أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسن إبراهيم أحمد - الخروج من ثقافة الترادف















المزيد.....



الخروج من ثقافة الترادف


حسن إبراهيم أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 6467 - 2020 / 1 / 17 - 19:38
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


لم تظهر الثقافة يوماً في موقع العجز عن توليد تقنيات تلائم حقولها المتعددة والمتنوعة، فهي ولادة، وهذه التقنيات تنتجها الثقافة في إطار حراكها وبالتأثر والتأثير، كما تتوالد من حركات الحياة ونشاط الناس، بحيث ينتقل أسلوب ما من جانب من جوانب حياتهم إلى حيز أو جانب آخر، بلغة وأسلوب جديدين، ومن هذه الحيزات والجوانب، الثقافة باعتبارها حقل تداول المعاني والأفكار والخبرات والمعارف التي تسهم في تكوين الشخصية الاجتماعية تكويناً معيناً، ولها أساليبها.

قد تكون بعض التقنيات التي تستخدمها الثقافة في انبثقاقاتها الجديدة، مصدر قوة واندفاع وإثراء لجانب أو جوانب من حياة الناس الثقافية، تطورها وتدفعها إلى الأمام ، فتبدو قادرة على إرضاء النفوس والعقول الطامحة إلى معاني ومعارف فاعلة في الخروج من عالم التقوقع والسكون إلى عالم التجدد والديناميكية، وهذا ما يعطي الثقافة زخمها وقوة حضورها، لأن عقول الناس وأهواءهم تمل التكرار، ولا تعود قادرة على طلب المزيد منه، في حين تتلقف الجديد حين لا يتعارض مع قيمها، وكان هذا سر تنوع الاتجاهات والمذاهب الأدبية والفنية من يوم بدأ التمرد على الخط الاتباعي (الكلاسيكية)، ولا كرهاً لها أو استهتاراً، بل مللاً يجعل النفوس والعقول غير قادرة على التناغم مع التكرار الذي التزمت به في أساليبها.

لكن الجديد قد لا يستطيع إلغاء القديم في كل المواقع، فلقديم إطلالاته ومواقعه في الحياة والفكر والفن، وقد يبدو التداول بين الحياة وجوانب الثقافة قادراً على إبقاء الأساليب أو التقنيات القديمة ذات قدرة على التعبير عن حضورها بأشكال متعددة تذكر بقوة هذا الحضور، وما لم يكن لها مواقع قبول في المجتمع فقد لا يكون لها القدرة على الاستمرار في الوجود، ولننظر إلى بعض الفنون التقليدية مثل الشعر العمودي الذي أعلنت الثورة عليه لعدم قدرته على أن يكون إطاراً أو تقنية ملائمة لما يشهده العصر من حركة متسارعة باتجاه الخروج إلى عوالم أخرى تساير التطور المتسارع في حقول الحياة.

يمكننا في هذا المناخ الثقافي، أو في إطار هذا المعنى أو الفكرة أن نجد موقعاً لفكرة الترادف التي لا تزال من العوامل المانعة للخروج من حال الإعاقة إلى حال التجدد، والترادف أصيل وذو جذور ضاربة في أعماق الحياة واللغة، فالردف (بكسر الراء) الراكب خلف الراكب، والرديف ما تبع شيئاً، فالليل والنهار ردفان متتابعان، وردفه ردفاً: أركبه خلفه، وأردف: تتابع وتوالى، والترادف التتابع، وترادف الكلمتين أن تكونا بمعنى واحد. هكذا تقول المعاجم أو كتب اللغة، التي نستنتج منها تحديدات لمعنى الكلمة، عن كون مجيء الشيء خلف الشيء الآخر أو التبعية له، وكونه وراءه أو تالياً له، أو متماثلاً ومتشابهاً معه.

ما نلاحظه أن هذه الدلالات اللغوية لا تذهب بالأشياء إلى الحرية والانطلاق، بل تبقيها مقيدة، فاللاحق يقيده السابق، ولا يكون الجديد جديداً، بل تابعاً لما جاء قبله، وقد بقي المعنى اللغوي، هو ذاته في الثقافة والحياة يشير إلى التبعية، وأكثر الظواهر تماسكاً على مستوى الدلالة الوجودية هي تلك التي يرتبط فيها الخاص بالعام، وقد يكون ذلك تقييداً للخاص بالعام، مع ما فيه من احتمال الذهاب إلى العصبية التي لا تقبل العضو ولا ينال نصيبه إلا بقدر الارتباط الذي قد يقيد حريته ويجعلها ضحية حين يفرض على عضو العصبية تمجيدها وتمجيد زعاماتها.

