أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [13]















المزيد.....


الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [13]


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 6492 - 2020 / 2 / 14 - 15:30
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(27)
قراءة محمد عبده [1849- 1905م] عن (غير المرئيات)..
[.. تلك الجمل الساقطة، التي أجهد هذا الكاتب بها نفسه، فـ(قلّد) القرآن في نحو تركيبه، وأخذ من (مسلمة الحنفي) ألفاظها وأسلوبها؛ وأتى بها كما شاء له (العناد)، بل كما شاء له (الجهل الفاحش)، ليعارض بها عظمة القرآن]- الخوئي
يقول محمد عبده في صدد [وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ]- (البقرة2: 34) : ذهب بعض المفسِّرين مذهباً آخر فى فهم معنى (الملائكة)، وهو أن مجموع ما ورد فى (الملائكة): من كونهم (موكلين بالأعمال)، من إنماء نبات وخِلْقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك؛ فيه إيماء إلى (الخاصة) بما هو أدق من ظاهر العبارة.
وهو أنّ هذا النمو فى النبات، لم يكن إلا بـ(روح خاص)، نفخه الله فى البذرة، فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة. وكذلك يقال فى الحيوان والإنسان. فكلّ أمر كلّى قائم بنظام مخصوص، تمّت به (الحكمة الإلهية) فى إيجاده؛ فإنما قوامه بروح إلهى، سُمِّى فى لسان الشرع (مَلَكاً).
ومَن لم يبالِ فى التسمية بالتوقيف، يسم هذه المعانى (القوى الطبيعية): إذا كان لا يعرف من (عالَم الإمكان)، إلا ما هو (طبيعة)، أو (قوة) يظهر أثرها فى الطبيعة.
والأمر الثابت الذى لا نزاع فيه، هو أن فى (باطن الخِلْقة) أمراً هو مناطها، وبه قوامها ونظامها، لا يمكن العاقل أن ينكره، إن أنكر غير المؤمن بالوحى تسميته (مَلَكاً)، وزعم أنه لا دليل على وجود (الملائكة). أو أنكر بعض المؤمنين بالوحى تسميته (قوة طبيعية) أو (ناموساً طبيعياً)؛ لأنّ هذه الأسماء لم ترد فى الشرع.
فالحقيقة واحدة، والعاقل مَن لا (تحجبه) الأسماء عن المسمّيات. وإن كان المؤمن بـ(الغيب) يرى للأرواح وجوداً لا يُدرَك كنهُه، والذى لا يؤمن بالغيب يقول: (لا أعرف الرّوح)، ولكن أعرف (قوة لا أفهم حقيقتها). وكلٌ يقرّ بوجود شىء، غير ما يرى ويحس، ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم، ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه؟..
وماذا على هذا الذى يزعم أنه لا يؤمن بالغيب، - وقد اعترف بما غيّب عنه - لو قال: أُصدِّق بغيب أعرف أثره، وإن كنت لا أُقدِّر قدره، فيتفق مع المؤمنين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحى، ويحظى بما يحظى به المؤمنون؟..
يشعر كلّ مَن فَكَّر فى نفسه، ووازن بين خواطره، عندما يهمّ بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر؛ بأن فى نفسه تنازعاً ، كأن الأمر قد عرض فيه على مجلس شورى. فهذا يُورد وذاك يدفع، واحد يقول افعل، وآخر يقول لا تفعل، حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين.
فهذا الشىء الذى أُودع فى أنفسنا، ونسمّيه [قوة وفكراً]، هو فى الحقيقة معنى لا ندرك كنهه، وروح لا تُكتنه حقيقتها؛ ولا يبعد أن يسميه الله (ملَكَاً)، أو يسمى أسبابه (ملائكة)، أو ما شاء من الأسماء. فإنّ التسمية لا حَجْرَ فيها على الناس، فكيف يُحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة، والسلطان النافذ والعلم الواسع.
