أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خسرو ساية - الليبرالية الجديدة، من الفكرة الى عولمة الرأسمالية!















المزيد.....



الليبرالية الجديدة، من الفكرة الى عولمة الرأسمالية!


خسرو ساية

الحوار المتمدن-العدد: 6569 - 2020 / 5 / 20 - 14:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة:
قبل ان نشرع بموضوع مثل هذا، ولكي نطرح بوضوح وبصورة واقعية موضوعة الليبرالية الجديدة في اطارها الواقعي، ربما كان من الافضل تناول عدة موضوعات قبلها. من بينها موضوعات من مثل، اولا: الحديث عن الامبريالية كأعلى مراحل الرأسمالية، وهو ما تجسد في فهم لينين، وذلك لان طيف واسع من التيارات اليسارية التي تتحدث عن الليبرالية الجديدة، يتحدث عنها كشيء مختلف عن الامبريالية وخارجها، سواء بوصفها أعلى مراحل الرأسمالية أو نظام اقتصادي سائد على العالم، ويطرح تصويراً لليبرالية الجديدة على انها تتخذ مكان الرأسمالية والاقتصاد الرأسمالي العالمي في مرحلته العليا.

ثانياً، كان من المفترض ان نتحدث قبلها عن نظرية المراحل الاجتماعية ومرحلة الرأسمالية الرأسمالية عند ماركس، لان الليبرالية الجديدة اتت من مسار تقدم مرحلة الرأسمالية والاقتصاد العالمي، ولاتختلف من حيث المحتوى عن مرحلة الامبريالية واعمالها. اذ يتحدث ماركس بوضوح عن الراسمالية، عن مراحل نهوضها وتشكلها بوصفها علاقة ونظام اقتصادي ذا قوانين خاصة بها، وبعدها يتحدث عن مرحلة ازدهار الراسمال وتناميه واتساعه، وبعدها يتحدث عن مرحلة الركود والازمة. وفي هذا المسار، اضاف لينين موضوعة الامبريالية بوصفها اعلى مراحل تطور الراسمالية، اي مرحلة نزول وهبوط ودمار الرأسمالية الى مرحلة نظرية المراحل لماركس. ومن الواضح ان في كل هذه المراحل، فان القوانين والاعمال السائدة للراسمالية لها خصوصياتها، وينبغي في اطار كهذا ان نتناول الليبرالية الجديدة. وذلك لان الاخيرة لم تاتي سوى من تيار تقدم الامبريالية بوصفها اعلى مراحل الراسمالية، وانها ليست سوى تيار برجوازي ذو سمة سياسية واقتصادية وايديولوجية و له اعماله الخاصة ويعكس المسارات العالمية الرأسمالية الراهنة في نفسها.
ثالثاً، كان ينبغي ان نتحدث قبل ذلك عن الرأسمالية الرأسمالية في كردستان وخصائصها. حيث يمكن الحديث عن انعكاس واعمال الليبرالية الجديدة ومكانتها الواقعية في اقتصاد كردستان، ان حديثنا سيدور عن الرأسمالية في كردستان الى الحد الذي بلغته الان ، بوصفها رأسمالية تابعة للامبريالية، وخصائص نهوضها وتشكلها، وبعدها مراحل تناميها والعوائق التي تقف امامها. كذلك سيدور حديثنا عن ماهية اليات عمل الرأسمالية الان، وماهي مكانتها في الاقتصاد العالمي والشرق الاوسط. على النقيض من ذلك، لا نستطيع ان ننقل الليبرالية الجديدة بصورة ميكانيكية لكردستان ونتحدث عنها. آمل ان نستطيع ان نعقد ندوات خاصة حول المواضيع التي ذكرتها بعد هذه الندوة. لنمضي الى موضوع الندوة.

بدءاً، ماهي الليبرالية الجديدة؟
يعتقد البعض ان الليبرالية الجديدة هي ايديولوجيا، فيما ينظر البعض الاخر لها بوصفها سياسة، ويعتبرها اخرون مشروعاً اقتصادياً. يحصرها الاغلب في اطار سياسة الخصخصة فقط، ويطلق عليها البعض "الامبريالية الجديدة"، او "الكولونيالية الجديدة". لاتزودنا اي من هذه التعاريف بتعريف صحيح برأيي. الليبرالية الجديدة هي تحرك خاص للطبقة البرجوازية المعروفة سابقاً بالليبرالية، والتي طرأت عليها تغييرات جراء تأثيرات التيار الرأسمالي وانسداد افاق البدائل البرجوازية الاخرى، تغييرات شملت مجمل تلك المباديء والاسس والمصادر الفكرية والسياسية والتصورات الاقتصادية التي كانت تحملها الليبرالية ووضعتها جانباً. واختارت مراجع اخرى تتناسب مع حاجات قيادة اقسام البرجوازية والرأسمالية العالمية، في مرحلة واجهت ازمات وانعدام وضوح وتشوش ونقاط ضعف. وعلى هذا الاساس، الليبرالية الجديدة مسار خاص لتحرك الطبقة البرجوازية الذي يعد الليبرالية اساسا له، وحامل لجذره الفكري والايديولوجي، السياسي والفلسفي المختلف في العالم المعاصر. لتوضيح هذا الامر، من الافضل القاء نظرة على تيار الليبرالية، لنرى مالذي تغير عن الليبرالية الجديدة؟

مالذي تغير بين الليبرالية والليبرالية الجديدة؟

تعود افكار الليبرالية، بوصفها تحرك الطبقة البرجوازية الى القرن الثامن عشر والتاسع عشر، الى مرحلة ظهور الرأسمالية والنضال من اجل كنس الاقطاعية والعوائق التي تحول دون تنامي الاقتصاد الرأسمالي، مرحلة كانت الطبقة البرجوازية حاملة لسمة ثورية. ومن اجل تامين حرية السوق وحرية حركة الرساميل وازالة العوائق السياسية، القانونية، الثقافية والاقتصادية الباقية من الاقطاعية، اقتضى من الطبقة البرجوازية آنئذ احداث تغيير جذري في الافكار، السياسة، الثقافة، الدولة ونظام الحكم، بدرجة بحيث تجر لسوق العمل القوى المستعدة للعمل في المجتمع من الرجال والنساء وحتى الاطفال بوصفه حق.
ان الليبرالية هي ذلك التيار الذي تمكن من احداث ذلك التغيير. فالليبرالية (طبقاً لجون ستيوارت ميل، المفكر الراسخ والمعروف لليبرالية) حاملة نظریة الحق وحق الفرد، حرية الفرد والحقوق المدنية، حرية العمل والسكن، ابعاد يد الدين عن حياة الفرد وفصل دور الكنيسة عن شؤون الدولة، العلمانية ومساواة المواطنين امام القانون؛ وفي ميدان السياسة، الدولة الديمقراطية والبرلمانية وحق التصويت والترشيح والانتخاب بوصفها اسلوب لتدخل الفرد في امور الدولة. ومن الناحية الاقتصادية رفع الرسوم الكمركية والسلطات المحلية والسياسة الحمائية عن التجارة وتبادل وانتقال البضائع، الغاء الامتيازات المالية للملوك والباشوات والمسؤولين وخلق التوازن والعدالة الاجتماعية... ان جميع هذه الحقوق والمباديء كانت ذا سمة عالمية وشاملة مقارنة بالنظام الاقطاعي والسلطة المطلقة. كان هذا تغييراً ثورياً. وعلى هذا الاساس، فان الليبرالية وافكارها بوصفها تحرك وحركة الطبقة البرجوازية، هي انعكاس لعصر نضال تلك الطبقة من اجل ازالة السلطة الاقطاعية وترسيخ النظام الراسمالي، ومن هنا استمدت ضرورتها.

