أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إبراهيم جركس - الوجودية: فلسفة إنسانية نحن بأمس الحاجة إليها [1]















المزيد.....

الوجودية: فلسفة إنسانية نحن بأمس الحاجة إليها [1]


إبراهيم جركس

الحوار المتمدن-العدد: 6299 - 2019 / 7 / 23 - 04:37
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الوجودية: فلسفة إنسانية نحن بأمس الحاجة إليها [1]

ما الفلسفة الوجودية؟... وكيف نفهمها؟...ومَنْ هو الإنسان الوجودي؟....
بوسعنا القول أنّ الوجودية _من حيث تعريفها الأشمل_ فلسفة تجعل الحياة ممكنة.
ويقدر ما يبدو هذا التعريف ناقصاً ومطّاطاً، فعندما نفهم ما معنى الوجودية سنعرف عمّا تدور الفلسفة الوجودية وحول ماذا يتركّز تفكير الفلاسفة الوجوديين.
ولكن إذا كانت الوجودية هي الفلسفة التي تجعل حياتنا ممكنة ومحمولة، عندها يمكننا أن نتسائل: لماذا نحتاج إلى "فلسفة" لكي نسطيع عَيش حياتنا؟ أليس الأمر أبسط من ذلك بكثير؟ أليس الأكسجين كافياً؟... في الحقيقة، نعم، إنّه يكفي. هذا إذا كنتم جلّ ما تريدون فعله هو التنفّس فقط. فطبقاً لما يراه الوجوديون أنفسهم، الإنسان لديه رغبة شديدة في أن يحيا حياةً مليئة وأصيلة، حياةسعيدة وممتلئة تتماشى مع نزاهته وجوهره الإنسانيين. ولهذا السبب، كما يقولون، نحن بحاحة _على أقل تقدير_ إلى الأكسجين، مع جرعة معتدلة من الوجودية. ولكي نفهم السبب في ذلك، لابد أن نضع في حسباننا حقيقة أنّ معظم الفلسفات والمذاهب الفكرية قد نشأت كردود فعل لمشاكل معينة. فالضرورة، بالنهاية، أمّ الاختراع.
بشكلٍ عام، المشكلة التي تركّز اهتمام الفلاسفة الوجوديين عليها كانت مشكلة "المعنى". معنى الحياة، ومعنى الوجود، ومعنى الألم، ومعنى الوحدة والشعور بالغربة، والمعنى من هذا كله. فالإنسان توّاق للمعنى، إنه يتوق لعالمٍ منظّم ورتيب يستطيع فهمه والتحكم به. عالم له معنى. ولكن عندما يصطدم بصخرة الواقع، ويدرك أنّ العالم أصم وصامت، وغير متجاوب، عندما يكتشف عُقم القصص التي رواها لنفسه وأقنع نفسه بها كمحاولة لإضفاء المعنى على العالم، سيشعر بأنّه غريبٌ عن هذا العالم ووحيد.

================

هذا الظرف التاريخي الهام هو الظرف الذي وجد الوجوديون أنفسهم أنهم عالقون فيه. فمع مجيء الثورة الصناعية والعلمية في القرن التاسع عشر، وتغيّر النماذج والقوالب الفكرية في المجتمع وعلمانيته، طرأ على النظام الاجتماعي التقليدي تغيّر حادّ وخلال فترة زمنية قصيرة. فخلال هذه الفترة، بدأ الناس يشعرون بأنهم منفصلين عن المنظومات العقائدية التقليدية التي كانت تساعدهم _سابقاً_ في فهم العالم من حولهم واستيعاب حياتهم ضمن أُطُر ونماذج مُعَدّة. في ظلّ هذه الظروف، يمكننا القول أنّ الناس كانوا ينتحرون روحياً، إن لكم نقل أنّهم كانوا ينتحرون بالمعنى الحرفي، بل كانوا يعانون من حالة "مَوَات روحي" أو خَوَاء، الأمر الذي كان مؤشّراً خطيراً عن السبيل الذي ستمضي فيه الحضارة. وهذا ما يحدث عندما يستسلم البشر للعَطالة الروحية ويسقطون أمام ما يرونه على أنه وجودهم العَبَثي الخاوي غير المُجدي.

