أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد لشهب - فلسفة العقل عند جيلبير رايل. الحلقة الثانية















المزيد.....


فلسفة العقل عند جيلبير رايل. الحلقة الثانية


حميد لشهب

الحوار المتمدن-العدد: 6308 - 2019 / 8 / 2 - 14:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


نستخلص من الترجمة العربية لمقدمة "مفهوم العقل" التي قمنا بها، وهي ترجمة -كما سبقت الإشارة إلى ذلك عن الترجمة الفرنسية للكتاب- بأن واضعة هذه المقدمة جوليا طاني Julia Tanney حاولت تقديم قراءة شاملة للكتاب، مع "شذرات نقدية" من حين لآخر، لكنها تبقى شذرات، لأنها لم تذهب إلى عمق مساءلة فكر رايل في كتابه هذا، بقدر ما اكتفت بعرض لأهم ما جاء في الكتاب. ولربما كانت بعض الأسئلة التي طرحتها صراحة أو ضمنيا هي هل يوجد العقل بالفعل؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فمن أي طبيعة هو؟ هل هو شيئ؟ أم سيرورة ديناميكية لأفكار تحدث داخل الإنسان، دون أن نكون قادرين على تحديد مكانها بالضبط أو العضو الجسدي حيث تحدث؟ هل العقل هو المخ؟ وأية علاقة تربطه بالجسم؟ نستشف أيضا من مقدمة طاني بأن فلسفة العقل التي يقترحها رايل تهتم بإشكاليات فلسفية أخرى، معقدة وملتوية، ومنها على الخصوص طبيعة العقل الإنساني وعلاقته بالذكاء الآلي.

نتابع في الحلقة الثانية من هذه الترجمة كيف نظر رايل للثنائية الديكارتية وكيف فهمها وقرأها وأولها، ثم انتقدها ورفضها جملة وتفصيلا. "ريَّشَ" (بمعنى حلل) رايل تصور ديكارت للعلاقة بين العقل والجسد. وهنا بالضبط ظهر تعبيره المشهور "الشبح في الآلة". ومضمون العبارة هو أن ديكارت لم يتجاوز، في نظره، مستوى "الحس العام" فيما يتعلق بعلاقة العقل والجسم، بحيث أن كل البشر قد يجيبون عند سؤالهم عما يعتقدونه في هذه النقطة، بأن العقل يختلف عن الجسد، ومن تمَّ وجود وجودين مختلفين لهما. بمعنى أن ديكارت لم يذهب، كما يؤكد رايل على ذلك، أبعد مما هو متداول ومعروف بديهيا من طرف جميع. الإنسان عنده يتكون من ثنائية تنحل إلى طبيعة مادية هي الجسد، وطبيعة غير مادية هي العقل. لكن طرفي هذه الثنائية جواهر قائمة بذاتها، أي أن العقل والمادة من طبيعتين مختلفتين جوهريًّا، لا يمكن اختزال الواحد منهما إلى الآخر.

وبما أن فلسفة الجواهر لا تعبر عن واقع ملموس يمكن التحقق منه تجريبيا، أي أنها فلسفة تسبح في عالم الميتافيزيقا والإفتراضات النظرية الإحتمالية، فإن رايل نفى اعتبار العقل جوهرا، بل رفض هذا كلية. وفي هذا الرفض تتجلى نصاعة فلسفة العقل عنده، لأنه يتعامل مع هذا الأخير كشيء يوجد ماديا ويشتغل طبقا لقوانينه الخاصة، المُملات من الجسد كجسد، بل لم يرَ أي اختلاق بين العقل والجسد، بقدر ما رأى وحدة بينهما.

