أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - وديع العبيدي - تفكيك العنف وأدواته.. (35)















المزيد.....


تفكيك العنف وأدواته.. (35)


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 6288 - 2019 / 7 / 12 - 21:14
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


وديع العبيدي
تفكيك العنف وأدواته.. (35)
(العراق للعراقيين!)..
(10)
ورد ذكر هاته الرسالة في كتاب الدكتور يوسف عزالدين*[1920- 2013م]: (شعراء العراق في القرن العشرين)/(1969م)، وفيه (نبذة عن حياة الرصافي بقلمه)، حيث يرد فيها استلامه رسالة من العراق، تستعجله العودة لاصدار جريدة فحواها ان (العراق للعراقيين)!..
هل صدرت تلك الجريدة، أم فشلت فكرتها قبل صدورها؟.. وهل هي جريدة طالب النقيب [1871- 1929م] الصادرة في (أول مايو 1912م)؟..
جمع الرصافي[1879- 1945م] بين شهادة المدرسة الرشدية، التي تؤهله لشغل وظائف في الدولة العثمانية، وبين الدراسات الدينية عند علماء زمانه، ومنهم العلامة ممود شكري الالوسي، الذي لازمه اثنتي عشر سنة، وهو الذي لقبه بالرّصافي/(من رصف الأبيات وحنكة نظمه الشعر)، تمييزا له عن (معروف الكرخي [750- 815م]).
[1912- 1914م]: كان معروف الرّصافي عضوا في مجلس المبعوثان العثماني، قبل دخول الانجليز في العراق. ويبدو انه استقر في القدس خلالئذ، وعمل مدرسا للأدب العربي في كلية القدس العربية. سيما وأن الزعيم الوطني طالب النقيب [1871- 1929م] نفاه الانجليز إلى الهند [1914- 1920م].
وكان الرصافي يومئذ يرتدي الجبة والعمّة البيضاء، زي رجال الدين، ولكنه لم يتخذ من (الدين) مهنة، انما شغل نفسه بالتعليم والتدريس في بغداد والاستانة والقدس، فضلا عن نظمه الشعر في الأغراض التربوية والوطنية، وكان من رواد التحديث، والمناوئين للاحتلال الانجليزي ومعاونيه.
التقى الرصافي نوري السعيد [1888- 1958م] في الأستانة، وكان يومها ضابطا صغيرا، فنصحه السعيد بارتداء الثياب الفرنجية، ونزع الثياب العربية التقليدية، لأنها تستفز الترك، ولا يلقونه بالتقدير. وبعد حين، اقتنع الرصافي بمشورة السعيد، وغيّر مظهره، لما يلاقيه من عنت وضيق من عامة الناس.
ورغم أن معروف الرصافي كان مضطرب المعيشة متبدل الحال كثير التنقل، فأن أفكاره لم تتبدل، ومواقفه العامة لم تتغير، فلم يواطن ولم يمالئ أو يجامل على مبدأ أو خلق أو مصلحة. وقد رفض الحصول على وظيفة في المملكة العراقية، لخلافه مع الانجليز وفيصل الأول، فلا يكون من طاقم دولة الاحتلال.
ولم ينقطع نوري السعيد عن الاتصال بمعروف الرصافي ومتابعة ظروفه، وكان يدعوه لقبول وظيفة حكومية تأمن له أسباب المعيشة، ولقد جاءه يوما بتخصيص أرض زراعية كبيرة في أبي غريب، تبلغ ألف مشارة، فسخر منه الرصافي، لعدم رغبته في العمل والتجارة، ولم يسأل عنها ولا عرف موقعها.
وقد خصص له السعيد راتبا، كان يستلمه مرة ويرفضه ثانية. ومما يرد في كتاب ذكرياته الذي دوّنه القاضي خالد محمد غازي خلال مكوث الرصافي في الفلوجة غب فشل حركة رشيد عالي الوطنية. وفي خلال أربع سنوات مكوثه في الفلوجة، أنجز الرصافي كتابه: (الشخصية المحمدية) وسيرة ذكرياته بقلم قاضي الفلوجة يومذاك.
