أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وفكرة التربية السياسية والروح العمومية(4).















المزيد.....

عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وفكرة التربية السياسية والروح العمومية(4).


ميثم الجنابي
(Maythem Al-janabi)


الحوار المتمدن-العدد: 6154 - 2019 / 2 / 23 - 16:57
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لقد كان الروح العمومي في فكر الزهراوي من حيث الجوهر روحا سياسيا. وذلك لأنه كان وثيق الارتباط بالدعوة لصنع أمة موحدة ذات كيان متكامل في الاقتصاد والاجتماع والعمران والقوة العسكرية وغيرها. ولا يمكن بلوغ ذلك، حسب تصورات الزهراوي، إلا بزيادة التربية السياسية للأمة. الأمر الذي أعطى لفكرة التربية السياسية عنده وظيفة متميزة وخاصة. فقد كانت هذه التربية بالنسبة له تعني، كما وضعها في مقالاته التي كتبها تحت عنوان (تربيتنا السياسية) كل من التربية السياسية المناهضة للاستبداد، التي تقوي العلاقات الاجتماعية، وكونها أسلوب تذليل غياب التاريخ السياسي العربي، كما أنها أسلوب وعي الذات القومي. إضافة لذلك أنها عمل دائم وذلك بسبب انتشار وامتداد تقاليد الاستعباد القديمة. ومهمتها الأساسية تقوم في بناء ذات اجتماعية وسياسية وقومية (عثمانية) جديدة تتصف بالقوة والاتحاد. وأخيرا ضرورتها للعرب انطلاقا من كونهم الأغلبية في الدولة العثمانية. بحيث نراه يجعل منها مقدمة لفكرة الاستقلال. فهو ينطلق من أن الكثرة ليست من الأدلة في المنطق لإثبات رأي، ولا في الديانات لإثبات عقيدة، ولكنها "في السياسة والاجتماع قوة يلتفت إليها ويحسب حسابها" .
مما سبق يتضح بأن الزهراوي يجعل من فكرة التربية السياسية وروح العمومية كلا واحدا. ويظهر ذلك بجلاء في تأسيسه النظري لهذه الفكرة وتطبيقها العملي أيضا. لها نراه ينطلق من مهمة تأسيس ضرورة التربية السياسية. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام إدراك لأهميتها، بوصفها المقدمة الجوهرية لتصنيع الروح العمومية، تماما بالقدر الذي لا يمكن بلوغ حقيقة الروح العمومية بدون هذه التربية السياسية. من هنا تأكيده على انه لا يمكن خطو خطوة جدية إلى الأمام في مضمار التحرر والإنسانية والمدنية بدون هذه التربية السياسية. إذ لا يمكن بدونها تثبيت المصالح العامة . وحالما طبق ذلك على الواقع العربي فإنه كتب يقول، بأن التربية السياسية للعرب تستلزم إدراك استقلالهم الخاص في الدولة العثمانية، باعتبارها حصيلة الوحدة التركية – العربية. وذلك لأن زمن السيطرة التركية العثمانية أدى إلى إضعاف العرب إضعافا شديدا. أما إعادة القوة للدولة، فانه يستلزم الإشراك الفعال للعرب فيها، باعتبارهم قسمها الأكبر. لهذا نراه يعتبر "بث الفكرة والتعصب لها" أساس هذه التربية السياسية . فهو الأسلوب الوحيد القادر على صنع روح العمومية. لاسيما وانه الشرط الضروري لإحياء وتقوية كل جماعة (قومية). وبدونه لا يمكن انجاز شيء عظيم. واعتبر الإخلاص لروح العمومية يعادل ما يسمى "بالتعصب وحب النفس". وهما ليسا مذمومان على الإطلاق، بل منهما ما يصح أن نسميه "قوام الإنسانية" حسب عبارة الزهراوي .
لهذا نراه يرفع التعصب وحب النفس. إلى مصاف العنصر الجوهري في التربية السياسية للروح العمومية. كما يجعل منه فكرة كبرى تقترب من حيث قيمتها بالنسبة للروح القومي من مرجعية عملية متسامية. وانطلق في فكرته هذه من أن حب النفس ضروري وطبيعي وحق (فعكسها هو كرهها). وأن حب النفس ضروري كالغذاء للجسم. كما أن حب النفس واسطة إلى الخير لكونها وسيلة ضرورية. ثم أن حب النفس كالأغذية متنوعة في الصور والأشكال والطعوم والأثر. وبالتالي لا تعارض بين حب النفس وحب الغير، بل أن أحدهما يستلزم وجود الآخر. فحب الجميع يعني هو أن يحب ارتقاءهم وصلاحهم جميعا. كما أن حب النفس يفترض التمسك بقاعدة لا إفراط ولا تفريط. فالتفريط رذيلة لأنه لا يدعو للعمل. وأخيرا، إن حب النفس أصل منه فروع، فمنه ما هو جيد مثل حب العدل والحق والعلوم والبديع والسلام، ومنه ما هو كريه مثل حب البطالة والسيطرة بلا حد... . أما اللغط الذي تثيره كلمة التعصب فلا أساس من الصحة لها بمعايير اللغة والحقيقة (المنطق). فالتعصب سيئ بمعايير قاموس اللغة، وليس بمعايير اللغة الحقيقية. وذلك لأن معنى التعصب في العربية هو التجمع للتعاون. وبالتالي فإن حقيقته متوقفة على مضمونه وغاياته. إذ لا يتطابق مضمون التعصب مع الأنانية المفرطة. ولولا التعصب لازدادت المذابح، كما يقول الزهراوي. وذلك لأن التعصب يدفع الناس للدفاع عن أنفسهم. وبدون تعصب لا أمم حية ولا إنسان حي. فانعدام العصبية يؤدي إلى إذلال الأمم والناس . لهذا نرى الزهراوي يعتبر التعصب مجاراة لحقيقة التنوع. إذ لو جرى تصور الدين واحدا، والجنس واحد لأدى ذلك إلى نتائج كريهة، كما يقول الزهراوي. من هنا استنتاجه عن ضرورة التعدد في كل شيء (الدين والقومية والفكر والثقافة).