فتحل ثقافة الولاء بدل ثقافة التجاوز والإنجاز، وتبرز أخلاق الطاعة البطريركية (الأبوية)، وطفلية عضو العصبية وحاجته إلى الإرضاع المستمر، (كما يؤكد مصطفى حجازي في كتابه: الإنسان المهدور ص 53 – 59) وكل هذا يبرز دور الثقافة والإعلام والتركيز على جيل الشباب الذي يتم العمل على جعله مترادفاً على ما كان قبله.

في كل هذه المعاني والإشارات وما يتولد عنها، لا نجد أثراً لجديد أو تطور أو انبثاق وتوالد لما يعطي الحياة معاني تجعلها ذات قابلية لأن تضيف إلى تقنياتها وحضورها ومعانيها أي عناصر لم تكن فيها سابقاً، وهذه حالة هي والموت في موقع واحد من الزاوية الثقافية، إنها حالة استاتيكية، يظن الناس أنهم خرجوا منها بفعل التطور والتجدد الذي شهدته الحياة، سواء في مجال الثقافة التي تنعكس في سلوك ونشاط البشر، أو في النشاط اليومي للناس، في حراكهم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وكيف ينعكس على الثقافة فيجعلها حقلاً متجدداً وقادراً على المساهمة بالخروج من الإعاقات المتولدة التي سببتها الأيام، من قصور أو تبعية وتقليد يعطي انطباعاً بجمود الحياة.

عندما ننقل الفكرة من حقل اللغة وموروثها، أو من حقل الفكر المتتابع واللاحق آخره بأوله، إلى حقل الحياة المعاشة في حراكها اليومي، سنجد أن كل ما فيها أو بعض الراسخ والقوي يعزز الفكرة والمعاني التي نشير إليها بالترادف، دون تجديد حتى في الألفاظ الدالة، فلا تزال الصيحة (الإيعاز) الذي بطلته القائد العسكري لجنوده، أو الأمر هو ذاته ((ترادف)) بصيغة الأمر، والمعنى أو الطلب تدل المفردة عليه، يرتبط بها وترتبط به ترابطاً فيه كل معاني الثبات والتقييد الذي لا يجهله الناس في بلادنا بسبب الظروف، والترادف يعني اللحاق بالسابق والتقيد بسلوكه ووضعيته.

ففي بلادنا لا يزال المجتمع يعيش حالة حضور معاني العسكرة، لما تعانيه هذه البلاد من استقلالها من تربص الأعداء بها، ما جعل الناس ينخرطون في الجيش ويجندون لملاقاة العدو، وقد يبدأ تدريبهم على ذلك وهم في مدارسهم، أي في طور اليفاعة ذكوراً وإناثاً، فيتعلمون الترادف منذ دخولهم إلى المدرسة الابتدائية، حيث ينتظمون في صفوف يعلمهم فيها المعلمون كيف يترادفون واحداً وراء واحد (وليس إلى جانبه) بمجرد أن يسمعوا النداء أو الإيعاز بالترادف، وعليهم أن ينتظموا في صفوف مستقيمة يكون أول واحد في الصف هو القدوة، أي من يقتدون به ويتحركون جميعاً للانضباط وراءه دون اعوجاج، ويكون بين الواحد ومن قبله طول ذراعه الممدودة، يضاف هذا إلى ما يلقن للطفل في نشأته الأولى من ضرورات الامتثال والطاعة والانضباط وتقليد الكبار كي يكون فرداً صالحاً، دون أن يؤخذ من المعنى سوى جانبه السلبي الذي يؤدي إلى ضمور فاعلية الشخص مستقبلاً.

قد تفعل المدارس في بلاد العالم هكذا لأجل النظام والانضباط ونفي الفوضى، لكن عندما يستمر كل هذا في فعاليات الحياة الأخرى وعلى امتداد العمر، فإنه يترك بصمته ليس على التقيد بنظام الحركة فقط، بل بأن يجعل العقل مقيداً وملزماً بما سبق من مفاهيمه، وخاصة حين يعاقب من خرج على الترتيب الذي وضع له، ويصبح ذلك مبدأ لحياة الأمة والمجتمع، مثلما كان يعاقب عضو القبيلة بالطرد منها ما يحيله إلى الصعلكة أو اللصوصية، فلا يصلح حاضر ومستقبل هذه الأمة إلا بما صلح به ماضيها، إبقاء على المبدأ الذي أدانه القرآن (إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ما يجعل الترادف مسيرة حياة ونهجاً فكرياً.

