أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(2-3)















المزيد.....


الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(2-3)


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi )


الحوار المتمدن-العدد: 6198 - 2019 / 4 / 11 - 14:22
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لقد قدم الحسن في تعريته للنفس وفضحها، أسلوب ما يمكن دعوته ببكاء الوجود والعدم. ويستمد هذا الأسلوب أصوله من بلوغ الحكمة بوصفها خروجا على العقل بمعاييره. بمعنى بلوغ حدس الذات الخالصة من شوائب العابر والغابر. إذ ما هو السر الذي يجعل، على سبيل المثال، آيات القرآن أكثر قربا إلى قلوب المريدين؟ وعبارات المسيح أكثر إثارة للروح والذاكرة؟ وإيماءات بوذا العملية اشد توهجا بالنسبة للخيال؟ إنها الوحدة الحية للكلمة والمعنى، وبالتالي حدس الذات الخالص من شوائب العابر! فكلما يرتقي المرء في مدارج المطلق، كلما يصبح الوجود حدثا عابرا أو وقفة في وجود الكون، أي لحظة في الأبد الزائل! وهي المفارقة التي يلتاع فيها الروح، ويسجد العقل أمام إشكالاتها. كما انه السبب الذي يجعل الصراخ والصمت مظاهرا من مظاهر بكاء الوجود والعدم. بمعنى إدراكه إنهما شيء واحد من حيث المبدأ والمعاد، وأن القوة الوحيدة القادرة على ربطهما بصورة متجانسة هي الإرادة الحرة بوصفها إخلاصا للحق والحقيقة. إذ عادة ما تضع هذه الإرادة القلب أمام مهمة تأمل نقص الوجود واقترابه من العدم. وفي مجراها يبدأ القلب بذرف دموع الحسرة والعبرة، ومن احتراقهما تتصاعد الغيرة المتوهجة بحرارة المساعي الفردية من اجل الخروج من مأزقها. بحيث قيل عنه أن أحدا لم ير الحسن البصري ضاحكا على مدار أربعين سنة! وأن "قلبه كان محزونا!". وقد شخّصه مرة احد الرجال قائلا: "كنت إذا رأيته قاعدا، كأنه أسير قدم ليضرب عنقه! وإذا تكلم كأنه يعاين الآخرة فيخبر عن مشاهدتها! وإذا سكت كأن النار تسعر بين عينيه!" . لهذا قال عنه بعضهم:"ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن. وما رايته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة" . وقد التقط أبو نعيم الأصفهاني هذه الصورة ووضعها في فكرة جامعة مفادها، أن الحسن البصري "حليف الخوف، أليف الهمّ والشجن، عديم النوم والوسن"، "الفقيه الزاهد، المتشمر العابد"، الذي كان "لفضول الدنيا وزينتها نابذا، ولشهوة النفس ونخوتها واقذا" . ومن كل هذه الصور الخلابة والجذابة لخيال العامة والخاصة استقطرت زيوت اللوحة العطرة التي رسمته على خلفية ما آل إليه مصير ابن سيرين. إذ تنقل لنا هذه الحكاية، كيف أن احد الأشخاص حزن حزنا شديد قاربه من الموت على موت أبن سيرين. وعندما رآه في المنام وهو في حالة جميلة من العيش، سأله عن حال الحسن البصري، فأجابه ابن سيرين:
- قد رفع فوقي بتسعين درجة!
- ومم ذاك؟
- بطول حزنه!