وقد أودعت المخطوطتان في مكتبة المجمع العلمي العراقي، وكانت الأولى موضع مطالبات واعتراضات شديدة من المتطرفين دينيا، بغيه اتلافها، واعتبارها تجاوزا على الأصول، فيما تولى الباحث عبد الحميد الرشودي [1929- 2015م] تحقيق مسودة الذكريات، وكان المقرر نشرها، لكن مضامينها الصريحة والجريئة، أخرت النشر، ولم ينشر غير جزء من قبل كامل الجارجي بعد موت الرصافي.
بعد الغزو الأميركي للعراق وما رافقها من أعمال سلب ونهب وهجمات على مؤسسات الدولة والأرشيف القومي العراقي، تم انتشال كتاب الرصافي (المعجزة المحمدية)، والذي نشرته دار الجمل في ألمانيا بعنوان (الشخصية المحمدية)/ (2004م). وأحدث نشره وما فيه من اراء أصداء كبيرة.
تلك الأصداء الاعلامية والشعبية، هيأت أرضية لنشر ذكريات الرصافي الجريئة، والتي كانت في مكتبة الدكتور يوسف عزالدين [1920- 2013م] من ذلك العهد. وقد جمع كل المسودات المتوفرة من الكتاب، وتولت دار المدى نشره، بتحقيق مزدوج لكلّ من الرشودي ويوسف عزالدين.
وقد آخذ البعض على الرصافي أو محقق كتابه، ورود بعض الألفاظ أو الأوصاف أو الأخبار التي تجرح (الذوق العام)، رغم كونها من لسان الرصافي وقدمه. وقد ورد ضمن سيرة الرصافي، تأكيده على قيمة (الصدق) المطلق في شخصية الرصافي. ولعلّ هذا (الصدق) المفرط ما جعل للرصافي هذا الامتياز والبريق، في حشد من شعراء زمانه.
الصدق جارح ومحرج. ولكن الصدق قيمة أخلاقية وأدبية وعلمية. الصدق نسخ عن (واقع مباشر)، نعيش فيه ونعايشه يوميا. ولكن الحديث عن الواقع، أو رفعه لمستوى الاعلام والنشر، يعتبر (شائنة). الشائنة في الواقع. وكلّ ما أورده الرصافي هو من طين الواقع. ولا ضير أن يوجد (صادق) فعلي في مجتمع أو قرن، يطفو على أمواج من الأكاذيب والخرافات.
ألم يكن الرصافي صادقا في روايته ورؤيته للسيرة النبوية، لماذا نقبل بهذا، ولا نقبل حديثه عن الواقع السفلي/(كواليس بغداد) في تلك الأيام. هل الواقع الاجتماعي العراقي، أرفع وأهم من (السيرة النبوية)؟..
يبقى أن (الصدق) أولى من (النفاق). وكثيرون يمتدحون تشخيص علي الوردي [1913- 1995م] في مسألة الازدواجية، لكنهم يأنسون باستمرار تطبيقها في حياتهم اليومية. والأولى، هو الانتهاء منها، والارتقاء إلى قيمة الصدق والاخلاص، وانسجام الخارج والداخل.
(11 )
(العراق للعراقيين)..
مقولة مشهورة، ولكن.. من هو صاحبها؟.. هل هو الرصافي أم النقيب أم طرف ثالث؟..
أيهما أسبق، (مصر للمصريين) أم (العراق للعراقيين)؟..
المهم أنها أوجز ايجاز عن شبه إجماع عراقي، يؤكد موقف العراقيين من الاحتلال البريطاني من جهة، ومن تنصيب حاكم غير عربي من جهة أخرى.
وإذا وجدنا ان عبد الرحمن النقيب وطالب النقيب، وكثيرين من وجوه العراق، يشاركانهم الرأي والموقف..
فقد كان أحرى بالدمقراطية الانجليزية العريقة، النزول عند رغبة الأهلين، وليس تجاوزها، والتصدي لها بالارهاب والطائرات والعنف غير الاخلاقي. فتنفي ثلة من الوطنيين، وتعتقل وتهين آخرين؛ لترتيب تتويج فيصل الأول، ملكا على العراق.
ذلك التتويج الذي كان، جلّ الحاضرين فيه من الانجليز، والوجه العربي الوحيد، هو محمود الدفتري- حسب تعليق جيرالد دي غوري الملحق في السفارة البريطانية في بغداد [1923- 1958م] في كتابه المهم (ثلاثة ملوك في بغداد)/(ت. سليم طه التكريتي).
