أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - زهير الخويلدي - ما الذي يجعل من شخص عادي بطلا تاريخيا؟















المزيد.....

ما الذي يجعل من شخص عادي بطلا تاريخيا؟


زهير الخويلدي

الحوار المتمدن-العدد: 6464 - 2020 / 1 / 13 - 18:52
المحور: الثورات والانتفاضات الجماهيرية
    


"لم يتم انجاز شيء عظيم في العالم من دون شغف"1
لكي يصبح إنسان عادي بطلا شعبيا وينظر إليك الناس بإعجاب وتقدير لا يتطلب الأمر أن يهزم أصعب الجيوش ويحطم أعظم إمبراطورية وإنما يكفي أن يظهر شجاعته بإنقاذ حياة الآخرين المهددة لكي يحصل على هذا الشرف ويمكنه أن يشتغل على تحطيم بعض الأرقام القياسية في المسابقات الرياضية لينال ذلك.البعض يقضي حياته بأسرها وهو يحاول أن ينجز أمرا عظيما يدخل به التاريخ من بابه الكبير ولكن ظنه يخيب ويصطدم بالعراقيل ومعاندة القدر ويصير العمل البطولي الذي قام به مجرد خرق لنمط المجتمع وخروج عن السياق العام للثقافة التي ينتمي إليها ويجني الخسران والإدانة والتبخيس بدل الإشادة والتثمين. يتراوح العمل البطولي بين النجاح غير المنتظر والإخفاق الحتمي وبين الإعجاب المقترن بالدهشة والذم الناتج عن الاستغراب ويظل يتحرك في المباغتة وخارق للعادة ومتخلص من كل حساب وبرمجة مسبقة فمن لم يحلم في يقظته ولم يتمنى بأن يصبحا بطلا يسجل اسمه بأحرف من ذهب في كتب التاريخ؟ وكيف يصير الإنسان بطلا تاريخيا؟ وهل يقدر الشخص بمفرده على تغيير وجه التاريخ ومسيرة الشعوب؟ ومن يصنع البطل؟ هل تنبع البطولة من الصفات الذاتية للفرد أم وليدة ظروف اجتماعية وأحداث تاريخية؟
يمكن تعريف السلوك البطولي بوصفه تسلح المرء بالشجاعة قصد التمكن من تجاوز الخوف من الخطر المحدق واستعمال وسائل الفطنة والإرادة وقوة الشكيمة بغية التغلب على العراقيل وبلوغ الهدف المحدد. حول هذا الإشكال نجد أطروحتين: أولى تقر باستحالة تحول الفرد إلى بطل دون وجود عوامل موضوعية والثانية تراهن على ذلك وتنطلق من واقع أسبقية الوجود على الماهية ومن حال الحرية في نحت المصير. تتنزل مسألة البطولية ضمن معنى التاريخ وغائيته والأسباب التي تدفع بعض الأشخاص العاديين إلى أن يتحلوا إلى عظماء في نظر شعوبهم بفضل ما أنجزوه من أعمال وقاموا بهم من تضحيات وما بنوه من مؤسسات بالنسبة لبلدانهم ويكون ذلك على الصعيد العلمي والثقافي أو السياسي والاقتصادي والاجتماعي. بهذا المعنى ترتبط الدول بالزعماء والقادة والحكام وتتذكر الشعوب الشعراء والفنانين والرياضيين وتخلد الثقافات الصفوة من العلماء والأدباء والفلاسفة وتعتز المجتمعات بالرموز والملهمين والمبدعين والعباقرة. تعد التضحية من أجل المصلحة المشتركة أحد المعابر نحو البطولة والتخليد وتعتبر الممارسة الإبداعية الشكل التعبيري الثاني عن العبقرية ويترتب عنه الإعجاب من المجتمع والاعتراف من الدول الأخرى. بيد أن المحرك البديهي للعمل البطولي هما العقل النظري أي الذكاء البشري والعقل العملي أي الإرادة ويمكن أن نضيف إليهما العاطفة والانفعال والتعلق والشغف بوصفها حالات شعورية تدفع الشخص إلى التغلب على الصعوبات ورفع التحديات وبلوغ الغايات والانتصار على العراقيل ومعانقة الإبداع والتفوق. إن الشغف هو الذي يحرك لدى الإنسان العادي الميل نحو المجازفة والإقدام والعزم على الفعل العسير وهو الذي يدفعه إلى التحمل والمكابدة بغية استكمال المسار وإتمام الفعل وبلورة المشروع وانجاز المطلوب وتحويل الغرض الشخصي إلى فائدة عامة والغاية الجزئية إلى غاية كلية والهدف الضيق إلى هدف كوني. كما يعتقد الناس أنهم ينجزون أفعالهم بذواتهم ومن أجل أنفسهم ومجتمعاتهم ولكنهم لا يعلمون كما يقول هيجل حيلة العقل ومكر التاريخ فهم مجرد وسائل وأدوات لغايات مطلقة وأفعال كلية ويحققون مصالح الآخرين " من مصلحة الشعوب والأفراد الخاصة أن يسعوا إلى البحث على أنشطة حيوية والحصول عليها ، ولكن في الوقت نفسه هم وسائل وأدوات لشيء أكثر ارتفاعا وأكثر شمولا يتجاهلونه وينجزونه دون وعي"2 . إن تخطي المصلحة الشخصية وبلوغ المصلحة المشتركة يتطلب الالتزام والتضحية ويقتضي الانتقال من حالة استهداف الغاية الذاتية إلى حالة استهداف الغاية الكلية وبالتالي الرضا بوضعية الوسيلة والأداة بغية النضال في سبيل بلورتها على أرض الواقع وتحريض الآخرين عليها وتوجيه أنظارهم نحو تحصيلها. إن الإصغاء إلى حركة التاريخ والاندراج في المسار الذي يؤدي إلى المعنى من الوجود في العالم واكتساب القيمة يتطلب متابعة الأهداف الخاصة بالأفعال التي تقوم بها الذوات بمفردها وبمعية أغلبية المجموعة دون أن يستوجب ذلك اندراج الشغف في نظام عقلاني وقيام البطل بحركة إرادية وتصميم واعي بالمرام. كما لا يمكن استنساخ الحركة البطولية فهي وليدة ظروفها وبيئتها وعواملها الخاصة بها والتاريخ لا يعيد نفسه مرتين إلا في شكل ملهاة أو مأساة ويستحيل تقليد الملاحم والهام العباقرة وإنما