أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية - سعيد مضيه - التحديث الثقافي عقلانية تقوض البنية الأبوية















المزيد.....


التحديث الثقافي عقلانية تقوض البنية الأبوية


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 6380 - 2019 / 10 / 15 - 20:17
المحور: التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية
    


ثقافة عقلانية تقوض تراكيب النظام الأبوي
تختزل الثقافة في عبارة موجزة: هي ما نعيش به ونعيش من اجله. منظومة الثقافة محيط بلا ضفاف ، والتحديث الثقافي يمضي عبر صراع ثقافي- فكري داخل بوتقة النظام الأبوي، بصارع الثقافة الأبوية، ومعها بقية البنى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتعليمية الخ المشكلة قوام البنية الأبوية. يشمل التجديد الحداثي القضايا الدستورية والمؤسسية والمواطنة الفاعلة ، ومرجعية القانون والعقلانية والطبيعة كذلك. التحديث الثقافي ضرورة أملاها تكلس البنية الهرمة نظرا لتعطل دينامية التغير التدرجي فتجلى تخلفها الحضاري عن سلطوية القرار محتكرة للرئيس. البنية الأبوية ممتدة من عصر ما قبل الإسلام، نقلها الإسلام من بنية محدودة بالقبيلة الى بنية شملت جميع معتنقي العقيدة الإسلامية، تواصلت الى أن تمترست خلف قلاع التبعية حين التحمت بالامبريالية. الدكتور هشام شرابي ، في مؤلفه "البنية الأبوية إشكالية التخلف في المجتمع العربي" قدم تحليلا اجتماعيا لظاهرة الأبوية واستمراريتها في الوطن العربي حتى العصر الحديث. فهي بنية مجتمعات محاذية للصحارى المترامية على الأطراف. "في النظام المجتمعي الصحراوي البدوي قد يجف النبع ويموت الضرع فترتحل القبيلة بحثا عن موضع آخر يضمن العيش، فإن لم تجده خاضت صراعا صفريا ضد قبيلة أُخرى. قسوة طبيعية طبعت البدوي بقسوتها ورؤيته للموت شيئا اعتياديا، ظرفه يجعله مقاتلا كي لا يموت جوعا، وأن استمرار حياته لا يكون إلا بموت غيره . هكذا فرضت قسوة الطبيعة على القبيلة تماسكها العضوي في ظل قانون طوارئ دائم، كي لا تفنى، تحت إمرة نظام أبوي صارم. على المستوى الثقافي ترتبط القبيلة قرابيا وتنتسب لسلف صالح واحد يرونه خير أب لخير خلف." وفي مقدمته للترجمة العربية الصادرة في أيلول 1991، كتب الباحث، "موهبة الإبداع تكون الضحية؛ إذ يسري هذا التأثير على الجامعات والمدارس والمستشفيات ووكالات الحكومة والتجمعات الحرفية ، إضافة الى بيروقراطيات المؤسسة العسكرية والدولة والحزب ‘الثوري’ . الأبوية المحدّثة هي السبب وراء كل محاولة يقوم بها المجتمع لردع الحداثة والحفاظ على الوضع القائم".
في مهد الأبوية نبتت وتكاثرت العصبويات الطائفية والعشائرية والعرقية. وكلها تقوم على نظام أبوي يفضل الولاء على الكفاءة، ويشترط الطاعة مقابل الحماية. "تتمثل الذهنية الأبوية اول ما تتمثل ، في نزعتها السلطوية الشاملة التي ترفض النقد ، ولا تقبل بالحوار إلا أسلوب فرض رأيها فرضا..". اخترقت الليبرالية الجديدة، اقتصاديا وثقافيا ، المجتمعات العربية، وبدورها ميزت لدى التيار الغيبي الظلامي توجها لاعقلانيا يزدري الخبرة والمعرفة، وينزع للتدمير الذاتي فساندته وشحنت طاقته التدميرية. "حركة اجتماعية تفرعت مباشرة من الثقافة الأبوية الأحادية والشفوية التي تربى عليها وعيهم وتفتح..."، حسب تقييم شرابي. بخفة يد الحاوي ودهائه تزيح الأصولية منطق الصدق والواقعية والحقيقة العلمية وتلوح بالموروث الديني حقيقة أزلية، رغم انه فكر بشري، تعفي نفسها من البحث وإعمال العقل والتحليل النقدي، وتغفل فقه المآلات ، وتتناول من تراث فقه الاستبداد والظلامية بصورة انتقائية حسب المزاج. مهرت الليبرالية الجديدة في استدعاء غرائز التدمير الذاتي وتنشيطها عبر ترويج الأضاليل الإعلامية. وشأن المواد المسرطنة في المبيدات الحشرية والمخصبات تخترق قشرة الخضار والفواكه الى اللب، ولا يذهبها الغسيل والمنظفات، فإن لاعقلانية الأبوية المطعمة بالليبرالية الجديدة والمعززة بالفكر السلفي تغلغل في الجهاز العصبي لتعطبآ آلية نشاط العقل . اختلالات لا تزول بمجرد زوال النظام القمعي.