على العموم، لم يكن العراقيون مستعدّين للقتال تحت أيّ عنوان. لا دفاعا عن الأرض، ولا حماية الحكم العثماني/(راجع: أغراض حزب العهد العربي)، ولا لمقاومة الاحتلال البريطاني المباشر. ولكن شبه اجماع عراقي كان متوفرا، على : استقلال العراق الكامل، حكومة وطنية وحاكم عراقي، انهاض العراق والمجتمع العراقي.
وما نيل المطالب بالتمني.. ولكن....
هنا نحتاج ثلاثة قوائم بالأسماء..
أولا: الشخصيات السياسية القيادية والمعترف بها من عامة الناس، على مستوى المدن الكبرى، أو جميع البلاد..
ثانيا: الشخصيات السياسية والقيادية المجيدة للغة الانجليزية واللغة الفرنسية..
ثالثا: الجمعيات والحركات والمنظمات السياسية الوطنية الممثلة للشعب، والمؤهلة للتفاوض مع المحتل، لترجمة تلك المطاليب.
كانت قوات الاحتلال تضم عسكريين ومدنيين، وفي كل قطعة بريطانية ثمة من يتحدثون العربية. فهل حدثت اتصالات بين الجيش المحتل والأهلين؟.. بالتأكيد.. حصلت. إذن أين تجد مدوّنات وتسجيلات تلك الاتصالات. ربما أشارت إليها مدونات بريطانية، واستفادت منها لأغراضها الخاصة. ولكن أين هم المدوّنون العراقيون؟..
وهل شارك القادة السياسيون في الاتصال والتفاوض مع الأجنبي؟..
إذا كان العراقي عاجزا عن المقاومة، لأي مبرر؛ وعاجزا عن التفاوض مع المحتل، فما هو وجه الحق في توصيل مطاليبه، أو عمله لأجلها؟.
ان كل عراقي كان يريد شيئا في نفسه. والسياسي لا يختلف في شيء عن الفرد العادي. سيما عندما يكون خارج السلطة.
وقد انسحبت السلطة العثمانية عام (1919م) من الموصل، بعد اكتساح الانجليز للبلاد. كان على أهل البلاد أن يأخذوا دورهم في المرحلة الجديدة. كان على الاعيان والوجهاء والضباط تولي المسؤولية المباشرة في بلدهم.
من بين اولئك القادة السياسيين العراقيين، المعروفين في الحكم العثماني، وما بعده، كثيرون.. أحدهم السيد طالب النقيب. وكان للنقيب رؤية وتوجه سياسي وطني قومي، وعلى حنكة ودربة وشعبية، لا تقل عن بقية حكام المنطقة.
وقد تداعى لها، ودعا رهطا من الوطنيين، في بناء تكتل سياسي له خطاب سياسي يتصدى لمتطلبات وظروف المرحلة، وبوسائل سلمية غير عنفية، من بينها اعتماد الاعلام، لتوصيل وترويج حركته وأغراضها. ومن ضمن تلك المستلزمات كان اصدار جريدة برئاسة معروف الرصافي، توجز خطابها في (العراق للعراقيين)!.
(العراق للعراقيين..).. معناه، رفض حكم فيصل للعراق. وهذا هو مطلب وموقف عبد الرحمن الكيلاني أيضا، والذي لا يختلف عن موقف طالب النقيب في شيء، سوى مرونة الكيلاني في التواصل والتوسط مع الانجليز ومع المس بيل.
ان معيارية المشهد هنا تقوم على قراءة الواقع، وليس قراءة النوايا، والديباجات النظرية التي لا يسعها الواقع. وعودا إلى الانقسامات المبكرة في صفوف الضباط العراقيين الوطنيين في الجيش العثماني، بين تيار يناهض الاحتلال الأجنبي ويرفضه، مع المطالبة بالاستقلال والحكم العربي/(تيار ياسين الهاشمي)، وتيار وسطي أكثر مرونة، يمالئ الاحتلال ويفاوضه، لاكتساب الحقوق والأهداف الوطنية/(تيار نوري السعيد).
كلّ هذا الكلام، بقضه وقضيضه، جميله وقبيحه، ليس غير سرد نظري، و(كشخه)/ فضفضة خاوية؛ أما على أرض الواقع، فأنّ الجميع، تهالكوا على عجلة السلطة، وكما هو معروف، كان الهاسمي والعسكري، أكثر سبقا للمناصب من نوري السعيد الذي تأخر لما بعد اغتيال غازي بعام/(1940م).