إلى هذا قد تفضي عملية الترادف التي يتعلمها الصغار في البيت أو المدرسة أو المجتمع، ويتعلمها الفتيان عندما يبدأ تدريبهم على الشؤون العسكرية، وهكذا يتعلمون في الجندية، دون أن يكون هناك أي تشجيع للإبداع الذي قد يقضي بالخروج على القواعد والترتيبات والأوامر التقليدية الصارمة، ما يصنع من الفرد مواطناً متمثلاً مطواعاً ينال الثناء على مطواعيته، لأنه يكون قد تعلم في صفوف المترادفين كيف يكون انتظامه مقبولاً، فمن شروط الترادف أن يكون من في الصف جميعاً خلف أول واحد فيه (القدوة – قائد الجماعة)، ولا يكون الصف سليماً من العيوب إلا حين لا يرى القائد الذي يطلق نداء الترادف وهو يقف أمام الصفوف، سوى أول واحد في كل صف، أي على الجميع (الاختفاء) وراء الأول اختفاء تاماً، وحين يظهر أي جزء من الذي يليه يعني أن الصف غير جيد ولا منضبط، ولا يتسامح بذلك، وهكذا يتعلم الجميع كل المعاني التي أشرنا إليها في ما تفيده الكلمة في اللغة، الخلف، والوراء، والتبعية أو التتابع، والتوالي والتماثل والتشابه واللحاق بالآخرين في الاختفاء وراء القائد أو الأول، لا الابتكار والإبداع فهل يصبح من الغريب على من بدأ تعليمه بالانصياع والانضباط الشكلي لنيل الرضى أو للنجاة من العقوبة، أن يكون هذا الأسلوب أو هذه التقنية أو الثقافة قادرة على أن تطبع حياته وفكره وثقافته وسلوكه بطابع يعادي التجدد والإبداع والابتكار، دون أن يكون ذلك دليلاً على فوضى؟

ليس في منطق الحياة أن بروز شخص يلغي أو يمنع ويعيق بروز غيره، فلذلك آليات مرتبطة بقدرات الأفراد والظروف المتاحة، بالتالي أن يظهر القادة ويختفي الباقون أو يظلون في الخلف أو الظل، شيء في غاية الخطورة على المجتمع، خاصة عندما يكون ابتعادهم أو ترادفهم قسرياً.

وقد يمتلكون من المهارات والفاعلية مثلما أو أكثر مما يمتلكه ممن تتيح لهم الحياة الظهور والبروز في الواجهة، ثم لماذا يكون على المجتمعات أن تخسر مهارات وقدرات الآخرين من أجل من هم في المقدمة، دون أن تتاح الفرص للجميع، لأن الترادف يقتضي الانضباط وعدم الشقاق، بالتالي ضياع الفرص، والأهم أن ذلك يجري تحت ضغط القوة المتسلطة؟

أتخيل أن الفرد (المواطن) الذي يمر بكل هذه الضغوط، ودائماً يتلقي أمر الترادف على من قبله، ألا يكون قادراً على الخروج من حال التواري وراء الأول والتبعية له، وأن يتعود أن يكون تالياً لاسابقاً، ومتماثلاً متشابهاً لا مجدداً ومبتكراً، بالتالي حين نجد المواطن في بلادنا هو كذلك في حياته اليومية الوظيفية، وفي حياته العائلية والاجتماعية، وفي حياته السياسية، يكون أميناً على أن يعكس التربية والثقافة التي تلقاها سابقاً في نشاطاته، بحيث يقضي حياته وراء الآخرين متمثلاً لما يطلب منه، مغيب العقل لأنه مطلوب منه تنفيذ الأوامر والإيعازات، لا أن يشغل وقته بالتفكير في أي الأوضاع أو أي التصرفات هو الأسلم والأكثر فائدة، إذ الأكثر فائدة في حياتنا أن ننجو من العقوبات التي يسببها الخروج على الانضباط المفروض علينا وراء القادة الموعزين الآمرين، الذين يرتبون كل شيء ويفكرون عن الجميع، فيصبح هؤلاء الجميع في حالة استقالة من التفكير.