وقاد هذا رايل إلى التساؤل عن الطريقة التي حاول ديكارت بها حل إشكالية الفرق بين ما سماه الجوهرين، وكذا عن التفاعل بينهما، على اعتبار أن ديكارت أكد بأن الفرق بينهما لا ينفي نوعا من التفاعل يحدث بينهما في ظروف معينة، أي كيف يحدث التأثير والتأثير المضاد بينهما؟ ويؤكد رايل، بأن ديكارت عجز تماما على البرهنة على الروابط السببية بينهما. من جهة هناك عقل غير مادي، غير ملموس، يوجد خارج الزمان والمكان، أبدي ومستقل عن الطبيعة. ومن جهة أخرى هناك جسم، هو له خاصية التمدد المادي الملموس الزمكاني. يخضع بطبيعته للحركة والتغير. من هذا المنطلق كيف يمكن للمتغير أن يؤثر على الأزلي؟ وكيف يؤثر هذا الأخير في المتحرك في فضاء محدد وزمان محدود؟


النص المترجم:

"الجزء الأول. الأسطورة الديكارتية
المذهب الموروث

هناك مذهب يتعلق بطبيعة وتحديد موقع العقل منتشر جدا بين أهل العلم والجمهور الواسع، يستحق أن يُسمى "المذهب الموروث". ينتمي أغلبية الفلاسفة والسيكولوجيون ورجال الدين، مع القليل من التحفظ، إلى أطروحاته الأساسية، وحتى وإن اعترفوا بأن هذا المذهب يطرح بعض الصعوبات النظرية؛ فإنهم مع ذلك يزعمون عن طيب خاطر بأنه من الممكن تجاوز هذه الأخيرة، دون تغيير كبير للمذهب عامة. سيُبرز هذا المؤلف بأن المرتكزات الأساسية لهذا المذهب لا تمتلك أي أساس وغير متساوقة مع ما نسميه، بصرف النظر عن كل تخمين، العقل.

ها هو إذن المذهب الموروث الذي يرجع أساسا إلى ديكارت. فباستثناء البلداء والرضع، وهو استثناء قابل للنقاش، فإن لكل كائن بشري عقل وروح، أو كما يفضل البعض القول، فإن كل كائن بشري هو في نفس الوقت عقل وجيد. يكون العقل والروح مرتبطين عامة فيما بينهما، وبعد الموت الجسدي، فإن العقل الذي كان في الأصل مرتبطا بالجسد، باستطاعته الإستمرار في الوجود والإشتغال.

تمتد الأجسام البشرية في الفضاء وهي مُعرضة لقوانين الميكانيكا، التي تتحكم أيضا في كل الأجسام الأخرى الممتدة في الفضاء. يمكن للملاحظين ملاحظة أحول وحركات هذا الجسد من الخارج. وبهذا فإن الحياة الفيزيقية لشخص ما هي مسألة عمومية، تماما كحياة الحيوانات والزواحف والأشجار والبِلَّوْر والكواكب.

على العكس من هذا فإن العقول ليست ممتدة في الفضاء، وعملياتها لا تكون خاضعة لقوانين الميكانيكا. إن عمليات عقل ما لا تكون مُلاحظة، إنها خاصة. ليس هناك شخص آخر غيري يمكنه المعرفة المباشرة لحالات وعمليات عقلي من غيري. ولهذا السبب يعيش كل شخص حياتين مُتوازيتين، تلك المتعلقة بجسده وتلك المتعلقة بعقله. الأولى عمومية، والثانية خاصة. وتنتمي أحداث تاريخ الأول إلى العالم الفيزيقي، بينما تنتمي أحداث الثاني لعالم العقل.

هناك من العلماء من رفض النظرية القائلة بأن الكائن البشري يتحكم أو يمكنه أن يتحكم مباشرة في مجموع، أو حتى في جزء، من أحداث تاريخه الخاص. وطبقا للمذهب الموروث، فإن هناك على الأقل العديد من الأحداث تكون له فيها معرفة مباشرة وغير قابلة للنقاش. يعرف المرء، في وعيه، الوعي بالذات وفي عملية الإستبطان، مباشرة وبطريقة أصيلة حالات وعمليات عقله. قد تكون له شكوكا كبيرة أو صغيرة حول حلقات معاصرة أو قريبة من العالم الفيزيقي، لكنه لا يعرف على الأقل جزء مما يدور في عقله في تلك الأثناء.

