

ثانيا، ليس واضحا، نظريا، من عمل تشمبيل عبر أي من الميكانيزمات السببية تساهم المنظمات الدولية في حل المشاكل ذات الطابع المعلوماتي. لا شك أن منطق المأزق الأمني كما هو وارد عند وولتز (1979) وروبرت جرفيس (1978) وجيمس فيرن (1995) وآخرون يثيرون حقيقة نقص المعلومات. الحكومات يجب أن تحضر نفسها للأسوأ لأنها ليست متأكدة من نوايا وإمكانيات الخصوم. تدعي النظرية المؤسساتية أن المؤسسات تستطيع حل هذا المشكل، لأنها تزودنا بمعلومات موثوقة عن الخيارات الوطنية وحول القوة (كيوهان 1984). ولكن الديمقراطيات التي تتسم بنوع من الشفافية وتمتلك سجلا جيدا في النزوع نحو السلم (Cowhey 1990). وأكثر من ذلك، فهي تستطيع، وبشكل منفرد تقديم التزامات موثوقة (Martin 1992). لا يوجد سند نظري كبير للاعتقاد بأن تعزيز الشفافية ضروري. وتبين لنا دراسات التعاون في التسلح أن الحكومات الديمقراطية تقيم بدقة الأوضاع الداخلية لبعضها البعض حتى في غياب آليات مؤسساتية واضحة للقيام بذلك (موفسيك 1993). باختصار، الأنساق ليست ضرورية لتغذية المحتوى المعلوماتي للتفاعل بين الديمقراطيات.

ثالثا، لا توجد إسنادات إمبريقية كافية تؤيد وجود رباط وثيق بين المؤسسات الدولية والسلام. الدراسات الكمية لمحددات الحرب لا تظهر أي تأييد كاف للدور المستقل للمؤسسات عند مقارنتها بالعوامل "الليبرالية البنيوية" في أوربا لما بعد الحرب وهي الفترة التي ركز عيها تشمبيل. يصعب إجراء فحص إمبريقي لأن كل أعضاء الاتحاد الأوربي دول ديمقراطية. فنحن لا نجد أثرا لأية إثباتات حول صراع جيوسياسي كبير بين أعضاء الاتحاد الأوربي أو بين الأعضاء الحاليين غير الأعضاء (مثلا دول EFTA ، وأعضاء OECD ، والمنظمات التي يتشكك حولها تشمبيل) ولا بين أعضاء الناتو والدول المحايدة. السجل التاريخي لا يبين سوى بعض من التهديدات من قبيل تلك التي أطلقها ماكميلان في الستينات بإقدامه على سحب القوات البريطانية من التراب الألماني كوسيلة ضغط للإنضمام إلى الإتحاد الأوربي. ولكن ذلك كان مجرد خدعة. وكذلك، لم تكن سويسرا أو السويد أو إسبانيا تبدي أية ميول حربية رغم أنها لم تندمج في المؤسسات الدولية الغربية. في حين أن الولايات المتحدة وكندا أظهرت سلوكا يميل كثر إلى التنازع رغم دخولهما سوية في مسار تكاملي إقليمي. كما أنه لا توجد حقائق كبيرة تثبت أن الاندماج الأوربي كان له تأثير إيجابي على السلام. القضايا الجيوسياسية الأساسية المتبقية مثل سياسة الاستقلالية الاقتصادية والعسكرية إلى تتبعها ألمانيا، الناتو، الإصلاح، استئصال النازية، الأسلحة النووية، وهي قضايا تم حلها كلها قبل، وليس بعد التوقيع على معاهدة روما. وهل يستطيع أي مؤرخ التأكيد بأنه لولا المجموعة الأوروبية للفحم والصلب -والتي اتضح الآن بأنها كانت نسبيا منظمة غير فعالة- لاتجهت فرنسا وألمانيا نحو الحرب؟