بيد ان الليبرالية الجديدة بالدرجة الاولى، هي تتمة وامتداد لمرحلة وعصر يختلفان كلياً عن الرأسمالية والطبقة البرجوازية على صعيد عالمي، اي مرحلة تنامي الازمة وانسداد الافاق الاقتصادية والسياسية للرأسمالية. ان اكثر السمات اساسية لهذا التيار البرجوازي في العالم المعاصر هي التخلي عن جميع المباديء والقيم والحقوق التي رسختها الطبقة البرجوازية والليبراليون في المجتمع والتاكيد على بقاء مفهوم حرية السوق وحرية تشغيل الرأسمال والاضطهاد عديم الرحمة لقوة العمل فوق اي عائق. الى حد توجب فيه ان يصب اي عمل سياسي، اقتصادي، قانوني وثقافي في مصلحة ونيل الربح الرأسمالي.
ان موضوعة الحرية التي هي مفهوم مركزي لدى الليبراليين الجدد لا تتعدى معنى ضمان وتأمين حرية الرساميل والشركات، حرية السوق وحركة البضائع كي يكدس الرأسماليون الارباح بحرية. وعليه، يُقيّم المصلحة ونزوع الربحية على انه اب لتقدم المجتمع وتطوره وعنصر تحقيق العدالة والتوازن مابين الفرد والمجتمع. حتى من اجل ان يبلغ الرأسمال هدفه ويكون حراً، ينبغي عدم الانصات الى انهيار الانسان ودماره، والى ظلم المرأة، او سوق الاطفال للعمل، او اهمال كبار السن، او الغلاء والبطالة، الحرب والمجاعة والدمار في المجتمعات، كل هذه ليست مهمة، ان ما هو مهم هو ان يتمكن الرأسمالي والغني واصحاب الشركات من نيل ارباحهم. لايتمتع تيار مثل هذا، الذي هو الليبرالية، باي سمة ثورية مقارنة بماضيه، ليس هذا وحسب، بل هو رجعي ومعادي للانسان من رأسه حتى اخمص قدميه، تيار ظالم وعنيف ومضطهِد، يفتقد للمسؤولية وطفيلي و وحشي، وعنصري الى ابعد الحدود. اذ أرسيت الليبرالية الجديدة التي هي تيار برجوازي بعد انقضاء مرحلة طويلة من النمو وتراكم الرأسمال وبروز الازمات المتعاقبة، وسيّد نفسه على العالم المعاصر. ولكن لنرى كيف تشكل هذا التيار وماهي الموجات التي عبرها؟

الموجة الاولى: الليبرالية الجديدة من الفكرة الى السلطة:

تعود الافكار الاولية لليبرالية الجديدة الى ثلاثينيات القرن المنصرم ومابعدها؛ اذ عرّفت عن نفسها في اطار التأكيد على الحرية والتحرر التام للرأسمال ومناهضة تدخل الدولة في شؤون الاقتصاد والتجارة. بعدها في عام 1947، اجتمع جمع من الاقتصاديين والفلاسفة والمفكرين السياسيين والاجتماعيين في احد مدن سويسرا، وشكلوا جمعية اعلنوا فيها "بيان الحرية"، وجوهره هو المحتوى ذاته الذي اشرنا اليه، اي تعريف حرية الفرد وتطور المجتمع وبلوغ العدالة الاجتماعية من زاوية حرية الراسمال والسوق.

من بين المشاركين في هذه الجمعية، كانت هناك شخصيتين معروفتين: احدهما ميلتون فريدمان، اقتصادي ومؤسس مدرسة شيكاغو، والاخر كارل بوبره، احد مؤسسي فلسفة مابعد الحداثة. وبهذا، وضعت الليبرالية الجديدة اقدامها في المرحلة الاولى والتي هي تمحيص افكارها ومعتقداتها، ولكن من الواضح ان معتقدات الليبرالية الجديدة لم تقف عند بيانها. وعلى امتداد عدة عقود، توجهت لميادين الاقتصاد، السياسة، الفلسفة، علم الاجتماع، الدولة و..الخ، ورسخت افكارها في كل من هذه الميادين في اطار نظام سياسي وايديولوجي، الى سبعينيات القرن المنصرم. اذ مع وصول مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في امريكا للسلطة، دخلت الليبرالية الجديدة مرحلة اخرى، وظهرت في موجة ثانية، اذ تحققت افكارها عملیاً ويمسك ممثلوها بالسلطة. وبهذه الطريقة، استلمت الليبرالية الجديدة زمام الامور بوصفها بديلاً سياسياً واقتصادياً وحكومياً عملياً وتيار اداري للدفع بالنظام الراسمالي وناغمت نفسها معه، ووجهت النظام الرأسمالي حسب افكارها السياسية والاقتصادية والفلسفية.

ومن الافضل هنا ان نقف قليلاً عند المصادر والميادين الفكرية والسياسية لهذا التيار كي نوضح اختلافاته مع الليبرالية، ولكي نعرف ماهي التغييرات التي حدثت.

1/ من الناحية السياسية:
اضعاف دور الدولة (1) وازاحة دورها في اقتصاد البلد، ، بشكل تلعب فيه دورها بوصفها لجنة عاملة للرأسماليين واصحاب الشركات والمشاريع الاقتصادية، وان تؤمن جملة القرارات والقوانين التي تطرحها مستوى عال من الحرية امام حركة الرأسمال والسوق. حتى على الصعيد العالمي، تظهر بوصفها سمسار لعقد الاتفاقات والبروتوكولات الاقتصادية والتجارية مع السوق العالمي. ان تحطيم الدولة المركزية واللجوء الى اللامركزية ، وكذلك فدرلة الدولة على اسس قومية ودينية، طائفية واثنية، وحتى القبول بسلطة مليشياتية وعائلية وجماعات مسلحة وقوى الكونترا، بوصفها مؤسسة للحكم والدولة، هو قرار عادي بشرط ان يكون هذا النوع من السلطة حامي لحرية الرأسمال وفي خدمة السوق والتجارة والشركات ولايخلق عوائق امامهم.

ان الديمقراطية هي مفهوم جوهري في الليبرالية، بيد ان الليبراليين الجدد لا يبقون لها اي محتوى اساساً، ويفرغوها من اي شكل من اشكال الحقوق، ويتم تدمير حق التصويت الذي ينظر له بوصفه احد معايير واركان الديمقراطية واستناداً الى اساس حق المواطن المتساوي ويربط بهويات قومية ودينية واثنية و"كوتا" (2) وتتحول الى "ديمقراطية اجناس"، ومن جهة اخرى يحل "التوافق السياسي" للممثلين السياسيين للجماعات والعصابات القومية والدينية والاثنية المشاركة في اللعبة الديمقراطية، والتمسك بها بوصفها اساسا للقرار وادارة الديمقراطية ونتيجة عملية التصويت والانتخاب، ويعني هذا اتفاق مجموعة شركات تجارية ورأسماليين تجمعوا في تلك الاحزاب المسیطرة علی السوق باکمله.

بموازاة ذلك، فان نظرية التطويق و"الفوضى الخلاقة" التي طرحتها كوندليزا رايس وكولن باول والتي اكتسبت مفهوم "تغيير النظام" في عصر بوش، تحولتا ايضاً الى سبيل لتصفية الحساب مع الخلافات الداخلية للدول البرجوازية في العالم لاجراء تغيير في تلك المجتمعات على السواء، التي حكوماتها تتعارض مع سياسة امريكا الخارجية، وان هذا الاسلوب يتناقض تماماً مع التقليد الذي يسير عليه الليبراليون(3).

2/ من الناحية الفلسفية:
ان مابعد الحداثة والتعددية الثقافية هما اتجاهان بيد الليبراليين الجدد للوقوف بوجه اي هوية وحقيقة انسانية وطبقية، لتوجيه ضربة لكل سمة عالمية انسانوية وداعية للحقوق. ان الدوس على الحقوق العالمية للانسان واعلان افول الافكار العالمية والتمسك بتلك الفكرة التي تعد "الفكر الشمولي" منبع الديكتاتورية، والعدمية ورفض الحقيقة على اي صعيد كان، الى التخلي عن الثقافة العصرية والمدنية واتباع "النسبية الثقافية"، وما تنطوي عليها من احترام الثقافات المحلية المتخلفة، الثقافة الاسلامية والقومية والفئوية، ومن جهة اخرى توجيه الحراب للعمل الجماعي والروحية المشتركة والمصير المشترك للانسان بوصفه "نوع مختلف" والتاكيد على الفرد والفردية مثل "رامبو البطل" الذي يقف فوق المجتمع والطبقات ويحسم اعمال الخير والشر. جر "منظمات المجتمع المدني" للسمسرة مابين الدولة وصاحب المطلب، هو بالضبط من اجل توجيه ضربة وتدمير العمل الجماعي للاتحادات والمنظمات الراديكالية الجماهيرية. ان التعددية الثقافية التي، من جهة، تهين وتحقر الانسان اللاجيء وتفصله عن مدنية المجتمع وتبقيه على ثقافته وعاداته القومية والدينية، ومن جهة اخرى، تغذي العنصرية والفاشية ضد "الاجانب"، تعصف باساس الاتحاد والمصير المشترك لمجتمع متمدن وتجعل من انعدام السكينة والطمانينة الاجتماعية امر مستمراً.