تتجاى العطالة فيما رصده الدكتور داوود خير الله ، المحاضر بجامعة جورجتاون، "قوى الدمار التي تدفع إلى التفكك المجتمعي وتلحق بالمجتمعات العربية الوهن والهزائم في الزمن الذي نعيش...". حلل العلامة المصري، الدكتور أحمد عكاشة، أستاذ علم النفس، آلية النشاط العقلي ضمن ظروف اجتماعية مختلة ، حيث "يتعطل في الدماغ الجزء المسئول عن أعمال الخير والضمير وأحكام العقل ، ويصبح العقل الهمجى الذى لا يلتزم بأي قوانين هو القائم". الفص الأمامي من الدماغ مسئول عن الضمير والقيم والتقاليد والأخلاق الإنسانية بمعناها الشامل، "الإطار القانونى وتوافر الأمن والأمان وهيبة الدولة".
عطالة رصدها شرابي في الاستعصاء على الفكر القومي واليساري، "لم يسبق أن تمكنت الأحزاب القومية واليسارية من النفاذ الى الجماهير الكادحة وكسب تأييدها الواسع كما حصل مع الحركات السلفية. أصولية البرجوازية الصغيرة أول عقيدة سياسية تقوى على تحقيق ذلك بعد قرن من قيام الأبوية المستحدثة".
البنية الأبوية المحدّثة(أو الأبوية المستحدثة ) تقبلت هيمنة غير المسلمين، خلافا لما درج عليه فقه السلاطين في العصر الوسيط. وحسب توصيف الشرابي تفاعلت مع الهيمنة الامبريالية، ونجم عن التفاعل " تغلغل الرأسمالية في الاقتصاد العربي، ما أدى الى نشوء رأسمالية تبعية ومزيفة. لم تظهر طبقة برجوازية ناضجة ، ولا طبقة عاملة أصيلة، إنما نموذج هجين من المجتمع /الثقافة ؛ تمترس التخلف وكمن في أعماق المجتمع العربي ، متخذا صفتين متلازمتين هما : اللاعقلانية والعجز". الهجانة والهشاشة أقعدتا النظام الأبوي وأوهنتا مقاومته للتحديات. في كنف الهشاشة أشيعت مظاهر الخوف وعقد النقص والخضوع واليأس بين الشعوب المستعمرة، وكلها مناقضة للتنوير؛ ثم يقول شرابي: "رافق الاستقلال نوع مغاير وغير مباشر للاستعمار الثقافي ؛ إلا أنه كان أوسع انتشارا، لم يستمد هيمنته من السيطرة العسكرية – السياسية المباشرة ، بل من اختراق الثقافة الغربية للنخبة الأبوية الجديدة، مضافا إليها سيطرة وسائل الإعلام الغربية وشيوع قيم المجتمع الاستهلاكي وحاجاته... ومع أن الخريجين العرب من المعاهد التعليمية الغربية كانوا في معظمهم قوميين وطنيين في اتجاهاتهم السياسية ، إلا أنهم كانوا ثقافيا ونفسيا تحت تأثير الغرب مشكلين قطاعا منفصلا من أكثر قطاعات المجتمع تبعية للثقافة الغربية- مناوئة للماركسية ، يشكل الغرب في نظرها المعيار المعتمد لقياس كل أمر". يخلص الشرابي ، مستشهدا بماركس، الى أن العقلانية هي مضمون الثقافة التي تصفي النظام الأبوي، تعري الزيف والتشوه اللذين ولدهما الاستعمار في ظل التبعية المباشرة، وذلك في إطار سيرورة ثورية تنجز في سياق ثورة تعتمد العقلانية. العقلانية هي الحل.