هنا لا بد من التفريق بين الترادف والتقليد، فالمقلد حين يمتلك القدرات والمهارات، لا شيء يمنعه من التفوق على من يقلدهم وتجاوزهم مبتدعاً خطه المستقل، وفي الكثير من الحالات نجد الفنانين والأدباء بدؤوا بتقليد من سبقهم، ثم شيئاً فشيئاً ابتكروا وجددوا طرقاً وأساليب ابتدعوها، فلم يمنعهم التقليد الذي بدؤوا به من الإبداع، لكن في حالة الترادف فعلى المترادف أن يبقى في الخلف لا يتجاوز (خلفيته أو دونيته) لأنه لم يتعلم سوى الاختفاء والتواري خلف الآخرين، أو تمثل دور الظل لهم، المترادف مقلد طوال عمره، ومن يتابع قراءة صحفنا مثلاً سيكتشف كم أن الترادف مزرٍ بالشخصية الظل، إذ عند قراءة ما يكتبه بعض الأشخاص الذين جرى تلميعهم يحصل الشعور عند القارئ كأنه قرأ هذا منذ سنين وكل يوم، أي لا جديد في الخطاب، مع تماثل ما يقوله المترادفون، وسيخمن من يتابعهم أن غدهم سيكون كأمسهم القريب والبعيد.

عندما ننضبط (نترادف)، لا تنال العقوبات، لكن عندما لا ننضبط فالعقوبات بانتظارنا، والمشكلة في حياتنا أن الذين يأمرون بالترادف والانضباط خلفهم، ليسوا واحداً، إنهم كثر فأنا مطلوب مني الانضباط خلف الأب في العائلة، وخلف المعلم في المدرسة، وخلف شيخ العشيرة أو القبيلة في المجتمع الأبوي (البطريركي)، وخلف شيخ الملة أو الطائفة ومرشدها، وخلف قائد الحزب، وخلف الزعيم السياسي والمسؤول الأمني.. إلخ، وكل هؤلاء لهم تراتبياتهم المتوالدة من بعضها والمكملة لبعضها، فطاعة الأب في الأسرة تؤول إلى طاعة العم والأخ الأكبر أو الجد، وطاعة زعيم القبيلة أو شيخها تعني طاعة ولي عهده ومن ينوب عنه ومجمع الشوري حوله من الكبار المحترمين، وطاعة قائد الحزب يعني طاعة كل القيادات المتسلسلة، وطاعة الزعيم السياسي قد تؤول إلى طاعة من يمثله من أعلى منصب وزاري أو أمني حتى أصغر شرطي أو موظف، أي إنها تصبح تحصيل حاصل لكل الطاعات السابقة أو الأدنى، دون أن يشعر المواطن بأن في الطاعة أو التتابع أو الترادف أو التماثل والتشابه أو البقاء في الخلف، أي حيف أو انتقاص أو عيب، ما يترك النفوس صغيرة استمرأت الذل والخنوع، ولا نجد في قولة مالك .
بين نبي غرابة عندما رأى عند شعوبنا قابلية للاستعمار والإذعان.

الطلب إلى المؤمنين أن يطيعوا ربهم لا خلاف عليه، وأن يطيعوا أولي الأمر منهم لا يعني أن يتحولوا إلى حالة الخنوع والبلادة القطيعية التي لا تفسح لذكائهم أو عبقرياتهم أن تظهر في نشاطهم، والدعوة إلى عدم مفارقة الجماعة والبقاء على الطاعة يجب ألا تقتل الأنا الفاعلة لصالح الانتظام، فهذا يحيل إلى سلبية كارثية، لا يمكن للنصوص أن تتضمنها، لكن ماذا يفعل المسلم إذا سارت حياته نحو التضييق؟ إن خيارات عبادته محصورة شكلاً في أربعة أو خمسة مذاهب استمرت من بين العشرات التي أطاح بفاعليتها الفعل السياسي وتأييد السلطان الذي دفع المسلمين إلى الترادف وراء المذاهب الباقية، وقد اندثر غيرها مما لم يكن أقل جدارة بل أقل حظاً.

