أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - حاضرالثقافة فى مصر: عنوان واحد ورؤيتان















المزيد.....


حاضرالثقافة فى مصر: عنوان واحد ورؤيتان


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 6280 - 2019 / 7 / 4 - 23:48
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



عندما قرأتُ عنوان مقال الأستاذ فتحى عبدالغنى (حاضرالثقافة فى مصر) بصحيفة القاهرة (14مايو2019) فرحتُ حيث تبادرإلى ذهنى كتاب الراحل الجليل بيومى قنديل بنفس العنوان..وأنّ مقال أ.عبدالغنى عرضٌ لكتاب قنديل..ولكن تبيـّـن أنّ المقال لاعلاقة له بالكتاب..وليس به ولوإشارة إلى العنوان..وتساءلتُ هل قرأ الكتاب؟ أم أنّ المسألة بنت المصادفة البحتة؟ وبالرغم من ذلك فإنّ فرحتى استمرّتْ وحرّكتْ خيالى..وأوحى لى بتقديم الشكرللأستاذ عبدالغنى، لأنه ذكــّـرنى بكتاب قنديل الذى يستحق عرض بعض محاوره.
بيومى قنديل (مواليد 1942) ورحل عن عالمنا يوم8أكنوبر2009 عرفه البعض أنه صاحب مشروع فكرى يتلخص فى دفاعه عن خصوصية الثقافة القومية المصرية..ومتعدد المواهب..وترجم العديد من الكتب مثل (مصروكنعان وإسرائيل فى العصورالقديمة)، (أخناتون ذلك الفرعون المارق)، (فن البانتومايم) ونظرًا لإجادته أكثرمن لغة قديمة وحديثة ألّف كتابًا بعنوان (الترجمة فن) ومعظم كتبه المطبوعة كانت على نفقته الخاصة..وكان أحد مؤسسى حزب مصرالأم..وهوالذى اختارهذا الاسم للحزب..وكتب بعض فصول برنامجه.
وفى كل كتاباته (الإبداعية والفكرية) ترسيخ للتعددية التى هى سمة الشعوب المتحضرة..وفى العصرالحديث تم تتويج التعددية بالعلمانية..ومشرعه الفكرى بدأ فى عام1990بكتابه (حاضرالثقافة فى مصر) الذى عمل على تطويره فصدرمنه أربع طبعات آخرها فى 2008وفرّق فيه بين الثقافة المكتوبة والثقافة القومية، لأنّ الأخيرة هى مجموع أنساق القيم التى أبدعها شعب من الشعوب عبرتاريخه الممتد..والمترسبة فى الطبقات التحتية من وعى الشعب..وليس لها علاقة بمفهوم الثقافة الأكاديمى..وكان يرى أنّ الأميين المصريين هم من حافظوا على ثقافتهم القومية..وهوهنا يلتقى مع الفيلسوف برتراند رسل الذى كتب أنّ التعليم إذا لم يرتق بالبحث العلمى..وحرية النقد فإنه ((يكون من الأفضل لنا أنْ نظل أميين)) (حكمة الغرب- الفلسفة الحديثة والمعاصرة- ترجمة د.فؤاد زكريا- سلسلة عالم المعرفة الكويتية- ج2 ط2 – يوليو2009 ص24)
استند قنديل فى دفاعه عن الحضارة المصرية بعدة حقائق علمية، منها التقويم الشمسى الذى قسّم السنة إلى12شهرًا بمجموع365يومًا كضرورة حتمية تتفق مع الزراعة، لذا فإنّ الفلاح الأمى مايزال يحفظ الشهورالقبطية (= المصرية) لأنها الأدق فى معرفة بداية بذرالبذوروجنى المحصول..وأبدع جدودنا أول أبجدية فى العالم..ونقل عن العالم الكبيربرستد أنّ جدودنا اخترعوا أقدم نظام كتابى مكــّـنهم من السيطرة على طريق التقدم الطويل نحوالحضارة..ونقل عن اللغوى الشهيرسيمون بوتر((كافة الأبجديات فى العالم تنحدرعن أصل مشترك واحد، فهذه الأبجديات جميعًا أشتقتْ من الكتابة الصورية التى نشأتْ فى مصر)) وهى الحقيقة التى أكدها علماء كثيرون متخصصون فى اللغويات والمصريات: جاردنر، ديفيد مادلين وآخرون.