يشرح المرء عامة الفرق بين الحياتين والعالميين بالقول بأن الأشياء والأحداث التي تنتمي للعالم الفيزيقي، بما فيها جسم الذي يتكلم، تكون خارجية؛ في حين أن اشتغالات عقله تكون داخلية. إن هذا النقيض antithèse بين الداخلي والخارجي هو من أصل استعاري ومن المفترض أن يُفهم هكذا. الواقع أنه لا يمكن وصف العقول التي لا توجد في الفضاء بكونها موجودة فضائيا داخل شيئ آخر أو وكأنها تحتوي على أشياء تقع فضائيا داخل ذاتها. ونسجل هنا هفوات مُتكررة لهذه النية الحسنة، وهناك من بين المُنظرين من يخمن حول فكرة معرفة كيف أن مؤثرات ذات منابع فيزيقية والموجودة على بُعد أمتار أو كيلوميترات من جلد شخص ما، يمكنها إنتاج أجوبة عقلية في داخل جمجمته، أو كيف يمكن لقرارات شُكِّلت داخل صندوق الجمجمة أن تكون أصل/سبب الحركات في أعضائه.

وحتى وإن فُهم التقابل الداخلي-الخارجي كاستعارة، فإن مشكل معرفة كيف يتبادل الجسم والعقل التأثير فيما بينهما يبقى، وهذا أمر نعرفه، مليئ بالصعوبات النظرية. فما يريده العقل، تطبقه الساقان والسواعد واللسان، وما يؤثر في الأذنين والعينين يكون في علاقة مع ما يَتَمَثَّلَه العقل، وتُعدُّ تعابير الوجه والابتسامات حالات عقلية ويتمنى المرء أن تكون للعقوبات الجسدية مفعولا جيدا على الأخلاق. وتبقى العلاقات والتأثيرات بين حقب التاريخ الخاص (العقل إ. م) وبين التاريخ العمومي (الجسد إ. م.)، لأنها، تعريفيا، لا يمكن أن تنتمي لأية سلسلة من السلسلتين. ولا يُمكن إدخال هذه العلاقات والتأثيرات ضمن أحداث وُصِّفت في السيرة الذاتية للحياة الداخلية لشخص ما، ولا في أحداث حُكيت في السيرة الذاتية كُتبت من طرف شخص ثان عن الحياة العامة لنفس الشخص. لا يمكن إذن ملاحظة هذه العلاقات والتأثيرات لا بالاستبطان ولا بتجارب مخبرية. والواقع أن الأمر يتعلق هنا بكرة تُرمى دون انقطاع بين منظري الفيزيولوجيا ومنظري السيكولوجيا.

هناك، في أساس هذا التأويل الإستعاري الجزئي لتناقض الحياتين السالفتي الذكر، فرضية فلسفية، الظاهر أنها أكثر عمقا، قائلة بأنه من الضروري التمييز بين نوعين مختلفين من الوجود أو الحالة. يمكن أن يكون لما يوجد أو لما يقع وضعا وجودا فيزيقيا أو أن يكون ودودا عقليا. يفترض المرء، إلى حد ما كقطعة نقد تسقط على أحد وجوهها أو ككون المخلوقات البشرية فيها ذكور أو إناث، بأن الوجود إما أن يكون عقليا أو أن يكون جسديا. والخاصية الضرورية لما يوجد فيزيقيا هو وجوده في الفضاء/المكان والزمان. أما الخاصية الضرورية لما له وجودا عقليا فهو حدوثه في الزمن، لكن ليس في المكان/الفضاء. فما له وجودا فيزيقيا مكون من مادة أو أنه وظيفة للمادة، والذي له وجودا عقليا يكون واعيا أو أن له وظيفة الوعي.

