أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الطيب عبد السلام - تأملات في رحلة المعراج.. في تحيين المتخيل العربي















المزيد.....

تأملات في رحلة المعراج.. في تحيين المتخيل العربي


الطيب عبد السلام

الحوار المتمدن-العدد: 6357 - 2019 / 9 / 21 - 09:42
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



"إن ناشئة الليل هي اشد وطاء و اقوى مقيلا" جربت الحياة الليلية و الحياة النهارية، كنت أتأمل سلاسة افكاري و حيوية تدفقها، فوجدتها في الليل اهداء و أكثر صفاء و شفافية، زخم النهار يجعلنا موظفين لليومي، و معكرين جدا ب الأخرين، تنهبنا النقاشات المستهلكة و تقاليد الحياة الميته، تنهبنا برامج الكمبيوتر التي نعمل عليها، و ننمحق في حياة النهار مناضلين لإبقاء ذلك الحجاب الرقيق بين نهر أفكارنا الحرة و تاملاتنا الخاصة و مياه الصرف الصحي اليومية.
نصغي لأفكارنا تتراقص في الأفق مثل الضوء غير مقيدة بشئ، تجذبها الكلمات لتنعكس عليها فتضئ الكلمات و تتجلى هي عبر الكلمات.
و في الكلام وحده ترى الأفكار تألق ذاتها و جمالها، و بالحوار الصافي نكتشف اشكالا عدة لأفكارنا، اشكالا رائعة لم نرها في كلامنا الداخلي، الكلام بحر نسبح فيه جميعا فنتبادل الموجات و نتبادل تذويق أفكارنا و كلماتنا بالكلام، الكلام مع كتاب او مع شخص ربما يكون عاديا لكن قد نلاحظ إبان عاديته تلك تعثره بكلمة او سؤال دفع في أفهامنا حركة تأملية كبرى كانت تحتاج لتلك الكلمة الدفعة.
قد نملك المواد و العمال لكننا لا نملك الخريطة فنؤجل طاقاتنا تلك في إنتظار الخريطة، و قد نملك الخريطة لكننا قد نتوقف أثناء التشييد لشعورنا اننا تهنا فيها و صرنا ندور قلقين في غرف أخرى و ممرات اقل إنحدارا من علونا الذي ننشده.
لفترة طويلة ظللت أحلق حول تجربة المعراج الروحي للنبي صلى الله عليه، إلتمست مقالات عدة و كتبا عدة أذكر منها كتاب بسام حجار حول الملاك جبريل، لكنني وجدته كتابا إستشراقيا مملا لا كتابا أنطولوجيا متحققا.
قبل ذلك دعوني ابوح بإنني اتعامل مع الواقع التاريخية بوصفها صيرورة مفتوحة غنية بالتنافذ، اي بالذهاب
و بالقدوم و بالتكرر طالما اننا نشترك في عمومية الذهن البشري، و اننا نخوض تجارب بعضنا بعضا بإختلافات شكلية وفقا لتموقعنا في صيرورة الزمن، بيد اننا شركاء جدا في التجربه، شركاء بطرق أكثر تشابها في حال تواصلنا عبر منطوق لغوي واحد و ب إختلاف طفيف في حال إلتقائنا بمعرفة او بشخص من أفق إجتماعي و لغوي مختلف، و هذا الإختلاف يعد كنزا ثمينا لإننا بسفرنا "الحر بين الثقافات" نعيد إنتاج أخر جديد بملامحنا نحن، و نعيد تلقيح بتلات أزهارنا بذلك الأخر، فنعيد الإلتقاء بالوجود بأعين جديدة متجددة.
اللغة ليست بابا نسده على ما نقوله بها، بل هي فاعلة جدا في خلق فضاء يجعلنا نمر بذات التجارب، إنها الدم الذي غمسنا أيدينا كلنا فيه و تعاهدنا على التألف به.
الكلمات موطوءة بتجاربنا،نحن من نصقل الكلمات و نعطيها وزن المعنى تماما كما يعطي بوزون هيجز للذرة كتلتها.