ولا يعني "طول الحزن" هنا سوى شموله وكماله، بمعنى الحزن باسم الجميع وللجميع. ولا يمكن بلوغ هذه الحالة دون تحقيق الحزن في الشخصية. وهذا بدوره مستحيل وغير معقول دون شمولية الموقف النقدي من النفس الآخرين بمعايير المحبة والإخلاص فيها. فالحزن الشامل هو الوجه الآخر للمحبة الشاملة. وحالما يجري وضع هذه العلاقة بعبارة الفكرة الأخلاقية، فإنها تتخذ حينذاك صيغة العداء المستحكم بين الفضيلة والرذيلة. وحالما يجري نقلها إلى ميدان الحياة السياسية وصراعها، فإنها تتخذ صيغة العداء المتراكم بين الحق والباطل. وقد حقق الحسن البصري في موقفه من الحزن هذه المعادلة. من هنا قوله "أن المؤمن يصبح حزينا ويمسي حزينا ولا يسعه غير ذلك لأنه بين مخافتين، بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين اجل قد بقى لا يدري ما يصيب فيه من المهالك" . بمعنى وقوفه دوما أمام شفرة الحياة والموت الحادة بوصفها الصيغة الجسدية والروحية لوحدة الوجود والعدم. وهي الشفرة التي تحلق الروح من بقايا ونوايا النفس، والجسد من بقايا ونوايا الرذيلة لتجعلهما متقلبين "باليقين في الحزن"، كما يقول الحسن البصري . فالمرء كما يقول الحسن البصري يكفيه ما يكفي العنيزة من التمرة والشربة من الماء" . وبالتالي "ما يسع المؤمن في دينه إلا الحزن" . وهو استنتاج لا يحكمه شيئا غير منطق الرؤية التاريخية والأخلاقية. من هنا مقارناته المبنية على أساس مرجعية المصادر النظرية (القرآن) والعملية (تجارب الإسلاف)، كما في قوله "ما أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن ويؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه، وكثر بكاؤه وقل ضحكه، وكبر صبه وشغله وقت راحته وبطالته" . وانه "لا يؤمن أحد بهذا القرآن، إلا حزن وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب، وإلا تعب" . ولا يعني ذلك سوى وضعه حالة الأفراد والجماعات والأمة على محك النماذج المثلى للرؤية القرآنية عن الحق والفضيلة. وهو محك له نماذجه الفعلية في التاريخ. من هنا لا يعني الرجوع إليها تقليد بقدر ما يعني تأسيس وعي الذات التاريخي الأخلاقي. من هنا قوله "ما من الناس رجل أدرك القرن الأول، أصبح بين ظهرانيكم إلا أصبح مغموما وأمسى مغموما" . بحيث جعلته هذه الحالة مرة يقول:"ذهبت المعارف وبقيت المناكر. ومن بقي من المسلمين فهو مهموم" . لهذا نراه يجد في في الحزن أسلوب التنقية الذاتية للفرد من اجل الارتقاء به إلى مصاف المرجعية الروحية والعملية في مواجهة الجهل والمنكر. بحيث نسمعه يقول مرة: "كثرة الضحك تميت القلب" .
وليس هذا "الغلو" الظاهر في العبارة سوى الصيغة الأدبية التي تعكس غلو الروح الأخلاقي في مواجهة تداعيات الانحطاط المعنوي والسياسي للسلطة والأمة على السواء، أي خروجهما على مبادئ القرآن الكبرى في مواقفه من الفضيلة والرذيلة. من هنا استنتاجه الفكري والعملي القائل، بان "طول الحزن في الدنيا تلقيح العمل الصالح" . انطلاقا من الحكمة القائلة، بأن العمل الصالح هو الشعاع الذي تسكبه مرآة القلب النقية على أزقة السلوك الضروري للمرء في مواجهة إشكاليات الوجود الخاص والعام. وهي إشكاليات محكومة هنا بفكرته عن الحياة والموت، والوجود والعدم. من هنا قوله:"يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وان الساعة موعده، وان القيام بين يدي الله مشهده، أن يطول حزنه". بل جعل من هذه النتيجة استنباطا واستقراء للعقل في مواجهة الوحدة الأبدية للحياة والموت، كما في قوله:"ما رأيت عاقلا قط إلا أصبته من الموت حذرا وعليه حزنا" . لهذا جاب مرة عندما عاتبوه في شدة حزنه قائلا:"ما يؤمنني أن يكون قد اطلع على في بعض ما يكره فمقتني! فقال: اذهب فلا غفرت لك! فانا اعمل في غير معمل" . وقد استنطق هذه المعاناة الذاتية مرة بعبارة بليغة قال فيها:"لو أن بالقلوب حياة! لو أن بالقلوب صلاحا! لأبكيتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة!" .