في كل الحالات، يبدو قلب هذه العلاقة السببية أكثر تقبلا: استبعاد احتمالات الحرب كان بفضل الدمقرطة وتغير القيم، وبفضلها أيضا توجه الاتحاد الأوربي نحو الإندماج الاقتصادي. الصلة الظاهرة بين العضوية في المؤسسات الدولية/والسلام مغلطة. لكن إذا ما ركزنا على تأثير العوامل "الليبرالية البنيوية" فإننا سنحصل على تفسير للحالتين. لا شك أن الإعتقاد بأن الإندماج الأوربي ونمو والعلاقة الفرنسية-الألمانية كان لها تأثير إيجابي على السلام يبقى إحدى الحقائق السياسية الأساسية في التاريخ الأوربي بعد الحرب، يمكن أن يكون ذلك موردا رئيسيا لإظفاء الشرعية على الاتحاد الأوربي، غير أن ذلك يبقى بدوره يبقى محل جدل. باختصار، بينما يبقى من الممكن نظريا، مثلما يشير إليه تشمبيل، استمرار المآزق الأمنية بين الديمقراطيات إلا أنه لا تجد سوى قرائن قليلة على ذلك.

خـلاصة

إذا كان التحليل السابق صحيحا، فإن فحصا متزامنا للاعتبارات المتعلقة بالخلفية الفكرية، والجوانب المنظوراتية والإمبريقية، تزيل الشك بشأن الفرضية القائلة بأن المؤسسة الدولية لها تأثير إيجابي كبير على السلام بين الحكومات والديمقراطية. وأهم حجة على ذلك هو تقويض فرضية تشمبيل الأولى (الليبرالية البنيوية)على الفرضية الثانية (المؤسساتية). "الليبرالية البنيوية" بلا شك أكثر تأصيلا منظوراتيا، وأكثر قبولا نظريا، ولها إسنادات قوية إمبريقيا.

ومن المهم جدا الإارة إلى أن الالتزام بـ "الليبرالية البنيوية" لا يتضمن عدم إيلاء أهمية للمؤسسات الدولية كآليات سببية، ولا أنها لا تمتلك أي تأثير على السياسة الدولية، فهناك طرق أخرى للمضي قدما باستعمال النظرية "الليبرالية البنيوية" لـ "الأنساق الدولية". حسب الطرح "الليبرالي البنيوي" فإن ما يربط بين الفدرالية الدولية وسوك يحترم القانون ليس المؤسسات الدولية بذاتها، ولكنه التقارب في السلوكات المحترمة للقانون. إن روح المنظمة الدولية هو بعدها الأفقي وليس العمودي. وهو الاعتراف المتبادل بأفعال الرسميين، والقضاة، والسياسيين والعموم الذين يشغلون مناصب متماثلة في المجتمعات الديمقراطية الليبرالية والذين يسهرون على الحفاظ على السلام والتعاون. وفي هذا الاتجاه فإن الاندماج القانوني في المجموعة الأوربية إضافة إلى الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان هي أنظمة لم تظهر إلى الوجود عن طريق فرضها بشكل فوقي، ولكن عن طريق الاختيار الجماعي، الاقتناع والتقارب عبر الحكوماتي للقضاة الوطنيين، والمشرعين والجماهير. هذا ليس مجرد تفسير مقبول للقانون الدولي المعاصر والمؤسسات، ولكنه ترجمة تأويلية لمقاصد كانط، أحاول من خلاله إعطاء معنى لمعاداته لـ "الحكومة العالمية"، بناء على شرطه القاضي بأن جميع الأعضاء يجب أن يكونوا جمهوريات، إضافة إلى اعتقاده بأن تاريخ العالم تحركه ديناميكية التنافس المركزي بين الأفكار والأمم. وبناء على ما سبق، فإنه طالما أن المؤسسات الدولية تؤدي دور تعزيز الديمقراطية والاعتماد المتبادل والأفكار المناسبة فإنها بذلك تساعد على تعزيز السلام والتعاون، ولو أنها ليست المسبب الأول له.