لذا و انت تأخذ كلمة من فم او قلم شخص فإنك تأخذها وفقا لما يحدثه معناه من إنحراف في جاذبية المعنى العام الذي هو " بين كلامي" في حالة من الإنحراف و التبدل الأزلي وفقا لثقل تجربة الناطق و تحققه و كتلته.
سألني الصديق "عماد عبد القادر" عن "هل كان لي تجربة معراجية"، كان الوقت ليلا و كان سؤاله بمثابة الدفعة التي شيدت لي هذا التأمل الذي بدأته.
في العام ٢٠١٥، بدأت اسمع من بعض الأصدقاء افكارا على شاكلة "هيوم قال بإن السببية هي مجرد توهم عقلي
و ان ما يحدث هو عملية تعاقبية تفسرها أدمغتنا المعتاده على حياة سببية على أنها سببية".
كانت فكرة عصية التصديق لدي، السببية يومها كانت "تصورا مقدسا" في ذهني، إلى ان قدر لي أن ارى ذلك الحلم الرائع، رأيت ماكينة كبيرة متشابكة من المسننات و التروس ثم فجاءة حدثت دفعة جعلت كل هذه التروس تدور في ذات اللحظة من دون ان أستطيع القبض على تفسير تعاقبي او سببي، وأن هذا الترس دار بناء على الترس الذي خلفه فأدار الذي امامه، كان فعلا تزامنيا دائريا يصعب ان نحدد فيه طريقا بين نقطتين (أ، ب).
طورت هذه الرؤية فيما بعد حينما شاهدت الكرة الأرضية عبر "قبة الزجاج" المطلة من المحطة الفضائية على كوكب الأرض.
في الأحلام نكون اشد صفاء و تحررا من قيود التصورات، لإننا نكون أكثر اصغاء لحدسنا و إلهامنا و اكثر قبولا للحقائق التي نراها، أكثر تصديقا لما "نحلم به"، فيها نولد "اطفالا من جديد" و ببراءة نمر بين وقائع التصورات.
لا توجد حقائق صلبة، هذا نمط تفكير بنيوي ميت، الحقائق في أفقها شديدة الحيوية شديدة السحر و حاشدة بالفجاءات و العصافير الزرقاء.
بهذا المعنى بامكاننا ان نفكر في مسألة المعراج نفسها بإعتبارها علاقة مع "السوبر حقيقة"
و ليس "المايكروحقيقة"، حقيقة الحقيقة، و الجاذبية التي تشوهها الكتلة، و المعنى الذي يحجبه اللفظ.
الخروج القوي الذي مررت به من أسر رغبتي في حقيقة بعينها إلى إنكشاف أشد جلاء و حقيقية و شاعرية.
إنها اللحظة التي "نتفوق فيها على أنفسنا"
و نجد ذواتنا في فضاء أخر و كون ثاني.
بهذا الإصطلاء الذاتي يمكنني تامل التجربة النبوية في المعراج بوصفها لقاء الكلمات ب "مُثلها" و لقاء الكون العقلي بالكون الذي يدور فيه، نظرة يلقيها العقل علي نفسه و يعي الفضاء الذي يحيط به، و يرى مداره و مكانه في إطلالة اكبر و أشد إتساعا.
إنها تحرر الذات النبوية المثقلة بالهم الرسالي و التبليغ الدعوي إلى الحال الليلية الصافية للنبي، حيث ترتسم امامه أفكاره و رؤاه لا بوصفها أدلة و أثار بل بوصفها معاشة
و محققة.. إنها ساعة قال عنها الرسول "لي ساعة مع ربي
لا يسعني فيها رسول مرسل او ملاك منزل"..انها هنيهة "إبصار الصيرورة الصغرى ذاتها في رحاب الصيرورة الشاسعة".
لست مشغولا هنا بتأويل "سدرة المنتهى" او "السماوات السبع" بل أجدني مأخوذا بتأمل الحال النبوي و سر إندفاعته الرؤيوية تلك بكلمات كانت بعيدة عن معهوده في الخطاب مع الناس و الصحابة، حالة الواحدية و التخلص من أسر المعية، حالة يحترق فيها السوى و يتوحد فيها الإنسان بمُعاشه هو، بطيته هو، بثقل جاذبيته هو، حالة ينفك فيها من ضغوط مشروعه العام و مؤسساته التي تلقي بثقلها على حريته هو و إنفلاتاته الاولى التي تصيرت مؤسسات
