أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رماز هاني كوسه - هل الشيطان خالق العالم














المزيد.....

هل الشيطان خالق العالم


رماز هاني كوسه

الحوار المتمدن-العدد: 6404 - 2019 / 11 / 9 - 16:19
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


قد تبدو كفكرة صادمة و غير عادية بداية و لكنها كانت منتشرة لدى بعض التيارات المسحية و توصف بالغنوصية .
الغنوصية المسيحية اتجاه ديني يهتم بالمعرفة الروحية للشخص ليستطيع الوصول للحقيقة المطلقة و معرفة الإله بعيدا عن التقاليد و الطقوس الدينية الممارسة . و الغنوصية ككلمة تأتي من اليونانية ( genosis)و تعني العرفان و يقصد بالمعرفة عن طريق الفكر بشكل غير مادي . فالغنوصية المسيحية قريبة من الصوفية في الإسلام باعتمادها على المعرفة الروحية و الفكرية للخالق بعيدا عن حرفية الشرائع .
تنطلق الغنوصية المسيحية من قولها بوجود إلهين مسؤولين عن خلق العالم و ليس إله واحد . الأول هو إله أعلى كامل نوراني يعتبر مصدرا للخير في العالم .أما الثاني فهو الإله المادي و يعتبر مصدرا للشر في العالم و تسميه ( الديميرج ) . و يتم المماهاة بينه و بين يهوه إله التوراة و يعتبر هو نفسه الشيطان أو إله الظلام في الزرادشتية . فكرة المماهاة بين خالق العالم المادي و الشيطان تستمد جذورها من الاناجيل الرسمية و تحديدا انجيل يوحنا حيث يرد فيه "لوكان الله اباكم لكنتم تحبونني , لاني خرجت من قبل الله و اتيت " 42:8...... "أنتم من أب هو إبليس و شهوات أبيكم تريدون أن تعملوا " 44:8........ و المسيح نفسه تعرض لاختبار من الشيطان بعد أن نزل عليه الروح القدس و توجه للبرية لأربعين يوما حيث عرض عليه الشيطان أن يحكم هذا العالم بأكمله مقابل التخلي عن دعوته فرفض المسيح فلو لم يكن للشيطان سلطة على هذا العالم لما عرضه على المسيح .
.فكرة وجود إلهين خالقين هدفها تنزيه الإله الأعلى الذي تؤمن به المسيحية من أن يكون مصدرا للشر في العالم . فالإله الأعلى الكامل لا يمكن أن يصدر عنه عالم مليء بالشر كعالمنا . لذلك يعزون خلق العالم بما فيه من شر و خطايا إلى الإله المادي يهوه ( الديميرج ) المسؤول عن خلق الشر في العالم إضافة الى مسؤوليته عن خلق الجسد المادي البشري بالمقابل تبقى الروح البشرية هي قبس من نور الإله الأعلى لذلك فبذرة الخير موجودة بالإنسان . فالإنسان مكون من جزأين مادي مسؤول عنه الديميرج و روحي مسؤول عنه إله الخير و الصراع دائم بين هذين الجزأين . و هو تقسيم نراه موجودا بالزرادشتية أيضا باعتبار الجسد البشري جزء مادي من العالم لذلك يعتبر دنسا لدرجة أنه لا يجوز دفنه في الأرض بعد الموت لأن الروح التي غادرته تكون قد أفقدته جانبه الخير النوراني لذلك يترك الجسد في العراء لتأكله الوحوش و الطيور . فكرة الجسد المادي مصدر الشر ظهرت لاحقا ببعض مظاهر الحياة في أوروبا بشكل عدم الاهتمام بالاستحمام و النظافة الجسدية . هذه الفكرة التي نبعت من مفهوم مادية الجسد و بالتالي يجب عقابه و كبته كنوع من محاربة الإله الأدنى الديميرج المسؤول عن المادة في هذا العالم و بالتالي مساعدة الجزء الروحاني النوراني مصدر الخير على الانتصار في صراعه مع المادة في هذا العالم ( طبعا هي وقعت بخطأ التفسير الحرفي لموضوع المادة و عقابها عقابا ماديا أيضا لا يتناسب مع التوجه الروحي و الفكري للغنوصية ) . و من أجل تقييد الانسان و التحكم بهذا العالم فرض هذا الإله الأدنى ( الديميرج الشيطان) على الانسان الشرائع الدينية المادية ليحكمه من خلالها و يجب على المؤمن التغلب عليها و التخلص من قيودها ليصل الى العرفان الإلهي الذي يمكنه من معرفة إله الخير و الاندماج به .و الغنوصيون يعتبرون أن الجهل بهذه الحقائق و عدم ادراك الاله الأعلى فكريا و روحيا هو سبب الشرور و الخطايا لدى البشر. فالخطيئة لديهم هي الجهل لذلك ينادون بالعرفان لتخليص الانسان من جهله و تحريره ليلتحق بالإله الاعلى و يتخلص من قيود الشريعة .