حالة الترادف عندما تأخذ الشكل الفاعل في المجتمع، وعندما يكون لها هذا الحضور القوي في نفوس الناس، تترك بصمتها على حياتهم، تصبح جزءاً كيانياً من شخصياتهم المتقزمة، لأنها تصبح ثقافة يرفدها ويغذيها كل نشاط مجتمعي في المجتمعات الأبوية التي يظهر الخنوع والخضوع فيها أمراً مستحباً ينال الرضى، ومن مؤشراته اجتثاث كل طاقة على الخروج والاستقلال، ما يدفع مبكراً مثلاً إلى ختان المرأة لضمان خنوعها أو عدم جموحها الذي يمكن أن تبديه شخصيتها المستقلة، بعد أن يستأصل منها مع ذلك الجزء الصغير من جسدها، كل قدرتها على امتلاك عنفوان التمرد كما ترمز إلى ذلك عملية الختان التي كرستها ثقافة التقليد والترادف، ما يميل إلى ختان معنوي يستأصل شأفة النفس مع الحرمان من المتعة، ما يعني في طول الممارسة لإخضاع الشباب أن شكلاً من أشكال الختان أو الخصاء المعنوي، الفكري والثقافي والاجتماعي يمارس عليهم من أجل المحافظة على انصياعية جالبة للرضى، إذ دائماً يكون الخوف من جموح الشباب، فتصبح الهيمنة عليهم مبكراً من قبل الكبار ضماناً لسلوكية مستقبلية منضبطة.

ويتم تكريس ثقافة الترادف عن طريق الإعلام والتربية، حيث يتم استبعاد ما يراد استبعاده من الساحة الثقافية والأفكار بإهماله وبإنتاج نقيضه في الإعلام، كما يتم عن طريق التلقين التربوي ومناهج التعليم وقد تنبهت إلى ذلك الفاشية عن طريق إعداد الشباب الفاشيستي، وتربية الأجيال بين سن الثامنة والثامنة عشرة، والتركيز ليس على الأفكار فقط بل على الأزياء أيضاً، وعلى دفع الشباب للانخراط في التدريب العسكري، كما يشير إلى ذلك أديب ديمتري (نفي العقل ص 359).

إن محاولة الإبقاء على حالة الانصياع الغريزي للمرياع، أي القائد في المجتمعات القطيعية التي تندفع غريزياً لأنها تربت أو نشأت على ذلك، وراء من يقودها، وهي تصبح ضالة مشردة إذا افتقدت مرياعها، ويصور لها أنها إذا لم يكن لديها كبير فعليها أن تستورد كبيراً، فمن ليس له كبير يتبعه ويقلده يؤول إلى الضلال، وفي الضلال الهلاك (ومن لا شيخ له فشيخه الشيطان) حسب الرؤية الصوفية.

لقد ناقشنا فكرة المرياعية في بحث التبعية، لأنها لا تولد إلا التبعية، والترادف شكل من أشكال التبعية التي تسير عليها المجتمعات الوصائية التي قد تولد أشكالاً توهم بالحداثة، غير أنها تكون مسكونة بكل قديم ومؤدية إليه، ولا تتردد في إعادة إنتاجه والمحافظة عليه ضمن أطر الحياة وبأشكال قد تتلون مع ألوان التقدم الحاصل في العالم، وفي حقيقتها لا تفصح إلا عن إنتاج أطر تنظيمية تشي بالحداثة في حين هي غارقة في التقليد فكراً وتقنيات، والطريق الذي تسلكه هو الطريق الأبدي الذي يسلكه القطيع بغريزته التي يهتدي بها فتضمن له السلامة، لكنها لا تضمن له الارتقاء مع الأسف. ويشير مصطفى حجازي في كتابه سابق الذكر إلى أننا نجد كل التناقض في التوجه نحو الحداثة من جهة، وإحياء أو فتح باب الإفتاء أو المطالبة بذلك من قبل من يتوهمون بناء مجتمع حديث بعناصر كلها قديمة وتقليدية، إنها حداثة مبطنة بكل ما ينخر مجتمعاتنا من عصبيات وأصوليات في حالة توصف بالبدوقراطية (الإنسان المهدور ص 45)، ونعبر عن ذلك عادة بالقول النظر إلى الأمام وسير الأرجل إلى الخلف.

