أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بلمزيان - الهجرة من الريف المغربي بين الجيل الأول والجيل الحالي















المزيد.....

الهجرة من الريف المغربي بين الجيل الأول والجيل الحالي


محمد بلمزيان

الحوار المتمدن-العدد: 6315 - 2019 / 8 / 9 - 16:04
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لعل الهجرة كظاهرة اجتماعية وإنسانية ظهرت منذ أن دب الإنسان على هذه الأرض، وهو ينتقل بين منطقة وأخرى بحثا عن مقومات الحياة، وقد تدفع عوامل كثيرة البشر للهجرة الى عوالم أخرى، لكن مهما اختلف الظروف فإن قواسم مشتركة تجمع بين تلك العوامل، لعل أهمها هو البحث عن الإستقرار أوالبحث عن العمل والآمان الشخصي، وغيرها من الدوافع التي جعلت الإنسان ومنذ القدم يبحث عن أوطان أخرى لتلبية احتياجاته المختلفة، وأن الهجرة التي عرفتها منطقة الشمال بالمغرب لا تشذ عن هذه القاعدة، والتي ساهمت فيها عوامل اقتصادية الى حد كبير في بروز الهجرة بالريف المغربي منذ الستينيات من القرن العشرين وما تلاها خلال العقود اللاحقة مباشرة بشكل مكثف، وقد اختار المهاجرون بلدان أوربا الغربية خاصة فرنسا والمانيا وهولندا لاحقا كملاذات تتحقق فيها بعض مطالبهم المادية، خاصة وأن عقود الشغل الأولى قد وجهت الى هذه المنطقة التي كانت قد شهدت هزات اجتماعية وسياسية قوية عقب ثورة الريف سنة 1958/1958، وعدم قدرة الدولة مع بداية حصولها على الإستقلال من توفير فرص الشغل لأبنائها، وهو ما كان للهجرة كخيار غير قابل للنقاش لدى شرائح عريضة من ابناء المنطقة،والذين كان أغلبهم يمتهن الفلاحة المعاشية والنشاط الزراعي الموسمي التقليدي الذي كان محصوله مرتبطا غالبا بطبيعة الموسم من حيث التساقطات المطرية، الشيء الذي كانت في مجملها محاصيل متواضعة في غياب الري العصري وتوفير مياة السقي الضرورية، وبالتالي كان النشاط الفلاحي مرهون تحت رحمة السماء وجفاف الطبيعة .وقد اضطر العديد من السكان الى الهجرة بحثا عن العمل ، خاصة مع الحاجة المتزايدة لدول عديدة من أوربا الغربية للأيدي العاملة في تلك المرحلة، خاصة في مجال الفلاحة و الصناعة والأشغال العمومية، وقد كانت هذه القطاعات توفر فرصا للعمل بأثمنة مغربية بالنسبة للباحثين عم الشغل رغم أن أغلب الأيدي العاملة إن لم نقل جلها غير متوفرة على أي تكوين حرفي أو مستوى تعليمي، وجدوا أنفسهم في ظروف اجتماعية خانقة مجبرين على ركوب الهجرة واختيار فرصهم للعيش في المهجر، وقد توفق الكثيرون في الإندماج على مستوى العمل في البلدان المضيفة، ووجدوا ما كان ينقصهم في وطنهم الأم، وقد شكل الجيل الأول من المهاجرين المغاربة الذي قصد أوربا الغربية مصدرا مهما للعملة الصعبة، ولعب دورا مهما في تجسيد أواصر التلاحم والتضامن بينهم وبين أسرهم، خاصة إذا علمنا بأن أغلب العمال المهاجرين كانوا يتكفلون بعائلاتهم المتكونة غالبا من عدة أفراد أو أنهم يعيلون أسرهم النووية الصغيرة، وكانت أسرا بأكملها والى عهد قريب مصدر عيشها متوقف بشكل رئيسي على تحويلات العمال من الخارج نحو الوطن، ولبم يتوقف الأمر عند هذا الحد بأن أن الجيل الأول قدر لعب دورا محوريا في ازدياد نشاط العمران والبناء بمنطقة الريف، خاصة منذ أواخر السعينيات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، حيث تم الشروع في تجديد البناء وافتتحت أوارش بناء واسعة فيء مختلف مناطق الريف، خاصة بمنطقة الحسيمة وإمزورن التي شهدت انطلاق مشاريع بنايات سكنية كثيفة، ووفرت مناصبا للشغل كثيرة للراغبين في العمل، وشهد العقار ارتفاعا ملحوظا بفعل ازدياد الطلب،خاصة مع وجود مضاربة عقارية واحتكارها من قبل بعض العناصر المتحكمة في سوق العقار، وقد شهدت منطقة الريف يومئذ ظاهرة فريدة وهي أن العمال المنحدرين من العالم القروي كانوا السباقون الى تجديد السكن التقليدي وإعادة بنائه على أنقاض السكن المشكل من الطين في االبوادي المقامة في المناطق السهلية أو الحجار في المناطق الجبلية والبورية، ولعبت أموال المهاجرين دورا حاسما في انتشار أشغال البناء المعد للسكن خاصة في العالم القروي، وساهموا في تكثيف البناء وتوسيع الحواضر المجاورة، وهو ماشكلت علامة بارزة لا يمكن إغفال دورها حتى من قبل الملاحظ البسيط أو المراقب العادي حينئذ، ولعل ظاهرة الإقبال على تجديد البناء القديم وإقامة بناء عصري مرده الى عاملين إثنين لا يمكن التغاظي عنها، أولهما هو مستوى الأجور المرتفعة التي كان العمال يتقاضونها في أوربا، وثانيهما هو انجذاب العمال نحو الوطن، وسعيهم المستمر الى ربط أواصر التلاحم والتضامن مع عائلاتهم داخل الوطن، خاصة وأن أغلب المهاجرين كانوا قد ذاقوا من شظف العيش واجتازوا مراحل من الإحساس بالحيف وعسر الأحوال الإجتماعية.