ورأى قنديل أنّ التعددية فى الشخصية المصرية مستمدة من تعدد الآلهة فى الأساطيرالمصرية، إذْ كان أتباع (رع) يحتفلون مع أتباع (أوزير) وأتباع (آمون) يحتفلون مع أتباع (إيزيس) إلخ فتولّد عن هذا قيمة الاعتراف بالآخر..وهى قيمة لم يكن لها أنْ توجد تحت ثقافة التكفيرالتى إبتدعها أخناتون عندما نادى بإله واحد وألغى جميع الآلهة..وبالتالى كرّس فكرة الوحدانية التى انتقلتْ إلى الديانات السامية التى تتأسس على تكفيرالمختلف..ورأى أنّ المصريين انتقلوا من تعدد الآلهة إلى تعدد الأولياء..كدليل على أنّ الثقافة القومية المصرية ثقافة إتصال لا انقطاع فكتب (إذا كان المصريون مايزالون- دون سائرشعوب المنطقة- يُقدّسون المرأة ويُسبغون على السيدة زينب صفات إيزيس إلاهتهم العظمى (أم العوجز، الطاهرة، الست..ورئيسة الديوان) ويُضفون على شقيقها الحسين صفات أوزيرإمام الشهداء مفصول الرأس، فإنّ الاسم يكون قد تبدل..ولكن الروح ظلتْ والأدق استمرتْ مصرية أصيلة))..ولكن هذه التعددية أصابتها لعنة الأحادية عندما سمح ضميرالمتعلمين الكبارأنْ يُرسّخوا فى عقول ملايين التلاميذ أنّ الوطن ينقسم إلى مؤمنين وكفار، إذْ وضعوا فى كتاب الصف الثالث الإعدادى لعام2000 سؤال: ماهى عقوبة الكافر؟
ورأى أنّ التسامح والوداعة من خصائص المجتمع المستقرالذى اكتشف الزراعة لأول مرة فى التاريخ، فأصبح لديه الاكتفاء الذاتى..وهى سمة يفتقدها مجتمع الرعاة لذلك كتب هيرودوت أنّ ((المصريين أتقى شعوب العالم) أما سيجموند فرويد فوصف المصريين القدماء (بالودعاء) ووصف الساميين ((بالهمج الغلاظ)) ودلــّـل قنديل على التحضرفى الشخصية المصرية بما ذكرته له صديقة فلسطينية تعيش وتعمل فى مصر، عندما دخل ((يهود مصريون..والأدق مصريون يدينون بالديانة الموسوية بيتهم لتفتيشه عند الاجتياح الإسرائيلى لبلدها غزة سنة56ودخول عراقيين يهود لبيت جارهم..وكانت الزميلة طفلة مدركة فى ذلك الوقت، فلم يتورّع العراقيون اليهود عن ارتكاب كافة الجرائم، فى حين أنّ المصريين اليهود لم يمسوا شعرة واحدة فى رأسها ولاقشة واحدة فى البيت..وقد طمأنها أحدهم وهدّأ آخرروع جدة عجوزضريرة همّتْ بالوقوف قائلا بلغته التى لاتُخطئها أذن فى المنطقة ((ماتخافيش ياأمى..خليكى زى ماإنتى)) وعندما خرجوا رسموا علامة على البيت تفيد أنه خضع للتفتيش، بينما اليهود العراقيون لم يفعلوا ذلك، فعرّضوا أهله للتفيتش مرة أخرى)) وكان تعليق قنديل ((هؤلاء وأولئك يدينون بنفس الديانة..ولكن سلوكهم اختلف لسبب أرجوأنْ يكون واضحًا))..وبالطبع فإنه كان يقصد الفارق الحضارى بين شعبيْن، فرغم إتحاد الديانة، فرّقتْ بينهما الثقافة القومية.