إلى جانب التقسيمات السالفة، كان ثمة تيار سلمي دمقراطي، رافض للأجنبي، ومطالب باستقلال البلاد وسيادته الوطنية القومية، والممثل بتيار طالب النقيب. وهنا سيرته العملية..
طالب النقيب [1871- 1929م] من مواليد البصرة/ ابي الخصيب/ السبيليات. من عائلة أشراف البصرة.
تعلم اللغات التركية والفارسية والانجليزية وشيئا من الهندية، بجانب لغته الأم: العربية.
1902- 1903م: متصرف لواء الاحساء العثماني.
1903- 1908: عضو في القسم المدني في مجلس الشورى العثماني.
1909م/(6 أوغست): تأسيس الحزب الحرّ المعتدل، بالمشاركة مع: سليمان فيضي واسماعيل عبدالله السامرائي وعبد الكريم السامرائي وعبد الوهاب وعبد العزيز وعبد المحسن الطباطبائي. وقد انتخب طالب النقيب رئيسا، والحاج محمود باشا عبد الواحد رئيسا ثانيا، والشيخ عبدالهه باش اعيان نائبا للرئيس، وسليمان فيضي أمينا عاما، وعبد الوهاب الطباطبائي سكرتيرا، والحاج محمود المعتوق النعمة أينا للصندوق، والأعضاء [أحمد الصائغ، عبد اللطيف المنديل، الحاج طه السلمان، الحاج محمود أحمد النعمة].
1911م/(6 أوغست): تأسيس فرع لحرب الحرية والائتلاف، المعارض لحزب الاتحاد والترقي.
1912م/(9 يناير): أصدر جريدة أصبحت لسان حال الحزب.
1912- 1914: عضو في مجلس المبعوثان العثماني.
1913- 1913م والي البصرة.
1914م: فاز حزبه بستة مقاعد في مجلس المبعوثان. المطالبة بحق العرب في الحكم، المشاركة في الوظائف العامة، حق العرب في إقامة نظام لامركزي في إدارة شؤونهم زمتابعة قضاياهم.
1914م: القوات البريطانية الغازية تعتقل طالب النقيب وتنفيه إلى الهند/(بومباي).
1920م: عودته من النفي، ومعارضته لثورة العشرين. فهي صراع غير متكافئ بين الجهتين من جهة، وايمانه باعتماد طرق سلمية لتحقيق أهداف سياسية.
1920- 1921م: وزير داخلية في أول حكومة عراقية برئاسة عبد الرحمن النقيب، قبل وصول فيصل الأول ملكا للعراق.
1921م: مرشح قوي منافس للامير فيصل على عرش العراق.
1921- 1925م: السلطات البريطانية تبعد طالب النقيب من طريق فيصل، وتنفيه مجددا للخارج.
1925م/(1 مايو): عودة طالب النقيب من المنفى، واستقراره في البصرة، في قصر السبيليات. عيّن الحاج مرجان الريحاني وكيلا على أملاكه ومصالحه التجارية،وسافر إلى ميونيخ الالمانية للعلاج، حيث توفي هناك في (16 يونيو 1929م). وقبره في الزبير/(مقبرة الحسن البصري).
طالب النقيب هو جدّ الشيخ ناصر المحمد الأحمد الصباح من ابنته نسيمة، وهو رئيس مجلس الوزراء الكويتي للفترة [2006- 2011م].
هل كان طالب النقيب مرشحا، أن يكون مصطفى كامل [1874- 1908م] العراق؟.. ولماذا لم يتحول الى مركز استقطاب سياسي وثقافي في العراق، وبشكل يعيد هيكلة الحركة السياسية الوطنية في العراق..
(12)
ايراكي ناشيونال كونفرنس..
(إذا أراد الله بعبدٍ خيراً فتح عليه باب العملِ، وأغلق عنه باب الجَدل. وإذا أراد الله بعبدٍ شراً، أغلق عنه باب العملِ، وفَتح عليهِ باب الجَدلِ)/ معروف الكرخي [750- 815م]
(ما يلوم العراق: اتحاد.. قوة.. سعادة)/ فيصل الأول [1883- 1933م]
بعيدا عن كلّ السرديات الجمالية ، وحرب الديباجات اللفظية بين الأطراف العراقية، وكأنها في سوق عكاظ، بينما الجمل الطريح، تتنافسه النبال والسكاكين.. لم تتوفر العقلية العراقية والحنكة السياسية على أولى الضرورات في كل عمل ناجح؛ ذلكم: وحدة الرأي/ اتحاد سياسي.
