أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عبدالرزاق دحنون - وافق شَنٌّ طَبَقَة















المزيد.....

وافق شَنٌّ طَبَقَة


عبدالرزاق دحنون

الحوار المتمدن-العدد: 6399 - 2019 / 11 / 4 - 12:38
المحور: الصحافة والاعلام
    


سقتُ هذا المثل العربي القديم، والذي نجد قصته مروية في مَجْمع الأمثال للميداني، في بداية المقال ليكون عنواناً، هذا أولاً، وثانياً ليكون إمامي في هذا الحديث الشائك والشائق والذي آمل من خلاله ألا أسبب لنفسي أو لغيري الأذى. ولكن ولا بد مما ليس منه بد. ففي أغلب الأحيان نعرف الكاتب أو المفكر أو الباحث من خلال كتبه، ولكن عندما يظهر لك على شاشة التلفاز ننكر معرفته، فهذا الشخص الذي يتحدث أمامك في ندوة عامة أو في لقاء متلفز لا ينطبق كلامه على ما قرأت له من مؤلفات مشهورة في المكتبات، ونعجب أشدَّ العجب من هذه المفارقة المذهلة في دلالاتها. ففي الأمس القريب استمعتُ إلى حديث مباشر مع الباحث السوري فراس السواح في لقاء متلفز، فصدمت صدمة العمر، وتساءلتُ بيني وبين نفسي من هذا؟ مع أنني أعرف تماماً من هذا، فقد رافقني من خلال كتبه من أيام فتوتي وشبابي "عشرة عمر" كما يقال، فلماذا تنكره نفسي الآن؟

في كتب التراث وفي الحديث عن الشخصيات العامة، تأتي عبارة: عقله أكبر من علمه. أي أنه مع علمه لديه عقل راجح يخدمه كثيراً، وقد يكون هذا العقل أكبر من الجانب المعرفي لديه. وفي بعض الأحيان يعبر عن أشخاص لديهم جانب كبير من العلم والمحفوظات والكتب لكن جانب العقل والتدبر والفهم لديهم أقل من ذلك فيقال: علمه أكبر من عقله. أي أنه لديه علم ومحفوظات، وقد يكون لديه مكتبة كبيرة لكن ليس هناك جانب عقلي يخدم العلم كما تحضر لديه المعلومات. قد يكون عقل الرجل أكبر من علمه، فلا يضره بل ينفعه، وقد يكون علمه أكبر من عقله فهذا يضرّه ولا ينفعه.

ولو عدنا إلى حكاية المثل الذي صار عنوان هذا المقال. فأقول: كان هناك رجلٌ من عقلاء العرب يدعى شن، لما رغب في الزواج قال: والله لأطوفن حتى أجد امرأة مثلي أتزوجها، وبينما هو في مسيرة للبحث، رافقه رجل في الطريق، فسأله شن عن وجهته؟ فقال له الرجل: أنا في الطريق إلى قريتي. فرافقه شن حتى إذا سارا في طريقهما، قال له شن: أتحملني أم أحملك؟ فقال له الرجل: يا جاهل أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟ فسكت شن.

وظلا على سيرهما حتى إذا قربا من القرية المقصودة، إذا بزرع حصد قد استحصد، فقال شن للرجل: أترى هذا الزرع قد أكل أم لا؟ فقال له الرجل: يا جاهل ترى نبتًا مستحصدًا فتقول: أكل أم لا؟ فسكت أيضا شن، ولم يرد على كلام الرجل، حتى إذا دخلا القرية، وجدا أمامهما جنازة، فقال شن: أترى صاحب النعش حياً أم ميتاً؟ فتعجب الرجل من سؤاله!