غير أن هذا التعصب وحب النفس ليس إلا النتيجة المترتبة على مقدمات ضرورية لما يمكنه أن يكون عناصر التربية السياسية للروح العمومية (القومية)، والتي أدرج فيها الزهراوي كل من الاستعداد، والاتحاد، وحب النفس. ووضع عنصر الاستعداد في أساس تصوراته عما اسماه بصعود الأمم وهبوطها. لهذا نراه يصفه بعبارة "ملاك الأمر" ، أي القوة المحددة للصعود والهبوط، والتعمير والتدمير، والعز والذل. وبما أن الاستعداد في الإنسان (والأمة) قابل للامتزاج وتجري عليه أحكام التربية السياسية، من هنا قيمة المصلحين والأنبياء، كما يقول الزهراوي . أما عنصر الاتحاد، فهو مهم وضروري للقوة والمدنية. وبما أن الاتحادات متنوعة، لهذا لا فائدة لإطلاق القول فيه، كما يقول الزهراوي. والسبب يقوم في أن هذا الإطلاق يجعله غير مفهوما. فالاتحاد في الأصل صيرورة الأشياء المتعددة شيئا واحدا. وهو على ثلاثة أنواع أساسية وهي ما يغيب فيه التعدد، وما يبقى فيه التعدد، وما يتساوى فيه التعدد. وحالما طبق ذلك على ما اسماه بالاتحادات السياسية، فانه وجد فيها كيانات متنوعة أيضا، لكنه أبرز فيها مع ذلك ثلاثة أسباب هي بحد ذاتها مقدمات وشروط الاتحاد. وأعتبر الدين أول هذه الأسباب، بينما أعتبر القسر والاضطرار سببا ثانيا، أما الثالث فهو الاحتياجات المدنية. وفي معرض تدقيقه لهذه المفاهيم انطلق الزهراوي من أن الدين يدعو إلى الوحدة، إلا أن التاريخ يكشف عن خلل دائم بلازم هذه الوحدة. أما الاضطرار، فإنه لا معنى له بالنسبة للفكر لأنه حالة استثنائية. أما الاحتياجات المدنية أو العمران فهو محور الاهتمام، بالنسبة للزهراوي، لأنه حاجة مدنية. من هنا استنتاجه الفكري السياسي والمستقبلي القائل، بأن المقصود من الدعوة للوحدة هنا ليس الوحدة العثمانية، ولا الوحدة التركية، بل الوحدة المدنية. من هنا رفعه لشعار: "نحن مدنيون" .
وضمن سياق المرحلة وشروط وجود العالم العربي وخصوصية الدولة العثمانية، أسس الزهراوي للفكرة القائلة، بأن المقصود بالاتحاد المدني هنا هو اتحاد جميع الشعوب في الدولة العثمانية عبر تطوير قومياتهم فيه. وكل فيها يحافظ على أجزائه الحرة. أما أسلوب الاتحاد فإنه يفترض السير به نحو الأسهل أو الأقرب حصولا من أنواعه وترك ما يصعب الحصول عليه. ويستلزم ذلك التمسك بقواعد أو مبادئ حصرها الزهراوي في كل من زيادة المحبة والمودة بين الشعوب، وأولوية المواطنة والوطن، واحترام القوميات كلها، ومساواة الجميع بما في ذلك في الحكم، والتعددية السياسية.
كما رفع الزهراوي من شأن ما اسماه بمواجهة الواقع المر بالاستعداد والصبر والثبات والعدل، أي بالعناصر الضرورية التي يمكنها مواجهة الخلل الشامل في كل مكونات ومظاهر الوجود الفعلي للدولة العثمانية ومكوناتها على كافة المستويات وفي كافة الميادين. بمعنى انه أدخل كل ما يمكن إدخاله من قيم ومبادئ وقواعد عملية يمكنها أن تنّشط وتفعّل التربية السياسية للروح العمومية. من هنا نقده لأولئك الذين عارضوا الاشتراك في الحياة السياسية أو الفكرة المعارضة لفكرة السياسة بحد ذاتها. إذ اعتبر من الخطأ القول بأنها رذيلة بذاتها. وذلك لأن السياسة رغم عيوبها، من جملة المقربات إلى الكمال الإنساني. كما انه لا يمكن للمجتمع الإنساني الكمال إلا بالسياسة. من هنا استنتاجه القائل، بأن السياسة هي القدرة على توليف المتناقضات. وبدونها لا يمكن النجاح . وذلك لأن السياسة الحقيقية والسليمة هي التي تعي متناقضات الحياة وتفعل ضمنها بالشكل الذي يحقق الغاية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الحياة كلها تضاد من تقارب وتباعد، وتصالح وتعاند، وتراحم وتزاحم، وتشابه وتباين، وتصاغر وتعاظم... وانه لا وسيلة لحل هذه المتضادات إلا بالسياسة. وسابقا كان الدين بينما الآن الجنس (القومية) هو دين السياسي. وليس مصادفة أن نراه يدعوه إلى توسيع مضمون ومدى وأساليب التربية السياسية للروح العمومية من خلال توحيد جهود النخب بمعايير الرؤية القومية. لهذا نراه يشدد على ضرورة فكر عمومي يصنع روح عمومية وزعماء وأدباء يتمسكون بها علما وعملا. واعتبر أن القادر على ذلك فقط هو الذي يعرف ناسها وتاريخها ودرجة علاقته بحاضرها . وانه في حالة وجود كتّاب وأدباء وصحفيين لا روح عمومية فيهم، وزعماء منتخبون ولكن ليس لهم روحا عمومية، فإن أدباءهم وزعمائهم مجرد صور تمثل المدنية والعظمة الزائفة وما شابه ذلك . لهذا نراه يطالب في البداية بجعل اللغة العربية لغة التدريس في المدارس الموجودة في المناطق العربية من اجل مساهمتها في صنع "روحا عمومية بين الأمة وبين الزعامات والجماعة العربية" .
***