3/ من الناحية الاقتصادية:
ذكرنا سابقاً ان حرية الرأسمال والسوق الحرة واضعاف دور الدولة في الاقتصاد والسوق هي مبادئ أساسية رسمت الليبرالية الجديدة على ضوئها سياستها الاقتصادية. ولكن لتفصيل هذا المبدا اكثر، من الافضل ذكر بعض خطوط العقيدة الاقتصادية لملتون فردمان. يتحدث الاخير عن ان" ليس السوق سبب اندلاع الازمة الاقتصادية، بل ان الدولة هي من تقف عائق امام حرية السوق والرساميل، ومن هناك تخلق الازمة. نحن لسنا بحاجة الى دولة قوية تعطي اوامرها الى كل فرد وتتدخل في المسار الاقتصادي للافراد، بل اننا نحتاج الى الدولة فقط الى الحد الذي ترفع العوائق فيه امام حرية الرأسمال المنفرد و التحرك الخاص للملكية الخاصة، ولاتسمح لاي عامل ان يقف عائقاً امام حريتهم. اذن ان كل رأسمال حر، وله الية خاصة للتعامل مع السوق. "ان عرض الراسمال في السوق يخلق الطلب، ويخلق الاقتصاد التشغيل والاستخدام التام للقوة المستعدة للعمل، مما يتبع ذلك الارتقاء بشعور ووعي الفرد وبلوغه حاجاته. وبهذه الطريقة، فان طرح الرأسمال وتامين حركته الحرة، يرتقي باقتصاد البلد ویخلق فرص عمل كذلك. وبالتالي، وحسب درجة تحرك الفرد للسوق، سواء من خلال العمل او توظيف راسماله، فانه سيتمتع بالامكانيات المادية للمجتمع وفقاً لذلك. وفي عملية مثل هذه، يرسى فيها التوازن مابين الافراد وتقسيم العائدات، يتم تأمين فرصة العمل، وبالتالي، توفر العدالة الاجتماعية نفسها بصورة تلقائية وترسخ مساواة الافراد امام القانون. ان التمييز والفصل ما بين الافراد يحدث فقط اثناء عدم فسح المجال لحرية السوق والرأسمال والملكية الخاصة للافراد.

لقد تحدثنا عن مجمل هذه الجوانب باختصار، وهي تبين لنا ان الليبرالية الجديدة هي حركة برجوازية معادية للانسان وللعامل ورجعية وخالية من اي محتوى ثوري من رأسها لاخمص قدميها. انها حركة نتاج مرحلة الازمة الرأسمالية واشتداد التناقص مابين الاقسام المختلفة للرأسمال والطبقة البرجوازية بهدف اعادة ترتيب الاقتصاد الراسمالي العالمي، بشكل يوفر فيه وضعية مناسبة لجمع ربح "استثنائي" امام الرأسماليين والشركات.
ولكن لنعرف ماهي ارضية وصول الليبرالية الجديدة للسلطة وكيف مضت صوب عولمة الرأسمالية ؟

ارضية وصول الليبرالية الجديدة للسلطة:

ذكرنا سابقاً انه في رحم الازمة الاقتصادية في السبعينات، برزت مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في امريكا بوصفهما نموذجين من نظام سلطة الليبرالية الجديدة، بعدها تعممت طريقتهما الى بقية بلدان العالم. ولكن لنرى ماهي ارضية صياغة وتشكل هذين النموذجين؟

بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى والثانية، جوبهت الرأسمالية والطبقة البرجوازية في اوربا عموماً والليبراليين على وجه الخصوص بهذا السؤال: هل يمكننا ارساء عالم رأسمالي دون ازمات وحروب؟ اذا كان الامر كذلك، فكيف؟ وعبر أي نموذج يمكن تنظيم المجتمعات على اساس رأسمالية متنامية دون ازمات وحروب؟

ان نموذج "دولة الرفاه"، الذي طرحه الليبراليون على نمط الاشتراكية الديمقراطية، كان بديل ورد الطبقة البرجوازية في اوربا على هذا السؤال. انه بديل استند الى ارضية تقسيم العالم ما بين الدول الامبريالية، وكذلك طرد جزء كبير من المونوبولات وفشل الكارتلات الاقتصادية، وبالتالي، ترکیز الرأسمال على صعيد اعلى، بيد الدول الامبريالية المنتصرة في الحرب، في الوقت ذاته وجود قوى واسعة للعمل، وتنامي القدرات التكنولوجية المعاصرة، من بينها المنتجات الاوتوماتيكية، الكومبيوتر واكتشاف الطاقة الذرية (المسماة بالثورة التكنولوجيا الثالثة). ان مجمل تلك الانجازات قد تحققت بعد حربين عالميتين، ووفرت امكانية لظهور وبروز نموذج "دولة الرفاه"، نموذج يستند الى افكار "كينز" في الاقتصاد والسياسة والدولة. وعلى خلاف افكار فردمان ومدرسة شيكاغو اللذان ينطلقان من مفهوم "عرض الرأسمال" لتنظيم الاقتصاد والسوق، تنطلق افكار كينز من مفهوم "الطلب" صوب دور الدولة في میادین الاقتصاد والتجارة. اذ يعتقد كينز ان الطلب ورغبة المواطن هما من يطرحا الرأسمال وتحرك السلع، وكلما قام الرأسمال والسوق بتأمين هذا الطلب والرغبات والحاجات، يتطور اقتصاد البلد وينمو، وبنسبة كبيرة ايضا يوفر فرص عمل و "مجتمع توظيف تام" امام القوى المستعدة للعمل، ولايبقي على بطالة وفقر. من جهة اخرى، ان "الدولة المسؤولة" هي دولة مسؤولة، وعليها ان تتدخل في الاعمال الاقتصادية والسوق، ولاتضع اي محدوديات امام انتاج وتجارة السلع، ولا تسمح للرأسماليين ان يتحكموا بالانتاج والتجارة وفق اهوائهم، بل على الدولة ان تنهض ببرمجة انتاج واستهلاك السلع والخدمات والهندسة الكمية والنوعية بشكل يقتضيه طلب الناس وحاجاتهم ورغبتهم. وعبر هذا السبيل، تؤمن الدولة عبر الضمانات الاجتماعية والخدمية العامة وتامين درجة من الرفاه الاجتماعي التوازن الطبقي وترسخ المعطى الاجتماعي مابين الافراد.

بموازاة ذلك، خلقت الاتفاقات مابين القوى والاقطاب الامبريالية حول الصراعات العالمية والاقليمية واتفاقها حول الابتعاد عن اللجوء للحروب والصراعات، هدوءاً نسبياً في العالم. ان هذه الافكار وذلك الوضع الهاديء الذي امتد لمايقارب 20 عام، واللذان وفرا الارضية لدولة الرفاه، بلغ بالمفكرين والسياسيين الليبراليين قناعة بامكانية ارساء رأسمالية دون ازمات، وتحدثوا عن افكار ماركس حول الرأسمالية وازماتها على انها لاتتعدى خيالات ويوتوبيا فيلسوف. وبهذه الطريقة، وعبر تدخل الدولة في الاقتصاد والسوق، استطاعت "دولة الرفاه" عملياً ولفترة طويلة من الهدوء والتوازن بين الدول الامبريالية، وفي الوقت ذاته، الازدهار والنمو الاقتصادي امام الرساميل والرد على حاجات السوق والرأسمالية العالمية، ومن هناك، ان تجلب انتباه الدول الامبريالية الاوربية وحتى امريكا بوصفها، اي دولة الرفاه، "نموذجاً مقبولاً" وتقره الدول المذكورة. ولكن بروز الازمة الاقتصادية للرأسمالية العالمية في اوائل سبعينات القرن العشرين، رمى اقتصاد دولة الرفاه في ركود وانسداد افاق لايمكن تحاشيهما، ومن جهة اخرى، فان تاثيراته على الطبقة البرجوازية والهيئة الحاكمة في بلدان اوربا وامريكا قد امتدت لازمة سياسية، وفرت الامكانية لوصول مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في امريكا للسلطة. وان هذا فتح الابواب امام الليبرالية الجديدة لان تنتقل من مرحلة الافكار والعقائد الى مرحلة السلطة وارساء نموذج سياسي واقتصادي وثقافي برجوازي يسود على المجتمع باسم الليبرالية الجديدة، ومن هناك تدخل مرحلة جديدة.