إننا نقف هنا أمام عبارة لا تعني بمعاير المنطق العقلي المجرد أكثر من تحصيل حاصل. انطلاقا من أن القلوب الحية والصالحة ليست بحاجة إلى من يبكيها، لأنها مستعدة للبكاء بذاتها. غير أن الحدس القائم وراء هذه المطلب يقوم في طبيعة الإلهام الذي توحي به معاناة القلب الحي والصالح في استعداده للبكاء الأبدي. ويتضمن هذا الاستعداد في أعماقه فكرة النفي الدائم لإشكالية الوجود والعدم، التي تثيرها نفسية وذهنية الانقطاع المفتعل في الأفعال والمواقف الإنسانية بين الظاهر والباطن، والعلم والعمل، والروح والجسد، والأبد والآن الدائم. إذ لا يعني الاستعداد للبكاء حتى انقشاع غمامة العابر أمام محنة الخلود الأبدي، سوى وضع الإرادة أمام مهمة استكناه ذاتها بوصفها قيمة مستقلة والعمل بموجبها. وهي نتيجة مبنية في آراء الحسن البصري على أساس موقفه من وحدة الحياة والموت بوصفها الإشكالية الحسية والمعنوية لوحدة القدر الوجودي والقدرة الإنسانية الحرة. وهي علاقة تتصف بقدر هائل من الشك واليقين، التي لا يستطيع بعث التجانس في أوتارها شيء غير القلق المنبعث من دقات الوجود والعدم، أو الحياة والموت بوصفها دقات الوجدان المعقول بمعايير الإخلاص للحق والحقيقة. من هنا قول احدهم عنه، بان الحياة تصبح لا شيء بعد كل دخول على الحسن البصري وخروجا منه . بمعنى رؤيتهم فيه تجسيد ما أسميته بدقات الوجدان المعقول في إخلاصه للحق والحقيقة. حينذاك تضمحل إشكالية الشك واليقين، ويتحول القلق إلى باعث التجانس في أوتار الأنغام الجميلة للقلوب والأعمال. ووضع الحسن البصري هذه النتيجة في كثرة كثيرة من العبارات البسيطة والمباشرة التي خاطب بها بني البشر مثل:"انك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك" . وكذلك في مخاطبته الإنسان بعبارة يا ابن ادم، مثل "يا ابن ادم! إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك" .، أو عبارة "يا ابن آدم! إنما أنت مراحل، كلما مضى منك يوم أو ليلة قطعت مرحلة. فإذا فنيت المراحل بلغت المنزل. فالساعات تنقلنا والأيام تطوينا" . والحصيلة هي ما صرخ بها الحسن البصري مرة عندما قال:"فضح الموت الدنيا! فلم يترك فيها لذي لب فرحا" .
وليس في أفكار الحسن البصري هذه امتهانا للحياة أو إساءة لما فيها من رونق الجمال والمعنى، كما لا تحتوي على أي قدر من الإيماء والإشارة لإضعاف اليقين بما فيها من قدرة واستعداد للكمال، بقدر ما انه أراد الكشف عن ابسط تجليات الحقيق الأبدي القائلة، بأن عمل الإنسان الحقيقي لا ينتهي إلا بالموت، كما وضعها في إحدى كلماته القائلة: "ما لعمل المؤمن انتهاء دون الموت" . ولا علاقة لهذا التقرير بهذه البديهة التي تتماهى مع ثنائية الوجود والعدم، بقدر ما انه يتسلق عروق الإنسان النابضة لتنسيق سيلان دماءها مع دقات القلب الروحي. لكنه تنسيق يستحيل رفعه إلى مصاف البديهة الروحية ما لم ترتقي الإرادة الإنسانية إلى مصاف ما يمكن دعوته بوحي الوجود الحق. كما أنه وحي يستحيل إدراك كنهه والعمل بموجبه دون بلوغ حالة "الاستعداد للموت". فهو الوحيد القادر على جعل الحياة تبرق ببريقها، بوصفها حلقات عابرة في إرادة الخير التام. من هنا مخاطبته الجمهور:"المبادرة! المبادرة! فإنما هي الأنفاس لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله. رحم الله امرؤ نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه" . وان يدعوهم قائلا:"تصبروا! وتشددوا! فإنما هي أيام قلائل! وإنما انتم ركب وقوف يوشك أن يدعى الرجل منكم فيجيب ولا يلتفت. فانتقلوا بصالح ما بحضرتكم" . وذلك لأنه "لا راحة للمؤمن إلا في لقاء الله". وبالتالي لا يعني الموت بهذه الحالة سوى يوم السرور والفرح والعزة والشرف . وليس المقصود بذلك سوى أن الموت هو اللحظة التي تكشف حقيقة الوجود والعدم في المرء، أي ما إذا كان جسدا عابرا أو روحا أبديا. لهذا نراه مرة يجيب على سؤال:
- يا أبا سعيد! ألا تغسل قميصك؟
- الأمر أعجل من ذلك!