إن العقل والمادة هما قطبين متعارضين، ويُعبر عن هذا التعارض في الغالب بهذه الطريقة: توجد الأشياء المادية في حقل مشترك، معروف تحت اسم "المكان/الفضاء"، وما يحدث لجسم ما في جزء من الفضاء يكون مُرتبطا ميكانيكيا لما يقع لأجساد أخرى في أجزاء أخرى من الفضاء. على العكس من هذا فإن الأحداث العقلية تحدث في حقول معزولة، معروفة تحت اسم "العقول"؛ وليس هناك ، باستثناء لربما تداعي الأفكار، أية علاقة سببية مباشرة بين ما يقع في عقل ما وما يقع في عقل آخر. للعقل مكانه الخاص به، ويعيش كل واحد في حياته الداخلية حيات روبينسون كروزو Robinson Crusoé الخيالية. يمكن للكائنات البشرية أن ترى بعضها البعض وتسمع بعضها البعض وتتخاصم بمساعدة الجسد، لكنها تكون عمياء بالمرة وخرساء لاشتغال عقول بعضهم البعض، والذي لا يمكنهن الإشتغال عليه.

ما هو نوع المعرفة الذي يمكنه أن يكون عندنا فيما يخص اشتغالات العقل؟ طبقا للإرث الذي وصلنا، لكل شخص معرفة مباشرة، الأفضل الممكنة، باشتغال عقله. فالحالات والعمليات العقلية هي (أو هي هكذا عادة) حالات وعمليات واعية، ولا يمكن للوعي الذي يضيئها القيادة إلى أي وهم ولا يترك المجال لأي شك. إن أفكار ومشاعر والإرادات اللحظوية وإدراكات وذكريات وتخيلات شخص ما تكون جوهريا مُتَفَسْفِية/فسفورية، يُكشف وجودها وطبيعتها حتما لصاحبها. إن الحياة الداخلية هي إذن تدفق للوعي من نوع يكون من السخافة زعم كون العقل الذي تكمن حياته في تدفق الوعي هذا لا يكون واعيا.

صحيح أن التجارب التي ذكرها فرويد مؤخرا تحاول أن تُظهر بأن هناك روافد لتدفق الوعي هذا، وهي تدفقات تجري بطريقة مُختفية عند الشخص الذي تظهر عنده. تتحرك الكائنات البشرية بدوافع ترفضها بقوة، هناك بعض أفكارهم تختلف عن الأفكار التي يعتبرونها لهم، وهناك بعض الأفعال التي يعتقدون بأنهم يريدون تحقيقها، لا يُريدونها في الحقيقة. قد يكونوا بلداء فيما يخص نفاقهم الخاص وينجحون جيدا في تجاهل وقائع من حياتهم العقلية، والتي من الضروري، طبقا للمذهب الموروث، أن تكون شفافة بالنسبة لهم. ومع ذلك، فإن المدافعين على المذهب الموروث هذا يدافعون عن ضرورة أن يكون شخص ما بالضرورة، وفي الأوضاع العادية، على علم بحال اشتغال عقله مباشرة وبطريقة أصيلة.

لا يفترض المذهب الموروث أن يكون في متناول الفرد وفرة مُعطيات يُزعم أنها مباشرة للوعي فقط، بل عليه أيضا أن يكون، من وقت لآخر، قادرا على نوع خاص من التمثل، يعني التمثل الداخلي أو الإستبطاني. وبهذا سيكون المرء قادرا على "النظر" (غير بصري) فيما يحدث في عقله. فلن يستطيع عن طريق حواس النظر رؤية وفحص وردة ما فقط، أو بمساعدة حاسة السمع الإستماع وتمييز النقط الموسيقية لقرع الأجراس فقط، بل يستطيع أيضا فحص، بطريقة استبطانية الفكر ودون مساعدة أية حاسة من الحواس، الأحداث الحالية لحياته الداخلية. إضافة إلى هذا فإن هذا المذهب الموروث يفترض أيضا بأن هذه الملاحظة الذاتية آمنة من الوهم والخلط والشك. وبهذا فإن هذا التقرير من العقل على ما يجري داخله يمتلك يقينا أعلى من اليقين الذي يمتلكه في تقاريره عن أحداث العالم. قد تكون المدركات السمعية خاطئة وغامضة، لكن الوعي والإستبطان لا يمكنهما أن يكونا هكذا.