لقد أنتجت الكثير من الأحزاب التي وصفت نفسها بالتقدمية أو اليسارية زعماء ليسوا سوى شيوخ عشائر بثوب حداثي، أو ثوب رب العائلة الذي يحافظ على الأبوية أو المرياعية (المركزية) التي أضيفت إليها الديمقراطية لتزيينها فأصبحت الديمقراطية المركزية أو المركزية الديمقراطية، في حالة من التلاعب بالمفاهيم والمشاعر والعقول من خلال استخدامات لمصطلحات حداثية في ظل وهم التحديث الملغوم بإدامة السيطرة والهيمنة بأساليب بعيدة عن عالم التتابع ومقتربة من لغة العصر ومصطلحاته دون معانيه ونشاطه وفاعليته وانفتاحه، لأن أواصر العلاقة مع القديم لم تنقطع بالقدر الذي يسمح للجديد أن يتحرر من قيوده. ويلاحظ هذا في التراتبية المعقدة للانتظام في صفوف هذه الأحزاب أو التنظيمات، حيث عندما يبتدئ المنتسب إلى حزب عليه أن يجتهد وأن يجتاز امتحانات للانتقال من مستوى حزبي إلى آخر، دون أن يكون للمرتبة التالية أي تعبير أو دور تدل عليه الألقاب التي يحوزها، ودون أن يكون لذلك أية فاعلية في حياة الحزب والوطني، ويبقى المستوى الأعلى الذي يحوزه المتحزب مثل المستويات الأدنى مرهوناً بحسن الترادف، ما لم يكن قادراً على الالتصاق بشخصية قيادية وإعلان الولاء لها، بحيث تفتح له طرق الترقي المشبوه.

الحكومات في بلادنا العربية تشكل بإرادة الحكام، لا بإرادة الشعوب، وليست الانتخابات سوى شكل حداثي لا يحيل إلى أية فاعلية، فلا يزال القائد الكبير يعين رئيس الحكومة والوزراء ونوابهم وكبار المسؤولين، وليس بالضرورة ممن حصل على غالبية الأصوات من الأحزاب، وهو الذي يملك أمر إعفائهم من مهامهم، مما يجعل أكبر همهم الترادف على القائد (المرياع)، لأن من يصل إلى هذا المستوى من المسؤولية وما يجلبه من امتيازات، يصعب عليه مغادرته، ولا سبيل لذلك سوى الولاء الجالب للرضى، دون ما يؤديه من دور أو خدمات أو نجاح في عمله، وهذه عملية ترادف واضحة المعالم تحت ظل ادعاء الحداثة.

الآليات المنتجة للشخصية المترادفة التابعة، لا تأخذ شكلاً واحداً أو أسلوباً واحداً، وليس لها مصدر واحد دون غيره، فكثيراً ما يكون الإرث الحضاري ذا تأثير كبير، خاصة عندما يكون ممتزجاً بما هو عقائدي تسهر عليه قوى أو فعاليات ثقافية فتجعله الأيام جزءاً متصلباً من العقيدة التي من خرج على أي جزء منها حاق به غضب ربه.

يظهر هذا في آليات إنتاج السلطة عبر تاريخنا الإسلامي، ومنذ أطاح معاوية بآلية إنتاج السلطة التي لم تكن بريئة من العيوب في عهد الراشدين، أصبح نظام الحكم الوراثي الذي يستجيب لأطماع العصبية العشائرية التي تتمتع بدينامية ترفدها العقيدة، ويكون لها من المرونة ما يجعلها قادرة على الاستمرار وإدخال التغيرات المطلوبة التي تفرضها ظروف الحياة ومستجداتها، وينتقل هذا الأسلوب الترادفي إلى العباسيين ثم إلى غيرهم وصولاً إلى العثمانيين الذين أنهوا نظام الخلافة عام 1924 بعد أن دام هذا الأسلوب الترادفي ما يزيد على ثلاثة عشر قرناً، لم تستطع الحياة السياسية الانعتاق منه أو استبداله، ولا يزال موضع حنين المؤمنين المخلصين، وهو يظهر أثر التتابع والترادف على بلادنا التي لا يزال فيها من يسعى إليه لأن العقل الإيماني المنتج للتبعية والترادف على السلف الصالح وقف بها عند لحظة مجللة بالقداسة لم تتم مراجعتها في العصور التالية، ولم يتم اختبار مدى صلاحية نظام الخلافة بعدما حدثت كل هذه التغيرات في العالم وفي مجتمعاتنا، لأن الترادف أو تلك الثقافة التي تربط اللاحق بالسابق، تلعب الدور السلبي، الذي يوصف من يخالف فيه بالهرطقة، ومصيره الجحيم وقد يظن البعض أنه لم يدم كل هذا الزمن إلا لأنه صالح أو الأفضل للمجتمعات التي تأخذ به، لكن الحقيقة التي تخفي عجز نظام الخلافة العتيق هي حقيقة الاستبدال الذي يردفه التخلف الذي أنتجه، والذي يظهر أن نظام الحكم الخلافي الوراثي الاستبدادي وأشكاله التي ولدها من ملوك وسلاطين وأمراء وغيرهم، كان يحافظ على بقائه بفعل تخلف مربع في المجتمعات الخانعة المترادفة وقوة بطش السلطات التي صنعت أمام الحداثة سداً وموانع لم يكن اجتيازها سهلاً، ولا الإبقاء عليها مبرراً.