على مدى قرابة ربع قرن، من ظهور دلائل تهالك الدولة العثمانية، لم يخطر للعرب الساسة والاداريين والعسكريين المتقدمين فيها، تدارس الامور والتفكر في مستقبل بلدانهم الام، في مرحلة ما بعد ال عثمان. وكان العراقيون والسوريون، يحتلون مراتب متقدمة في السبطة العثمانية، وألصق البلدان بالمركز.
وعندما انطلقت أعمال الحرب العالمية الأولى، ضدّ الدولة العثمانية، وهي الفترة الانتقالية بين عهدين، وفترة الخلل العام والفراغ السياسي والاداري، الذي يفترض بالبلدان الطامحة للاستقلال، الاستفادة منها، في ضبط صفوفها وتوحيد ارادتها، لارتياد عتبة المستقبل بقوة العقل والارادة واليد.
لم اجد بين كلّ قراءات ما يسمى ثورة العشرين أو نشأة الدولة العراقية، منهجية مقارنة بالبلاد والمجتمعات الأخرى، وعدم اعتبار العراق حالة وحيدة فريدة. وفي كل ذلك، مقارنة بسوريا ومصر ولبنان وسواها، فالعراق هو أكثرها تخلفا وتهلهلا وبؤسا.
وعندما أقول العراق، فالمعني افتراضيا، هو المجتمع العراقي، في عدم تجانسه وعدم تواصله والتحامه، والمفتقر لأبسط متطلبات البنى التحية. والأمرّ منه، انه بينما تسعى المجتمعات للتطور والاندماج والتوحد والالتحام، يجتهد كل عراقي في التوزع والتمزق والتشظي والانفصال والفصام، ليس الجماعة عن الأخرى، والمحلة والعائلة عن الأخرى، بل الفرد عن نفسه/(كلّ يحمل في الداخل ضدّه)/(مظفر النواب)/ (اني اقرّ على نفسي وأختلف.. اني معي دائما في الرأي أختلفُ)/(عبد الأمير جرص [1964- 2003م]).
يفتقد العراق حتى اليوم، إلى قاعة اجتماعات كبرى، تتسع لمهرجانات فنية وغنائية وأو ثقافية وسياسية، تتسع لآلاف الحضور. ان مثل هاته القاعة مطلوبة في كل مدينة، وبشكل يوفر فرصة، لتقريب الآراء وتوحيد القوى الشعبية والوطنية. لكن الواقع، ان البنية السياسية والحزبية والطائفية والاثينية، تدفع باتجاه التشظي والتعددية وتباعد الصفوف، وبشكل ينافي مبادئ الوطنية وقواعد الدستور.
وأشك في وجود مبادئ دستورية في الدستور العراقي، تؤكد كون العراق بلدا واحد موحدا وكون العراقيين شعبا واحدا موحدا، وأن العراق بلد مستقل ذا سيادة، ولا يجوز لأي مشروع أو قانون أو تنظيم أو جمعية في العراق معارضة مبادئ الدستور.
ان الكثير مما يروج في العراق، وسيما في عهد الاحتلال االراهن، يخالف مبادئ الدستور. وينعدم مثيلها في بلاد الأرض والبلاد المجاورة. ولكن هذا قليلا ما يشغل العراقي المأخوذ بفرديته وأنانيته وجوعه التاريخي للطعام والجاه والثياب والالقاب الفاخرة. والعراقي هو الوحيد الذي يقدم نفسه وحاجاته على وطنهة ومصالحه العامة.
الفراغ السياسي والاداري في العراق، هو مهرجان لاستعراض الأورام الشخصية، النفسية والعائلية. وتجد لدى تقديم كل شخص لنفسه، حجم انتفاخاته المرضية، وحجم مظلوميته، لأن وسائل الاعلام، وميزانيات الدولة، ومؤسسات الحكومة، لا تشبع أطماعه وشرهه الاجتماعي والاعلامي الذاتي.
وهذا مردّ تضخم عدد الشعراء ورجال الدين والاحزاب والمنخرطين فيها، في العراق، بحثا عن الاشباع والشهرة والبطولات الدونكيخوته. لا ينتمي العراق لهوية وطنية قومية عامة، تجمعه مع بني بلده، وانما يتوسل هويات مذهبية وطائفية وحزبوية وعشائرية، يتنافخ فيها بتميزه عن الاخرين.