من جهة أخرى ليس لشخص ما أي مَمَّرٍ مباشر كيفما كان نوعه للوصول إلى أحداث الحياة الداخلية لحياة شخص آخر. في أحسن الأحوال ما قد يستطيعه هو فقط القيام باستدلالات إشكالية انطلاقا من سلوكات جسدية، تُلاحظ عند هذا الشخص ويستنتج منها حالات عقلية، يفترض بمقارنتها مع سلوكه الخاص بأنها تتمظهر في السلوكات المُلاحظَة. إن الوصول المباشر إلى اشتغال عقل ما هو امتياز لهذا العقل نفسه، ودون امتياز من هذا القبيل؛ فإن اشتغال عقل ما يكون غير شفاف بالنسبة لكل شخص آخر. في الواقع، فليس هناك أية ملاحظة يمكنها تعزيز استدلال بعض الملاحظين، الذين يستنتجون من حركات جسدية مشابهة لحركاتهم، بأن الإشتغالات العقلية متشابهة جزئيا. من هنا فليس من المفاجئ أن يستعصي على منضو ما لهذا المذهب الموروث أن يشرح نتائج فرضياته، القائلة بأنه ليست هناك أسباب جيدة للإعتقاد في وجود عقول أخرى من غير العقل الشخصي الذاتي. وحتى وإن كان أصحاب هذا المذهب يفضلون الإعتقاد بأن العقول التي تتحد في الأجساد البشرية الأخرى لا تختلف عن العقل الخاص، فإنهم لا يستطيعون الادعاء بأنه باستطاعتهم اكتشاف خاصياته الذاتية أو العمليات الخاصة التي يخضعون لها أو تلك التي يُشغِّلونها. وطبقا لهذه النظرية، فإن العزلة المطلقة هي المصير الحتمي للروح، والأجسام وحدها هي التي يمكن أن تلتقي.

لهذا الرسم التخطيطي لازمة corollaire ضرورية، تفترض ضمنيا طريقة خاصة لفهم مفاهيم القُدرات والعمليات العقلية. يجب أن تُؤَوَّل الأفعال والأسماء والصفات المستعملة في الحياة اليومية لوصف الذكاء والشخصية والإنجازات من مستوى عالٍ للأشخاص الذين نلتقي بهم، وكأنها تشير إلى حلقات خاصة للتاريخ السري لهؤلاء الأشخاص أو إلى الميولات التي تقود إلى حدوث هذه الحلقات. عندما نقول عن شخص ما بأنه يعرف ويعتقد ويَحْزُر devine شيئا ما ويتمنى ويخاف، يقترح أو يتجنب عمل شيئ ما، ينوي القيام بشيئ ما أو يتسلى بشيئ آخر، فإننا نفترض بأن هذه الأفعال ترمز لظهور تعديلات خاصة في ميدان وعيه (يكون غير مرئي بالنسبة لكل الآخرين). والمسلك الخاص والمُفضّل عنده للوصول إلى تدفق الوعي هذا، عن طريق الإستبطان والوعي المباشر، هو الوحيد الذي قد يقدم شهادة صحيحة عما إذا كان المرء يستعمل هذه الأفعال، التي تعني سلوكات منطقية، بطريقة صحيحة أم لاَ. لا يمكن أبدا للمُلاحظ سواء أكان أستاذا، ناقدا، كاتب سير أو صديقا أي يضمن بأن تعاليقه تتضمن جزء من الحقيقة. في الواقع، فلِأننا نستطيع القيام بهذا النوع من التعاليق، ونقوم بذلك بطريقة صحيحة عامة ونصححها إذا ما ظهر بأنها خاطئة أو غامضة، رأى الفلاسفة بأنه من الضروري بناء نظريات حول طبيعة مكان العقول. وجدوا مفاهيم السلوك العقلي المُستعملة بانتظام وبنجاعة، وحاولوا من طبيعة الحال تطوير جغرافيتهم المنطقية. وتكمن نتيجة الجغرافية المنطقية التي اقترحت بصفة عامة في عدم وجود أي استعمال مُنظَّم أو فعَّال لمفاهيم السلوك العقلي هذا في توصيفاتنا لعقل الآخر أو في التوصيات التي نوجهها له.