و اراء و تشريعات و احكام، معراج أشبه بإلانفلات مما قال في نهم و شغف بشراب حريري أكثر شفافية.
هو إغتسال الرؤية من تخمرها، و من ثم إنحلالها في رؤية اكثر كشفا و نقاء، هو نعل موسى التي يخلعها عند الجبل المقدس طوى راغبا في المزيد من الله.. تعال يا موسى حافيا.. تعال إلي طفلا.
كل ما روي عن المعراج كان يدور في فلك قصة "اليس في بلاد العجائب" كانه شغف بالسرد و القص و خلق تفاصيل أكثر إحتشادا للجنة و النار و الملائكة، لكن قلة من نقبوا حول الجدوى و النداء الذي دفع النبي لخوض تلك الرحلة، فصارت الرحلة النبوية أشبه بالمعجزة الخاصة التي لا يلتقونها في حياتهم، بالرغم من أنهم يغمسون أيديهم في ذات الدم.. ذات اللغة.
لذا تحول المعراج إلى محض قصص تشوق الأطفال او من
لا يجدون اعمالا يقومون بها بعد صلاة العصر.
لكن و لإن الصيرورة تحمل في سريانها كل الحقب و الاشلاء فإننا مدعوون للغطس بحميمية فيها، غطسة ترينا أقدام السائرين على كلماتنا و وقع سيرنا نحن على سيرهم بها علنا نضيف لمن سيأتي بعدنا اثرا غنائيا و جرسا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,716,880
- من تاريخ التفكيك إلى تاريخ الصيرورة... نحو نظرية جديدة في ال ...
- بين العرب و المغول - تأملات جديدة في حاضر التاريخ
- فوكو نيتشويا
- من حداثة التقليد إلى حداثة التأويل
- تأملات في مشروع محمد أركون
- الاحتفاظ و الإنتشار.. تصور جديد للمرأة و الرجل
- تأملات في سورة القدر
- الحزب الشيوعي السوداني من المؤسسة إلى الرمز
- الوحي
- الوجه الباطني للإسلام
- سلطة الجسد الأنثوي.. بين ميشيل فوكو و عابد الجابري
- تأويل الجنس
- قراءة ما بعد بنيوية للقران....هكذا فهمت محمد اركون
- سورة الكهف..قرأة ما بعد بنيوية
- ما بعد الليبرالية...ما بعد الحداثة
- وهم العصيانات المدنية
- قداسة التدوين القرآني و ارادة السلطة
- نقل اللفظ القرأني الى المعنى العلماني
- الجنس في الجماعات الطهرانية -اتباع محمود محمد طه مثالا-
- الدين الصالح لكل زمان


المزيد.....




- كيف يصلي المسلمون في بلاد تغيب فيها الشمس لأشهر طويلة؟
- رأي.. سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: ع ...
- الأرشمندريت ميلاتيوس بصل: التهجير المسيحي في فلسطين قمعي وال ...
- سناء أبوشقرا يكتب عن كسر الطائفية في وعي اللبنانيين: عودة وط ...
- كتاب جديد يكشف الإدارة -الكارثية- لأموال الفاتيكان
- لبنان: رؤساء الكنائس يؤكدون أن الإصلاحات خطوة مهمة ولكنها تت ...
- رسالة من الإعلامي المصري باسم يوسف إلى اللبنانيين: مهمتكم صع ...
- بومبيو: المغرب يعد شريكا ثابتا ومشيعا للأمن على المستوى الإق ...
- الولايات المتحدة والمغرب يؤكدان على -الخطر الذي تمثله إيران- ...
- بعد ردود فعل غاضبة.. بلدية تركية تزيل ملصقات -معادية لليهود ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - الطيب عبد السلام - تأملات في رحلة المعراج.. في تحيين المتخيل العربي