وبينما تنعدم اطر المذهبية والعشائرية في عموم بلاد العرب، تجد العراقيين في سباق ماراثون لاستجداء وواستحداث ألقاب وهويات عشائرية وطائفية. فلا العشيرة تتوحد، بل تتشظى، وقد تجد أخوين، بلقبين مختلفين عشائريا. والطائفة الواحدة تتشظى في مسميات فرعية.
بينما الأولى ان تعفّ الطائفة عن احداث الانشقاق في المجتمع، تحزبا لفلان، وتعصبا لفلان. ومثل ذلك يصح على سواه. ولن تجد بيئة خصبة لتفريخ الفساد والتحلل وتروي البدع والآفات والهرطقات، في غير العراق المنسلخ عن ذاته.
لقد جرى استهداف تدمير العراق ودفعه للتفسخ منذ أمد عريق، حتى وجدت العراقي يفتخر، بمظاهر التفسخ والتحلل والأورام الشخصية. فانتماء العراقي لذاته، ولهاثه وراء هوية وجنسية أجنبية، انما هو تعبير عن عظم استشعاره بالفراغ الوطني والقومي، جراء نشأته في بيئات تروج للأممية المذهبية والطائفية والحزبية.
ان مشروعا لاستعادة الالأفراد والجماعات والهويات الطارئة والمتشتتة في أطار هوية وانتماء وطني، هو ليس في حسبان أحد. ولعل المحاولة الهشة التي ترسمها المشروع الانجلوميركي، لبناء صيغة (مؤتمر عراقي وطني) على غرار المؤتمر الهندي/(1885م) لغاندي [1869- 1948م] الذي قاد حركة استقلال الهند، والمؤتمر الافريقي/(1912م) لمانديلا [1918- 2013م]، باء بالفشل.
ومنذ فشل تلك الترتيبات والتنظيمات، وأعداد الجماعات والتكتلات السياسية في ازدهار وانقسام لا نهائي، داخل وخارج السلطة، وما زال العراق، ينتظر اتحادا/ وحدة، تجمع قواه السياسية وتنسق الارادات والاراء والامكانيات ، للتقدم خطوة باتجاه تصفية الخلافات والاقتراب من حافة الحياة الطبيعية والاستقرار، في السياسة والدين كما في بقية القطاعات العامة، وصولا لبناء مجتمع موحد، ذو ارادة وسيادة حقيقية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أودّ التنبيه أن الصفحة الالكترونية عن الدكتور يوسف عزالدين في (ويكيبيديا)، منسوخة في غالبيتها عن كتابي (يوسف عزالدين.. شعره وتجديده)/(1993م)، وكتابي: (يوسف عزالدين في المرآة)/(2001م)، ومنه نسخة الكترونية في مكتبة الحوار المتمدن. وقد كان أولى بالناسخ، ذكر المصدر، عملا باللياقة الأدبية، فضلا عن الامانة العلمية والمنهجية التي يحاسب عليها الاكاديميون جدا. وقد عرفت يوسف عزالدين على مدى ربع قرن، فلماذا يساء إليها وإليه، عقب وفاته؟.
* المؤتمر الوطني الهندي: تأسس في (28- 31 ديسمبر 1885م) برئاسة الان اوكتافيان هيوم، للتوعية بالحقوق السياسية والمطالبة بالاسقلال الوطني، وكان يتوجه سنويا لطلبة جامعة كلكتا الهندية، لتأسيس حركة سياسية من المثقفين العلمانيين. وفي (1920م) انضم غاندي للحزب،وبدأت مرحلة جديدة للكفاح من اجل الاستقلال، التي تكللت بالنجاح عام (1947م)، لكن غاندي اغتيل بعدها بقليل/(1948م).
* المؤتمر الوطني الأفريقي: تأسس في (8 يناير 1912م)، وقد رأسه جون دوب، وهو يدعو لحقوق السود في الاتحاد الأفريقي. في عام (1942م) انضم نلسون مانديلا للمؤتمر الوطي الأفريقي، للدفاع عن حقوق الأغلبية السوداء.