سخافة النظرية الموروثة
سأتحدث عن المذهب الموروث الذي لخصته كـ "مذهب الشبح في الآلة". والإهانة هنا معتمدة. أتمنى أن أبرهن على أن هذه النظرية خاطئة كليا، خاطئة في المبدأ وليس في التفاصيل، لأنها ليست فقط تجميعا للأخطاء الخاصة، لكن خطأ كبير واحد من نوع خاص، يعني أنها خطئ في الفئة. في الواقع، تُقحم هذه النظرية أفعال الحياة العقلية كما لو أنها تنتمي إلى نوع منطقي أو فئة منطقية (أو إلى سلسلة من الأنواع أو الفئات المنطقية)، في حين أنها تنتمي بالفعل إلى فئة أو إلى نوع منطقي آخر. ولهذا السبب يتعلق الأمر بأسطورة للفلسفة. سيضن المرء في مجهوداتي لتفجير الأسطورة بأنني أنكر حقائق معروفة جيدا مُتعلقة بالحياة العقلية لبني البشر، وإذا دافعت عن نفسي زاعما بأنني لا أريد إلا تصحيح منطق مفاهيم السلوك المنطقي، فلربما يرفض المرء هذا العُذر كحيلة مني ليس إلا.

عَلَيَّ قبل هذا شرح ما أعنيه بعبارة "خطأ في الصنف"، وسأقوم بهذا مُستعينا بسلسة من الأمثلة.

يزور غريب لأول مرة أكسفورد أو كامبريدج. نُريه الكليات والخزانات والملاعب الرياضية والمتاحف والمختبرات وبنايات إدارية. يسأل هذا الغريب: "لكن أين هي الجامعة؟". رأيت أين يعيش أعضاء الكليات، أين يشتغل العميد، أين يقوم الفيزيائيون بتجاربهم وبنايات أخرى مختلفة، لكنني لم أر الجامعة بعد حيث يسكن ويشتغل أعضاء جامعتكم". على المرء إذن أن يشرح له بأن الجامعة ليست مؤسسة إضافية، إضافة للكلية والمختبرات والمكاتب التي كان باستطاعته رؤيتها. إن الجامعة هي الطريقة التي يُنظَّم بها كل ما رءاه. فمشاهدة البنايات المختلفة وفهم تنسيقها هو مشاهدة الجامعة. يكمن خطأ هذا الغريب في الإعتقاد الساذج بأنه من الصحيح الحديث عن كلية كنيسة المسيح ومكتبة البودلييان la Bodléienne ومتحف أشمولين والجامعة، كما لو أن هذه الأخيرة هي عضو آخر للفئة التي تكون المؤسسات السالفة الذكر عضوا فيها. أسكن خطئا الجامعة في نفس الفئة التي تنتمي لها المؤسسات الأخرى.

يمكن لطفل يحضر استعراضا لفرقة عسكرية ما أن يقع في نفس الخطأ. نشير له بالأصبع إلى الكتائب والبطاريات العسكرية والفرق إلخ، ويسأل فيما بعد متى يتم استعراض الفرقة العسكرية؛ مُفترضا بهذا بأنها تشبه الفرق التي شاهدها، مشابهة لها جزئيا، وتختلف عنها جزئيا. نصحح خطأه قائلين بأنه وهو يُشاهد استعراض الكتائب والبطاريات العسكرية والفرق، فإنه قد رأى استعراض الفرقة. فالإستعراض ليس موكبا للكتائب والبطاريات العسكرية والفرق، بل كان موكبها.

