أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الخفاجي - الملّة السنّية في الدولة الشيعية















المزيد.....

الملّة السنّية في الدولة الشيعية


عصام الخفاجي

الحوار المتمدن-العدد: 6348 - 2019 / 9 / 11 - 09:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الملّة السنّية في الدولة الشيعية:


لم يخلُ زمننا من المعجزات بعد. وإن لم تحدث معجزة تغيّر مسار العراق، فإن عهد عادل عبد المهدي سيدخل التاريخ بوصفه العهد الذي اكتمل فيه بناء نظام اجتماعي- اقتصادي تتكرس فيه السلطة الطائفية بوصفها سلطة طبقية.
لن يلقَ هذا التوصيف هوى بالطبع لدى عبد المهدي الذي نجح في تسويق نفسه سياسيا وسطيا معتدلا، هادئ الطباع، ذا رؤية متكاملة لمستقبل العراق. ولن يلق التوصيف هوى لدى من يعتقدون، غير مخطئين، بأن النظام الطائفي ليس وليد هذا العهد. لكنني أحاجج بأن ثمة جديدا مختلفا نوعيا مهّد لصعود الرجل وتوافق معه ولم يعد بالوسع الفصل بين الطبقة الحاكمة وازدهارها وبين بقائه خلال الفترة الراهنة على الأقل.
أول الجديد هو أن بوسعنا الحديث الآن عن طبقة حاكمة/ مالكة بالمعنى الدقيق للكلمة، مجموعة من القابضين على موارد السلطة تعيد إنتاج نفسها بشكل منتظم وتراكم مزيدا من الثروات مع كل دورة اقتصادية. طغمة منسجمة تقسّم العمل بين أجنحتها وأفرادها ولا ينعدم الصراع فيما بينها لكنها قادرة على ضبطه بما لايقود إلى انهيار النظام كلّه. في صفوف هذه الطبقة تجد الشيعي يحتل المواقع القيادية لكنك تجد إلى جانبه السنّي والكردي والكلداني والتركماني. وفي صفوف هذه الطبقة، أو في أجنحتها العليا، تتحدد ملامح الحكم والحكومة وشخص الحاكم والحكّام.
لن نتحسّس الجديد إن لم نقارن الأمر بما كان يجري حتى قبل عام أو عامين. مئات السياسيين والمسؤولين راكموا ثروات طائلة عبر فضائح يندر أن شهدها عالم اليوم. لكن هؤلاء كانوا يستولون على غنيمتهم ثم يختفون عن المسرح السياسي والإعلامي، بل وعن مسرح الحياة الإقتصادية في العراق هاربين بغنائمهم إلى الخليج أو بيروت أو عمان أو أوربا. كان هذا إدراكا بأن النظام القائم غير مستقر أو أن سلطتهم زائلة أو مهدّدة. أما اليوم فإن أفراد الطبقة الحاكمة يتصرّفون بثقة عالية. يتجوّلون في المناطق التي نهبوا ثرواتهم منها ويعدون من سينتخبهم بأن يحصلوا على منافع ويظهرون على شاشات التلفزيون مبتسمين حين يجابهم مقدّمو البرامج بفضائحهم عارضين أسباب قيامهم بما قاموا به لا نافين لها ولامستنكرين للإتهامات.
لكن العنصر الجديد الأهم الذي يبرّر القول بأن نظاما اجتماعيا/ اقتصاديا تكامل هو توافر عنصر الإذعان لدى العامة. القمع السافر والإذعان الآيديولوجي هما عمادا أي سلطة. لا يحتاج الحديث عن دور القمع السافر إلى تفصيل, بل لعلّ علينا "التقليل" من دوره في تفسير ديمومة النظم الحاكمة لأن كثيرين منّا، معارضي النظم الوحشية، استمرأوا الإتكاء على وحشية الخصم لتبرير هزيمتهم بوجهه خشية الإقرار بأن رضا المحكوم عن قاهره تعني تزكية للحاكم وتضفي صفة الشعبية على الحكم. وهذا يستدعي بعض التفصيل.