فلا يُستبعد أن تكون الإشارة فى الآية، أن الله لمّا خلق الأرض، دبّرها بما شاء من (القوى) الروحانية/(ملائكة)، التى بها قوامها ونظامها، وجعل كلّ صنف من القوى/(ملائكة)، مخصوصاً بنوع من أنواع المخلوقات، لا يتعداه ولا يتعدى ما حُدِّد له من الأثر الذى خُصَّ به.
خلق بعد ذلك الإنسان، وأعطاه (قوة) يكون بها مستعداً، ليتصف بجميع هذه القوى، وتسخيرها فى عمارة الأرض؛ وعبَّر عن تسخير هذه القُوَى بالسجود، الذى يُفيد معنى الخضوع والتسخير، وجعله بهذا الاستعداد والتصرف، خليفة الله فى أرضه، لأنه أكمل الموجودات فى الأرض.
واستثنى من هذه القُوَى قوة واحدة، عبَّر عنها بإبليس*/(ديابولوس- بالإغريقية): وهى القوى التى لزَّها الله بهذا العالَم لزّا = تميل بالمستعدّ للكمال، أو بالكامل إلى النقص؛ وتعارض مدّ الوجود، لتردّه إلى العدم؛ أو تقطع سبيل البقاء، وتعود بالموجود إلى الفناء؛ أو التى تعارض فى اتباع الحقّ، وتصدّ عن عمل الخير.
قوّة أبليس تنازع الإنسان فى صرف قواه إلى المنافع والمصالح التى تتم بها (خلافته)/(صورة الله)، فيصل إلى مراتب (الكمال الوجودى) التى خُلِق مستعداً للوصول إليها. تلك القوة التى ضلّلت آثارها قوماً، فزعموا أنّ فى العالَم إلهاً يسمى (إله الشرّ)/(1يو 4: 4)، وما هو بإله، ولكنها (محنة إله) لا يعلم أسرار حكمته إلا هو!.
ولو أن أنفسنا مالت إلى قبول هذا التأويل، لم تجد فى (الدين) ما يمنعها من ذلك، والعمدة على اطمئنان القلب، وركون النفس إلى ما أبصرت من الحقّ.
أن إخبار الله الملائكة بجعل الإنسان خليفة فى الأرض، هو عبارة عن تهيئة الأرض وقُوَى هذا العالَم وأرواحه: [التى بها قوامه ونظامه]؛ لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها، فيكون به كمال الوجود فى هذه الأرض.
وسؤال الملائكة عن جعل خليفة (يُفْسِد فى الأرض) لأنه يعمل باختياره، ويُعطَى استعداداً فى العلم والعمل لا حدّ لهما، هو (تصوير) لما فى استعداد الإنسان لذلك؛ وتمهيد لبيان أنه لا ينافى خلافته فى الأرض. أما تعليم آدم الأسماء كلّها، فبيان لاستعداد الإنسان لتعلّم كلّ شىء فى هذه الأرض، وانتفاعه به فى استعمالها.
وعرض الأسماء على الملائكة، وسؤالهم عنها، وتنصلهم فى الجواب، (تصوير) لكون الشعور الذى يُصاحب كلّ روح من الأرواح المدبرة للعوالم، محدوداً لا يتعدى وظيفته.
وسجود (الملائكة) لآدم (عبارة) عن تسخير هذه الأرواح والقُوَى له، ينتفع فى ترقية الكون بمعرفة سنن الله فى ذلك.
وإباء إبليس واستكباره عن السجود، (تمثيل) لعجز الإنسان عن إخضاع (روح الشرّ)، وإبطال داعية خواطر السوء، التى هى مثار التنازع والتخاصم والتعدى والإفساد فى الأرض. ولولا ذلك لجاء على الإنسان زمن، يكون فيه أفراده كـ(الملائكة) بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البَشرى.