الاكتفاء بالاقتداء بهم ويمكن التقريب بين تاريخ الأفراد وتاريخ البشر وبين التجارب الخاصة للشغف والتجارب الكلية للعقل. إذا كان الفعل البطولي نابع من اختيار مشترك ولتزم مجتمعي وتصميم جماعي فإن النتيجة تكون التوفيق والنجاح وإحراز النصر وتحقيق الممتنع وذلك بقهر الخوف والعجز والتطوع لفائدة الوطن وصاله العام. بهذا المعنى يكون الفعل البطولي ثمرة الحرية والتحكم في الذات وحسن التصرف مع العالم الخارجي وتنظيم العلاقة مع الأفراد الآخرين والتعويل على القدرات الذاتية واستثمارها مع قدرات المجموعة. ولا يقتصر الفعل البطولي على حماية الحياة الخاصة ولا يتعلق بالانتفاع الشخصي وطلب الشهرة والبحث عن المجد والجري وراء الألقاب واللهث وراء الربح والإصرار على مراكمة الثروة المادية بطرق ضالة بل ينبني على نكران الذات والفعل الحصيف والتسلح بالقيم الكونية والتمسك بالمبادئ والسير على الدرب. غاية المراد أن النزعة البطولية عند سارتر تتمحور في التزام الفرد من خلال الفعل باتخاذ قرار وجودي يتحمل بمقتضاه مسؤوليته إزاء التاريخ والإنسانية ويمضي في انجازه دون أن يبالي بالمحن التي يتعرض لها والمخاطر التي يواجهها وبالصعوبات التي تواجهه وأن يستبسل في الدفاع عن خياره الحياتي ويجد في استكماله. والحق أن قيمة الفعل البطولي تعود إلى حماية الحياة لدى الآخرين وتشجيعهم على نيل حرياتهم والدفاع عن كرامتهم ولا تقتصر على تحقيق مصالح الذات وبلوغ نتائج فورية ترضي أنانية الإنسان عبر وسائل سهلة ومتاحة. في هذا السياق يقارن سارتر بين البطل والجبان:" ما يريده الناس هو أنك ولدت جبانا أو بطلا. يتم صياغة أحد الانتقادات التي نصدرها غالبًا لطرق الحرية ، على النحو التالي: ولكن في النهاية ، هؤلاء الأشخاص الذين هم أغبياء جدًا ، كيف ستجعلهم أبطالًا؟ هذا الاعتراض يضحك إلى حد ما لأنه يفترض أن الناس يولدون أبطالاً. وهذا هو ما يريده الناس في الأساس: إذا ولدت جبانا ، فستكون هادئًا تمامًا ، ولا يوجد ما يمكنك فعله ، وستكون جبانا طوال حياتك ، مهما فعلت ؛ إذا ولدت بطلاً ، فستكون هادئًا تمامًا ، وستكون بطلاً طوال حياتك ، وستشرب مثل البطل ، وستأكل مثل البطل. ما يقوله الوجودي هو أن الجبان يصبح جبانا، ويصبح البطل بطلا؛ هناك دائمًا احتمال لم يعد الجبان جبانًا، وأن يتوقف البطل عن أن يكون بطلاً. ما يهم هو الالتزام التام ، وهذه ليست حالة معينة ، إجراء معين يرتكبها تمامًا"3 . فإذا كان هيجل يعتبر الحركة البطولية مسجلة ضمن منطق التاريخ الذي يتجاوز الإرادات الفردية بحيث تغيب الصدفة وحرية الاختيار وتحضر مشيئة التاريخ وحيلة العقل فإن سارتر يمنح الكائن الإنساني شرف المحاولة بأن يضع البطولة والتجاوز والتفوق مشروع حياته والتزام نضالي يجرب فيه التحرر والإبداع. فلماذا لا يكون من الممكن بالنسبة للأبطال أن يختاروا الصيرورة الإبداعية التي ينتصرون بها على الجبن ويكونوا أبطالا؟ ألم يكن ماركس على حق حينما جعل التغيير الجذري من مهام الفعل المشترك عبر البراكسيس الجماعي وليس الفرد البطل؟
الإحالات والهوامش:
[1] Hegel G WF, la Raison dans l’histoire 1830, traduit par Kostas Papaioannou, édition Polin, collection 10-18, Paris,1965, p109,
[2] [2] Hegel G WF, la Raison dans l’histoire 1830, op.cit. p110
[3] Sartre Jean-Paul, l’existentialisme est un humanisme, le lâche et l’héros, 1946. édition Gallimard, Paris, 1996.
المصادر والمراجع :
Hegel G WF, la Raison dans l’histoire 1830, traduit par Kostas Papaioannou, édition Polin, collection 10-18, Paris, 1965.
Sartre Jean-Paul, l’existentialisme est un humanisme, le lâche et l’héros, 1946. Édition Gallimard, Paris, 1996.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,466,129
- فن الترجمة من منظور هرمينوطيقي عند فريدريك شلايرماخر
- الخطاب والتواصل عند بول ريكور
- استشكال الأزمة وانطلاقة فلسفة المعنى مع أدموند هوسرل
- الاغتراب السياسي للأنظمة الحاكمة
- ترجل المفسر التنويري محمد شحرور
- التربية على الحرية بين هيوم وروسو وكانط
- الظاهرة الدينية من حيث هي ظاهرة هرمينوطيقية
- العقل والثورة، من أجل مقاربة ثورية للعقل وعقلانية للثورة
- الفكرة الفلسفية للثورة المدنية
- فن طرح السؤال بما هو المقام اللائق بالفيلسوف
- مقابلة مع بول ريكور عن جدوى الفلسفة اليوم،
- عالمية الفلسفة في زمننا الثوري
- بداية الواقعية السياسية عند ابن خلدون
- الفلسفة انتصار منطقي على العبث
- أي مقام جديد بالنسبة لنا حسب بول ريكور وحنة أرندت؟
- المدينة من منظور الفيلسوف: من الاحتماء الى الثورة
- حاشية ثورية على الانتخابات التونسية
- فوز المرشح الثوري في الانتخابات الرئاسية التونسية
- مصطلح الإيديولوجيا عند غرامشي بين الاعتباطية والعضوية
- بورتريه الفيلسوف من خلال أدواره في حياته العادية