لايمكن الحديث عن نظام سياسي مستقر مالم تذعن جمهرة كبرى من المحكومين لمنظومة القيم والقواعد التي ينبني عليها النظام. ليس الإذعان ترحيبا بالضرورة، وليس من الضروري أن ينطوي على علاقة تأييد المحكوم للحاكم. يكفي أن تشعر الغالبية بأن تغيير القواعد والقيم أمر متعذّر أو أن التغيير قد ينطوي على مخاطر أكبر من الإبقاء عليها (كأن يكون الخوف من أن يكون البديل هو داعش) أو أن النظام القائم ليس عادلا لكنّه يحسّن مستويات معيشنا حتى يتوافر عنصر الإذعان. مظاهر الإذعان وجذوره في الحالة العراقية الراهنة (كما هو في مختلف النظم غير مكتملة الأركان الديمقراطية) شديدة التعقيد. يكفي أن أسوق أمثلة بسيطة ملموسة نسمع ونقرأ تلاوين لا حصر لها يوميا لكي أغامر بالقول أن الجمهرة الكبرى في العراق اليوم لا تعترض على جوهر منظومة القواعد والقيم التي يكرّسها النظام الحالي، بل هي تصب لعناتها على ماتود تصويره انحرافا عن منظومة مقبولة في جوهرها. ثمة نقمة واسعة على ماترتكبه العشائر من جرائم. ولكن، ليس ثمة فاعلا سياسيا في العراق اليوم جرؤ على إعلان أن العشيرة كتنظيم اجتماعي هي نقيض الدولة ونقيض المواطنة. ثمة نقمة تتصاعد على فضائح رجال الدين المالية والأخلاقية والسياسية ولكن ليس ثمة فاعلا سياسيا جرؤ على المطالبة بإخضاع مؤسسات الدين الإقتصادية والإعلامية لسلطة الدولة.
إن خلا التاريخ من معجزة، سيقول المؤرخون أن البناء النظام الطبقي الطائفي تكامل في عهد عادل عبد المهدي لإن قادة سنّة العراق توافقوا على اعتبار رعاياهم، أي العراقي السنّي، سبيّة من سبايا الحرب على داعش ومن قبلها الحرب على تنظيم القاعدة. وسيقول التاريخ أن كثيرا من هؤلاء السبايا كانوا متواطئين مع قادتهم وليس في هذا مفاجأة كبرى لمن قرأ تواريخ السبي: يهود تعاونوا مع النازيين، أكراد ساعدوا البعث في مجازره.
لم يكن هذا "الإنجاز" متاحا للطائفي بامتياز نوري المالكي. كان الرجل يرسي أسس نظام الطائفة/ الطبقة فما علينا أن نقسو عليه إن هو لم يظهر ليّن المظهر كعادل عبد المهدي. إرساء أسس نظام غير استكمال بنائه. إرساء البناء الطائفي انطوى على وحشية فاضحة وثّقتها المؤسسات الدولية واستجلبت تكريما رسميا من خامنئي للمالكي. عبد المهدي يقود عراق ما بعد التحرير من داعش (سؤال عرضي: أليس من أعراض خراب منظومة قيم العراقيين جميعا، أيا تكن توجّهاتهم، أن حيدر العبادي الذي قاد معركة التحرير وانتصر حصل على ثلث الأصوات التي حصل عليها نوري المالكي الذي سلّم ثلث العراق لداعش من دون مقاومة؟ هل "القضية الوطنية" تشغل العراقي حقا؟).
نجحت دعارة قادة سنّة العراق في تحويل الإنتصار على داعش إلى انتصار على السنّة وفي تحويل السنّة إلى سبايا حروب. وهنا أصل إلى البدء: كيف تتكامل الطبقة الحاكمة؟ وكيف يتبلور الإذعان؟