قراءة محمد عبده للسحر..
[من شرّ النفاثات في العقد]- (سورة الفلق 113: 4)
النفّاثات = النمّامات/ النمّامون/ المقطِّعون لروابط الأُلفة، المُحرقون لها بما يلقو عليها من ضرام نمائمهم
جاءت العبارة كذلك، لأن الله أراد أن يشبههم بالسحرة المشعوذين، الذين إذا أرادوا أن يحلوا عقدة محبة بين شخصين، عقدوا عقدة ثم (نفثوا) فيها وحَلُّوها، ليكون ذلك حلاً للعقد التى بينهما.
والنميمة تشبه أن تكون (ضرباً) من (السحر)، لأنها تحوِّل ما بين الصديقين من محبة إلى عداوة، بـ(وسيلة خفية) كاذبة، والنميمة تُضَلِّل الوجدان.
وفي قصة سحر لبيد بين الأعصم للنبيّ، وأثَّرَ سحره فيه، حتى كان يُخيل له، أنه يفعل الشىء وهو لا يفعله، أو يأتى شيئاً وهو لا يأتيه، أي أنّ تأثير السحر فى نفسه يصل به حدّ أن يظنّ أنه يفعل شيئاً وهو لا يفعله؛ ليس من قبيل تأثير الأمراض فى الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان، فى بعض الأمور العادية؛ بل هو ماس بالعقل، آخذ بالروح، وهو مما يُصَدِّق قول ا فيه: [إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً]- (الاسراء 17: 47)
[مرض الرسول مرضا شديدا، فأتاه مَلَكان، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما ترى؟ قال: طُبَّ، قال: وما طُبَّ؟ قال: سُحِرَ، قال: ومَنْ سَحَره؟ قال: لَبيد بن الأعصم اليهودي، قال: أين هو؟ قال: في بئر آل فلان تحت صخرة في رَكِيَّة، فَأْتوا الرَّكِيَّة، فانزحوا ماءها، وارفعوا الصخرة، ثم خذوا الكُدْية وأحرقوها، فلما ارسل عمار بن ياسر في نفر، فَأَتوا الرَّكِيَّةَ، فإذا ماؤها مثل ماء الحنّاء، فنزحوا الماء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الكُدْيَةَ، وأحرقوها، فإذا فيها وتر فيه إحدى عشرة عقدة، وأُنزلت عليه هاتان السورتان، فَجَعل كلما قرأ آية انحلت عقدة: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)]- (السيوطي في (لباب النقول في أسباب النزول) عن ابن عباس)
والمسحور= مَن خولطَ فى عَقله، وخُيِّل له أن شيئاً يقع وهو لا يقع؛ فيُخيَّل إليه أنه يُوحَى إليه، ولا يُوحَى إليه.
ولدى بعض المقلدين: إن الخبر بتأثير السّحر فى النفس الشريفة قد صحّ، فيلزم الاعتقاد به.
وعدم التصديق به من بِدَع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر.
وقد جاء (القرآن) بصحة السّحر.
فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح، والحق الصريح فى نظر المقلِّد بدعة، يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن فى نفيه السحر عنه، وعَدَّةُ من افتراء المشركين عليه؛ مع أن الذى قصده المشركون ظاهر، لأنهم يقولون: إن (الشيطان) يلابسه.
وملابسة الشيطان تُعرف عندهم بالسحر، وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر السحر الذى نُسب إلى لبيد، فإنه خولط فى عقله وإدراكه.
إن السحر الذى أُصيب به النبيّ، كان من قبيل الأمراض التى تعرض للبدن، بدون أن تؤثر على شئ من العقل.
وقد قيل إن ما فعله لبيد بن الأعصم بالنبى من السحر، لا يعدو أن يكون نوعاً من أنواع العقد عن النساء، وهو الذى يسمونه (رباطا). فكان يخيل إليه أن عنده قدرة على إتيان إحدى نسائه، فإذا ما هَمَّ بحاجته عجز عن ذلك. أما السحر الذى أصابه، فمراد به الجنون، وهو مخل بمقام النبوة.
[أَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ]- (الحجر 15: 6)
ثم إن الحديث رواية البخارى وغيره من كتب الصحيح، فمن ذلك أيضاً حديث الشيخين، فإنه قال فيه: إذا صح الحديث فهو من قبيل (التمثيل) لا من باب الحقيقة.
خلاصة..
ان محمد عبده هو من خريجي (الأزهر) بامتياز، وعمل في التدريس فيه بنجاح. ولكن لقاءه بالأفغاني عام (1871م) أعاد تشكيل شخصيته وصياغة ثقافته وعلومه ونظرته للعالم والفكر والعصر.
وبغض النظر عمّا دبّجه الرواة والمؤرخون عن شخصية الأفغاني [1838- 1897م]، بغية تشويهه والتدليس عليه، وما نال محمد عبده بأثره من تشويه، تجاوز فكره إلى أصله التركماني، للنيل من (مصريته)، فأن الاضافة الفكرية والقيمة التاريخية للأفغاني أو محمد عبده، تتجاوز حدود الاقليم والقومية والمذهب.
والمؤكد، أن الثقافة العربية والإسلامية اليوم، كانت على صورة أخرى واقع مختلف، لولا ثورة أفكار الأفغاني ورؤية محمد عبده المتطورة. ورغم عدم اغفال عبده، مبدأ (التقية) الاجتماعية، التي حددت حريته في التجديد والاصلاح والافصاح، فأن ما قدّمه وأعلنه، ما يزال قاعدة فكرية رصينة، للانتقال من الخطاب السلفي الرجعي، إلى (إسلام عصري) مهذب.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ ان ما بقي من ذكر محمد عبده اليوم، وما يعتلجه الاعلام الاستهلاكي العربسلامي، ليس فكر محمد عبده، وإنما ما دبجه تلميذه محمد رشيد رضا [1865- 1935م] عنه. كيف..؟!.
يكاد لا يذكر شيء عن أمرين: أولهما تعليم محمد عبده في(الأزهر)؛ وثانيهما: نشاطه الفكري المشترك مع الأفغاني، وسيما مجلة (العروة الوثقى) الباريسية التي استمرت ثلاثة عشر عاما.
كانت إقامة الافغاني في مصر لمدة ثمان سنوات [1871- 1879م]، لازمه خلالها محمد عبده، ضمن آخرين. وبعد مغادرته حدثت ثورة أحمد باشا عرابي [1841/ 1881- 1911م] ذي الأصول العراقية العريقة، حيث يؤيدها محمد عبده، ويودع السجن، ثم ينفيه الخديوي توفيق [1852/ 1979- 1892م] إلى لبنان.
في لبنان داوم عبده القاء محاضرات والوعظ في مساجدها، حيث يلتحق به محمد رشيد رضا، تلميذه ومؤرخه. وعندما انطلق الأفغاني في رحلته الأوربية/(1883م)، مرورا بقناة السويس دعا محمد عبده للالتحاق به، وكان الأخير في الشام، فاجتمعا في باريس، مرة أخرى، حتى وفاة الأفغاني، أخرجا خلالها مكتبة (العروة الأخرى) الحافلة بفكر اصلاحي تجديد واسع ورؤية عميقة لمستقبل عصري للعرب والإسلام والعالم.
غادر عبده باريس إلى المغرب والجزائر وتونس، بلدا فبلد، ينزل فيها ، محاضرا وواعظا، وفي كل بلد ينشر أفكاره ويتكون له تلاميذ ومناوئون. المهمّ في تلك السنوات المغاربية، انه استخدم في وعظه، تفسير بعض سور القرآن، دون أن يأتي على جميع القرآن.