ولأنّ جدودنا هم الذين أسّسوا أول دولة..وفقــًـا للتعريف العلمى لمفهوم الدولة State لذلك عقد قنديل مقارنة بين شعبنا..وغيره من الشعوب فكتب ((إنّ الإغريق لدى وصولهم مصر(332 ق.م) والعرب (641م) كغزاة لم يكونوا قد تحوّلوا– كل على حدة بطبيعة الحال– إلى شعب بالمعنى الذى نفهمه من عبارة جماعة قومية موحدة، أى أنّ هؤلاء وأولئك لم يكونوا قد غادروا بصفة نهائية ضيق الانتماءات القبلية إلى رحابة الانتماء القومى..وبعبارة أخرى لم يكونوا قد ارتقوا إلى مستوى إعلاء شأن محل الإقامة، أى رابطة الأرض، بشكل حاسم على رابطة الدم، أى رابطة القبيلة أوالبطن أوالعشيرة أوالفخذ..وفى هذا السياق عقد مقارنة مهمة بين الإغريق والعرب من ناحية..وشعبنا من ناحية أخرى، بشأن وضع المرأة، إنسانيًا واجتماعيًا وتشريعيًا، فقدّم العديد من الأمثلة عن وضعها المشرّف..والحضارى عند المصريين القدماء..ووضعها المتدنى والظالم عند الإغريق والعرب.
000
اختلف قنديل مع الثقافة السائدة التى ترى أنّ ((اللغة العربية هى اللغة القومية للمصريين)) وأشارإلى النقد الحاد الذى وجّهه طه حسين إلى اللغة العربية فى كتابه (مستقبل الثقافة فى مصر) فكتب ((إنّ اللغة العربية عسيرة، لأنّ نحوها مازال عسيرًا ولأنّ كتابتها مازالتْ عسيرة))..وأضاف ((إنّ كثيرًا من الناس ليقولون إنّ اللغة العربية التى يتعلمها الصبى فى المدرسة لغة أجنبية)) وأنّ ((اللغة العربية إنْ لم تنل علومها بالإصلاح صائرة- سواء أردنا أو لم نرد- إلى أنْ تُصبح لغة دينية ليس غير)) وأما النحوفهو يتمنى لوأعفى المتعلمين منه..كان هدف طه حسين تطويراللغة العربية فكتب ((إما أنْ نــُـيسرعلوم اللغة العربية لتحيا..وإما أنْ نحتفظ بها كما هى لتموت)) وكتب إنّ اللغة العربية ((إنْ لم تكن أجنبية فهى قريبة من الأجنبية، لايتكلمها الناس فى البيوت، ولايتكلمونها فى الأزهرنفسه)) رغم كل ذلك كان يرى أنّ اللغة العربية هى لغة المصريين وهى ((اللغة الوطنية)) (مستقبل الثقافة فى مصر- دارالكتاب اللبنانى– بيروت- المجلد التاسع– عام1973- الصفحات 31، 248، 298،299، 303، 311) فعقب قنديل ((تقتضينى أمانة العلم..ونزاهة الضميرأنْ أقرّرأنّ السبب يكمن فى أنّ اللغة العربية الوسيطة أجنبية ميتة، لم يتحدثها المصريون العاديون فى أى مرحلة من مراحل تاريخهم الوسيط أوالحديث، دع عنك القديم..وميتة تجاوزها التاريخ اللغوى..وتركها بجواراللاتينية والإغريقية والسريانية والأنجلوساكسونية..وسائراللغات الكلاسيكسية المقدسة فى العصورالوسيطة والقديمة))..وقدّم الدليل على أنّ اللغة العربية ميتة بشاهد من التاريخ ((إذْ عثرالعالم الفرنسى Dussond على نقش على قبرالملك إمرؤالقيس ثانى ملوك الحيرة..وجد المناذرة وقبره فى (النمارة) أو(إنمارة) الواقعة فى (الحرة) ((وبهذه الحروف النبطية أوحروف مشابهة كُتب المصحف الإمام أوالمصحف العثمانى..ومنذ ذلك الحين أخذ الإصلاح يدخل على هذه الحروف تلوالإصلاح)) الإصلاح الأول على يد اللغوى أبوالأسود الدؤلى..والثانى على يد يحيى بن يعمر..ونصربن عاصم..والثالث على يد اللغوى الكبيرالخليل بن أحمد الفراهيدى..وفى ضوء ذلك ((حظيتْ الحروف العربية النبطية الأصل بثلاثة إصلاحات كبرى فى غضون فترة لاتتجاوزقرنــًـا من الزمان قبل أنْ تصل إلى مرحلتها الأخيرة التى بقيتْ عليها حتى يومنا هذا، أى قرابة إثنى عشرقرنًا))