ديمومة هذا الأسلوب في الحكم تحت غطاء الشريعة وتبريرها لحاجاته، جعلها تبدو في حالة تبدل مع إرادة الحكام، بدل أن تبرهن على ثبات مبادئها تجاه أساليب وأهواء الحكام ونزواتهم. وقد لوحظ أن الفقهاء كانوا يلهثون وراء الحكام كي يبرروا لهم كل ما يخطر ببالهم من شهوات، وندر أن نجد فقيهاً يرفض تصرفات حاكم أو إرادته بحجة مخالفتها لصحيح الدين، فرجل السلطة يتخذ الأوضاع التي تناسبه والسياسات التي يراها، ورجل الدين يمط النصوص لتغطي كل الارتكابات والعورات إلى أن وصلنا إلى عصر تبلغ فيه الفتوى حد الفجور، فقد تبيح الدماء والأعراض، وتقود شهوات القتل والاغتصاب.

ولنلاحظ أن بعض المنخرطين في مجال الثقافة الدينية ولديهم الرغبة في التجديد، ممن يعدون من المتنورين الساعين إلى تطوير العقل الفقهي والإيماني ليتناسب مع تطور العصر ويكون قادراً على إنتاج ما يضبط المستجدات تحت أحكامه، يصبحون هدفاً لهجوم المتشددين المتزمتين من زملائهم، ويمالئون عليهم، وعندما يطالب هؤلاء بفتح باب الاجتهاد الذي لم يكن مغلقاً يوماً، يتأكدون أن ذلك لا يأتي بقرار من جهة وصائية ولا باستخدام مفتاح يضعه أحدهم في جيبه، لكن الساحة الإسلامية لم يبق فيها سوى الفقهاء المترادفين وتفتقد إلى المجتهدين الكبار الذين يتغلبون على التكرار والجمود في كل صغيرة وكبيرة من الموروث الذي دخل عالم القداسة دون أن يتجرأ أحد على التساؤل عن مشروعية ذلك، وساد الترادف الذي تم تسييجه بالسياج الدوغمائي المغلق حسب مصطلح المفكر محمد أركون، فلا إضافة ولا حذف، وهذا يتناقض مع سيل الفتاوى من الكبار والصغار في كل رفيع أو وضيع.

إن فتح أبواب الاجتهاد، لم يساير منطلق العصر لسيادة الترادف والتقليد دون إتاحة الفرص أو المجالات لقراءة النصوص قراءات متجددة تبقي علي مكانتها الرفيعة لكنها تبرهن على أنها لا تشكل إعاقة لما يحدث في المجتمعات من تطورات تحت إيقاع الحضارة الحديثة التي تحتاج إلى المواكبة بتشريعات ملائمة، وهذه لا تأتي في ظل جبروت وهيمنة ما ثبت أنه أحد أسباب تخلف الشعوب وانحطاط القيم وتردي أوضاع الناس وتخلفهم عن باقي شعوب المعمورة، وهو الشيء الذي لا يستطيع أحد أن يدحضه، ولو كان في هذا القديم وأساليبه ما يمكن اعتماده كمنقذ ومخرج لما وصلت الحياة في ظل حاكميته إلى ما وصلت إليه من تراجع، فكيف نعود إلى الترادف بالصيغة التي تتحدث عنها فتدار عمليات التطوير في ظلها؟ هذا هو غير الممكن.

الفتوى لم يغلق لها باب ولا نافذة، بل هي مشرعة الأبواب لكل هاوٍ أو مجرب، عاجز أو قادر، وهي قيد طلب الطالبين من حكام ومتنفذين وحسب أهوائهم، وعلى الوتيرة ذاتها التي سادت عصور الانحطاط، حتى أصبحت شكلاً من أشكال الاستثمار المدفوع الأجر أو الباحث عمن يشتري من الحكام والأمراء والجهاديين: ولقد أكد محمد علي جمعة أننا صرنا نرى في الإسلام عددياً أكثر من نصف مليون عقيدة إسلامية، بحسب عدد المفتين ومرتدي العمامات، أو ما يسمى رجال دين، وكلهم يدعي الاقتداء بالسلف الصالح. (الفكر السياسي، عدد 43 – 44).