الليبراليون الجدد حقنوا الأصوليات بنسغ الحياة، وفي ذات الوقت اعتبروها جوهر الدين ، المكون للكيان الاجتماعي، والمبرر من ثم لازدراء المجتمعات الشرقية وإخضاعها للهيمنة. منحوا الشرعية لزيوف الدين ، فشاعت مفاهيم الإسلام الوسط ولإسلام المعتدل او المتطرف، والحقيقة انه لا يوجد غير الإسلام بجوهره الإنساني ، دعوة للحق وللعدالة والمساواة والتكافل الاجتماعي وسمو الأخلاق. هذا الجوهر يقرب مختلف الأديان من بعضها ، وكل ما خرج عن إطار جوهر الدين يعتبر تزييفا وتحريفا وتأويلا مغرضا.
الفكر الديني ، شان كل فكر يظل رهن الظروف الاجتماعية التاريخية ولا ينفصل عن مصالح مهيمنة ، ومن ثم الْتزمَت السلفية بالمحافظة الاجتماعية. نشأت السلفية في العصر الوسيط وانطلقت في مسارها المدمر في حضن النظام الأبوي. سلفية العصر الوسيط انتصرت في صراع تناحري حسمته الدولة الأبوية لصالحها ضد مدرسة فقهية عقلانية استمرت أزيد من قرنين بعد وفاة الرسول. وهذا ما تسقطه من الاعتبار السلفية وأعداء الشعوب العربية. فقد نشط علم الكلام واعتمد أدوات المجاز والتأويل في الاجتهاد الفقهي، قياسا على فقه اللغة المستنبط من الشعر القديم، لتفسير المشكل من الآيات القرآنية ( ألمشتبه في دلالاتها). اطاح التدين السلفي بالفقه العقلاني، واستحال امية دينية تنكر إرادة البشر وقدرة العقل على المعرفة وترفض السببية، وتحث على الخنوع . حملت سلفية العصر الوسيط المجتمعات في سيرورة تدهور وانحطاط حتى سقوط بغداد على أيدي المغول، ثم تواصل التدهور الى أن شارفت العصر الحديث مجتمعات مبعثرة تعيش على الكفاف، نهبا للغزوات المتبادلة، ولقمة سائغة للتوسع الكولنيالي لامبريالية الغرب. السلفية تبلد المشاعر وتحيد الرؤى حيال المظالم والاختلالات الاجتماعية، وتفسر المحن بالابتعاد عن الدين ، فتحمّل المسئولية للضحايا وتبعد الشبهات عن الأنظمة والطبقات المتسلطة، وترجئ محاسبة الطغاة ليوم الدين. جمهور السلفيين المعاصرين يقاوم بضراوة تجارب التقدم الاجتماعي المستندة الى إبداع الجهد البشري، المواكبة لتطوير العلوم وإرساء تقاليد البحوث العلمية المستندة الى برامج التنمية الاجتماعية طبقا لأصول التخطيط والتنظيم وتعبئة الموارد وحشد الطاقات. اقترفت القوى الوطنية خطأ فادحا يقترب من الخطيئة حين تغافلت عن نشاط التيار السلفي، كظاهرة اجتماعية ممتدة في التاريخ.