أما الراحل العظيم لويس عوض الذى عايرته الثقافة السائدة (بقبطيته) ويقصدون مسيحيته نتيجة الجهل بالفارق بين المسيحية كديانة والقبطية كقومية..والذى أقيمتْ ضده دعوى قضائية لسحب جائزة الدولة التقديرية منه لأنه بحث فى جذوراللغة العربية..والذى صادرالأزهركتابه (مقدمة فى فقه اللغة العربية)..وحظى بشرف الهجوم عليه من كتاب اليمين إلى كتاب اليسار، فإنه (لويس عوض) شارك الثقافة السائدة فى النظرإلى اللغة العربية فى كتابه المذكورفكتب أنّ ((اللغة العربية غدتْ لغة مصرالقومية))..ورغم أنّ قنديل وصف عوض (بالرائد الكبير) فقد اختلف معه..ورأى أنّ عبارة عوض تنطوى على ((نفى للواقع اللغوى فى مصر، فاللغة العربية التى حازتْ اسم (الفصحى) ليست لغة المصريين القومية..وإنْ كانت اللغة الرسمية بينهم ولغة التعليم..والثقافة ونشرات الأخبار..ولعلّ إحدى بديهيات اللغويات أنّ اللغة القومية (تُـكتسبْ) ولا(تُتعلم) وقد تأثرعلم اللغويات فى هذه النقطة بالذات بنظرية اللغوى الأمريكى الكبير(ناعوم تشومسكى) عن (النحوالتوليدى) الذى حاول ببراعة فائقة منذ الستينات من القرن العشرين أنْ يُجيب عن هذا السؤال: كيف يتأتى للطفل الإنسانى، دون سائرأطفال الفصائل الأخرى..كالقردة العليا مثلا، أنْ يستنبط بمفرده قواعد النحوللغة الحية المنطوقة التى يتعرّض لها من جانب أبويه وذويه، ويستخدمها فى إنتاج جمل..وتعابيرلم تطرق أذنيه من قبل؟ حقــًـا ثمة جدل واسع النطاق حول هذا السؤال..ولكن ما يتفق عليه اللغويون أنّ اللغة القومية..هى تلك التى يُتقن الطفل الإنسانى فهمها إذا سمعها..والنطق بها إذا أراد التعبيرعن أفكاره ومشاعره قبل أنْ يبلغ الخامسة من عمره أونحو ذلك..وبناءً عليه فإنّ اللغة العربية ليست بحال من الأحوال لغة قومية للمصريين، بل وليست كذلك حتى بالنسبة للعرب الشماليين أوالجنوبيين، تمامًا مثلما لاتُـعد اللغة اللاتينية لغة قومية فى الوقت الحاضربالنسبة للإيطاليين المعاصرين..وإنْ كانت كذلك فى زمن مضى..وغنى عن الذكرأنّ الطفل الفرنسى والسويدى والإنجليزى وسائرالأطفال فى مختلف أرجاء المعمورة، يتوجّهون إلى المدرسة وهم يُـتقنون المهارتيْن الأولييْن للغتهم القومية..وهما السماع/ الفهم..والتعبير/ النطق..ولايكون عليهم أنْ يتعلموا فى المدرسة إلاّ المهارتيْن الأخرييْن: القراءة والكتابة، فاللغة هى اللغة المنطوقة، أما اللغة المكتوبة فليست إلاّتمثيلا لما هومنطوق..وكل تغيريحدث فى النسق الكتابى لابد وأنْ يكون قد سبقه تغيرفى النسق المنطوق..ويُـقـدّرالعلماء عمراللغة الإنسانية بما يزيد على مليون سنة، فيما لايتجاوزعمرأقدم نسق كتابى ستة آلاف عام))