الموجة الثانية: سجل اعمال الليبرالية الجديدة في مرحلة سلطتها:
ان سجل الاعمال السياسي والاقتصادي لحكومة تاتشر استهل بالهجمة على دولة الرفاه واسترداد مكاسب الجماهير والغاء الضمانات الاجتماعية والخدمات العامة، واتخذ تدريجياً سياسة التقشف الاقتصادي ورمي اثار الازمة الاقتصادية للرأسمالية على كاهل الطبقة العاملة والمواطنين. الهجمة على النقابات والمنظمات العمالية وتضييق الحريات ودورها في عقود العمل والصلات ما بين اصحاب العمل والعمال، وكذلك زيادة ساعات العمل، تخفيض الاجور الى مديات هابطة جدا عن المستوى الحقيقي لمعيشة الطبقة العاملة، رفع سن التقاعد و... تنصل الدولة عن مسؤوليتها تجاه حياة ومعيشة وامان العمل وخصخصة الامور الخدمية ومشاريع الدولة، وكذلك اغلاق المعامل الصغيرة وتقليص اقسام الدولة والغاء قسم من مؤسسات الدولة، ونتيجة لذلك، الشروع بسياسة البطالة. كانت هذه هي الخطوط الاساسية للبرنامج الحكومي الليبرالي الجديد لتاتشر التي كانت قد امسكت تواً بالسلطة.

ان هذا السجل وهذا البرنامج الليبرالي الجديد لتاتشر قد اتخذته حكومة ريغان بشكله الامريكي دون شك. بيد ان حكومة ريغان شرعت بالحملة على اي نفحة لـ"دولة الرفاه" التي كانت تحت تاثير ونفوذ الاشتراكية الديمقراطية في اوربا، واية معالم لها في امريكا. بهدف نيل المكانة الامريكية المتزعمة، والتي شملت اوربا منذ البداية، وبعدها على صعيد العالم اجمع. كانت هذه النقطة المركزية التي حولت معها الليبرالية الجديدة الامريكية الى حلم واستراتيجية عالميتين ووضعتها امام انظار مجمل تيارات الطبقة البرجوازية ودولها. حلم واستراتيجية عولمة الرأسمالية بشكل يؤمن لها قيادة وهيمنة امريكا على العالم. اذا كانت الليبرالية الجديدة لتاتشر تهدف الى تحرير الرأسمالية وخلاصها من الازمة الاقتصادية في بريطانيا قد اتخذت طابع محلي واحادي البلد، فان الليبرالية الجديدة الامريكية قد مدت اياديها ومن البداية بصورة عالمية، وكانت تتعقب ان تكون لها اليد الطولى وتحقق هيمنتها على العالم. بانهيار الكتلة الشرقية وانتهاء عالم الثنائية القطبية، اتخذ حلم واستراتيجية الليبرالية الجديدة لامريكا بعد عالمي وجرها لوضع جديد، نتحدث عنه لاحقاً.

ان الليبرالية الجديدة الامريكية التي على يد ريغان، وعبر الاستفادة من وضعية الازمة الاقتصادية التي رسفت بها الدول الاوربية، وفي الوقت ذاته، عبر سياسة "منح القروض" والسيطرة على جملة من المؤسسات الدولية التي كانت مستعدة مقدماً من قبيل صندوق النقد الدولي، منظمة العمل الدولية، الامم المتحدة، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية و... . كذلك، لم تضع البلدان الاوربية الواحدة تلو الاخرى تحت مظلتها وهيمنتها وثبتت الليبرالية الجديدة بوصفها نظام اقتصادي وسياسي وادارة الامور فحسب، بل وفرضت على امريكا اللاتينية واسيا وافريقيا مطاليب وشروط يستلزمها برنامج عمل، بل والاعمال السياسية والاقتصادية لليبرالية الجديدة لامريكا.
a
خلقت هذه اوضاع جديدة على صعيد هذه البلدان. في البداية، طرأت على شيلي الامريكية اللاتينية في عصر ريغان تغيير سياسي واقتصادي وحكومي بحيث تم اخراجها من نطاق نفوذ روسيا. بعدها، في بلدان مثل البرازيل، اسرائيل وسنغافورة قد تم سحبها لتعمل تحت افق الليبرالية الجديدة.
لكن هذا لا يجعلنا نغفل ان اعمال وسياسات الليبرالية الجديدة الامريكية قد جرت في اوضاع كانت فيه الرأسمالية في بلدان "العالم الثالث" ( وتحديداً في المرحلة ما بين بداية الستينات واواسط السبعينات القرن المنصرم) قد تخطت المرحلة لاولى لتأسيسها، وقد شقت كل منها البنية التحتية الاقتصادية وشبكة النقل والبنية التحتية لها وفق حاجات الرأسمالية وكذلك تقسيم عمل العالم الرأسمالي بين الدول الامبريالية/ المتروبولية والبلدان التابعة للامبريالية. حتى ان تقسيم مناطق نفوذ الرأسمالية بين الكتلة الشرقية والغربية كان قد بلغ غايته. كانت فيه نماذج رأسمالية الدولة ورأسمالية السوق الحر بوصفهما نموذجين مختلفين وحتى معاديان لبعض حسما الملامح والمحتوى الاقتصادي والسياسي والايديولوجي لتلك البلدان. وفي وضعية مثل هذه، لم يستطيع ريغان والليبرالية الجديدة لامريكا ومن البداية من اجراء التغيير الذي رسخته في بلدان اوربا بالقدر نفسه على صعيد "العالم الثالث"، وذلك لان عالم القطبية الثنائية ووجود النفوذ السوفيتي بوصفه كتلة امبريالية يقفان على النقيض تماما من البرنامج والاجندات العالمية لليبرالية الجديدة. كان هذا الوجود والنفوذ سبب رئيسي وعائق امام مثل هذا التغيير. وبهذه الطريقة، وابان الحرب الباردة وعالم الثنائية القطبية، بقيت الليبرالية الجديدة لسنوات في حالة انتظار کتيار تدریجي (او يقوم باعماله بشكل تدريجي) امام تقدم وتوحيد العالم الرأسمالي وفق اعمال وبرنامجە الليبرالية الجديدة.
في اواخر الثمانينات ومع انهيار الكتلة الشرقية، انفتح باب جديد امام الليبرالية الجديدة وافكارها، وهو اعادة ترتيب العالم والرأسمالية العالمية.

الموجة الثالثة: الليبرالية الجديدة وعولمة الرأسمالية:
ادى سقوط جدار برلين وخروج روسيا السوفيتية، ككتلة امبريالية، من الميدان الى فتح الابواب امام سوق واسع ومنطقة مهمة امام نفوذ الرأسمالية الامريكية والاوربية. ووضع وجود الكتلة الغربية ذاتها وضرورة ومبررات بقائها تحت طائلة السؤال. في وضع مثل هذا، دفعت امريكا والليبراليون الجدد مشروع اعادة صياغة العالم وعولمة الرأسمالیة، بشكل بحيث يؤمن اليد الطولى لامريكا على العالم، ودفعها، مرة اخرى، وارتباطا بمشروعها، الى اعادة تعريف الاقتصاد والسياسة والعلاقات ما بينهما وكذلك مستلزمات وهيئات ادارة العالم من جديد. ان مشروع النظام العالمي الجديد الذي اتخذه في البداية كل من بوش الاب والابن، يحمل الحلم والاستراتيجة ذاتها التي كان يسعى لها ريغان اول مرة.
ان النظام العالمي الجديد يعني تأمين هيمنة امريكا على الصعيدين السياسي والعسكري وسيطرتها على العالم، ومن الناحية الاقتصادية، صياغة العالم الرأسمالي بشكل بحيث تكون الرساميل، الكارتيلات والشركات الامريكية محوراً فيه. ان ذكرناها بصورة عامة وموجزة، فان الخطوط الاساسية للنظام العالمي الجديد تتجسد بالنقاط التالية:

اولاً، اللجوء الى الحرب والحصار الاقتصادي في اطار وبهدف فرض هيمنة امريكا وقيادتها للعالم، وفي الوقت ذاته، تركيع الدول المخالفة لامريكا على صعيد اوربا والعالم والابقاء على القوى الدولية في ظل التوازن والنظام السياسي الدولي احادي القطب الذي رسمت الليبرالية الجديدة لامريكا خارطته وخطته. اي بعبارة اخرى، اللجوء الى سياسة الحصار الاقتصادي لتركيع تلك الدول التي لا تتماشى سياساتها مع امريكا، وكذلك اللجوء للحرب بوصفها عاملاً لتثبيت التوازنات العالمية والانظمة الامنية (سواء بمعنى الامن العالمي او على الصعيد الامني للمنطقة) كي يوفر اجواء هادئة لحرية الرساميل والتجارة العالمية بالشكل الذي تقتضيه اليد الطولى لامريكا. اذ ان حروب امريكا في العراق، افغانستان، ومرة اخرى في العراق، قد جرت بهدف اعادة تنظيم عالم ما بعد سقوط الكتلة الشرقية باتجاە هذا المسار.