لقد جعل الحسن البصري من الاستعداد للموت شعار المعركة العلمية والعملية القاسية للرقي الروحي. وهو شعار بسيط وعميق بقدر واحد يقوم في أن الموت معقود بنواصي المرء وان الدنيا تطوى من وراءه . وليس مصادفة أن يقولوا عنه بأن الحديث معه حالما تجلس إليه لا يتعدى غير النار وأمر الآخرة وذكر الموت . وهو تهويل! لكنه يعكس في أعماقه حب الحياة بوصفها مقاساة كبرى واختبار دائم للشخصية الروحية. وهو موقف جسده الحسن البصري على امتداد حياته المديدة. بحيث نراه يقول لمن زاره قبيل موته:"مرحبا بكم وأهلا! حياكم الله بالسلام وأحلنا وإياكم دار المقام! هذه علانية حسنة، إن صبرتم وصدقتم وأيقنتم! فلا يكن حظكم من هذا الخبر رحمكم الله أن تسمعوه بهذه الأذن وتخرجوه من هذه الأذن، فان من رأى محمد فقد رآه غاديا ورائحا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة. رحم الله عبدا جعل العيش عيشا واحد فأكل كسرة، ولبس خرقا، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى رحمة الله حتى يأتيه اجله وهو على ذلك" . وحقق هذا الموقف تجاه النفس أولا وقبل كل شيء. لكنه بقى في الوقت نفسه وفيا لتقاليد الأسلاف وتجارب الحقيقة. من هنا قوله، بأنه أدرك "قوما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه، وما يبالون أشرقت الدنيا أم غربت" . وأوصله هذا الإدراك إلى الفكرة القائلة، بأن الدنيا وديعة ينبغي تأديتها لمن ائتمنهم عليها . انطلاقا من "إن الدنيا دار عمل. من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف" . ووضع هذه المقدمة في مطالبته المرء قائلا:"من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياك فألقها في نحره" . لكنه تحدي ينبغي توجيهه صوب النفس من خلال العمل بالفكرة القائلة "اكدح لما خلقت له قبل أن تفرّق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها" . وبالتالي، فإذا "أصبحت فانتظر الموت! وإذا أمسيت فكن على ذلك" . اذ "لا شيء أفضل من رفض الدنيا" . من هنا تحديده للموقف الفردي والنهائي من الحياة والموت بمطلب ما اسماه بضرورة مصاحبة الدنيا بالجسد ومفارقتها بالقلب. ومن ثم الوقوف ضد التيار العارم للعوام، ألا وهو الزهد بها أكثر كلما أعجب بها أهلها . بحيث نراه يقول في احد مواقفه الصارمة:"أهينوا الدنيا! فوالله ما هي لأحد باهنأ منها لمن أهانها" . بينما نراه يختم موقفه هذا في حالة أخرى مخاطبا بنها الإنسان قائلا:"يا ابن ادم! طأ الأرض بقدمك! فإنها عن قليل قبرك" . وهي المفارقة المتسامية للروح الحر في مواجهة إشكاليات الحياة والموت الكبرى، عندما تصبح الأرض ثرى وثريا الفعل الإنساني الحر. إذ تستمد هذه المطابقة مقوماتها من وحي التجربة الأخلاقية وتلقائية أحكامها العلمية والعملية.