و الأفكار هذه نراها منتشرة لدى فالنتينوس السكندري في القرن الأول الميلادي الذي اعتبر أن الوجود ينقسم إلى الإله الأعلى الخالق و تصفه بأنه الأصل الأول أو العمق الأول الذي لم يصدر عن شيء . و من العالم المادي و بينهما وسائط روحية تدعى (pleroma) و من أدناها مرتبة صدر العالم المادي بشروره . نراها في مخطوطات قمران من القرن الأول قبل الميلاد و التي تعود لطائفة دينية غنوصية عاشت في كهوف قمران متخلية عن ملذات الحياة المادية و اتبعت نمط حياة يومي قائم على المشاركة بين أفرادها بالمأكل و الملبس و المشرب و الأعمال اليومية مع تعليم ديني يومي لأتباعها للوصول للعرفان . لدى مرقيون الذي اعتبر مهرطقا من قبل الكنيسة . مرقيون الذي اعتبر أن الزواج و التكاثر يزيد من قوة الإله المادي يهوه(الشيطان) بزيادة أعداد البشر و حبس المزيد من الروح ) المادة النورانية ( في الأجساد المادية المخلوقة من يهوه إله هذا العالم و بالتالي يجب الامتناع عن الزواج لمنع حبس المزيد من الروح داخل الجسد المادي و بالتالي تقوية الشيطان بشكل غير مباشر . نرى جذور هذه الفكرة موجودة لدي الرسول بولس عندما دعا إلى عدم الزواج و فضل العزوبية على الزواج ) كورونثوس) . الفكرة نفسها تظهر في المانوية أيضا و تعتبر من عقائدها الأساسية الدعوة لعدم الزواج لمساعدة إله الخير في صراعه ضد إله الشر . فكرة الإله الأعلى و الإله الخالق توجد أيضا لدى طائفة الكاثارية التي انتشرت في الجنوب الفرنسي في القرنين الحادي عشر و الثاني عشر و التي اعتبرها الفاتيكان هرطقة و شن حملة عسكرية ضدها للقضاء عليها و نجح في ذلك بعد ارتكاب مذابح عديدة ضد معتنقيها سميت بالحروب الألبينية .
. فالتفسير الغنوصي للخلق و لمصدر الشر في العالم لا يخرج عن إطار الثنوية و صراع الخير ضد الشر أو النور ضد الظلام .... الحياة ضد الموت .... و هي ثنوية معروفة منذ القدم ضمن ثقافات الشرق القديمة . و قامت الغنوصية بتطوير الفكرة لتنزيه الإله الأعلى عن مصدر أي شر في العالم و يبدو ربطها للشر بالإله الأدنى و بيهوه الإله التوراتي كأسلوب للقطيعة بشكل كامل ما بين المسيحية مع تراث العهد القديم بربط العهد القديم و إلهه بالشر و الشيطان مباشرة بينما يبقى إله العهد الجديد مصدرا لكل خير في العالم .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,608,355,164
- طقوس الموت و الدفن و تطورها
- بعل و نظراؤه في الثقافات العالمية
- الحمير الناطقة في التراث الديني
- زواج الأرض و السماء
- العرب في النقوش و السجلات التاريخية قبل الإسلام
- ميزان العدالة الفرعوني
- حور العين ما بين العربية و السريانية
- game of thrones و أساطير الشرق الأدنى
- أبناء الآلهة و المعراج للسماء
- تيس عزازيل ..... و طقوس الفداء و الأضاحي
- النسيج المقدس..... ما بين العذراء النساجة و انجلينا جولي
- من تدمر و البتراء .... إلى مكة
- طقس الاستسرار initiation ...(موت و حياة)
- العماد و استعمال الماء في طقوس الطهارة الشرقية
- الاشجار المقدسة


المزيد.....




- إسرائيل: قرار واشنطن بشأن المستوطنات تصحح -خطأ تاريخي-
- أمير قطر يرسل برقية إلى رئيس الإمارات
- 10 معلومات عن سلطان بن زايد... وآخر ما كتبه قبل وفاته بساعات ...
- الرئاسة الفلسطينية: إعلان واشنطن اعتبار المستوطنات الإسرائيل ...
- -صفحات معارضة ومدارة خارجيا تضارب-... المركزي السوري يعلق... ...
- الحرس الثوري الإيراني يعلن مقتل 3 من قوات -الباسيج- خلال الا ...
- السفارة الأمريكية في القدس تحذر مواطنيها من السفر إلى القدس ...
- طفل ذو 5 سنوات يجلب كوكايين إلى المدرسة!
- الداخلية العراقية توضح حقيقة الفيديو الذي يزعم طرد الوزير يا ...
- ظريف يهنئ هنية بـ -نصر المقاومة- على إسرائيل


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رماز هاني كوسه - هل الشيطان خالق العالم