وقد تصوّرالبعض أنّ عوض يهدم اللغة العربية عندما كتب ((ظهرتْ بين الكافة من المصريين العامية المصرية، التى كان عمودها الفقرى من اللغة العربية، ونسيج لحمها من اللغة المصرية الحديثة))..وأنّ ((العامية المصرية خرجتْ من العربية فكتب قنديل ((وهذا ما يتفق فيه عوض مع الثقافة السائدة فى مصر..وما اختلفتُ فيه بوضوح معه..ومع هذه الثقافة..والسبب الجهل بأبجديات علم اللغويات..والجهل باللغة المصرية القديمة..وبصفة خاصة المرحلة الثالثة، أى اللغة القبطية)) وهذه الفقرة توضح بجلاء أنه لايمكن إدراك العلاقة بين اللغة المصرية القديمة بمراحلها الثلاث..ومرحلتها الحديثة، إلاّبتعلم اللغة المصرية القديمة وإجادتها..وهوما فعله قنديل الذى لم يكتف بتعلم اللغة المصرية القديمة، وإنما تعلم أيضًا اللاتينية واليونانية القديمة، بخلاف أربع لغات حية حديثة.
استند قنديل إلى علماء اللغويات الذين إتفقوا على أنّ اللغة (أى لغة) تنقسم إلى كلمات (أى الطوب) وبنية Structure ولكى يؤكد ذلك فإنه خصّص جزءًا من كتابه لفحص العلاقة بين اللغة العربية واللغة المصرية الحديثة..من خلال ثلاثة مجالات: النحويات والصرفيات والصوتيات. ففى الصرفيات عقد مقارنة بين اللغة العربية..واللغة المصرية الحديثة، فيما يتعلق بصيغ الأفعال واستخراج اسم الفاعل. وأنّ اللغة المصرية الحديثة أسقطتْ خمس صيغ..وأبقتْ على صيغة واحدة..وفى الأسماء– كذلك– أسقطتْ اللغة المصرية الحديثة خمس صيغ عربية..وأبقتْ على صيغة واحدة..كما أنّ اللغة المصرية الحديثة أسقطتْ ست صيغ لاسم الموصول (الذى، التى..إلخ) وحفرتْ لنفسها اسمًا موصولاواحدًا هى صيغة (اللى) أى أنّ الفوضى تنتظم..وفى الصوتيات ذكرأنّ اللغة المصرية الحديثة تخلــّـصتْ من صائتيْن مدغميْن أوما يُسمى ب ال Diphtong وتحويلهما– كلٍ على حدة– إلى صائت بسيط: مثال (موْز، بيْن) العربيتيْن..و(موز، بيِن) المصريتين.
وللتأكيد على أنّ اللغة بنية Structure وليستْ مفردات، ترجم ما ذكرته الموسوعة البريطانية (ص500ج 5 طبعة 89) حيث جاء بها ((إنّ نصف اللغة الإنجليزية على وجه التقريب يرجع إلى أصل إنجليزى قديم، ألمانى وإسكتلندى، والنصف الآخريعود إلى أصل إيطالى أورومانى (فرنسى ولاتينى) مع مستوردات غزيرة من اللغة الإغريقية فى مجالات العلم..واستعارات من لغات أخرى)) وضرب قنديل مثالامن اللغة الدرية، إحدى لغات أفغانستان بهذه العبارة ((بدون أشخاص موظف داخل شدن)) وعلّق عليها قائلا ((ورغم أنّ كلماتها أوكل كلماتها فيما عدا كلمة واحدة عربية، فهى تحتاج إلى ترجمة بكل تأكيد، إلى العربية فيما لوأراد شخص عربى اللغة أنْ يقف بدقة على معناها)) وفى رده على عوض كتب ((...وبذلك يكون الأرجح بشأن لغة المصريين المعاصرين أنها أخذتْ عمودها الفقرى من اللغة المصرية القديمة..وبعض نسيجها من اللغة العربية، وأقصد بالعمود الفقرى البنية..وبالنسيج الكلمات..ولكن عوض لم يكن ليصل إلى هذه النتيجة لأنه اشترك مع لغويينا فى عدم معرفة لغة جدودهم، أقصد اللغة المصرية القديمة، حتى فى مرحلتها الثالثة (القبطية) التى تُعد أقرب منالا..ولوأنّ هؤلاء اللغويين نعوا على صاحب الكتاب قبطيته..وكان الأجدربهم أنْ ينعوا عليه وعلى أنفسهم قبله الجهل باللغة القبطية..ولعلّ هذا الجهل هوالذى حال بين صاحب الكتاب وبين تفسيرزمن الاستقبال فى لغة المصريين المعاصرين تفسيرًا راجحًا))