إن سيادة الرؤية الأخلاقية ومنظومتها المتغلغلة في آراء الحسن البصري ومواقفه من كل شيء تعكس في مظاهرها انعدام أو ضعف الأخلاق السائدة، وفي باطنها تستجيب لاستلهام العقل الثقافي للأمة الصاعدة في مواجهة إمبراطورية الدولة المستبدة. فقد أدخل الحسن البصري هذه الصيغة الجديدة إلى عالم الثقافة العربية الإسلامية الناشئة. بمعنى رفعها إلى مصاف المنظومة الفكرية وتطوير مفاهيمها بصورة تلقائية تتمثل رحيق ما أسميته بتجارب القرن التأسيسي الأول للخلافة. ذلك يعني أن نقده للواقع لم يقف عند حدود الإدانة ومقارنته بما كان عليه الأسلاف وما ينبغي القيام به، بل عبر تأسيس البدائل في المواقف. بعبارة أخرى، انه اخذ في استلهام العقل الثقافي للأمة من خلال إخضاع تجاربها إلى امتحان حسي وعقلي، ومن ثم تذوقها الفردي الذاتي. بمعنى رفع رؤيته ومواقفه إلى مستوى الحدس الخالص من شوائب الأوهام والأهواء. ففي موقفه من القرآن على سبيل المثال نسمع يخاطب معاصريه قائل:"إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملا. فانتم تكبونه فتقطعون به مراحله. وإن من كان قبلكم رأوه رسائل أتتهم من ربهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار" . ومنها استق موقفه القائل:"تفّقد الحلاوة في ثلاث، فإن وجدتها فابشر وامض لقصدك، وان لم تجدها فاعلم أن بابك مغلق: عند تلاوة القرآن، وعند الذكر، والسجود" .
ولم يعد الإسلام في مواقفه ما هو شائع من نطق اللسان ومستلزماته الظاهرية، بل وحدة ما دعاه الحسن البصري بالسر والعلانية، وإسلام القلب لله، وان يسلم منه كل مسلم وكل ذي عهد" . بل انه وقف مرة بعد أن تلا الآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، ثم قال:إن الله جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة" . في حين نراه يحدد معالم المسلم من خلال منظومة عقلية واقعية وأخلاقية عملية متسامية، كما في قوله، بان "من علامات المسلم قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وتحمل في رفاقة، وصبر في شدة. ولا يغلبه الغضب، ولا تجمح به الحمية، ولا تغلبه شهوة، ولا تفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته، فينصر المظلوم، ويرحم الضعيف. ولا يبخل ولا يبذر ولا يسرف ولا يقتر. يغفر إذا ظلم ويعفو عن الجاهل. نفسه منه في عناء، والناس منه في رخاء" .
كما لم يعد المؤمن ما هو متعارف عليه في الصيغ الإسلامية الظاهرية، بل يتعداه إلى الأبعاد السحيقة للموقف الأخلاقي والإنساني والرقي الروحي. من هنا قوله "ما المؤمن الذي يعمل الشهر والشهرين والسنة والسنتين. إنما المؤمن المداوم على أمر الله، الخائف من مكر الله. إنما الإيمان شدة في لين، وعزم في يقين، واجتهاد في صبر، وعلم في زهد" . من هنا إجابته مرة على سؤال:
- يا أبا سعيد ما الإيمان؟
- الصبر والسماحة!
- ما الصبر والسماحة؟
- الصبر عن معصية الله، والسماحة بأداء فرائض الله" .
بل نراه "يغالي" للدرجة التي أجاب مرة على سؤال وجهوه إليه:
- أمؤمن أنت؟
- إن شاء الله!