فلما وصلا إلى القرية، رفض الرجل أن يترك شن حتى يصحبه معه إلى منزله، وكان له ابنة يقال لها: طبقة، فلما دخل عليها أبوها، حدثها بما دار بينه وبين شن من حديث، فقالت: يا أبتِ ما هو بجاهل، أما قوله: أتحملني أم أحملك، فإنما قصد بها أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع طريقنا، ولا نشعر بطول المسافة، وأما قوله: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟ فإنما قصد بها هل باعه أهله؛ فأكلوا ثمنه أم لا؟

وأما قوله في الجنازة فقصد به هل ترك المتوفى ولدًا يحيا به ذكره أم لا؟ ولما فطن الرجل لمقصد شن، خرج إليه وقعد معه، وأخبره بجواب أسئلتها التي طرحها عليه، فقال شن: ما هذا بكلامك، فأخبرني من صاحبه؟ قال الرجل: ابنتي طبقة، فلما سمع شن بها، ورأى رجاحة عقلها، خطبها منه، وزوجة الرجل إياها وحملها إلى أهله، فلما عرفوا عقلها ودهاءها قالوا: وافق شَنٌّ طَبَقَة.


من الأشياء البسيطة التي لا نحتاج معها إلى برهان أن يتحدث المفكر أو الباحث أو الكاتب كما يكتب، ولكن المفاجئ، أن العديد من المفكرين والباحثين والمؤلفين المعاصرين، والذين نعرفهم جيداً من خلال كتبهم، ننكر معرفتهم عندما نستمع إلى حديثهم في التلفاز أو عبر وسائل الإعلام المختلفة. وفي العادة نلتمس لهم عذراً، فقد يكون الكاتب في تلك الدقائق من اللقاء في ضيق من أمره، فيكون حديثه مضطرباً مفككاً يفتقد التركيز المطلوب في هذه الحال، أو قد تكون أسئلة الصحفي ساذجة، لأن السؤال الجيد يستدعي جواباً أجود منه، هكذا تعلمنا. ومع غياب كلّ الأعذار نجد الكاتب متلعثماً يُعجم في القول أكثر مما يُفصح.

وسأذكر ها هُنا العديد من الأسماء الكبيرة المهمة في عالمنا العربي التي شاهدتها مؤخراً على الشاشة الفضية في التلفاز أو الشاشة الزرقاء في اليوتيوب، وسأذكر لك أيضاً أسماء العديد من الشخصيات التي ينطبق حديثها على ما في كتبها. وسأبدأ من هؤلاء أولاً، وذلك لمزيد من إيضاح الفكرة التي أحاول شرح تفاصيلها.

استمع مثلاً إلى حديث الدكتور نصر حامد أبو زيد -رحمه الله- ستجد في حديثه علماً غزيراً وفكراً ثاقباً، ستجده متزناً، يحمِّل كلامه الكثير من الأناقة والظرف والمعرفة، وهذا هو المنطق السليم. واستمع إلى الروائي السوداني الطيب صالح ستجده يتحدث حديثاً شيقاً يُطابق ما كتبه في آثاره الأدبية الخالدة. واستمع أيضاً إلى الباحثة المصرية الدكتورة هالة أحمد فؤاد ستجد في كلامها ثقافة رفيعة في تعابير حيَّة من السهل الممتنع. أنت أمام عالمة من الطراز الرفيع في فلسفة التصوف الإسلامي بكل تأكيد. ولو ذهبت في الاستماع إلى الباحث اللغوي الفلسطيني عارف حجاوي ستجد لساناً زلقاً في إيضاح الفكرة التي يحملها على ظهر اللغة العربية الأنيقة وكأن الجاحظ في عصرنا. أو اذهب إلى المغرب العربي واستمع إلى التشكيلي والروائي ماحي بنبين بالفرنسية والمغربية الدارجة ستجد عنده الكثير من الوضوح. وفي العراق تجد المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان صاحب أكثر من ستين كتاباً، له لغة متقنة عميقة هادئة، فيها الكثير من النقد لواقعنا، وتجده مؤلفاً مرموقاً وخاصة في كتابه المهم" الحبر الأسود الحبر الأحمر - من ماركس إلى الماركسية". أما لو استمعت إلى بعض الأحاديث الباقية ما تزال والمسجلة التي تركها طه حسين ستدرك أنك في حضرة عالم جليل. والأمثلة كثيرة في هذا الباب المفتوح في وسائل الإعلام.