في عصر بناء الدولة الطائفية، كان ثمة صراع بين متسيّدين طائفيين شيعة وبين كتل سنية تحاول انتزاع حصتها من السلطة والثروة (أزيح جانبا الحديث عن كردستان). في عصر تكامل الدولة الطائفية صرنا نتحدث عن كتل "عابرة للطوائف". خميس الخنجر الذي رفع شعار "قادمون يا بغداد" يوم استباح داعش الموصل هو اليوم جزء من تحالف البناء الذي يقوده هادي العامري قائد أهم الفصائل التي تبرّر سطوتها اليوم بتاريخها في محاربة داعش.
فما الذي تغيّر؟ لم تكن هزيمة داعش هي من دفع دعاة ثورتها حتى تحرير بغداد من نقل بنادقهم من كتف إلى كتف، بل كان اكتشاف أمراء وسلاطين الخليج بكل محاورهم السعودية والقطرية والإماراتية بأن الإستثمار في بغداد الشيعية أكثر فاعلية في التأثير على السياسة العراقية من الإستثمار في زعامات سنّية انفضح بؤس تمثيلها لمن ادّعت تمثيلهم وعجزها عن التأثير على سياسة بغداد.
في ظل تحالفات الشيعة الكبار مع أتباع سنّة، بدا الرعايا من السنّة البسطاء في الموصل وديالى وصلاح الدين والأنبار سبايا عليهم الإلتحاق بجيش المنتصر وإلاّ عُدّوا من الدواعش. شعور لخّصه، عن دون وعي لمضمون قوله على الأغلب، سياسي سنّي حين دافع عن انضواءه في تحالف الحشد الشعبي قائلا أنه أراد بذاك "تخفيف الضغط على أهلنا". وترجمة هذا القول بسيطة: السنّي متهم بالخيانة. هو بحاجة لمن يزكّيه. ولكي يحظى بالتزكية عليه أن يبدي ولاءه لي. تزكية السنّي تمنحه الأمان لا حقوق المواطن. ثمة بشاعات ترتكب في المناطق الشيعية، وثمة خروق ونقص في الخدمات. هناك يستطيع المسحوق الشيعي الخروج في تظاهرات وإعلان الإعتصام وممارسة أشكال الإحتجاج المختلفة. لكن حدود الإحتجاج على غرق مئة وخمسين طفلا موصليا في عبّارة الجزيرة السياحية في الموصل التي تتحكم بها عصائب أهل الحق وقضم أملاك الوقف السنّي فيها وفسخ عقود المزارعين السنّة في ديالى التي تسيطر عليها قوات بدر وفرض منع التجوال في سامراء السنّية التي تسيطر عليها سرايا سلام مقتدى الصدر واختفاء عشرات ألوف السنّة وخوف أهلهم من التصريح باختفائهم يجب ألا تتعدى المناشدات أو توجيه أصابع الإتهام إلى مسؤولين محليين سنّة ما كان بوسعهم استباحة حقوق أبناء طائفتهم لولا ذلك الحشد المقدس. ولأن الطبقة الحاكمة العراقية تكاملت أركانها إلى حد كبير، لم يرفع قائد شيعي (عدا العبادي) صوته محتجّا على تلك الجرائم. فأيدي زعيم الجناح "الإصلاحي" في الطبقة الحاكمة، أي مقتدى الصدر موغلة هي الأخرى في استباحة حقوق سنّة مستعمراته. لعلك تسمع تصريحا عن "تجاوزات"، عن "عناصر وقحة"، لكنّك لن تسمع أحدا يقول أن عصابات الحشد هي الذراع المسلّح للطبقة الحاكمة بكل أركانها. ونسمع أصواتا هامسة تتساءل عن أسباب اكتظاظ المدن بسلاح الحشد، وتلمّح إلى أنها أسلحة إيرانية، لكنّك لن تسمع أحدا يتساءل عن فرادة العراق في كونه الدولة الوحيدة التي يعلن قادة نصف مؤسستها العسكرية (أي الحشد) صراحة أن ولائهم يعود لقائد دولة آخرى، أي خامنئي.