ذلك التغافل هو أحد تجليات قصور في رؤية قوى التغيير الاجتماعي أخل بالمنهجية العلمية؛ إذ دأبوا على إغفال أثر الدين كظاهرة اجتماعية، وتجاهلوا دوره في تحديد ردود أفعال الجماهير العفوية حيال مشاكل المجتمع والتحديات الخارجية. كل ما فعلوه أن اتبعوا سياسة النعام تدفن الرأس في الرمال. وآية ذلك تقاطر المجموعات المليونية زرافات بدون دعاة للالتحاق بداعش حال إعلان دولتها الإسلامية. بدل المراجعة النقدية، رفع الماركسيون مطلب فصل الدين عن السياسة. الدين مشتبك تاريخيا بكل مظاهر الحياة الاجتماعية ، وبالسياسة في الدرجة الأولى، حيث جرى تأويله بما يخفي مسئولية السياسات السلطوية عن الكوارث الوطنية. اشتباك الدين بالحياة الاجتماعية ظاهرة موضوعية يصعب الفكاك منها بمجرد شعار يرفع؛ بل إن إسقاط مكون اجتماعي أساس مثل الدين من الواقع الاجتماعي يخل بالمنهجية العلمية. العقائد والإيديولوجيات تصطدم بغبار الواقع ويجري استيعابها من قبل الأفراد والمجموعات والمجتمعات طبقا للمستوى الثقافي. في ضوء هذه الحقيقة الساطعة تصدق رؤية نصر حامد أبو زيد لتناول القرآن "مجال صراع سياسي ، يتوجب استحضاره احد إشكال الصراع الطبقي ثقافيا وسياسيا. إن أي احتمال لظهور رؤية جديدة لمعنى الدين ومفهومه ومكانته في الحياة الفردية والاجتماعية، على مستوى المجتمع لا على مستوى بعض المثقفين المتنورين فحسب، يتوقف على نشوء ثقافة مدنية جديدة، أي على التجديد الثقافي والعقلي الذي تملك قوى التغيير الديمقراطي أدواته وتستطيع الدفع به سواء عن طريق التربية المدرسية و الارتقاء بالتعليم ـ أو البحث العلمي أو الاستثمار في الثقافة الفنية والأدبية الراقية." في هذه الميادين ينبغي أن يدور الحوار مع السلفية.
وهذا يوصلنا الى خطيئة اخرى اقترفها دعاة التغيير الديمقراطي، تجلت في إغفال الآداب والفنون ، وسيلة التفتح على الحياة الواقعية، والتطهر الذاتي ومعالجة الأعطاب النفسية . الفنون تعكس الواقع، ونظرا لبنييها من صور فنية وتقييماتها للمواقف والتصرفات والوقائع، تلهم التعاطف الإنساني، فإنها بذلك ذات قيمة تربوية. نجد في الفنون قيما معرفية وأخلاقية ومعيارية تعدي المتلقي، حين يتفاعل بثقافته مع الإبداعات الأدبية او الفنية. الفنون ليست مجرد اختصاص نخب ثقافية، بل هي غذاء للعقل والروح ينبغي أن تتاح لأوسع الجماهير الشعبية. الهمت الأعمال الإبداعية المفكرين والمناضلين. تأثر لينين برواية "ما العمل" للأديب نيقولا تشيرنيشيفيسكي، وتأثر ماركس وإنجلز بالأعمال الفنية في زمانهم ، وكتبوا في الأدب والنقد الأدبي.
الحزب الثوري يسترشد بالفنون والآداب ويسترشد بالعلوم الإنسانية، وينقلها الى الوسط الاجتماعي. الفنون والآداب انجع وسيلة لتذويب مخلفات القهر وتقرحات الهزائم والانكسارات في النفسية الاجتماعية، وأعراضها عطب او قصور يغذي الأعشاب السامة، تحقن بين الناس الإحباط والارتباك واللاجدوى المحبِطة. أعطاب نفسية تقطع الأفراد والكتل الشعبية عن الحياة دائمة الاخضرار. الحزب الثوري ينقل إلى الجماهير الوعي والتنظيم الثوريين ، كما يصلب العناصر الحزبية ويغذي ثقافتها متعددة الامتدادات لكي تكون الطليعة الأوفر كفاءة وقدرة على اكتساب ثقة الجمهور واكتناه جوهر التطورات الطارئة وقهر مصاعب النضال وتعقد دروبه. بالنتيجة يتعزز الميل لدى ذوي الإرادة والعواطف الإيجابية إلى النشاط جسديا وفكريا واجتماعيا ومهنيا وعدم الخضوع للروتين والتنبه للجديد الطارئ. " تحدث أفضل لحظات السعادة والرضى حين يتمدد جسد المناضل وذهنه إلى أقصى حدود طاقتهما وحيويتهما، في جهد إرادي لإنجاز شيء صعب أو ذي قيمة." وهذا ما خلص اليه مصطفى حجازي، في كتابه "الإنسان المهدور" الذي بحث في علم النفس الاجتماعي وفيزيلوجيا الأعصاب.