ثانياً، ديمقرطة العالم وفق التعريف الذي لدى الليبرالية الجديدة لامريكا (بالشكل الذي ذكرناه فيما سبق). السعي لتغيير "الدول الديكتاتورية"، سواء اكانت منها تلك التي تدور في مدار الكتلة المسماة بالشيوعية الروسية على صعيد اوربا (وروسيا من ضمنها دون شك) او تلك التي في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية، بوصفها مناطق نفوذ تلك الكتلة وبقاياها، الى "دول ديمقراطية". ظهور وبروز "الثورات البرتقالية" في بلدان اوربا الشرقية، منها بلغاريا، رومانيا، اوكرانيا و... كذلك حل وتقسيم جيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا و... وتغييرها الى دول ديمقراطية بدعم من امريكا واوربا هي نماذج لسياسة دمقرطة العالم. ان الاطاحة بنظام صدام وديمقرطة دولة العراق نموذج اخر بهذا الصدد، اذ كلنا شهود على نتائج وعواقب هذا الامر واي مستنقع ومتاهة رمي به المجتمع.

ثالثاً: من الناحة الايديولوجية، اعلان انتهاء الشيوعية واي افكار ومعتقدات عالمية وكونية وانسانية، ومن ثم، الهجمة والحملة على اية افكار ومباديء اشتراكية ويسارية وراديكالية تستند الى موضوعة الطبقات والصراع الطبقي في السياسة.

رابعا: ترسيخ اقتصاد السوق بوصفه النموذج الوحيد المعتبر على المنظومة والاعمال الاقتصادية والتجارية. بشكل بحيث يسير كل بلد في سوقه المحلي وفق هذه التوجهات الاساسية:

1/ تقليص يد الدولة. ليس هذا بمعنى تقصير ايادي الدولة من التدخل او ان لا تكون عائقاً امام العمليات الاقتصادية والتجارية، بل تحرير أياديها من الامساك بالمشاريع الاقتصادية والتجارية واحالتها الى الشركات الخاصة. وبهذه الطريقة، السعي لخصخصة مجمل المشاريع الاقتصادية والتجارية التي كانت بيد الدولة من قبل والمعروفة باسم القطاع الخاص.

2/ تقليص تركيبة وهيكلة الدولة وتنظيمها بهيئة دولة غير مسؤولة، وان هذا يعني تخفيض انفاق الدولة و....، وتعتبر الدولة نفسها غير مسؤولة عن تامين الخدمات العامة (من مثل الماء، الكهرباء، النقل، الصحة، التعليم و...) والغاء ذلك القسم من أجر العمال الذي يمنح للمواطنين على شكل خدمات وضمانات اجتماعية.

3/ تبني سياسة التقشف الاقتصادي بوصفها نقطة اساسية في خطة وبرنامج عمل الدولة، ومن هنا رهن الدولة بقرارات المؤسسات العالمية وسياساتها، والتقيد والتبعية لها، من بينها قرارات صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، منظمة التجارة العالمية، منظمة العمل الدولية والامم المتحدة.
4/ الهجمة على مكتسبات الطبقة العاملة، الغاء كل تلك الاقسام التي تمنح للعامل على هيئة ضمانات وخدمات. وكذلك الهجوم على حرية التنظيم والاضراب العمالي والغاء الحقوق النقابية للعمال. وان نتيجة هذا هو تخفيض القيمة الحقيقية لمستوى الاجور ومعيشة العمال وتبخيسها.

5/ الغاء السياسة الحمائية والسيطرة على السلع الاستهلاكية واتخاذ سياسة "الباب المفتوح" بوجهها، بحد بحيث يتم تأمين السلع الاستهلاكية الضرورية للحياة اليومية للعمال والمواطنين بسعر رخيص وبصرف النظر عن النوعية.

6/ التهرب من نظام العقود، العمل المستمر والثابت، واتخاذ نهج "صفر العقود " و"العمل غير الثابت"، بحيث تصبح المنافسة بين العمال العاملين والعاطلين للحصول على العمل حدا يبلغ فيه العمل مستوى يرضخ فيه كلا القسمين من العمال لمطاليب رأسماليي القطاع الخاص. ومن هنا، الحفاظ على الابقاء المتواصل على المعدلات المتنامية لنسبة البطالة.

7/.....
ومثلما بينت احداث العالم في بداية التسعينات من القرن المنصرم الى الان، ورغم ان الليبرالية الجديدة لامريكا رمت البشرية في مستنقع انعدام الامان، الحرب والدمار والارهاب، ورغم جعلها الفقر والتشرد يعم العالم والسيناريو المظلم نصيب المجتمعات، ولكنها عاجزة عن تنظيم العالم وفقاً لـ"النظام العالمي الجديد" وان تجعل من المكانة القيادية لامريكا ويدها الطولى على العالم محور تنظيم قوى الطبقة البرجوازية في العالم. وبالاخص صعود تيار الاسلام السياسي والارهاب بوصفه تيار عالمي في اجواء ما بعد انهيار الكتلة الشرقية، وكذلك اندلاع الازمة الاقتصادية العالمية عام 2008، ثورات العالم العربي، الحرب في سوريا وظهور اقطاب امبريالية جديدة (من بينها: روسيا، الصين والاتحاد الاوربي)، وكذلك اندلاع الحروب الاقليمية في الشرق الاوسط وليبيا واليمن والصومال و... دور الحكومات الامبريالية والقوى الاقليمية فيها... ان هذه هي مجمل اهداف واستراتيجية الليبرالية الجديدة بالشكل الذي صوره مشروع "النظام العالمي الجديد"، والتي واجهت الاخفاق. وعليه، فان عملية عولمة الرأسمالية المعاصرة في الوقت الراهن بقيت مفتوحة، تغط في غموض وضبابية وعديمة البديل، منتظرة نتائج الحرب في الشرق الاوسط والصلات مابين القوى الامبريالية واتفاقهم على تقسيم العالم فيما بينهم.

*****
وكاستنتاج عام من البحث الذي قدمناه لحد الان، ينبغي القول: ان الليبرالية الجديدة بوصفها حركة للبرجوازية المعاصرة، بدءأ من افكار الى نظام ادارة المجتمع الرأسمالي، وبالاضافة الى كونها ردا على الازمات الاقتصادية والسياسية من زاوية الرأسمال والرأسمالية، نظمت في الوقت ذاته تغييراً كبيراً في العالم صوب "اللبرلة الجديدة" للعالم. وتحديداً، استطاعت تغيير الصلات والتوازنات ما بين الكتل والدول الامبريالية من جهة، وفتحت امامهم ابواب مرحلة جديدة، ومن جهة اخرى تمكنت من تغيير صلات وتوازنات تلك الدول والمونوبولات مع مناطق النفوذ والدول التابعة للامبريالية، وتجرها لمستوى تتطلبه مرحلة جديدة من التطور الاقتصادي والسوق الرأسمالية العالمية. وعلى اساس هذه الاستراتيجية، تغيير الصلات مابين العمل والرأسمال سواء على صعيد السوق الداخلية او على صعيد عالمي لصالح الطبقة البرجوازية، ومن هنا تدفع السياسة والحكومة الطبقية للرأسماليين بوجه مجمل الطبقة العاملة العالمية والجماهير الكادحة. ان هذا مقصدنا من عولمة الرأسمالية التي اتخذها تيار الليبرالية الجديدة. اي، من حيث المحتوى، ليس بشيء يختلف او اكثر من التصورات والافكار التي طرحها لينين فيما يخص الامبريالية بوصفها اعلى مراحل الراسمالية، اي "تنظيم الاقتصاد العالمي، على اساس انتاج نسبة متصاعدة للربح الامبريالي من الانتاج عبر اضطهاد قوة العمل الرخيصة للطبقة العاملة العالمية".