لم يجمع عبده عظاته التفسيرية، وكما هو حال جملة محاضراته وعظاته. لكن تلميذه رشيد رضا، سوف يتولى جمع تفاسيره وتنميقها ونشرها في مجلته (المنار)، قبل صدورها في كتاب، رغم عدم اكتمالها. ويقال ان عبده كان يراجعها قبل النشر. فما يعرف اليوم من (تفسير القرآن) لعبده، هو نتاج أواخر سنواته، الموسومة بالنفي والغربة والمرض.
ولا أرى أن تصلح هاته الكتابات المتأخرة المنسوبة له، لاعتمادها نصا حقيقيا للحكم على الشخص من غير باب الظن. وهذا يشمل، للمفارقة، كل ما نسب للأفغاني، واتخذ قاعدة لاتهامه والحكم على عليه وأفكاره، من باب التجني العاطفي والعنصري، الذي طال كل ما يخصه، مكن مسقط رأسه، إلى أسوأ ما عرفته تلك الأيام.
ومجتمعاتنا وديانتنا، على درجة من الخبرة والحذق، في الدسّ والكيد والحسد والانتقام، ممن يغرّد خارج السرب، ويتمرد على ثقافة المستنقع. وإلى ثمار هاته الثقافة، يعود مجد تصفيات المجددين والمتنورين، وتهميش أدوارهم، واسقيط أفكارهم وشخوصهم، في أحواض الكفر والزندقة والماسونية والعلاقة مع القوى الغربية.
والمبدأ العامل هنا: كلّ ما اجتمع عليه الناس، فهو باطل!.
الخوف من انتقام المناوئين وقطيعهم الضالّ، كان له أثر سلبي في دفع عبده لاستخدام التقية، رغم جرأته في اعلان أفكاره التجديدية بالمقابل. وهذا سرّ التناقض، ف أفكاره، بين رحى التجديد، وبين منبر السفلية، التي ما زالت تحكم الحياة المصرية، وحسب تعليق أحدهم، أن مصر صدّرت للسعودية حسناتها، واستوردت منها أسواءها.
على مذهب معلمه الأفغاني، لا يؤمن عبده بالماورائيات، وهذا يشمل جانبا كبيرا مما يدعى بالموروث العربسلامي. والمشهور في ثقافتنا العلمانية والحداثية المدرسية بالخرافات والأساطير/(الميث). وقد عمل جهده في تفسير وتأويل النص القرآني، وفق رؤية عصرية علمية مادية، بشكل يوفق بين المعنى المطلوب، وباستخدام أدوات مادية ومنطق عقلي.
لقد استخدم الإسلام (الغيبيات) وسيلة لبناء منظومة دنيوية سياسية، غير قابلة للنقض أو الإثبات. ووجد في السوابق الدينية ذريعة/ قرينة، تدعم دعاوى الوحي والنبوّة، رغم المظاهر المبتذلة لدعم تلك المزاعم. وفي رأيي، أن جوهر التحدي الذي واجه به (الإسلام) عقول المفكرين والعلماء، ليس [معجزاته وإعجازه]، انما سيف الخوف، والإحراج من وسم المعروض المقدس بالتفاهة.
ان موقف عبده العقل المادي، الناقض للماورائيات، لا يقتصر على الملائكة والجن، واعتبارها مسميات لقوى الطبيعة العاملة في الحياة، وإنما يتعداها للمسألة الاشكالية الشائكة والمعقيمة حول الوحي، موضوع تشكيك القدماء والمعاصرين. ومن هذا المنظور يشكل مشروع عبده استكمالا، لمشروع الأفغاني في الصناعات، ومنها: صناعة النبوّة.
صحيح ان عبده لم يتح له تنكب تقديم صياغة جديدة للإسلام، لكن أبناء (الزمن الجديد) يتوفرون على مكنات متقدمة لتقديم قرءة حداثية معاصرة في الإسلام، مشذبة من موزروث الخرافات والميث، والنعرات النرجسية والشيطانية واستعداء الناس ضد بعضهم، واستعبادهم لمرزبانات الدين والدولة الأشرّين.