- لم تستثني يا أبا سعيد في الإيمان؟
- أخاف أن أقول نعم فيقول الله "كذبت يا حسن! فتحق عليّ الكلمة" .
إننا نقف هنا أمام تحويل تجارب العقل النظري الإسلامي صوب امتحانها العملي الدائم. ومن خلال ذلك كان يجري توليف الأبعاد الجديد للتجربة الذاتية بوصفها تذوقا خالصا للمعاني ومحكوما بتحقيقها الفعلي المتجدد في الظاهر والباطن. وقد ميز هذا الأسلوب الجوهري الجديد جميع مواقف وآراء الحسن البصري من قضايا الكلام (اللاهوت) حتى ابسط مظاهر الحياة الاجتماعية. ففي موقفه، على سبيل المثال، من الدعاء بالأسماء الإلهية، نستطيع رؤية ما يمكن دعوته بتأسيس سلسلة التراكم الأخلاقي الروحي المثالي، الذي وجد نموذجه في النبي محمد. وهو دعاء، كما تقول بعض الروايات، خلصه من مكر الحجاج ومحاولاته القضاء عليه ست مرات ! وهو الدعاء التالي:"سبحانك لا اله إلا أنت، يا رب كل شيء ووارثه ورازقه وراحمه. يا اله الإلهة الرفيع الجلالة، يا الله المحمود في كل أفعاله، يا رحمن كل شيء وراحمه، يا حي، يا قيوم، يا واحد، يا دائم فلا فناء ولا زوال لمكله، يا صمد من غير تشبيه ولا شيء كمثله، يا بارئ فلا شيء كفؤه ولا مكان لوضعه، يا كبير، أنت الذي لا تهتدي القلوب لوصف عظمته، يا بارئ النفوس بلا مثال خلا من غيره، يا زاكي الطاهر من كل آفة، يا كافي الموسع لما خلق من عطايا فضله، يا نقيا من كل جور، يا حنان (وسعت رحمته كل شيء)، يا منان ذا الإحسان، يا ديان العباد كل يقوم خاضعا، يا خالق، يا رحيم، ويا تام، يا مبدع البدائع، يا علام الغيوب، يا حليم (فلا يعادله شيء من خلقه)، يا معيد ما أفناه،يا حميد الفعال، يا عزيز المنيع الغالب في أمره، يا قاهر، يا قريب المتعالي فوق كل شيء، يا مذل كل جبار، يا نور كل شيء، يا عالي الشامخ فوق كل شيء، يا قدوس الطاهر من كل سوء، يا مبدي البرايا ومعيدها، يا جليل، يا محمود، يا كريم، يا عظيم، يا عجيب فلا تنطق الألسنة بكنه آلائه، يا غياثي عند كل كربة، يا مجيبي عند كل دعوة" . وهو دعاء يحتوي من حيث واقعيته ومكوناته وأسماءه الفعالة في الوعي الباطن صورة الله المتكاملة في محبتها للإنسان، ونفيها لجبروت الأموية الاستبدادي.
إن الوحدة المتكاملة لمحبة الإنسان وكراهة الاستبداد والخروج على منطق الحق والعدالة وجدت تعبيرها المتنوع في مواقفه الفكرية من مختلف القضايا الاجتماعية والأخلاقية، والاهم من ذلك تحقيقها العميق في تجاربه الشخصية. ففي موقفه، على سبيل المثال من "الغلو الفكري" نراه يواجهه بغلوّ الحقيق الرافضة، كما وضعه في عباراته القائلة:"محدثان احدثا في الإسلام، رجل ذو رأي سوء زعم أن الجنة لمن رأى مثل رأيه، ومترف يعبد الدنيا، لها يغضب، ولها يرضى، وإياها يطلب. فارفضوهما إلى النار!" . ونعثر على نفس الموقف من خلال دفع الفكرة صوب الباطنية المتسامية. فعندما قيل له مرة:
- لا نفاق اليوم!
- لو هلك المنافقون لاستوحشتم في الطريق" .