===============

لذلك يمكننا القول: أنّ الوجودية هي الفلسفة التي وضعت يدها على المشكلة وتحاول جاهدةً تحديد معالمها وتفسيرها وإيجاد العلاج الناجع لها. فإذا أردت عزيزي القارئ تنظيم التعريف الذي انطلقنا منه، يمكنك القول أنّ الوجودية هي الفلسفة التي تجعل "الحياة الإنسانية الأصيلة" أمراً ممكناً في عالم عَبَثي خالٍ من المعنى.
ولأنّ الوجوديين كانوا مستقلين عن بعضهم الآخر ومختلفين فيما بينهم من حيث طريقة تناول كل منهم للمشكلة، وفي تفاصيل ردود أفعالهم وآرائهم نحوها، الأمر الذي يصعّب علينا صياغة تعريف جامع مانع ومحدد للفلسفة الوجودية. لكن الشيء المشترك الذي يوحّد جميع الوجوديين _فضلاً عن بحثهم في مشاكل المعنى والوجود والأصالة_ _ يتمثّل في مجموعة من الثيمات والمشاغل التي جمعتهم وأغنَت نقاشاتهم ونوّعتها.

====================

لو تسائلتم من قبل ((ما معنى هذا كله؟)) أو ((لماذا نحن هنا؟)) أو ((ما الذي أفعله بحياتي؟))، عندئذٍ أنتم تتسائلون أسئلة وجودية. طبعاً هذه الأسئلة كانت موجودة دائماً منذ ظفولة الجنس البشري. أو على الأقل منذ هبطوا عن الأشجار واكتشفوا الزراعة، واستقروا، ووجدوا الوقت الكافي والرفاهية الكافية ليطرحوا على أنفسهم تساؤلات أعمق من ((أين أجد وجبتي التالية؟)) و ((كيف سأجد طعامي اليوم؟)) و ((كيف سأنجو من هذه الليلة دون أن يأكلني الدب في الغابة حتى يتسنّى لي العيش حتى ذلك اليوم الذي سأتسائل فيه عن معنى الحياة والوجود؟))
ولكن الشروع في تساؤلات عميقة لا يجعل منك فيلسوفاً. إذن ما ااذي يجعل من الوجودية فلسفة عن الوجود؟... الفلاسفة يحلّلون، إنّهم يفكّرون ويبحثون عن حجج وأدلّة، ويستنبطون أسباباً تبرّر معتقداتهم وأجوبة مدروسة ومعقولة لتساؤلاتهم. كما أنّهم يميلون إلى تطوير المنظومات الفكرية، ولكنّ الوجوديون ليسوا من أنصار المنظومات والأنساق الجاهزة. ففي الأزمنة البدائية، لم يكن لدى البشر الوقت الكافي أو المعرفة اللازمة لممارسة مثل هذا النشاط الذهني المترف كالتأمّل أو البحث. وحتى في المجتمعات الحديثة كمجتمعاتنا العربية لا يبدو الأمر مختلفاً أيضاً. فكّر في حياتك الخاصة، لابد أنّك طرجت بعض التساؤلات الوجودية البدائية من وقتٍ لآخر، ولكن مابين سعيك المحموم لتأمين لقمة العيش لعائلتك، وضغوط العمل والحياة، والغَلاء وارتفاع سعر الدولار، وأقساط الأولاد، وخلافاتك أنت وزوجتك، أو التزاماتك المادية والعائلية المتراكمة، وبين الحرب الطاحنة الدائرة في عدد لا يعلمه إلا الله من الأطراف المتنازعة، هل سبق ووجدت الوقت الكافي لتعثر لنفسك على إجابات مُرضية عن تساؤلاتك الوجودية العادية؟