الكادر الحزبي مثقف بامتياز، او هكذا يجب أن يكون. طرح شرابي خمسة عناصر للنماء الذاتي يتعهدها الحزب الثوري، ويربي كوادره بها سياسيا وثقافيا ويحصنهم نفسيا، وبدورهم يلهمون بها الجماهير المتطلعة للتحرر:
الأول، الوعي بالهدر الذاتي ، أي إدراك خطأ تقبله والرضوخ لمقتضيات حالة نفسية مفروضة من الخارج، وذلك كدافعية للشروع في مكافحته، والنضال الواعي من أجل الديمقراطية الراديكالية.
والثاني الانطلاق في المعرفة ضمن مشروع ذاتي للنماء يتنوع بتنوع الامكانات والفرص وحسن توظيفها لمجابهة الهدر . يشكل هذا العنصر أهم معطيات علم النفس الإيجابي، التي تساعد على التمكين الذاتي.
والثالث، تعلم التفكير التحليلي والنقدي يواكبه تفكير إيجابي قادر على تحويل التحديات والصعوبات الى فرص التعلم والتعامل مع البدائل واستكشاف الامكانات وتعظيمها وتوسيع برنامج تنمية القدرات الذهنية كي تستوعب كامل أبعاد الذكاء الإنساني. تنمية توليفة متكاملة من الطاقات الذهنية المتمثلة في الذكاء العملي والإبداعي، إضافة الى التحليل المنطقي بالتوازي مع نظرية الذكاءات المتعددة، أي توسيع دائرة الاقتدار المعرفي في تطبيقاته المهنية والحياتية، نظرا لأن العملية التعليمية قد عطلت نماء الذكاءات.
والرابع، التخصص المهني مع امتلاك المعارف الواسعة ، بما يتيح التكيف .التطور الزاخم للتقاني بات يتطلب نوعية جديدة للاقتدار الذاتي تتمثل في خصائص شخصية وكفاءات مهارية ومهنية وتدريب يتواصل مدى الحياة. أبرز عناصر العمل امتلاك أخلاقيات العمل – المسئولية والإحساس بالواجب والمثابرة والسعي الدؤوب نحو الإتقان، والضمير اليقظ.
والخامس هو الكفاءة الاجتماعية. الذكاء الاجتماعي يتجسد في التعلق بالآخرين وتفهمهم واستيعاب حالاتهم الوجدانية ومواقفهم وحاجاتهم وتوجيه العلاقات معهم على الأسس المذكورة . يضاف لذلك القدرة على التواصل والتفاعل والمشاركة والقيادة الجماعية ، تفهم الثقافات الأخرى والسياسات والاقتصاد والإعلام.

تشد انتباه المناضل وقائع الحياة السلبية والإيجابية، يضعها في اعتباره فيتسم وعيه بالواقعية. الآداب والفنون والعلوم تبسط امام ناظريه تضاريس الحياة الاجتماعية والتواءاتها وتعرجاتها . مع الدربة والمران يكتسب المرونة والتلاؤمية ، يذوّب نزعات التصلب الذهني والعقد المنزوية داخل اللاوعي، غشاوتها تضلل البصر والبصيرة. يتحقق التلاؤم مع مقتضيات الواقع، وبالتدريج تتغلب السمات الكفاحية على العفوية والانفعالية السطحية. التفكير النقدي إيجابي دوما لا يغض النظر عن شرور الحياة الفعلية، ولا يتغافل عن سلبيات الواقع ونواقص البشر؛ النظرة الواقعية تتناول جوانب الواقع السلبية والإيجابية بدون إفراط أو تفريط.