ورغم أنّ طه حسين انتقد اللغة العربية، فقد كان من أنصارالإبقاء على حروفها. وكان هناك فريق آخرعلى رأسهم عبدالعزيزباشا فهمى وسلامة موسى، نادى باستخدام الحروف اللاتينية. أما قنديل فقد اختلف مع كل الذين سبقوه رغم أنه يراهم من ((المُصلحين الذين امتازوا بالصدق مع النفس والإخلاص لبنى وطنهم والشجاعة فى الرأى)) وأسّس اختلافه بسؤال ((لماذا لم ينتبه هذا الفريق إلى الحروف القبطية؟ وفى عبارة أخرى: لماذا حـدّد سلامة موسى– ولم يكن منفردًا فى ذلك– مطلبه ((يجب الخروج من آسيا وأنْ نلتحق بأوروبا، اليوم والغد)) وأضاف قنديل ((وفى سائرالأحوال لا أرانى أتهيب..ولاينبغى أنْ يظن بى ذلك الدعوة إلى الكتابة بالحروف القبطية..وبتحديد أدق اعتماد النسق الأبجدى القبطى فى وضع أبجدية جديدة، فمثل هذه الأبجدية هى التى تستطيع أنْ تصلنا بالعصرالذى نحياه، حيث أنّ الحروف اللاتينية مشتقة من الحروف اليونانية القديمة..وهذه تــُـشكل25 حرفــًـا التى هى مجموع الحروف القبطية..كما أنها تصلنا فى نفس الوقت بتاريخنا القديم الذى لايزال حيًا فى وجداننا..وفى عبارة منقحة عن الرائد الكبير((يجب أنْ نخرج من آسيا..وأنْ نستمركما نحن فى إفريقيا بصفة أساسية))
وذكرأنّ ساويرس بن المقفع كتب تاريخ البطاركة باللغة العربية، فى القرن العاشرالميلادى..وكان الحس القومى يفرض عليه أنْ يكتبه باللغة القبطية..وأنّ هذا الحس القومى هوالذى أملى على الشاعرالفردوسى أن يكتب الشاهنامة- فى نفس القرن- باللغة الفارسية..ونقل ما كتبته د.سيدة إسماعيل كاشف فى كتابها (مصرفى عصرالولاة) إذْ قالت ((ولاريب فى أنّ انتشاراللغة العربية فى مصرميزة للعرب على غيرهم من الفاتحين، فإنّ الشعوب المُـختلفة التى توالتْ على مصرلم تستطع القضاء على لغة المصريين..وهذه ظاهرة تستحق إمعان النظرلأنّ تنازل شعب عريق فى المدنية..كالشعب المصرى عن لغته..وإتخاذ لغة شعب لايوازيه فى الحضارة، أمرغيرعادى))
000


كان طه حسين يرى فى كتابه (مستقبل الثقافة فى مصر) أنّ مصرلاتنتمى (ثقافيًا) إلى الشرق..وإنما إلى حوض البحرالأبيض المتوسط..وبدأ مشروعه متسائلا ((أمصرمن الشرق أم من الغرب ؟)) وأضاف ((وأنا لا أريد بالطبع الشرق الجغرافى والغرب الجغرافى..وإنما أريد الشرق الثقافى والغرب الثقافى)) وبتحديد أكثرذكر((أنّ العقل المصرى منذ عصوره الأولى عقل إنْ تأثربشىء فإنما بالبحرالأبيض المتوسط)) والثقافة عند طه حسين هى ما أبدعه المصريون القدماء فى مجال الفن..وقوانين فى مجال التشريع..وكذلك فى الطب والهندسة والفلك فى مجالات العلوم..وهذه كلها نقلها اليونانيون من مصر..وأخذوا بها ثم حدث التأثيروالتأثر..وأنّ اليونانيين كانوا ((فى عصورهم الراقية..كما كانوا فى عصورهم الأولى، يرون أنهم تلاميذ المصريين فى الحضارة..وفى فنونها الرفيعة بنوع خاص)) (مستقبل الثقافة فى مصر- مصدرسابق- من ص17- 22)