انحطاط السياسة السنّية العراقية هو نتاج عرضي لإنحطاط السياسة الإقليمية لدول الخليج بكافة محاورها. فبعدما عاث هؤلاء جميعا خرابا وأوغلوا في سفك دماء العراقيين بوساطة قيادات سنّية لا يزال معظمها فاعلا، اكتشفوا أن الإستثمار في السنّة لكسر عظم سلطة بغداد أوجع السنّة أكثر مما أوجع خصومهم. نفض الخليجيون أكمامهم وتوجّهوا لتبويس لحى من أعتقدوا أنهم الأكثر ليونة من قادة الطوائف الشيعية فترنّحت القوى العراقية السنّية وتسابقت على إعلان ولائها لمن له اليد العليا في السلطة. وما كان لمناطق العراق السنّية التي تم تحريرها من داعش أن تخضع لهذه الإستباحة من احتلال الحشد الشعبي لها لولا التواطؤ الدنئ للرموز السنّية العراقية.
في رواية "مزرعة الحيوانات" الشهيرة لجورج أورويل، يحرّض الخنازير "رفاقهم" من الحيوانات الأخرى على الثورة على مالك المزرعة بهدف إقامة مجتمع الحيوانات المساواتي الذي ينفض دهورا من استغلال البشر لهم. تثور الحيوانات وتنتصر. يشرعون بإقامة مجتمع المساواة الموعود. ينتخبون قادتهم طوعيا فيختارون من دلّهم وقادهم إلى طريق الحرية وهم الخنازير. تواجه المجتمع المساواتي تحديّات الخارج وهو عالم البشر الإستغلالي الذي يريد إعادة استعبادهم. يمنح "مواطنو" مزرعة الحيوان قادتهم صلاحيات استثنائية لمواجهة العدو. يغتني الخنازير/ القادة بفضل تلك الصلاحيات. "يعدّلون" شعار: كل الحيوانات متساوية. الشعار بات: كل الحيوانات متساوية، لكن هناك حيوانات أكثر تساويا من غيرها. للخنازير الذين قادوا الثورة ويقودون الدولة حقوق تفوق حقوق غيرهم. تنتهي الرواية بمنظر الحيوانات تتفرّج من وراء النوافذ على سهرات باذخة تجمع قادتهم مع قادة "العدو" فيما هم يتضوّرون جوعا.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,521,149,919
- سمير أمين: في نقد حلم انكسر  
- مواجهة التاريخ، مواجهة الذات (أو: إنه الشر ينخرنا:2)
- إنّه الشر ينخرنا: العراقي إذ يخشى نفسه
- الحزب الشيوعي العراقي إذ يهدّد
- دولة الظلّ الصدرية
- النقد الذاتي بعد الهزيمة الكردية
- كردستان: كلّما تجسّد الحلم تبخّر
- تأملات في سردية المظلومية الكردية
- صقر الجبل الكردي
- أنا الكردي إذ أقرّر مصيري
- بالإستفتاء أو بدونه، كردستان جارتنا
- بيان لم يصدر عن الإئتلاف الوطني السوري
- مخيفة هذه الوحدة الوطنية
- هل ينتصر المواطن بعد النصر على داعش؟
- الأسلمة والقومية: قطيعة أم قرابة؟
- عن العقل القومي ومظلومية الأمم
- لنعترف: لسنا في وارد الديمقراطية بعد
- سلعة إسمها كردستان
- ترمب: جاذبية القومية وأوهامها
- احتضرت الثورة، فاحتضر صادق


المزيد.....




- السيسي وعد مرارا بالرحيل إذا طلب الشعب.. فهل يفي؟
- شاهد.. مصريون يمزقون صور السيسي
- البنتاغون يكشف مهام القوات الأمريكية التى وافق ترامب على إرس ...
- ما هي خيارات ترامب تجاه -حرب- إيران على السعودية؟
- مساعدة أميركية جديدة لأقليات العراق من ضحايا داعش
- البنتاغون: صواريخ دفاعية للسعودية والإمارات وقوات إضافية في ...
- بعد استهداف أرامكو.. كيف تعرّف إدارة ترامب المصالح الأميركية ...
- ترامب يهدد بإطلاق سراح مقاتلين من تنظيم الدولة على حدود أورو ...
- قناة إسرائيلية: نتنياهو يسعى -للعفو- مقابل اعتزال السياسة
- نصر الله يحذر السعودية من مواجهة إيران


المزيد.....

- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا
- حول دور البروليتاريا المنحدرة من الريف في ثقافة المدن. -3- ا ... / فلاح علوان
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عصام الخفاجي - الملّة السنّية في الدولة الشيعية