الخروج من الترادف، يكون إلى حياة العصر وإصدار الفتاوى المستندة إلى مصالح الشعوب المتجددة بتجدد الحياة، لا بالهروب إلى الوراء الذي ليس فيه سوى التخلف الذي نبقيه حاكماً على عقولنا، حين لا نستطيع إخراجه من عجزه، وليست حياتنا العقيدية الدينية هي التي تخضع للترادف، ولا حياتنا السياسية المستندة إلى ميراث الاستبداد ونفي الديمقراطية، بل إن حياتنا الثقافية صورة لإعادة الترادف، وحتى الآن لا يزال عمود الشعر والضوابط والترسيمات تجد من يعتبر أنها عنوان الأصالة التي لا نزال نراها في تتبع النقاد لسقطات الشعراء الأسلوبية وملاحقة السرقات الشعرية وتأليف الكتب في كل ذلك، حتى ليبدو أننا لم نغادر مناخ المهلهل الذي قصد القصائد، متسائلين على سبيل الاستنكار (هل غادر الشعراء من متردم؟). ولا يغرننا كثرة المصطلحات الأجنبية وأسماء المذاهب ذات الترسيمات الصارمة، والمسكونة بالقديم، ولم يكن الفكر بمنجي من ذلك، فقد بقيت قواعد الأرسطية في الفكر الفلسفي موقعاً للترادف. كما لا نزال نرى صدى كل ذلك في فنوننا التشكيلية أو السمعية والبصرية، مما يحتاج إلى دراسات لاستجلائه، وأصبحت عمليات التجميل كفيلة بتصنيع أجساد البشر كي تنضبط وتترادف على النماذج المستوردة مثلها مثل الأزياء وطرائق العيش وتفصيلاتها، ما يعني أن ثقافة الترادف لم تسمح بالتجاوز.

لا يزال الريفي يرى مخرجه في الهجرة إلى المدينة مترادفاً على جاره الذي سبقه أملاً في حياة أفضل، دون أن يفضي ذلك إلا إلى مزيد من التخلف والنكبات الاجتماعية والاقتصادية. ولا يزال السعي وراء المظاهر مثل اقتناء الأثاث الفاخر، ملائماً كان أو غير ملائم لواقع أصحابه، هو من أدلة التقليد والترادف، ومثل باقي المقتنيات والتجهيزات الترفيهية في بيوت من يمتلك الأثمان، حتى لو تمت التضحية بالأرض أو الماشية، مصدر الثروات والتطور، فقد حجبت المظاهر القدرة على التحليل والرؤية السليمة، وأصابت إرادة التصويب بالشلل.

إن الخروج من حالة الترادف وجاذبيتها المستسلمة للكسل، يجب ألا تكون إلى حالة من التمرد غير المدروس أو الفوضى واللاإنضباط، فهذه لا تقل أخطارها بحال من الأحوال عن الترادف، والخروج من حالة سلبية إلى حالة سلبية على الضفة الأخرى، يدل على العجز والضياع. الخروج الصحي هو الخروج العقلاني المنخرط في مشاريع التحرر والإنتاج والوطنية والإيمان المتسامح واستقلال الشخصية الحضارية والتفكير، بمعنى آخر إيجاد حالة تتحقق فيها إنسانية الإنسان بفاعلية أكثر.

المصادر الالكترونية


ذاكر حسين عبد الله


http://www.askzad.com
http://www.askzad.com
http://www.askzad.com





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,707,880,956
- العلمانية المتراجعة


المزيد.....




- شاهد.. عاصفة -دينيس- تصل فرنسا
- لافروف: الوضع في ليبيا لم يتغير جذريا بعد مؤتمر برلين لكن هن ...
- شاهد: فيضانات كبيرة في ولاية ميسيسيبي والسلطات تعلن حالة الط ...
- محادثات بين الاتحاد الأوروبي ودول في منطقة البلقان تسعى للحص ...
- فيروس كورونا: إجلاء مئات الأمريكيين من سفينة سياحية تخضع لحج ...
- شاهد: فيضانات كبيرة في ولاية ميسيسيبي والسلطات تعلن حالة الط ...
- محادثات بين الاتحاد الأوروبي ودول في منطقة البلقان تسعى للحص ...
- تركيا.. وزير الداخلية يتهم الإمارات بمحاولة زرع الفتنة ويتحد ...
- نتنياهو يعترف رسميا: الطائرات التجارية الإسرائيلية بدأت تحلق ...
- مدرعة برادلي الأمريكية لا تقبل الحماية الإسرائيلية


المزيد.....

- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - حسن إبراهيم أحمد - الخروج من ثقافة الترادف