المزيد.....




- تجمع نقابة الصحافة البديلة رد على بيان قوى الامن الداخلي: ل ...
- إعلاميون من أجل الحرية: الطلب من الصحافيين تمييز أنفسهم عن ...
- #طرابلس تنتفض
- وضع قبضة الثورة في النبطية اليوم
- مسيرة شعبية السبت تحت شعار -لن ندفع الثمن-
- اليسار… ما بين تحدي الوجود… ومتطلبات النهوض…
- نقابات تعليمية تعتبر أن مقترحات الوزارة بعيدة على انتظارات ا ...
- وقفة احتجاجية ببيوكرى تضامنا مع العمال/ات المطرودين والموقوف ...
- الثورة والثورة المضادة في الشرق الأوسط بعد مقتل الزعيم الإير ...
- بالفيديو.. محتجون في الناصرية العراقية يرفضون وساطة عشائرية ...


المزيد.....

- من تدويناتي بالفيسبوك / صلاح الدين محسن
- صفحات من كتاب سجين الشعبة الخامسة / محمد السعدي
- مع الثورة خطوة بخطوة / صلاح الدين محسن
- رسالة حب إلى الثورة اللبنانية / محمد علي مقلد
- مراجعة كتاب: ليبيا التي رأيت، ليبيا التي أرى: محنة بلد- / حسين سالم مرجين
- كتاب ثورة ديسمبر 2018 : طبيعتها وتطورها / تاج السر عثمان
- من البرولتاريا إلى البرونتاريا رهانات التغيير الثقافي / محمد الداهي
- الجزائر الأزمة ورهان الحرية / نورالدين خنيش
- الحراك الشعبي في اليمن / عدلي عبد القوي العبسي
- أخي تشي / خوان مارتين جيفارا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الثورات والانتفاضات الجماهيرية - زهير الخويلدي - ما الذي يجعل من شخص عادي بطلا تاريخيا؟