وقد استمرت وضعية المهاجرين المنحدرين من المنطقة على هذا النهج ، مساهمين بشكل وافر في استثمار أموالهم في مجال العقار المعد إما للسكن بالنسبة للبعض أو الكراء والبيع بالنسبة للبعض الآخر،وقد تشكلت أحياء بأكملها بجوار المدن وتوسعت هوامش القرى والبوادي بشكل ملفت ، لكن هذه المرحلة الذهبية لن تدوم كثيرا، وستعرف تواريا تدريجيا مع نهائية التسعينيات من القرن الماضي على أكبر تقدير، خاصة مع اشتداد الأزمة الإقتصادية التي سيعرفها الغرب، واليت توجت بالأزمة العالمية سنة 2008 والتي ستضرب النظام الرأسمالي المتوحش بأكبر انتكاسة وركود لم يعرف مثيلا إلا مع أزمة 1929 ، والتي ما تزال تداعياتها تلقي بظلالها على هوامش الإقتصاديات المرتبطة بالنظام الراسمالي على مستوى العلاقات والإتقاقيات التجارية والمالية، خاصة وأن تصريف هذه الأزمات الإقتصادية الدورية غالبا مات يتم على حساب الدول الضعيفة وتحويل هذه الأخيرة الى شماعة لتعليق مشاكل وأزمات النظام الرأسمالي.
وإذا كانت الهجرة بالريف قد ساهمت الى حد كبير الى إحداث حركة عمرانية واسعة شملت البوادي والمدن، وشكلت دافعة قوية في التوسع العمراني والتمديني للحواضر التي كانت موجودة، ووفرت مناصب شغل كثيرة للأيدي العاملة داخل الوطن، فإنها أيضا نسجت خيوط استمرار ذاكرة الجيل الأول مع الأرض، وتجسير أواصر التضامن مع الأسر الممتدة، وكان الشاغل الشاغل للمهاجر هو تحقيق طموحه في تشييد مسكن العائلة وتوسيعه مرافقه والرفع من مستوى معيشتها وتلبية مطالبها المتزايدة، بكيفية يجعل أقصى مطالبه تندرج ضمن هذا التفكير ولا يمكن أن تخرج عنه إلا في حالات شاردة وقليلة، كما نشهده الآن بأن الجيل الثالث أصبحت مطالبه مختلفة جملاة وتفصيلا عن أجدادهم وحتى عن آبائهم، فلم تعد دائرة تفكيرهم مركزة عن دعم أسرهم بالمغرب إلا حالات قليلة، خاصة وأن عائلات هؤلاء غالبا ما تكون مقيمة هناك بعد التجمع العائلي الذي سلكته العديد من الأسر في فترة الجيل الثاني ، عكس الجيل الأول الذي بقي منجذبا الى الأرض رافضا سلوك لحاق الأبناء به بأرض الإقامة والعمل، رغم وجود نسبة قليلة من العمال قد لحقت بهم عائلاتهم بالمهجر لظرف من الظروف، غالبا ما كانت عوامل ترتبط بعدم الإحساس بالأمان على أسرهم الوحيدة بدون التوفر على من يتكفل بها أثناء غياب رب عملها، فعقلية الجيل الحالي مختلفة تماما ومتوجه الى نمط عيش مغاير تماما، ينسجم مع عقلية الشباب المتماهي مع متطلبات العصر الرقمنة ومواقع التواصل الإجتماعي، التي تجعل المرء بقدرما هو منفتح على أكبر مساحة جغرافية من العالم، بقدرما هو منغلق على نفسه ومحاصرة نفسه في دائرة حاجياته الخاصة التي يفضلها على باقي احتياجات أقاربه، عقلية استهلاكية شخصية مؤطرة داخل بوتقة ضيقة وهو اقتناء سيارة فارهة واستعراضها أمام مجايليه .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,513,270,217
- على صهوة الريح
- هل المشكل في النموذج التنموي أم في العنصر البشري؟
- قهوة الصباح
- أضواء حول الأعراس بالريف الأوسط
- في الحاجة الى مقاربة جديدة لتدبير الشأن المحلي .
- أوراق مبعثرة
- حينما تزهر الكلمات !
- الآفاق القاتمة بين انحسار القيم والأزمة الإقتصادية !
- طلاسم زمن خادع
- جاذبية مدينة فاس
- الأمل المتردد
- معارض الكتاب بين الإنصاف والحيف
- صمت بدون نهاية
- الفعل الثقافي وإنتاج الإبتذال
- قف هنا مناضلو السرعة القصوى
- عبق شاطيء السواني
- الملكيات المشتركة بين الواقع والمأمول .
- على نفس الدرب
- ظاهرة اجتماعية أو منظومة تربوية ؟
- زمن دائري