هناك مثال آخر. غريب يحضر أول مرة مقابلة في لُعبة الكريكيت Cricket ويُعلم أدوار رامي الكرة ورجل المضرب والصيادون والحكام والمسجلون. يصيح: "لكن لم يبق أحد في الملعب ليساهم في الجزء المشهور من اللعبة ألاَ وهو روح اللعب. أرى من يطلق الكرة ومن يمررها ومن يحرس المرمى، لكنني لا أرى اللاعب الذي يلعب دور روح اللعب". يجب على المرء أن يشرح له مرة أخرى بأنه يستفسر بشدة. روح اللعب ليست حركة للعبة الكريكيت إضافية للحركات الخاصة الأخرى لها. إن روح اللعب هي على العموم الحماس الذي يؤدى به كل واحد دورا من أدوار اللعبة. لكن القيام بدور بحماس لا يعني القيام بدورين. بالفعل إن إظهار روح اللعب ليس هو نفس الشيئ كرمي كرة أو الإمساك بها، وليس كذلك حركة إضافية كأن يقول المرء مثلا بأن رامي الكرة يرمي أولا الكرة وبعدها يُظهر روح اللعب أو أن الصياد يقبض في لحظة ما على الكرة أو يُظهر روح اللعب.

لأمثلة الفئة هذه خاصية مُشتركة لابد من تسجيلها. تُرتكب الأخطاء من طرف أُناس لا يعرفون استعمال مفهومي الجامعة و روح اللعب. وتنتج الصعوبات التي تواجههم في عدم كفاءتهم في استعمال بعض مفردات اللغة الفرنسية.

تكون بعض الأخطاء من هذا القبيل مهمة من وجهة نظر نظرية، يعني الأخطاء المُرتكبة من طرف الناس القادرين على استعمال المفاهيم ببراعة، على الأقل في الأوضاع العادية، لكنهم مُعرضون، في فكرهم المجرد، بتنظيم هذه المفاهيم في إطار أنواع منطقية لا تنتمي إليها. لنأخذ مثلا مثل هذا الخطأ: تعلم طالب في العلوم السياسية الإختلافات الأساسية الموجودة في الدساتير البريطانية والفرنسية والأمريكية وكذا الإختلافات والعلاقات الموجودة بين مجلس الوزراء والبرلمان ومختلف الوزارات والهيئة القضائية والكنيسة الأنغليكانية. وقد يجد هذا الطالب نفسه مُضايقا بأسئلة حول العلاقات بين الكنيسة الأنغليكانية ووزارة الداخلية والدستور الإنجليزي. ففي الوقت الذي تكون فيه الكنيسة الأنغليكانية ووزارة الداخلية مؤسسات، فإن الدستور البريطاني ليس مؤسسة أخرى بنفس معنى المُصطلح. بإمكاننا أن نؤكد أو ننفي بأن هناك علاقات بين مؤسساتية بين الكنيسة ووزارة الداخلية، لكن لا يمكننا الحديث عن علاقات من هذا القبيل بين مؤسسة من المؤسستين المذكورتين والدستور البريطاني. لا تنتمي عبارة" الدستور البريطاني" إلى نفس الصنف المنطقي كـ " وزارة الداخلية" و"الكنيسة الأنغليكانية". ويشبه هذا قليلا كون جون دوبون Jean Dupond قد يكون قريب أو صديق أو عدو جون دورون Jean Durand، وهذا ما يمكن أن يكونه بالنسبة لدافع الضرائب الإنجليزي. ونفس جون دوبون هذا قد يتحدث في نقاش ما بطريقة ذكية عن دافع الضرائب المتوسط، لكنه سيكون متضايقا شرح لماذا لا يمكنه الإلتقاء به في الشارع كما يلتقي بصديق ما.