البرجوازية الكردية والليبرالية الجديدة:

وعلى العكس من الطبقة البرجوازية الليبرالية الغربية، فان البرجوازية الكردية، سواء من حيث تشكلها او فيما يخص صعود الرأسمالية في كردستان، لم تكن حاملة راية حرية الفرد والمجتمع المدني، ولم تقف ضد الرجعية الاقطاعية والتقاليد والثقافة الدينية والعشائرية، بل ظهرت وعرّفت نفسها بمجمل تلك الظواهر التي هي على النقيض وعائق امام ارساء مجتمع عصري ومتقدم. وعليه، لم تكن تاريخياً ولا في المرحلة الراهنة، حاملة اي سمة راديكالية وثورية واي حد من التقدم الاجتماعي. ان اشتداد ساعد هذه الطبقة الذي تزامن مع وجود الامبريالية وتقسيم الامم والحاقها، يبدأ من حيث نشأ الظلم القومي على الامة الكردية، ومنها اصبحت حاملة راية جذر و تيار سياسي وفكري، وهي حركة "الكردايتي" او "الحركة الكردية" والنزعة القومية المتخلفة للشرق الاوسط. وعليه، فان الليبرالية الجديدة، بوصفها تيار وجذر فكري وسياسي للطبقة البرجوازية، ليس لها ای موقع واقعي في هذه الطبقة. حتى ان الليبرالية وعقائدها ليستا موضوع لاظهار وبروز هذه الطبقة بوصفها طبقة موحدة على صعيد المجتمع، في الوقت ذاته، انها ليست مؤسسة واداة لحشد صفوفها و صفوف امتها. ولهذا، فان مجمل الاحزاب التي ولدت من احضان هذه الطبقة تقريباً، وبالرغم من اختلاف مساراتها، هي احزاب تنتمي لتحرك النزعة القومية الكردية، وصانت هذا الحد او ذاك من الافكار والتقاليد وثقافة هذا التحرك فيها وعكسته، وهو ماعرفته باسم "الكوردايتي".

ان قضية الارض والكرد، بوصفهم اثنية خاصة، الاقتصاد الريفي والنزعة الذكورية واصالة ثقافة الاجداد وتقاليدهم واعرافهم، تقديس الشخصيات الدينية ورؤساء العشائر والقبائل والشيوخ والملالي، الولع بالماضي وتقليد البيشمركة... كل هذه مفاهيم وعقائد نزعة قومية للبرجوازية الكردية ابان ظهور الرأسمالية، وتشكل المجتمع العصري والمديني لكردستان لتبرير حروب التحرير من ايادي المحتلين، بوصفها راية بيدها وقولبت التاريخ السياسي لكردستان بهذا الاطار. في مسار مثل هذا، من المؤكد ان مفاهيم مثل الحرية الفردية، المدنية، العلمانية وغيرها ليس لها مكان فيها. انظر لموضوعة الديمقراطية والبرلمان، انها لاتتعدى مواضيع شكلية وكارتونية. ولكن بعد الاطاحة بالنظام البعثي، ووصول الطبقة البرجوازية الكردية للسلطة، تبنت النزعة القومية الكردية واحزابها اعمال الليبرالية الجديدة (وخصوصاً فمايتعلق بالاقتصاد)، وغدو نوعاً ما ليبراليين جدد. من الواضح ان هذا لم يكن ولا يعني انهم اصبحوا "غربيين" او انهم تبنوا المباديء والثقافة العصرية الاوربية فيما يخص السياسة وادارة الدولة وتسيير المجتمع، بل نابعاً من ضرورة التحكم بالسوق الداخلية لكردستان وكيفية تسيير الرأسمال على اساس قوى العمل الرخيصة واقامة نوعاً من نظام وسلطة عديمتا المسؤولية تجاه حياة المواطنين ومعيشتهم. وبهذا الخصوص، يعد التناغم مع السوق الرأسمالية العالمية واعمالها دون شك، والتي لليبرالية الجديدة اليد الطولى، ضرورة حياتية ومستمرة. بالاخص ان تنشيط السوق واقتصاد كردستان يستند بالدرجة الاولى الى التنقيب واستخراج النفط والغاز والمواد التي في باطن الارض وكيفية ارسالها الى الاسواق العالمية، يستلزم جلب الرساميل والشركات الاجنبية والوصول الى مصادر الدين، التنشيط التجاري واستيراد السلع الاستهلاكية باسعار رخيصة، وان مجمل هذه لا يمكن القيام بها خارج اطار وحلقة اقتصاد السوق وتحت الية عمل وشروط الليبرالية الجديدة ومؤسساتها الدولية. ان قانون " استثمار الشرکات الاجنبیة في کردستان"، "قانون وارشادات فيما يخص تخصیص وتأجیر الاراضی للاستثمارات الانتاجیة"، "ارشادات وقرارات التنقيب والبحث عن النفط والغاز"، "قانون اصلاح الضمانات الاجتماعية والتقاعد" و... مجملها والعديد من القوانين والقرارات الاخرى التي جرى اقرارها والعمل بها، انما تمت على ضوء وتاثیرات الليبرالية الجديدة.

الادهى من هذا، ظهور الازمة الاقتصادية في اقليم كردستان والبرنامج الذي اعلنته الحكومة تحت اسم "الاصلاح الاقتصادي من اجل المشاركة في التنمية وحمایة المعوزین" من اجل عبور هذه الازمة، فوفق الاسلوب ذاته، فان الخطوات والسياسات الاقتصادية التي تسير في كردستان والتي تفرضها الليبرالية الجديدة وصندوق النقد الدولي على الحكومات الرأسمالية المتازمة في العالم للرد على عواقب تلك الازمة على جماهير العمال والكادحين، والتي يتم اتخاذها بوصفها سبيل للخلاص من الازمة الاقتصادية، تتلخص بما يلي :
تقليص تركيبة الدولة وتخفيض مصاريفها (وان هذا يعني زيادة نسبة البطالة)، احالة المشاريع الاقتصادية للدولة الى القطاع الخاص، وفي مقدمتها قطاع الخدمات (وهذا يعني خصخصة الماء والكهرباء والتعليم والصحة والنقل والنظافة و...)، تبني سياسة التقشف الاقتصادي وتنصل الدولة عن اي دعم للسلع الغذائية والوقود والضمانات والامتيازات للمواطنين (وهذا يعني الهجوم وخفض المستوى المعيشي للمواطن)، اصلاح قطاع الملكية العامة والبنوك، على اساس السيطرة والتحكم بالنقد و تجمیعه في ايدي الحكومة والابقاء على القيم منخفضة (وهذا يعني الابقاء على قدرة شراء السلع الضرورية منخفضة والابقاء على الاجور والرواتب منخفضة ورخيصة و...)
ان تلك الحقائق التي اشرنا لها في اعلاه، توضح لنا بان البرجوازية الكردية عاجزة عن ان تكون برجوازية ذات نمط ليبرالي او ليبرالي جديد. ولكن على غرار الاقتصاد العالمي الذي يستند الى توسیع العلاقة مابين العامل والرأسمال واستغلال قوة العمل، تسير للامام بوصفها ظاهرة وممارسة عالمية. وان الاقتصاد والسوق الداخلية لكل بلد، ومن بينها الاقتصاد والسوق الداخلية لكردستان، يمكن اقامتهما والدفع بهما فقط في هذا الاطار، بل ويسودا حتى على ازماتها، فان البرجوازييين الكرد والنزعة القومية وسلطتها لامناص لهم من السير وفق اليات وقرارات هذا النظام الاقتصادي العالمي. ومن الواضح ان هذا يجري في زمن اصبح فيه اقتصاد السوق والليبرالية الجديدة عالميان.