* المؤتمر الوطني العراقي: أسس كمظلة لجماعات المعارضة العراقية ضد نظام صدام حسين، وذلك عقب حرب الخليج الأولى، وبايعاز من بوش الابن للمخابرات المركزية الأميركية، لعمل ترتيب ازاحة صدام من الحكم/(1991م). وجاء اختيار الاسم من جون روندن من (وكالة مجموعة روندن)/(1981م). ومنذ (1990م) عملت الشركة مع وكالة المخابرات الأميركية، لوضع ترتيبات اسقاط نظام صدام، واتفقتا على تأسيس تنظيم عراقي بهذا الاسم، يكون اطارا لجمع وقيادة المعارضين العراقين، وتنسيق مواقفهم وامكانياتهم. وقد اختير احمد الجلبي[] عميل المخابرات الاميركية رئيسا للمؤتمر، ووسيطا بين جماعات المعارضة، والسلطات الأميركية. في اكتوبر (1992م) تخذ المؤتمر ملاذا في المنطقة الكردية الامنة تحت زعامة مسعود البرزاني، وتشكل مجلس قيادة ضمّ كلا من: الشريف علي ابن الحسين، محمد بحر العلوم، حسن النقيب، مسعود برزاني، وأحمد الجلبي. في (مايو 1994م) اشتبك الحزبان الكرديان البارتي بقيادة مسعود برزاني، ويه كه تي بقيادة جلال طالباني، في نزاع مسلح. وبطلب من احد الحزبين، تدخلت القوات العراقية إلى مدينة اربيل/(31 اوغست 1995م)، مقر المؤتمر الوطني العراقي وتم اعدام (200) من المعارضين، ومصادرة ممتلكات المقر، واعتقال (2000). وقد اخلي حوالي (650) من بقية المعارضين إلى الولايات المتحدة الأميركية تحت قيادة وكالة الادعاء الفدرالي الاميركية. وفي (1995م) انضم للمؤتمر وفيق السامرائي المسؤول السابق في الاستخبارات العراقية. وكان الجلبي قد أقنع الاميركان: بول وولفتز وريتشارد بيرل، أن أي عرض عسكري في العراق، سوف يحرض على قيام انقلاب عسكري ضد النظام. ونظرا لفشل المؤتمر في تجميع المعارضين، اختارت تشكيل (ائتلاف وطني عراقي) بقيادة أياد علاوي، الذي تقارب من النظام الأردني وفتح مقراته في عمّان/(1996م). وقام باتصالات مع حسين كامل في فترة لجوئه للاردن. وقام بمن خلال وسطاء باتصالات مع النظام العراقي، بغير طائل.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,425,291,257
- تفكيك العنف وأدواته.. (34)
- تفكيك العنف وأدواته.. (33)
- تفكيك العنف وأدواته.. (32)
- تفكيك العنف وأدواته.. (31)
- تفكيك العنف وأدواته.. (30)
- تفكيك العنف وأدواته.. (29)
- تفكيك العنف وأدواته.. (28)
- تفكيك العنف وأدواته.. (27)
- تفكيك العنف وأدواته.. (26)
- تفكيك العنف وأدواته.. (25)
- تفكيك العنف وأدواته.. (24)
- تفكيك العنف وأدواته.. (23)
- تفكيك العنف وأدواته.. (22)
- تفكيك العنف وأدواته.. (21)
- تفكيك العنف وأدواته.. (20)
- تفكيك العنف وأدواته.. (19)
- تفكيك العنف وأدواته.. (18)
- تفكيك العنف وأدواته.. (17)
- تفكيك العنف وأدواته.. (16)
- تفكيك العنف وأدواته.. (15)


المزيد.....




- سلطات دونيتسك تؤكد احترام وقف إطلاق النار على طول خط التماس ...
- قصف لـ-أنصار الله- شمال حجة وسقوط قتلى من الجيش اليمني
- زيدان يهنئ المنتخب الجزائري وينعى أخاه
- هيئة الملاحة في بنما تقول إنها بدأت عملية سحب العلم من الناق ...
- دراسة: هكذا يمكن تجنب الخرف الوراثي
- لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع
- ميركل تحيي ذكرى محاولة اغتيال هتلر بدعوة لمناهضة التطرف
- موقع أميركي: ترامب لم يدعم شركات الطيران الأميركية ضد الخطوط ...
- ريابكوف يلتقي مادورو ويناقش توسيع وجود الشركات الروسية في فن ...
- مؤسسة النفط الليبية تعلن حالة القوة القاهرة في ميناء الزاوية ...


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - وديع العبيدي - تفكيك العنف وأدواته.. (35)