=============================

جادل البعض بأنّ الوجودية، وخصوصاً في صيغتها البدائية عند الفلاسفة الوجوديين الأوائل، لايمكن أن يقال عنها أنها "مذهب فلسفي"، لأنّ الفلسفة تبحث عن أسباب ومبادئ وتبنيها على أسس منطقية وعقلانية. ولكن هناك سمة هامة تميّز الفكر الوجودي وهي "اللاعقلانية": اي إيمانها بأنّ العقلانية ليست هي النموذج الوحيد للفهم الإنساني المرتبط بالعالم. علاوة على ذلك، أغلب المفاهيم والأفكار الفلسفية الوجودية يتمّ توصيلها عن طريق الروايات، والشعر، والأمثال. وهذا ما أدّى ببعض الفلاسفة النّسقيين باعتبار الوجودية مجرّد صيحة أو حركة ولا ترقى لمستوى الفلسفة. وأنا أعتقد بدوري، كحال الكثيرين الذين درسوا الوجودية وتاريخها ومفاهيمها، أرى أنّ الوجوديين طوّروا مواقفهم الخاصة واكتشفوا الكثير من الأمور التي تبيّنت صحّتها وصوابيتها عن طريق التفكير المنظّم. ولكن هل هذا يجعل منهم مجرّد منافقين يدّعون ما لا يعتقدون؟... طبعاً لا. يخبرنا بطل نيتشه في كتابه "هكذا تكلّم زرادشت" بأنّه التقى بأُذُن لم يدرك سوى مؤخّراً أنّها كانت متّصلة ببقايا إنسانٍ. وقد قيل له أنّ هذه الأذُن كانت إنساناً عظيماً فيما مضى، لكنّ زارا يعتقد أنّه بالغ بتطوير عضو واحد من جسده دون غيره من الأعضاء. لكنّ الوجوديين لم يرتكبوا نفس الغلطة، فهُم يرفضون التحسين الحصري والمفرط للعقل وحده دون سواه، ويعتنقون مفهوماً أوسع وأشمل.

=========================

تبدأ الفلسفة وتزدهر في مجتمع يصل إلى نقطة يجد فيها بعض أفراده الوقت الكافي والرفاهية الكافية ليس لطرح أسئلة كهذه فحسب، بل أيضاً والبحث عن إجابات دقيقة ومفصّلة ومنظّمة عنها. وبسبب الطبيعة المجرّدة والمركّبة للفلسفة، سيكون من المفيد تدوين هذه الأفكار والتفاصيل وتسجيلها. فالتناقل الشفوي عظيم في رواية قصص تاريخية ودينية. وهذه القصص تنطوي في داخلها على قدرٍ كبيرٍ من التعقيد والعُمق والحكمة، وأغلبها _كملحمة كلكامش مثلاً أو عندما في الأعالي/إينوما إيليش_ ذات طبيعة وجودية. إنّ السمات البارزة والمفاهيم القوية التي تكمن في هذه القصص قد تجرّدت بالكامل من تلك القصص مع اختراع الكتابة. مشاركة الآلهة في حرب طروادة بسبب أجمل مرأة في العالم هي قصة جميلة جداً ومشوقة وتستحق أن تُروى خلال أمسيات السهرات بين الأقارب والعجائز. وستسمعونها مراراً وتكراراً حتى تحفظونها عن ظهر قلب، وتبدأون بقصّها بأنفسكم ومناقشة معانيها الكامنة مع الآخرين في سهرات مسائية أخرى. أما نظرية المُثُل لأفلاطون؟ أو نظرية هيدغر عن الدازاين؟ أو تفسير سارتر للموجود بذاته؟... فهي أمور لا نتناولها عادةً خلال سهراتنا.
مع مرور الزمن وقفت الفلسفة على قدميها ومضت في مسيرتها، ولكن مع تقدّمها كان لمعظم هذه التساؤلات إجابات كانت مقبولة ومنتشرة على نطاق واسع، مع أنها كانت مزيّفة وغير حقيقية، ولا تقدّم الكثير. ومع بعض الاستثناءات، وبعض المتمرّدين هنا وهناك، استمر هذا القبول العام والواسع حتى نهاية العصور الوسطى. عندها فقط يمكننا ملاحظة الإرهاصات الأولى للفكر الوجودي المعاصر، ولكن حتى في تلك الفترة، كانت الفلسفة بالكاد مجرّد همسات غير مسموعة داخل زوبعة من صخب القرون: حوار صغير ضمن مسرحية لشكسبير، وربما بضعة أبيات شعرية لميلتون، أو مقطع من رواية. ولكن مع حلول القرن الثامن عشر، بدأت عناصر ممّا يمكن تسميته الآن بالفكر الوجودي بالنمو بشكل تدريجي في الأدب وحتى في الفلسفة، وارتفعت وتيرة الهمسات لمستوى مسموع لتتحوّل إلى تمتمات صاخبة. وخلال القرن التاسع عشر، انتعش الفكر الوجودي ليصبح نداءً وسط الصحراء، ومع حلول القرن العشرين، تحوّل إلى صراخ مُدَوٍّ من على أحد جوانب المحيط الأطلسي.