الليبرالية الجديدة والخصخصة واتخاذ الموقف منها:
بدءاً لنفهم ماذا تعني الخصخصة والى مَ تهدف؟
الليبرالية الجديدة والخصخصة تعني تحرير هذا القسم من الميدان التجاري الاقتصادي، والذي بيد الدولة وتديره بصورة مباشرة واحالته الى رأسمالية القطاع الخاص، والتي في بعض الاحيان يتم بعدها بيعه وتحويل ملكيته. ان هذه السياسة والاليات التي نماذجها رأسمالية الدولة واقتصاد السوق، قد تم تبنيها بهدف خاص في مراحل مختلفة، وبصورة عريضة او ضيقة. ولكن هذه السياسة والالية يتم السير وفقهما بالدرجة الاولى في اوضاع الازمة الاقتصادية، وتوجه اساساً للميدان الاقتصادي والتجاري. وهي ذات صلة بحياة المواطن ومعيشته (وبالاخص في ميادين الخدمات مثل الصحة، الماء والكهرباء، النقل، التربية والتعليم، والنظافة واستيراد تلك البضائع الاستهلاكية التي ذات صلة بالغذاء والمعيشة اليومية للمواطن)، والتي تتجه اساسا صوب هدف ترکیز العائدات والرأسمال بيد الدولة، والتي من المؤكد يعقبها بطالة، غلاء، فقر، هبوط مستوى حياة ومعيشة المواطن.
ان كانت الدول التي يعد نموذج رأسمالية الدولة هو السائد فيها قد لجأت الى سياسة الخصخصة ابان عالم الثنائية القطبية فان ذلك من اجل اقامة توازن مابين القدرات الانتاجية لاقسام الرأسمالية (الرأسمالية الخاصة ورأسمالية الدولة المعروفتان بالقطاع الخاص والعام) بهدف تقليص مصاريف الدولة، وعبر هذا السبيل، الحصول على عائدات اكبر بيد الدولة كي تخلّص اقتصاد البلد من الركود. ولكن في العصر الراهن، وبالاخص خلال العقدين الاخيرين، حيث كانت الليبرالية الجديدة واعمالها تياراً سائداً على الاقتصاد العالمي، فان سياسة الخصخصة كانت تهدف بصورة مباشرة الى ترسيخ اقتصاد السوق وطرد نموذج رأسمالية الدولة من حلقة الاقتصاد الرأسمالي العالمي. وفي هذا الاطار، كانت الية لاجراء تغيير على المنظومة الاقتصادية للبلدان التابعة للامبريالية بشكل بحيث تساعد هذه التغييرات على خروج بلدان اوربا وامريكا من الازمة الاقتصادية التي تمسك بخناقهما.
اما "سياسة الخصخصة" في كردستان، فقد شرع بها ويتم دفعها بشكل مرتبط من رأسه الى قدميه بالفساد والنهب وسرقة العائدات والثروات الاجتماعية. ان غياب الدولة، وعدم الاستقرار السياسي، وفي الوقت ذاته وجود سلطة وحكم مناطقيين (للحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني الديمقراطي) للاحزاب المليشياتية وسيادتهما على مجمل الاعمال والجوانب الاقتصادية والتجارية والثرواتية، جعلت مجملها الوضع الاقتصادي يرسف في حالة فوضى وتشابك وتداخل وتشوش عام. في وضعية مثل هذه، لايهدف من الخصخصة ان يصبح اقتصاد كردستان سوقاً وتحرير الحكومة نفسها من ادارة وتفعيل بعض الجوانب والميادين الاقتصادية والتجارية، وان تجمع في يدها نسبة من العائدات والرأسمال للرد على النهوض بالبنية الاقتصادية للبلد، بل الية لجمع نسبة خيالية من الرأسمال وفرض سلطة غير مسؤولة فيما يخص حياة المواطنين ومعيشتهم. وان هذا يتضح ويكشف عن نفسه على صعيدين:
اولاً: "الخصخصة" هي اسم لسياسة بيع المواد التي في باطن الارض (نفط، غاز، السمنت، الجص والحديد و...) بمزاد علني وتصديرها للسوق العالمية. وان هذه تحت غطاء قوانين وقرارات الحكومة، بشكل تمضي فيه للامام عملية عقد الاتفاقيات مع الشركات الاجنبية والاتفاقات الاقتصادية والتجارية مع الدول. وبهذا الخصوص، ان مجالات التنقيب واستخراج النفط والغاز وتصديرهما، هي مصدر اساسي لجمع عائدات وراسمال هائل بصورة " تأجير الحقول-اي الريع" (وبعض الاحيان حصول علی اموال نقدية تحت اسم "هدايا" للشركات، قل رشوة). او على شكل "منح والحصول على حصة"، وبعض الاحيان، منح نسبة للشركات الاجنبية ودولها التي احيل لها انتاج هذه المواد وبيعها.

ثانياً: "الخصخصة" الية ظهور سریع لشبكة من الشركات تحت اسم "اهلية"، يكون مالكيها هم من افراد السلطة الحاكمة، المسؤولين الحزبيين والحكوميين ورأسماليين ظهروا من حلقة صلات الحزب والسلطة. تُسيّر هذه الشبكة مراكز السوق وانتاج السلع والخدمات على صعيد داخل كردستان، ومدت نفوذها وتدخلها داخل المشاريع الاقتصادية والتجارية الصغيرة والمتوسطة وتلعب دوراً احتكارياً بكل معنى الكلمة. تجرى العقود مع الشركات المسماة بالاهلية للقطاع الخاص لتسيير الجوانب الخدمية، او عبر التأجير او الاحالة. ان تلك المشاريع الاقتصادية والتجارية التي تسيرها الرساميل الصغيرة والمتوسطة، من مثل استيراد المواد الغذائية، الادوية، المواد الضروریة للمصانع، بناء البيوت... تمد اياديها الى اخر حلقة صغيرة لجمع النسبة المطلوبة من العائدات وانتزاع حصة من الشرکات.
والى جانب شبكة شركات القطاع الخاص هذه، فان مشاريع ومؤسسات "القطاع العام" قد تركت منسية بوصفها بقايا "هياكل ديناصورية" بالنسبة لاقتصاد البلد.
في اوضاع خصخصة مثل هذه، بالاضافة الى كونها سياسة والية لجمع عائدات ورساميل خيالية للطبقة البرجوازية والرأسماليين واصحاب الشركات، فانها في الوقت ذاته رمت عمال وكادحي كردستان في اوضاع اقتصادية وخيمة وصعبة الى ابعد الحدود. اي ان خصخصة المشاريع الاقتصادية للدولة واحالة الشؤون الخدمية الى القطاع الخاص هما الية وسياسة التقشف الاقتصادي والهبوط بمستوى حياة ومعيشة المواطنين وفرض الفقر والبطالة اكثر واكثر. اذاً، ماهو الموقف من هذه السياسة والالية؟
طالما ان سياسة الخصخصة هي مبعث فقر وبطالة وتقشف على صعيد حياة ومعيشة المواطنين، فان على العمال والكادحين ان يتصدوا لها دون شك وينظموا نضال لا يكل ضدها. ولكن لا ينبغي ان يتمثل هذا النضال وهذه المناهضة بالدفاع عن اقتصاد الدولة والقطاع الحكومي المعروف باسم "القطاع العام"، لان هذا يعني الدفاع والابقاء على الوضع الاقتصادي المفروض على المجتمع والذي يمثل الفقر والبطالة وانعدام الخدمات اللائقة زاوية رئيسية منه.

ولان العمال والكادحين لم ينتزعوا بعد سلطتهم ولايعيشون في مجتمع اصبحت فيه وسائل الانتاج ونقل المکیة العامة، فانه ليس مهماً من هم مالكي الرساميل والمشاريع ومن يديرها! الدولة ام القطاع الخاص؟ بل ان ماهو مهم بالنسبة لهذه الطبقة هو: في اي تحول للملكية او اي سياسة تحيل فيها الحكومة المشاريع الاقتصادية والخدمية الى الشركات والادارات الاهلية والقطاع الخاص هو متابعة الحقوق والحريات، الدفاع عن ضمانة العمل ومستوى الاجور والضمانات والامتيازات، اي الدفاع عن معيشة لائقة وضمان تأمين خدمات لائقة. الاكثر من هذا، تضع سياسة الخصخصة الجماهير العمالية والكادحين بين فكي حرب ومنافسة الاقسام المختلفة من الراسمالية. ينبغي ان لا يرى العمال انفسهم مجبرين على اتخاذ جانب احد منهما، اي اتخاذ جانب القطاع العام ام الخاص، والاختيار مابينهما. على العكس من ذلك، عليهم تنظيم نضالهم الطبقي ضد مجمل اشكال واقسام الرأسمال لتحطيم النظام الرأسمالي وارساء مجتمع اشتراكي.

مستقبل الليبرالية الجديدة ونضال الطبقة العاملة:

تكشف لنا احداث العقدين المنصرمين للعالم سجل اعمال الليبرالية الجديدة والعولمة، اذ رمت المجتمع البشري في نفق مظلم، واشاعت الفقر والعوز، الحرب والدمار، الارهاب والانفجارات، وتنامت النزعات العنصرية والرجعية، وبالتالي، تدمير وطرد قوى انسانية عظيمة من ميدان العمل والانتاج وفرض اوضاع التشرد واللجوء عليهم، بلوغاً الى دمار البيئة والاف المصائب والماسي التي تواجه المجتمع البشري اليوم... ان هذه جميعاً دلائل وبراهين على ان البرجوازية وتيار الليبرالية الجديدة وحكوماتهما ليسا عاجزين عن احلال السلام والسكينة والسعادة في العالم، ليس هذا وحسب، بل انهم على استعداد لخنق مجمل الكرة الارضية مرة و للابد بالغموض والتيه والركود وانسداد الافاق السياسية والاقتصادية للنظام. وعلى قول ماركس، "حين يدب انسداد الافاق والموت بالراسماليين، فان اصحاب الرساميل على استعداد لقبر عبيدهم". ومن جهة اخرى، ان هذا الغموض وانسداد افاق الليبرالية الجديدة، بوصفه نتيجة وانعكاس لتاثيرات الكثير من العوائق والمحدوديات التي لامفر منها والتي استقطبت امام تطور وتقدم صلات العمل والرأسمال وسياسات الليبرالية الجديدة، وضعت، بصورة لاندحة منها، مستقبل تيار الليبرالية الجديدة والنظام العالمي في محك الهزيمة والدمار. يمكن ان يكون نموذج اكثر هذه المحدوديات والعراقيل اساسية هي التالي:

اولاً: ان استمرار وتواصل الحروب وعدم استقرار القوى والاقطاب الامبريالية في توازن جديد (من المقرر ان يقسم العالم)، يتحول نفسه الى سبب لفقدان امان السوق والرأسمال ودمار قسم كبير من البنية التحتية، ونتيجة لذلك، يقف قسم كبير من الرأسمال العالمي بوضعية انتظار "الهدوء والاستقرار" وان هذا يترك تاثيرة على انخفاض مؤشر الربحية للرأسمال على الصعيد العالمي.
ثانياً: اتخاذ سياسة التقشف الاقتصادي والحملة على مستوى معيشة المواطنين والتخفيض الواقعي للقيمة الحقيقية لقوة عمل العمال، وهي الية لنيل فائض قيمة، ومنه رفع نسبة ربح الرأسمال، له حدود، وليس بوسع هذه العملية ان تتجاوز بقاء "الحياة الفيزيقية" للعمال، ولهذا تتغير بالعكس وتواجه سياسات الليبرالية الجديدة بالاخفاق.

ثالثاً: تقلص حيز ربح الرأسمال، والاستفادة من انتاج فائض القيمة النسبي. وهذا بوصفه نتيجة لتضخم المكونات العضوية للرأسمال ( ازدياد الرأسمال الثابت بمستوى عال، مقارنة بالرأسمال المتغير) واحباط دور التكنولوجيا في بلدان المتروبول.
رابعاً: بروز وتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية، وذلك نتيجة لحضرية المجتمعات، وظهور موجات التهجير وسياسة التقشف الاقتصادي، والحملات المستمرة على المواطنين والثورات فی العالم العربي، احتجاجات الجزائر والسودان، تحركات السترات الصفراء، احتجاجات مدن العراق وكردستان ...کلها هي نماذج على هذه الحقيقة التي مبعث تهديد متواصل للطبقة البرجوازية وسلطتها.

ان وضع مثل هذا، بالاضافة الى جعل النضال الطبقي للعمال والشيوعيين على صعيد العالم امر صعب ومعقد، ولكن لم يترك سبيل اخر امام هذه الطبقة سوى النضال صوب الكسب الفوري لاستعدادات ومستلزمات اللجوء للثورة الطبقية للعمال وارساء مجتمع اشتراكي. بالاخص ان الشيوعيين قد اعلنوا منذ امد بعيد بوجه الحرب والازمة الاقتصادية للبرجوازية: "اما الاشتراكية واما البربرية!"

من جهة اخرى، جعلت هذه الوضعية من الخصلة الاممية والثورية لنضال العمال ومحرومي المجتمع والمصير المشترك لحياة ونضال هذه الطبقة واقسامها على صعيد عالمي خصيصة اساسية للنضال من اجل الدفع بمهام سبيل الثورة العمالية اكثر من اي وقت مضى. اي بعبارة اخرى، بالاضافة الى وجوب سعيها لان تحسم امرها مع الطبقة البرجوازية على صعيد بلدها وانتزاع السلطة، ينبغي عليها ان تدفع بافق واستراتيجية اممية في ميدان الدفع بمهامها في اي بلد كان.
في الوقت ذاته، تقول الوضعية العالمية الراهنة لنا ان النضال من اجل الدفاع عن امان وتحسين اوضاع حياة المجتمع هو احد الميادين الاساسية لمجابهة الطبقة البرجوازية وتيارها الليبرالي الجديد ببعد عالمي. يجب ان تقف الطبقة العاملة والشيوعية على هيئة او بقامة طبقة اجتماعية وتنظم تحرك عالمي ضد الحرب والدمار وحملات السلطات الرأسمالية من اجل استرداد الامان والهدوء ونيل حياة انسانية افضل، وتتصدى لهذه البربرية. ان هذه احد ميادين وجبهات النضال الطبقي. انه عصر العمال والشيوعيين صوب الاشتراكية.


*اعد هذا الموضوع استناداً الى ندوة.

(1) ان هذا لايعني ان لايبقى دور للدولة امام المجتمع والتحركات الاحتجاجية او يضعف، بل يعني ان يؤمن الحرية للرساميل ويرفع العوائق التي امامها، من جهة اخرى، ان الدولة هي تلك المؤسسة التي تهجم وبلاحدود على مستوى حياة ومعيشة الناس، ترعى البطالة وسياسة التقشف، الحملة على الاتحادات العمالية ومكتسبات المجتمع وخدماته. على صعيد الخارج، الدولة هي تلك المؤسسة التي تنظم حربا ومستعدة لعقد اي اتفاق وحلف مع اكثر الدول والقوى رجعية ووحشية على شرط ان يخدم المشاريع الرأسمالية والشركات والكارتيلات المشتركة. بكلمة ما، يريد الليبراليون الجدد الدولة ان تكون قمعية ومقتدرة باقصى شكل بوجه الطبقة العاملة.

(2) تحديد نسبة كوتا للنساء و"الاقليات". ان هذا المصطلح اخترعه الليبراليون الجدد. على سبيل المثال 5% او 10% من مقاعد البرلمان لتمثيل تلك المكونات، ليست نفي حقوق المواطنة المتساوية في عملية التصويت والترشيح، بل جعلهم مواطنين من الدرجة الثانية.

(3) الحصار الاقتصادي ومصائب الحرب والدمار في العراق، سوريا، ليبيا واليمن ورمي تلك المجتمعات في نفق مظلم للسيناريو الاسود وهو الامر الذي قامت به امريكا والناتو هي نماذج عملية لاطلاق "نظرية الفوضى الخلاقة وتغيير الانظمة" التي اتخذها الليبراليون الجدد والتي جعلت الملايين طعم البارود والتشرد والهجرة.

ترجمه عن الكردية: فارس محمود




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,823,158,913
- الاستقالة من الحزب لاترفع احد الى الفردوس!
- عام على موجة الاحتجاجات الجماهيرية في كوردستان
- الشرق و-الإنتخابات الديمقراطية- أو تسويف لإمبراطورية الحرب
- من -أنصار العمل القانوني- الى -المقاومين- تاكتيكين وجناحين أ ...
- الاحتلال - ـ - المقاومة - قطبين لنفس المعسكر الرجعي
- أسطورة -الإسلام الأول- مكانة المرأة في النصوص القرآنية ل- ...


المزيد.....




- ترامب يهدد بنشر الجيش الأمريكي لـ-السيطرة على الشوارع- في غض ...
- الهند.. طوابير أمام محارق جثث ضحايا كورونا
- واشنطن متفائلة بشأن المصالحة الأفغانية
- -القابضة للطيران- في مصر: موعد عودة الطيران غير مؤكد حتى الآ ...
- الرئيس ترامب يترجل خارج البيت الأبيض حيث يتظاهر الآلاف من ال ...
- تشريح لجثة جورج فلويد أجري بطلب من أسرته أظهر وفاته اختناقاً ...
- عاصمة القرار
- تشريح لجثة جورج فلويد أجري بطلب من أسرته أظهر وفاته اختناقاً ...
- مجلة تحذر: الـ-درونز- العسكرية قد تصبح أسلحة دمار شامل
- الصحة الروسية: لا يوجد نقص في معدات الوقاية الشخصية للأطباء ...


المزيد.....

- الأوبئة والربح وشركات الأدوية الكبرى: كيف تدمر الرأسمالية ال ... / جو أتارد
- موقف الثورة البلشفية من مسلمى شعوب الشرق / سعيد العليمى
- كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورغ / محمود الصباغ
- هجرة العمالة من المغرب العربي إلى أوروبا هولندا نموذجا: دراس ... / هاشم نعمة فياض
- قراءة نقدية لأطياف ماركس فى طبعته التفكيكية / سعيد العليمى
- الجذور الحضارية والمجتمعية للتسلطية في سورية القسم الأول / محمد شيخ أحمد
- كتاب اللامساواة لبيكيتي-ماركس الحديث / محمود يوسف بكير
- المسألة السورية؛ محاولة للتأسيس- في الدولة / محمد شيخ أحمد
- قضية بناء الحزب - الإنتقال من الطور الحلقى الى الطور السياسي ... / سعيد العليمى
- غيتس قتل الملقحين / بيل غيتس


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خسرو ساية - الليبرالية الجديدة، من الفكرة الى عولمة الرأسمالية!