وتكتسب أهمية فائقة في التطور الاجتماعي تنمية الاقتدار الذاتي لدى الأفراد وتطوير الكفاءة العملية والإدارية، الى جانب إشاعة ثقافة العمل . فالإنسان المؤهل بالمعرفة وبالتفكير النقدي يمتلك الاقتدار المعرفي والروحي يشكل عاملا أساسيا في التنمية الاجتماعية. فهي تتكون من شقين ، تنمية الإنسان المنتج وتنمية قوى الإنتاج المادية. مجتمع التنمية يزخر بالأفراد المتمرسين في البحث والمبادرين والنقديين يحدوهم الاعتماد على النفس والتعلم المستدام وارتياد مرافق الثقافة من معارض ومكتبات وفنون بدل تزجية اوقات الفراغ في ألعاب التسلية او المماحكة بالكلام الفارغ.
الكوادر الحزبية تستمد قوة تأثيرها التعبوي من ثقافتها المعرفية والروحية، ومن أحلام غد العدالة والتطور المضطرد، تسدد خطى نشاطها الاجتماعي وتمنحها البصيرة النافذة. طبيعي أن يتميز المناضلون التقدميون بقدر من الذكاء الاجتماعي، وهو طاقة ذاتية للتفاعل مع الآخرين والتعاطف والتجاوب المشترك. ما من فرد يعتز بإنسانيته يستنكف عن تقديم المساعدة للآخرين، ويساعدهم على تفهم واقعهم ومساعدتهم في مكافحة الاستلاب وهدر الكرامة . الثورة لا تنجزها المشاعر السلبية من حقد وغضب وضغينة ، بل بالعواطف الإيجابية كالحب والتضحية والتعاطف مع المحرومين والبؤساء، وهي إفرازات الصحة النفسية. بأشواق التحرر وتطلعات التقدم يمضي المجتمع في طريق التحرر والتقدم.
ثقافة المقاومة الشعبية تعين المهمات الكفاحية وعلى رأسها إشرااك الجماهير الشعبية في الحراك السياسي؛ فمن خلال الحراك المستنير تنفتح نافذة على النقد الذاتي ، يعي الفرد والمجموع الأعطاب والعقد البسيطة والمركبة ويشرع في تفكيكها وتذويبها. يمكن التعرف على الأعطاب واستيعاب الثقافة وتحصين الجماهير او ترسيخ أقدامها على تربة الوطن وتمكينها بوجه عواصف الاقتلاع. الثقافة مقاومة لمركبات الذهنية والنفسية للإحباط او اللامبالاة أو الغرق في هموم الذات والمتع الحسية.
وحيث أن الثقافة الوطنية لا تساوم أو تهادن ، فإن حمَلتَها معرضون للمتاعب وصنوف الحرمانات. شغيلة الثقافة النقدية المكافحة صنف من المثقفين محكوم بالمكابدة ؛ وفي أضعف الحالات تقاطعه قنوات الاتصال الجماهيري ومنابره، باستثناء النخب المتفوقة التي لا يمكن للميديا أن تتجاهلها. باتت الميديا بما توفر لها من أجهزة وبما ينهض بأعبائها من قوى بشرية تكلف رساميل ضخمة تستثمر طلبا للربح، لكنها منحازة لقوى المحافظة التي في وسطها وبالتفاعل معها تضخمت وتعاظمت قدراتها على تخدير الوعي أو تضليله او هدره لتهدر إنسانية أوسع جمهور من البشر. الميديا احتكارات مبنية على قواعد رساميل ثابتة ومتحولة ، بات أعظمها قدرة على الانتشار قوة محافظة، أسوة ببقية الاحتكارات. غير ان إدخال تكنولوجيا الإليكترون في الشبكة العنكبوتية للاتصالات الشعبية قد اتاح منابر يمكن للفكر التقدمي شق طريقه إلى الجماهير العريضة.