وحسبنا.. عند الوقوف أمام البخاري والطبري وأمثالهم، لا نعيب التناقض في طروحاتهم، لكننا نقدر ازدواجية خطابهم، المحايد، والموازن، بين الاثبات ، لإقناع العامة، والنقض، لإقناع الذات.
فالمؤيد للعامة، يجد ضالته، وذو العقل المستقل، يجد بضاعته. ولم يختلف عبده، عن مذهب أسلافه، غير أنه كان أكثر جرأة، في إدخال الفكر المادي والعقلي، على الفكر الإسلامي، نقلا عن معلمه الأفغاني طبعا.
في سبيل ذلك نسبوه للمعتزلة، وأهل الكلام، ومذهب الطبيعة ووحدة الوجود، والمادية والعلمانية، والماسونية وتخريب التراث المقدس، وغيره. ولكن الخاسر الوحيد والأوحد، جراء إهمال فكر محمد عبده، وتشويه آثاره، هو مصر والثقافة المصرية والعربسلامية.
ولو ان مسيرة عبده تطورت واستمرت ووجدت المجال الصحي للنمو والازدهار، لاختلفت صورة الإنسان والإسلام والمجتمع والدولة المصرية والعربية. وإلا.. ماذا انتفع العرب والإسلام من الفكر الإخواني والوهابي والسلفي، غير أمجاد الحاضر والصيت اللامع، في مرآة العصر والعالم.
هل تأخر الوقت لاستعادة محمد عبده؟..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لأبليس ومرادفاته هيمنة لفظية ومعنوية في النص القرآني، فقد تكرر لفظ (أبليس) = (11) مرّة، وتكرر لفظ (شيطان) = (15) مرّة، وتكرار لفظه ومشتقاته = (88) مرّة، وتكرر لفظ (جنّ) = (2267) مرّة. ومن فعل هذا التكرار المباشر وغير المباشرة، أنه طبع (الخطاب الإسلامي) بطابعه، فليس في (الإسلام) شيء، إلا والشيطان محيط به، تهديدا وهيمنة. فأين هي قوة الله وحفظه وهيمنته، والشيطان يتخلل تفاصيله ويتعلق بثيابه، ولا كاد يفلت منه شيء أو أحد، حتى ملائكته وأنبياؤه. فسلطان إبليس وأعوانه، دالة على هشاشة (الله) وعدم كماله ونقص قدرته وعلمه وحكمته. وهذا يقتضي النظر في بيان روح التميز بين قوى الخير والشرّ في الإنجل،ومنه رسالة يوحنا الأولى: [أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ. بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ رُوحٍ لاَ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ، فَلَيْسَ مِنَ اللهِ. وَهذَا هُوَ رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ الَّذِي سَمِعْتُمْ أَنَّهُ يَأْتِي، وَالآنَ هُوَ فِي الْعَالَمِ. أَنْتُمْ مِنَ اللهِ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، وَقَدْ غَلَبْتُمُوهُمْ لأَنَّ الَّذِي فِيكُمْ أَعْظَمُ مِنَ الَّذِي فِي الْعَالَمِ. هُمْ مِنَ الْعَالَمِ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ يَتَكَلَّمُونَ مِنَ الْعَالَمِ، وَالْعَالَمُ يَسْمَعُ لَهُمْ. نَحْنُ مِنَ اللهِ. فَمَنْ يَعْرِفُ اللهَ يَسْمَعُ لَنَا، وَمَنْ لَيْسَ مِنَ اللهِ لاَ يَسْمَعُ لَنَا. مِنْ هذَا نَعْرِفُ رُوحَ الْحَقِّ وَرُوحَ الضَّلاَلِ. أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لِنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا، لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ. وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ.]- (1يو 4: 1- 8). فكيف لمن لا يعرف (روح الله)، تمييز (أرواح الشرّ) المنتشرة في العالم.