تعال معي نذهب الآن إلى الطرف الآخر من الكتاب والباحثين والمفكرين، وأنا أحترمهم على كل حال. وأبدأ مع الباحث المصري الدكتور سيد القمني صاحب العديد من الكتب المؤلفة، وقد أثار جدلاً واسعاً من خلال أحاديثه الكثيرة المتلفزة، استمع إليه بهدوء وروية، ستلاحظ مباشرة ضحالة فكرية لا يمكنك السكوت عنها، عقله لا يستطيع الوصول بالفكرة المطروحة إلى غايتها فتراه يشرق ويغرب في الحديث ولا تستطيع ضبط هذا الإيقاع النشاز، جعجعة رحى في طاحونة لا طحين فيها. واذهب الآن إلى الباحث السوري فراس السواح صاحب المؤلفات المشهورة في طول الوطن العربي وعرضه، والتي بلغ عدد طبعات أحدها "مغامرة العقل الأولى" أكثر من ثلاثين طبعة إلى الآن حسب ما يقول فراس السواح، استمع إليه ستشعر بالإحباط فوراً، هل هذا صاحب تلك المؤلفات، تعابير ركيكة، فظَّة، متعالية، فيها الكثير من قلّة الذوق والكثير من الجهل التي تحدث عنه الباحث العراقي الجليل هادي العلوي في الكثير من مؤلفاته. حين اصغيت إلى فراس السواح في حديث طويل شعرت بالخجل من نفسي، وانتقلت إلى قناة تلفزيونية أخرى، وأنا أتحسر على تلك الأيام التي أمضيتها في قراءة مؤلفاته. حدث الأمر ذاته حين استمعت إلى حديث مباشر مع الشاعر السوري أدونيس صاحب السمعة العالمية كشاعر ولكنه في الفكر تجد عنده ألف عثرة وعثرة، ما هذا؟ والباحث الإسلامي السوري المهندس محمد شحرور لا يُحسن "هندسة" حديثه هو الآخر فتجد في حديثه الكثير من الزيوان والقش والقليل من الحَبِّ. وتجد في كلامه الكثير من الشطح الشخصي والقليل من المعرفة العلمية. وإلى الدكتور برهان غليون الذي تعجب من كلامه الذي لا يمت إلى مؤلفاته بصلة، يحكي وكأنه بائع خضار في بازار المدينة وليس أستاذاً في السوربون. ما تفسير هذه الظاهرة إن كانت ملاحظتي صحيحة، ولماذا لا ينطبق علمهم المدون في كتبهم على حديثهم المباشر في التلفاز؟

تُصادف هذه الظاهرة أيضاً عند رؤساء الدول وملوكها، وقد يكون الأمر هنا هيناً ليناً مبرراً، لأن رئيس الدولة او الملك أو الأمير أو السلطان ليس من شروط جلوسه في القصر الرئاسي أو على العرش أن يكون مفوهاً في الحديث ومفهوماً لدى الرعيَّة. وسنكتشف ذلك في أول خطاب متلفز له. فالكثير من هؤلاء يقرأ نصَّ الخطاب من ورق مكتوب ويكتفى بذلك، يعرف حده فيقف عنده. والبعض منهم لديه مقدرة جيدة في ارتجال خطاباته والبعض الآخر يخطب ارتجالاً فيظهر من الحماقة الشيء الكثير.