وهي فكرة، شأن سابقتها تصب في مجرى نحت الحكمة العقلية والأخلاقية الساعية لتوحيد الأنا في مختلف مستويات وتجليات الظاهر والباطن. من هنا قوله في النفاق "إن من النفاق اختلاف اللسان والقلب، والسر والعلانية، والمدخل والمخرج" . فقد جرّب هذه الأفكار وحققها على نفسه كما في قوله "والله لان أكون اعلم إني برئ من النفاق أحب إلي من قلاع الأرض ذهبا" . وكذلك في موقفه من النفس عندما قال "لو أني اعلم إني برئ من النفاق كان أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" . وليس مصادفة أن يقول مرة عندما حكوا عن حالة رجل خرج من النار بعد ألف سنة، فبكى وقال "يا ليتني كنت مثل ذلك الرجل" . بمعنى انه وضع إشكالية الأبد، بما في ذلك أوهامها "الجليلة" ضمن سياق معاناته الأخلاقية بوصفه أسلوب التنقية الدائمة للانا. انطلاقا من أن طريق التنقية والتطهير هو طريق الامتحان الأبدي للانا في محاولاتها بلوغ حقيقة اليقين. وهو المعنى الذي يمكن تلمسه في قوله "لو لم يذنب المؤمن لكان يطير طيرا، ولكن الله قمعه بالذنوب" .
غير أن الإرادة الحرة للإنسان تضعه على الدوام أمام مهمة إدراك الحد القاطع بين الفضيلة والرذيلة، بوصفه الحد الفاصل بين عالمين واتجاهين. إذ بين الإنسان وربه، كما يقول الحسن، "حد من المعاصي معلوما، إذا بلغه العبد طبع على قلبه فلم يوفق بعدها للخير" . وهو الحد الذي لا يعني من الناحية الفعلية سوى عيون الرقابة الأخلاقية الذاتية التي تحاسب النفس والجوارح على كل ما يخالج اعم أعماقها من نية وأفعال. وهي الحالة التي تصورها النادرة المروية عنه، وكيف انه دخل مسجدا ليصلي فيه المغرب، فوجد إمامهم حبيبا العجمي. فلم يصل خلفه لأنه خاف أن يلحن لعجمية في لسانه. فرأى في منام تلك الليلة قائلا يقول له:"لم لم تصل خلفه؟ لو صليت خلفه لغفر الله لك ما تقدم من ذنبك!". وهي نادرة تكشف أولا وقبل كل شيء عن فاعلية النقد الأخلاقي الذاتي والمحاسبة غير الواعية بوصفها الحالة المستبطنة لوعيه العقلي الأخلاقي. من هنا رده في إحدى المرات على احد الأشخاص الذين أراد الاعتذار منه بسبب سوء تصرفه، قائلا: "لا تعتذر إليّ، وتب إلى ربك" . لقد أراد الحسن البصري هنا دفع الاعتذار الظاهر صوب التربية الباطنية للإرادة والأخلاق استنادا إلى مقوماتها الذاتية. وذلك لان الاعتذار الظاهر مهما كان شكله ومحتواه ومحدداته لا يمكنه تحرير النفس بصورة حقيقية. وذلك لما في الاعتذار الخارجي من وسوسة فاعلة بالنسبة لخلاص النفس وتحريرها من مسؤولية الموقف الباطني. وهو الفكرة التي جعلت مواقف الحسن البصري تتصف بقدر متجانس من الرؤية الأخلاقية الإنسانية، كما نراها على سبيل المثال في الحوار المقتضب الذي جري بينه وبين معاوية بن قرة. فقد سأله هذا مرة قائلا:
- أعود مريضا أحب إليك أو اجلس إلى قاص؟
- عد مريضك!
- أشيع جنازة أحب إليك أو اجلس إلى قاص؟
- شيع جنازتك!
- وان استعان بي رجل في حاجة أعينه أو اجلس إلى قاص؟
- اذهب في حاجتك!