* ألفاظ [تصور، تمثيل، عبارة] الواردة في التفسير، هي بمعنى (ترمز): من التفسير الرمزي، الذي يفاد منه (تأويل)، وليس (تفسير). وهو ما اعتمده الطبري في شرح القرآن، ونحا نحوه محمد عبده. وفي ضوء المذهب الرمزي، رأى عبده في (الملائكة والشياطين والجن)، مسميات (قرآنية) للقوى الطبيعية الدافعة والمتدافعة في الوجود الحيوي. فالانسان لا يرى الرياح، ولكنه يشعر بفعلها، ومثله النور والحرارة والمرض واليأس. وكلّ ما عجز الإنسان عن إدراك كنهه وشكله، وصفه بقوى الغيب، نحو (ملائكة) للنافع منها، و(شياطين) للمؤذي منها.
* ورد حديث سحر لبيد في الصحيحين. ومنه أيضا: (كل بنى آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أُمه إلا مريم وابنها)، وصفه عبده من باب التمثيل لا الحقيقة. وموقفه: أن الشيطان لا تَسَلُّط له على الإنسان إلا بالوسوسة والإغواء فقط؛ على طريقة المعتزلة.
* محمد عبده بن حسن بن خيرالله [1849- 1905م] مجدد إسلامي ومن دعاة النهضة والاصلاح. تخرج في جامعة الأزهر/(1969م)؛ وفي (1871م) التقى بجمال الأفغاني [1838- 1897م] وتأثر ببعض أفكاره النهضوية والتنويرية. اصدرا معا مجلة (العروة الوثقى) في باريس. شارك في ثورة/(1881م) أحمد عرابي [1841- 1911م] واعتقل في أثرها، ثم تعرض للاضطهاد على يد الخديوي توفيق [1852/ 1879- 1892م] ونفي للخارج. تنقل بين لبنان وباريس والجزائر وتونس، قبل أن يعود إلى مصر ويعن مفتيا للديار/(1899م). توفى بعد سنوات جراء المرض.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,707,683,703
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [12]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [11]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [10]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [9]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [8]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [7]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [6]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [5]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [4]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [3]
- الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [2]
- الناسخ والمنسوخ وما وراءهما- [1]
- أنا لا أعبد موتى
- بصراحة.. لا غير//2
- بصراحة.. لا غير..
- أين ينظر العرب؟.. (5)
- أين ينظر العرب.. (4)..
- أين ينظر العرب.. (3)
- أين ينظر العرب؟.. (2)
- أين ينظر العرب؟.. (1)


المزيد.....




- يهود يكافحون من أجل استعادة جنسية أجدادهم الألمانية
- “شاهد” سعودي يرتد عن الإسلام ويتبرأ من آل سعود!
- إندونيسيا.. 300 شخص يعتنقون الإسلام جماعيا
- -الانفلات والتبرج-.. غضب من رجل دين بالديوانية هاجم المتظاهر ...
- السودان: استجواب البشير حول ارتباط أموال الحركة الإسلامية بع ...
- السودان: استجواب البشير حول ارتباط أموال الحركة الإسلامية بع ...
- بالفيديو.. ما هو دور مجلس الشورى الاسلامي في ايران؟
- بالفيديو.. ما هي شروط اختيار اعضاء مجلس الشورى الاسلامي؟
- ندوة في الهرمل شرق لبنان بذكرى انتصار الثورة الاسلامية
- شاهد.. ماذا تعني السيادة الشعبية الدينية في ايران؟


المزيد.....

- المنهج التأويلي والفلسفة الهرمينوطيقية بين غادامير وريكور / زهير الخويلدي
- مستقبل الأديان والفكر اللاهوتي / عباس منصور
- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - وديع العبيدي - الناسخ والمنسوخ.. وما وراءهما..! [13]