يتبع....





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,650,132,797
- الأرض (ليونيد أنرييف)
- الجنس والله: كيف يعكّر الدين حياتنا الجنسية [2] (أن تعيش كذب ...
- الجنس والله: كيف يعكّر الدين حياتنا الجنسية [1] (المداعبة ال ...
- أنا أعرف أنّ هناك حياة بعد الموت بفضل تجارب الاقتراب من المو ...
- أنا أؤمن بالغيبيات والماورائيات (من كتاب خمسون معتقداً شائعا ...
- صوت الله
- هل هناك دليل أخلاقي غير الكتب المقدّسة؟ [روبرت إنغرسول]
- يغالطونك إذ يقولون [2]
- ما الخرافة؟ [2] (روبرت إنغرسول)
- ما الخرافة؟ [1] (روبرت إنغرسول)
- خمسون وهماً للإيمان بالله [15]: الأفضل أن أعبد الله على أن أ ...
- خمسون وهماً للإيمان بالله [14]: إلهي يسمع الصلوات ويستجيب له ...
- ما الدين؟ [روبرت إنغرسول]
- الدين عبارة عن اختبار رورشاخ
- الله قادر على كل شيء: حجّة الضعفاء عقلياً
- نشاة الكون: طبيعية أم ماورائية؟ [2]
- نشاة الكون: طبيعية أم ماورائية؟ [1]
- أسوأ 12 فكرة زرعها الدين ونشرها بين البشر
- يغالطونك إذ يقولون [1]: أنّ الانفجار الكبير خطأ، لأنّه لايمك ...
- هل تمّ إثبات نظرية التطوّر؟


المزيد.....




- منها تعزيز المناعة.. تعرف على فوائد ?البقدونس والخس
- 6 وجهات مثالية لقضاء عطلة عيد الميلاد ورأس السنة بصحبة الأطف ...
- استطلاع: أغلبية كبيرة للمحافظين في الانتخابات البريطانية
- إعلام: ترامب يوافق على المرحلة الأولى من الصفقة التجارية مع ...
- بومبيو يهنئ سوليفان على تعينه لشغل منصب السفير الأمريكي في م ...
- الجيش اليمني يعلن السيطرة على سلسلة جبلية استراتيجية في الجو ...
- أنقرة تحذر من الإضرار بالعلاقات الأمريكية التركية بعد اعتراف ...
- الانتخابات التشريعية البريطانية: استطلاعات رأي تظهر فوز حزب ...
- توقعات بفوز حزب المحافظين بأغلبية في البرلمان
- العراق: انتحاري يقتل سبعة من الحشد الشعبي قرب سامراء


المزيد.....

- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وسَلْبِيَّاتُهُ (1) / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُهُ وَسَلْبِيَّاتُهُ (2) / غياث المرزوق
- مدخل اجتماعي لدراسة الإلحاد في المجتمع العراقي المعاصر* / محمد لفته محل
- تفكيك العنف وأدواته.. (قراءة سوسيولوجية عراقية سياسية)/ الكت ... / وديع العبيدي
- العمل والملكية.. في التوازن التاريخي للديموقراطية الاجتماعية / مجدى عبد الهادى
- امرسون وإعادة بناء البراغماتية / عمر إحسان قنديل
- الرسائل الرمزية الصامتة في المدرسة: الوظيفة الاستلابية للمنه ... / علي أسعد وطفة
- الهيبة قوة عملية أيضاً / عبدالحميد برتو
- بصمات الأرواح / طارق أحمد حسن
- البيان الفلسفي الفدرالي / حفيظ بودى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - إبراهيم جركس - الوجودية: فلسفة إنسانية نحن بأمس الحاجة إليها [1]