وتكشف هذه المحاورة بصورة نموذجية مبدأ الحسن البصري في تحدي إشكاليات الحياة بوصفه أسلوبا لبلوغ حقيقة اليقين الأخلاقي. فالسؤال شك، واليقين فعل عندما يتعلق الأمر بامتحان الإرادة واختبارها. من هنا جوهرية العمل في منظومته الفكرية والأخلاقية، كما في قوله "فضل الفعال على المقال مكرمة، وفضل المقال على الفعال منقصة" . وطالب الإنسان بالعمل الدائم باعتباره سر "القرب من الله" وبلوغ الكمال الروحي، كما نراه على سبيل المثال في مطالبته الإنسان قائلا:"يا ابن ادم عملك عملك، فإنما هو لحمك ودمك! فانظر على أي حال تلقي عملك. إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها - صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الصدر مما يقرب إلى الله" .
ذلك يعني انه ربط الفضيلة ببلوغ الكمال الروحي. وهو كمال لا طريق إليه غير العمل، بحيث نراه يجعل من العمل ميزان الكينونة الأخلاقية للإنسان، كما في قوله:"لا تحقرن من الخير شيئا وان هو صغر، ولا تحقرن من الشر شيئا" . ومن هنا أيضا احتقاره للغو الفارغ، أو تحويل الكلام إلى بديل للعمل. إذ تروى عنه الحكاية التالية: دخل الحسن البصري المسجد ومعه فرقد. فقصدوا إلى جنب حلقة يتكلمون. فنصت لحديثهم عندها قال لفرقد:"ما هؤلاء إلا قوم ملوّا العبادة ووجدوا الكلام أهون عليهم، وقلّ ورعهم فتكلموا" . وليس المقصود بذلك نبذ الكلام أو التقليل من أهميته وقيمته، بقدر ما يشير إلى أولوية وجوهرية العمل بالفكرة بوصفها تفكرا باطنيا عقليا أخلاقيا، وأسلوبا للرقي الروحي والحكمة (يتبع....).





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,323,892,024
- الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي (1-3)
- بارتولد - المستشرق الروسي الكبير
- ابن خلدون. من التجارب السياسية إلى الفكرة النظرية
- عبد الحميد الزهراوي(1855-1916) ونقد الاستبداد والاستعباد(6).
- عبد الحميد الزهراوي(1855-1916) وتأسيس الفكرة القومية الجديدة ...
- عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وفكرة التربية السياسية والرو ...
- عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وإشكاليات التنوع والاختلاف و ...
- عبد الحميد الزهراوي ((1855-1916) الواقعية والعقلانية في الفك ...
- عبد الحميد الزهراوي والفكرة العربية السياسية
- المثقف الكبير التزام روحي دائم
- البحث عن عقلانية إنسانية عربية
- الفكرة الإصلاحية وإشكاليات الإصلاحية الإسلامية
- عبد الكريم كاصد - إشكالية الروح والمعنى
- محمد رسول الإرادة
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا(5)
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (4)
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (3)
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (2)
- تحليل ونقد تجارب الإصلاح والثورة في روسيا (1)
- الهوية وإشكاليات المرجعية الثقافية في روسيا(3)


المزيد.....




- فيديو لـ-قمر الدين منتج سوري مخلوط بالزجاج- يثير ضجة في السع ...
- 5 دولارات بأمريكا.. فقط لتمر بهذا الشارع المشهور جداً
- السودان: اتفاق بين الحراك والمجلس العسكري على عقد لقاءات لنق ...
- ما آخر تغريدة نشرتها مها ووفاء السبيعي بعد هربهما من السعودي ...
- الحوثيون: وصول سفينة تحمل وقودا إلى ميناء الحديدة
- رئيس وزراء سريلانكا يصف انفجارات اليوم بـ -الهجوم الجبان-
- الكونغو الديمقراطية: إرتفاع عدد ضحايا غرق قارب إلى 40 قتيلا ...
- ليبيا: مطار معيتيقية بطرابلس يستأنف نشاطه
- بعض الملاحظات حول الخطاب المخادع للمسماة عبير موسي
- ليبيا: مطار معيتيقية بطرابلس يستأنف نشاطه


المزيد.....

- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - الحسن البصري - مثقف الروح المتسامي(2-3)