آمل في حديثي هذا ألا يُحسب كلامي باباً من أبواب التشهير بهؤلاء الأفاضل الذين ذكرتهم، فقد كان قصدي توضيح فكرة انطباق المُنتج الفكري على صاحبه. وعن سبب غياب الثقافة الفكرية التي يجب أن تظهر في حديثهم ولا تظهر، وبدلاً منها يظهر الجهل الفاضح. ألا يستمعون إلى أنفسهم يا ترى؟ فقد بحث شنٌ طويلاً عن طبَقَة حتى وجدها، فاقترن بها، وضُرب المثل في ذلك، ثمَّ عاشا في ثبات ونبات وخلَّفا الكثير من الصبيان والبنات. ولله في خلقة شؤون. ونحن في بلاد الشام نكتب الهمزة على الواو في شؤون وفي مصر والخليج يكتبون همزة شئون على الياء أو نبرة ولكل منَّا حجته.


https://www.youtube.com/watch?v=n0LuG3Pwks4&t=834s
https://www.youtube.com/watch?v=PK9of6f6qGw
https://www.youtube.com/watch?v=orK2tpi6L6I&t=1308s
https://www.youtube.com/watch?v=V3sUm_cphBM
https://www.youtube.com/watch?v=bNKBDWNCoRE





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,648,709,790
- هل كان عروة بن الورد شيوعياً؟
- السخرية في رسالة الغفران
- عزيزي القناص لماذا قتلتني؟
- عبد المعين مع الكادحين
- علاء اللامي يكتب في رحيل هادي العلوي
- 90مليون شيوعي
- ماركس بلا ماركسية
- عمّار الأمير في شتيمة موصوفة
- هل الإسلام ضد الغرب؟
- تجربتي مع الصيام
- اشكالية العلمانية في العالم الإسلامي
- حسيب كيالي في دبي
- هل كان محمود درويش شيوعياً؟
- بين سلمى وعيوني بندقية
- من قاسيون أُطلُّ يا وطني!
- تفتيش المرأة جسدياً
- الإرهاب والكباب
- صورة فيدل كاسترو
- في رحيل الرفيق إبراهيم الخياط
- فيلسوف معرة النعمان


المزيد.....




- بريطانيا.. تقلص الفارق بين المحافظين والعمال
- فلسطين.. حركة حماس تنتقد تلكؤ الرئيس عباس في إصدار مرسوم الا ...
- تقرير يكشف عن الدول المتصدرة لمعدلات دفع رشى للناخبين في الش ...
- -النمر- الروسي يتزود برشاشين أوتوماتيكيين
- جونسون يختبئ داخل ثلاجة هربا من الصحفيين
- أوروبا تتبرع للمغرب بـ102 مليون يورو لمكافحة الهجرة المخالفة ...
- السيسي يدعو إلى رد حاسم وجماعي لمكافحة الإرهاب
- اغتيال ناشط مدني ثالث في العراق واتهامات أممية "للكيان ...
- السيسي يدعو إلى رد حاسم وجماعي لمكافحة الإرهاب
- دفعت قاضيا للتنحي.. أرض وقفية بالخليل وهبتها السلطة الفلسطين ...


المزيد.....

- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان
- الإعلام و الوساطة : أدوار و معايير و فخ تمثيل الجماهير / مريم الحسن
- -الإعلام العربي الجديد- أخلاقيات المهنة و تحديات الواقع الجز ... / زياد بوزيان
- الإعلام والتواصل الجماعيين: أي واقع وأية آفاق؟.....الجزء الأ ... / محمد الحنفي
- الصحافة المستقلة، والافتقار إلى ممارسة الاستقلالية!!!… / محمد الحنفي
- اعلام الحزب الشيوعي العراقي خلال فترة الكفاح المسلح 1979-198 ... / داود امين
- پێ-;-شە-;-کی-;-ە-;-ک بۆ-;- زان ... / حبيب مال الله ابراهيم
- مقدمة في علم الاتصال / أ.م.د.حبيب مال الله ابراهيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - عبدالرزاق دحنون - وافق شَنٌّ طَبَقَة