المزيد.....




- مباشر: التونسيون يدلون بأصواتهم في ثاني انتخابات رئاسية ديمق ...
- الانتخابات الرئاسية: -نبحث عن رئيس كفء يخاف على تونس وليس عل ...
- مصر تعلن بدء جولة جديدة من المفاوضات حول سد النهضة الإثيوبي: ...
- شاهد: تحضير أكبر طبق حساء في اليابان عرضه 6 أمتار ونصف متر.. ...
- فيديو: يورونيوز في الشارع التونسي.. آراء مواطنين في الانتخاب ...
- فيديو: يورونيوز في الشارع التونسي.. آراء مواطنين في الانتخاب ...
- رئاسيات تونس.. نساء وشيوخ في مقدمة الناخبين
- ربع المصريين يعانون اضطرابات نفسية.. كيف يكون العلاج؟
- التشغيل بعد شهور.. تركيا تعلن استلام البطارية الثانية من منظ ...
- من بعشيقة إلى إسطنبول.. عراقي يسافر بدراجة هوائية


المزيد.....

- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الرابعة: القطاع ... / غازي الصوراني
- إيران والخليج ..تحديات وعقبات / سامح عسكر
- رواية " المعتزِل الرهباني " / السعيد عبدالغني
- الردة في الإسلام / حسن خليل غريب
- انواع الشخصيات السردية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الغاء الهوية المحلية في الرواية / د. جعفر جمعة زبون علي
- الابعاد الفلسفية في قصة حي بن يقظان / د. جعفر جمعة زبون علي
- مصطفى الهود/اعلام على ضفاف ديالى الجزء الأول / مصطفى الهود
- سلام عادل .. الاستثناء في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي / حارث رسمي الهيتي
- التربية والمجتمع / إميل دوركهايم - ترجمة علي أسعد وطفة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد بلمزيان - الهجرة من الريف المغربي بين الجيل الأول والجيل الحالي