فيما يخص دور خطأ الصنف، فمن الأهمية بمكان تسجيل النقطة التالية: فطالما أن طالبنا في العلوم السياسية يعتقد بأن الدستور البريطاني مُمَثل للمؤسستين المذكورتين، فسيميل لوصفه كمؤسسة غامضة. ونفس الشيئ بالنسبة لجون دوبون، فطالما فكر في دافع الضرائب المتوسط كما يفكر في مواطن مشابه له، فإنه سيكون مضطرا لتصوره كرجل هارب وغير مادي، طيف يوجد في كل مكان ولا يوجد في أي مكان.

إن الغرض من انتقادي هو إبراز وجود مجموعة من أخطاء الصنف الراديكالية في أصل نظرية ثنائية الحياة. تمثل الفرد الإنساني كشبح أو روح غامضة معشش في آلة يأتي من هذه النظرية. فيما يتعلق بهذا الأمر، فمن الصحيح بأنه لا يمكن وصف العواطف والأنشطة الإرادية فقط بلغة فيزيائية وكيميائية وفيزيولوجية. وقد استنتج المدافعون عن نظرية الحياة المزدوجة بأنه يجب وصفها بلغة مُتَوَازِيَة. فبما أن الجسم الإنساني هو وحدة معقدة ومُنَظَّمة، فيجب على العقل الإنساني، طبقا لهم، أن يكون وحدة أخرى، معقد أيضا ومُنظم، على الرغم من أنه مُختلف وينتمي إلى جوهر آخر وله نوع آخر من البنية. أو بما أن جسم الإنسان ككل قطعة مادية أخرى هو حقل أسباب ومسببات، فإن هذا المذهب يرى في العقل حقلا آخر للأسباب والمسببات (اللهم أننا نشكرك)، وهي ليست أسباب ومسببات ميكانيكية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,599,681,245
- فلسفة العقل عند جيلبير رايل. الحلقة الأولى
- الإيمان والفلسفة عند سبيلا
- الصوم كإرث إنساني
- -ما يجب أن يُقال-، غونتر غراس
- أركولوجية المؤمرات السياسية في -وزير غرناطة-
- -أرض الفراشات السوداء-
- أصالة الذات و تراث الأصالة
- العواقب السيكو-سوسيولوجية للإستهلاك كإدمان
- العنف و العنف المضاد
- الداودية و تعرية اللاوعي الجمعي
- البرهان الفينومينولوجي الواقعي على وجود الله. يوسف سايفرت
- توظيف الروحي لسلب الإنسان
- السلفية. مقاربة فرومية
- من هو الله الذي يتقاتلون عليه؟
- الدين للوطن و السياسة للجميع
- نهاية العلمانية. نهاية الدين.
- هل يتحول -غضب الربيع العربي- إلى -ثورة أمل-؟
- فخ الحداثة. مصيدة الإسلاموية.
- كم من عالم أخصى فرويد؟
- -مخارج من مجتمع مريض- لإريك فروم


المزيد.....




- فجر السعيد تنشر صورة -في لحظة غيبوبة- في طريقها للعلاج برفقة ...
- يوتيوب تخطط لإنهاء المحتوى والقنوات -غير المجدية-!
- مقتل شخصين في غارة إسرائيلية على دمشق بينهما نجل قيادي في ال ...
- مليون إسرائيلي في الملاجئ بعد إطلاق 50 صاروخا فلسطينيا ردا ع ...
- رفع راية الأمازيغ.. أحكام بالسجن لـ22 متظاهرا في الجزائر
- مقتل شخصين في غارة إسرائيلية على دمشق بينهما نجل قيادي في ال ...
- بوليفيا.. رياح التغيير تعصف بموراليس
- مراكز لشرطة الاحتلال شرقي القدس.. خطط تغلغل ناعمة
- موراليس يغادر للمكسيك والجيش البوليفي يتعهد بحفظ النظام
- النزاهة: صدور أوامر استقدام بحق أعضاء بمجلس محافظة ميسان الح ...


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حميد لشهب - فلسفة العقل عند جيلبير رايل. الحلقة الثانية