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وإشكاليات التنوع والاختلاف و ...
- عبد الحميد الزهراوي ((1855-1916) الواقعية والعقلانية في الفك ...
- عبد الحميد الزهراوي والفكرة العربية السياسية
- المثقف الكبير التزام روحي دائم
- البحث عن عقلانية إنسانية عربية
- الفكرة الإصلاحية وإشكاليات الإصلاحية الإسلامية
- عبد الكريم كاصد - إشكالية الروح والمعنى
- محمد رسول الإرادة
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا(5)
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (4)
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (3)
- تحليل ونقد تجارب الثورة والإصلاح في روسيا (2)
- تحليل ونقد تجارب الإصلاح والثورة في روسيا (1)
- الهوية وإشكاليات المرجعية الثقافية في روسيا(3)
- الهوية وإشكاليات المرجعية الثقافية في روسيا (2)
- الهوية وإشكاليات المرجعية الثقافية في روسيا(1)
- أثر المرجعيات الثقافية في المصير التاريخي للأمم
- نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية - على مثال ...
- نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(3) على مثال ...
- نقد تقاليد الاستبداد في الثقافة السياسية العربية(2) على مثال ...


المزيد.....




- مقارنة بين الجيش السوري ونظيره الإسرائيلي وفق إحصائية 2021
- مقارنة بين الجيش السوري ونظيره الإسرائيلي وفق إحصائية 2021
- صحيفة.. فريق سعودي يحصل على براءة اختراع عن مثبطات -كورونا م ...
- مؤتمر آبل التقني يكشف عن جيل جديد من الأجهزة المميزة
- وفاة النائب في البرلمان العراقي عدنان الأسدي بسبب مضاعفات كو ...
- مصر.. سيدة تستنجد بنجلها بعد وفاة زوجها لتكتشف وفاته في نفس ...
- وزارة الوحدة الكورية الجنوبية تحقق في كيفية ظهور مذكرات مؤسس ...
- بوتين ولوكاشينكو يبحثان في موسكو مخطط الانقلاب في بيلاروس
- طهران: إسرائيل فشلت في التكتم على الانفجارات في مصنع للأسلح ...
- فلورنتينو بيريز: مشروع الدوري السوبر لم يفشل بل أصبح -مجمداً ...


المزيد.....

- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني
- الانسحار / السعيد عبدالغني
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- التَّمَاهِي: إِيجَابِيَّاتُ التَّأْثِيلِ وَسَلْبِيَّاتُ التَ ... / غياث المرزوق
- سيرورة التطور والنضج العقلي عند الأطفال - أسس الرعاية التربو ... / مصعب قاسم عزاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ميثم الجنابي - عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) وفكرة التربية السياسية والروح العمومية(4).