ورغم أنّ قنديل وصف طه حسين بأنه ((قمة ما أبدعه العقل المصرى الحديث)) فقد اختلف معه فيما يتعلق بخصوصية الثقافة القومية لنا نحن المصريين، ودارمشروعه الفكرى حول سؤال ((هل نحن المصريين عرب؟)) ورأى أنّ مصر((بصفة أساسية إفريقية..والحضارة المصرية القديمة حضارة سوداء. والمصريون حاميون بصفة أساسية..حقــًـا تطوّروا..وحقــًـا تأثروا، لكنهم استمروا مصريين..وماكانوا ليذوبوا، بل ذوّبوا واستوعبوا ومصّروا الآخرين، لسبب بسيط هوأنهم الأعظم حضارة..ولم يكن هوراس شاعرالرومان ومؤرخهم يكتب عبارة خلابة إذْ كتب Capti Captivus Cepurent ((لقد أسرالمأسورون الآسرين) بل وضع قانونـًـا إنسانيًـا يصدق على اليونان والرومان مثلما يصدق على سائرالمتحضرين عندما يغزوهم الأقل منهم حضارة))
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,992,549
- العروبة و(مرض الحول الفكرى)
- الجزية: النص والتاريخ القديم وعصرالحداثة
- الصهاينة العرب الذين رفعوا (شعارالعروبة)
- المواطن بين أنظمة تحميه وأنظمة تسحقه
- البلطجى العالمى وصغارالبلطجية
- تاريخ المصاحف والأخطاء المطبعية الحديثة
- الرؤوس النووية عند إسرائيل (المزعومة)
- البحث عن دواء يقضى على المرض الناصرى
- الجنسية مقابل الاستثمار: أليست رشوة سافرة؟
- تراجيديا الشعب السودانى
- لماذا خلع أعضاء المجلس العسكرى السودانى أقنعتهم؟
- خلفيات هزيمة بؤونة/ يونيو1967
- السعودية تستعين بإسرائيل لتدميراليمن
- متى يتعلم دراويش العروبة من درس الواقع؟
- أنظمة الحكم المختلفة وموقفها من الديمقراطية
- العروبة ونفى خصوصية الشعوب العربية
- مغزى الهرم الزجاجى أمام متحف اللوفر
- لماذا هتف إسرائيليون: نتانياهوكارثة على إسرائيل؟
- العلوم الطبيعية وكارثة تعريبها
- لماذا خاف جنرالات الجزائرمن لويزا حنون؟


المزيد.....




- بعد.. استهداف معامل تكرير البترول..نائب رئيس الإفتاء بالسويد ...
- وزير الشؤون الإسلامية السعودي يلتقي مبعوث رئيس الوزراء البري ...
- الإيغور: فيديو يثبت استخدام تقنية التعرف على الوجه في المساج ...
- الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (1)
- السفير السعودي بالكويت: قادرون على حماية أراضينا والدفاع عن ...
- أمين عام رابطة العالم الإسلامي: الإسلام السياسي يمثل تهديدا ...
- جامعة القرآن الكريم بالسودان تُكرِّم عضوًا بـ”الشئون الإسلام ...
-  وزير الشئون الإسلامية السعودي: الرئيس السيسي “مجاهدا” حافظ ...
- بالصور... ابنة قاديروف تفتتح متجرا للأزياء الإسلامية في موسك ...
- حركة مجتمع السلم الإخوانية بالجزائر: الانتخابات الرئاسية ممر ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - حاضرالثقافة فى مصر: عنوان واحد ورؤيتان