تلتقي الثقافة المقاومة بالسياسات المقاومة لتتفاعلا؛ كلتاهما تنشد التحرر الإنساني وتمكين المجتمع. أحزاب التغيير الديمقراطي تنهض بأعباء رسالتها من خلال تربية الاقتدار الذاتي لدى كوادرها ، خاصة في غياب المشروع التنموي الوطني. والحزب الثوري يسترشد بمعطيات العلوم في إطار الاستراتيجية، ومفتاح التأثر بالكوادر يديره قوة المثال والعدوى الإيجابية. الحزب الثوري ينقل إلى الجماهير الوعي والتنظيم الثوريين ، كما يصلب العناصر الحزبية ويغذي ثقافتها متعددة الامتدادات لكي تكون الطليعة الأوفر كفاءة وقدرة على اكتساب ثقة الجمهور واكتناه جوهر التطورات الطارئة وقهر مصاعب النضال وتعقد دروبه.بالنتيجة يتعزز الميل لدى ذوي الإرادة والعواطف الإيجابية إلى النشاط جسديا وفكريا واجتماعيا ومهنيا وعدم الخضوع للروتين والتنبه للجديد الطارئ.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,755,631,553
- تحديث الثقافة..ثقافة التحرر الإنساني -الحلقة الثانية
- تعظم الضغوط لإلغاء الحكم المتجني بحق لولا ، الرئيس البرازيلي ...
- تحديث الثقافة .. نحو ثقافة التحرر الإنساني
- شعوب المنطقة.. مكابدة مشتركة تفترض الكفاح المشترك والمصير ال ...
- السياسة والفكر في الموضوع الفلسطيني
- نتنياهو يتحدى!
- عالم الرأسمال بدون مساحيق تجميل -الحلقة الثانية
- عالم الرأسمال بدون مساحيق التجميل
- تخبط وارتباك الإعلام الفلسطيني وليس إدارة ترمب
- نموذج للتفسخ المعولم تشيعه الليبرالية الجديدة- الحلقة الثاني ...
- نموذج التفسخ المعولم تشيعه الليبرالية الجديدة
- إسرائيل بلا رادع.. ومسئولية هزال المواجهة
- صفقة القرن تتسلل عبر الشعاب والتلال الفلسطينية
- صداقة بمذاق العداء
- تصفية فاشية الأبارتهايد اولا
- اليمين الفاشي يسخر عناصر مارقة في حملات الكراهية ضد المسلمين ...
- فضيحة تلفيق وقائع لتجريم الرئيس البرازيلي لولا بالفساد
- هل الحالة الفلسطينية مانعة لصفقة القرن؟
- ما بعد صفقة القرن
- هل حقا توفرت فرص للتسوية السلمية مع إسرائيل أهدرها الفلسطيني ...


المزيد.....




- قراءة سياسيّة في رسالة حزب العمّال إلى رئيس الدّولة
- جائحة كورونا: سؤال اليسار وسؤال المواطَنة
- بيان النهج الديمقراطي بتازة بشأن تطورات كورونا
- رأس المال: الفصل الثاني عشر جـ 1 (45)
- نداء المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية إلى: الرفيقات وا ...
- «كورونا » يكشف عاهات العالم
- أحمد فوزي يكتب: في المسئولية الإجتماعية.. عن ساويرس وعرفة وم ...
- نعيمة البحاري // -الفيروس المستجد- و-الإجماع المستجد- ..هل ...
- نعيمة البحاري // -كورونا- حرب كونية جديدة
- أسوأ على الفقراء.. دراسة تكشف أثر كورونا الاقتصادي على الأفر ...


المزيد.....

- من أجل تثوير عمل الحزب، نص بابلو ميراند* ترجمة مرتضى العبيدي / مرتضى العبيدي
- هل التناقض بين اليساريين والإسلاميين رئيسي أم ثانوي؟ / عبد الرحمان النوضة
- انقسام سبتمبر 1970 / الحزب الشيوعي السوداني
- بصدد حزب البروليتاريا بقلم بابلو ميراندا / ترجمة مرتضى العبي ... / مرتضى العبيدي
- لأول مرة - النسخة العربية من كتاب الأعمال الكاملة للمناضل م ... / ماهر جايان
- من هم القاعديون / سعيد عبو
- تقوية العمل النقابي، تقوية لحزب الطبقة العاملة... / محمد الحنفي
- الشهيد عمر بنجلون، ومقاومة التحريف بوجهيه: السياسي، والنقابي ... / محمد الحنفي
- حزب الطبقة العاملة، وضرورة الحفاظ على هويته الأيديولوجية: (ا ... / محمد الحنفي
- الحزب الثوري أسسه – مبادئه - سمات برنامجه - حزب الطليعة الد ... / محمد الحنفي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية - سعيد مضيه - التحديث الثقافي عقلانية تقوض البنية الأبوية