الطرح المؤسساتي الذي يسلم بوجود صلة بين المؤسسات الدولية والسلام يفتقد للسند النظري والإمبريقي، وكما قد يتساءل أي ليبرالي كانطي، ما هو التنوير إن لم يكن يسمح بالتطور النظري والتجربة التاريخية بهدف تغيير المفهوم التقليدي للسلطة؟



آندري مورافسيك.

ترجمة: عادل زقاغ.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,605,567,754
- النفاق------
- لقاء (الرئيس) الأمس ليته كان خطاب قبل الأمس
- آخر إحصائية تقول أن هناك في سوريا 18 مليون بربري
- العدالة الاجتماعية وارتباطها الوثيق بالخير العام.قراءة في ال ...
- -في أصل اللسان السرياني وفروعه-اللمعة الشهية في نحو اللغة ال ...
- اللغة السريانية وعامية أهل الشام اللمعة الشهية في نحو اللغة ...
- التيار العلماني الليبرالي السوري---والملاحقات الأمنية
- النفاق اليعربي---والشفافية والوطنية الليبرالية---
- قال: العميد فلان الفلاني من فرع أمن الدولة. سألته أين يقع (ط ...
- شهادة المازني --وشهادة وزراء الخارجية العرب
- شهادة المازني----وشهادة وزراء الخارجية العرب-----
- المرأة في المدينة المباركة ---أرباب الحضارة ج10
- ان العربي لم يحمل معه من الصحراء فنا، ولا علما ولا فلسفة ولا ...
- في خضم المعركة، في وسط الدمار والخراب، في زمن الحرب. نطالب ب ...
- يوحنا الدمشقي ذهبي الفم-2- أرباب الحضارة ج8
- يوحنا الدمشقي ذهبي الفم-1- أرباب الحضارة ج7
- سلام لك يا مريم--في قانا--صبرا--حلبجة!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
- فاذا حدث ووجدت كان صداها وانحصرت بين السريان وحدهم بحيث لم ت ...
- التجديدات اللغوية التي ابتدعها السريان-----أرباب الحضارةج5
- من علمني حرفا كنت له شاكرا----أرباب الحضارةج4


المزيد.....




- -شارع سمسم- في الخمسين من عمره.. كيف سحر البرنامج التعليمي ا ...
- علامات تشير إلى أن طفلك يفتقر إلى الحب
- اشتباكات بين -الأمن الداخلي- السوري ومسلحي -داعش- شرق حماة
- واشنطن تفرض عقوبات على وزير الداخلية الكوبي
- توقيف أكثر من 100 شخص ضمن احتجاجات السترات الصفراء بالعاصمة ...
- بالفيديو.. حادثة تنمر على طالب إفريقي تثير غضب المصريين
- تصفيات أمم أوروبا.. ألمانيا وهولندا إلى النهائيات
- الانتفاضة اللبنانية والواقع السني يبددان حظ الصفدي برئاسة ا ...
- فقأ زوجها عينها... فتظاهر الأردنيون تضامنا معها
- 20 قتيلاً في تظاهرات إيران وهتافات ضد سياسات المرشد


المزيد.....

- عرج الجوى / آرام كرابيت
- تأثير إعلام الفصائل على قيم المواطنة لدى الشباب الفلسطيني (د ... / هشام رمضان عبد الرحمن الجعب
- توقيعات في دفتر الثورة السودانية / د. أحمد عثمان عمر
- كَلاَمُ أَفْلاَطُونْ فِي اُلْجَمَاعِيِّةِ وَ التَغَلُّبِيِّة ... / لطفي خير الله
- الديموقراطية بين فكري سبينوزا و علال الفاسي / الفرفار العياشي
- المسار- العدد 33 / الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ذلِكَ الغَبَاءُ القَهْرِيُّ التَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ التَّقَ ... / غياث المرزوق
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى
- ابراهيم فتحى – فى الإستراتيجية والتكتيك ، والموقف من الحركة ... / سعيد العليمى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سلطان الرفاعي - السلام الديمقراطي1-المنظور الليبرالي -البنيوي