أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ممدوح مكرم - البيئة المحلية وأثرها على الألفاظ في قصيدة العامية( العزف ع الضلوع لماهر مهران نموذجا)















المزيد.....

البيئة المحلية وأثرها على الألفاظ في قصيدة العامية( العزف ع الضلوع لماهر مهران نموذجا)


ممدوح مكرم

الحوار المتمدن-العدد: 6194 - 2019 / 4 / 7 - 17:22
المحور: الادب والفن
    


البيئة المحلية وأثرها على الألفاظ في شعر العامية
( العزف ع الضلوع لماهر مهران نموذجًا)
من المعروف أنَّ هناك علاقةٌ جدلية بين اللغة والبيئة المحلية؛ فيستخدم الريفي مثلا كلمات/ ألفاظ لا يستخدمها ساكن المدينة، وسكان السواحل يستخدمون ألفاظًا بخلاف سكان الصحاري والبوادي وهكذا...إلخ. في هذه الإطلالة سنتوقف مليًا أمام البيئة المحلية في مركز البداري، محافظة أسيوط، وبشكل خاص قرية [ قاو/ جاو] التي ينتمي إليها الشاعر > ونرى ذلك التأثير من خلال ديوانه: العزف ع الضلوع، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2017م، وهو يضم 29 قصيدة بالعامية، ويقع في 112 صفحة بالفهرس من القطع الصغير. ولكن قبل الدخول إلى موضوعنا سنلقي نظرة سريعة على الديوان، وما طرحه من مضامين ومواضيع، وفي أثناء ذلك سنتحدث عن بعض الجماليات الفنية، ثم نختم حديثنا- الشق الثاني- بالحديث عن الألفاظ المرتبطة بالبيئة المحلية، مع ذكر أمثلة لها من قصائد الديوان، ومعرفة دلالات هذه الألفاظ.
(1)
أولا رؤية عامة للديوان
تتمحور موضوعات الديوان بشكل خاص حول الوطن، بمعناه الأكبر، والبداري كوطن أصغر وفي قلبه قرية قاو/ جاو، من خلال رصد لبعض أوضاعها الاجتماعية، ويؤكد ذلك استخدام الشاعر لمفردات البيئة المحلية( سنتحدث عنها بشيء من التفصيل لاحقًا)، وتيمة الوطن في الديوان تتخذ طابعًا ساخرا أو حادًا من مآل الأوضاع. بطريقة أخرى يمكن أنْ نقول أنَّ الديوان ذو طابعٍ سياسي واجتماعي ساخر وثوري أحيانًا، حتى وإنْ تعرضت بعض القصائد للأنثى الحبييبة فهي توازي أو تعادل الوطن كما في قصيدة: أجمل نساء الكون، صـ 56- 61؛ لنكتشف إنها الملكة حتشبسوت المعروفة( في الأسرة الـ 18= الدولة الحديثة الفرعونية) .
فمثلا في قصيدة: متعة الرحيل( وهي ثاني قصيدة، صـ 6- 14) هي قصيدة تتحدث عن وضع مصر في ظل الرأسمالية الَّنهاَبة، والقصيدة لها موقف واضح وحاد من تيار اليمين الديني؛ الذي كرس لكثيرٍ من الأفكار المنحطة، وجَذَّرَ لهذه الظلامية المنتشرة في مصر بشكل عام، وفي الصعيد( وفي قلبه البداري بشكل خاص)، فهو يقول ( ماهر مهران):
الخروج م الضلمة جايز
الدخول للنور عايز عوايز
عايز له قلب أبيض
وروح ورقة بَفَّرة
مش عيون حمرا
ودقن بتنقط جهالة
وكهنة بيستحلوا شرف البنات في المريلة!!
( صـ 7) وفي ذات القصيدة صـ 11، وهي تناص غير مباشر مع قصيدة أحمد فؤاد نجم الشهيرة) : دولا مين.. التي غنتها سعاد حسني إبان حرب تشرين)، يقول :
دولا مين؟
ودولا مين؟
ليه دولا مقتولين؟!
وليه دولا مشردين؟!
وليه ولاد العز بيبهدلهم الحظ؟ّ!
وللقمة الحاف يبقوا متسولين؟!
وليه دولا مزهزهين؟
ودولا مذلولين؟
ودول يكفرونا ببلادنا باسم الدين؟!
في المقطع المذكور يرسم الشاعر وضعية الشعب المصري المنقسم طبقيًا بين فقراء يزداد فقرهم، وأغنياء يزداد غناهم بشكل فاحش، بالإضافة إلى تقسيمة أخرى اخترعها اليمين الديني:( كَفَرة ومؤمنين).رغم أنَّ المقطع من الناحية الفنية يُعتبر ضعيف، وجاء تقريريًا ومباشرا بشكل فج!.
ويستمر الموقف الحاد من اليمين الديني، ومن التوظيف السياسي للدين، ففي قصيدة التكشيرة، صـ 15( وهي قصيدة قصيرة= عشر أسطر شعرية) يتناول وضعية المنتمي لهذه الرؤى الرجعية، والتي ترى أنَّ الدين يجعل منك شخصية عبوسة دائمَا صارمة، متزمتة، والدين عكس ذلك بالقطع، يقول :
اكسي الوش بالابتسام
خلي الخلق يبلعوا الكلام إياه!
وبلاش تزيد المسافة
بين العباد والإله!
وتتواصل تلك التيمة، وتظهر بشكل أكثر وضوحًا وجلاءً في قصيدة: الْبَوْ( والبو مفردة من البيئة المحلية سنتوقف أمامها تفصيلا في الشق الثاني) صـ 34- 39. واستخدم البو( وهو الإبن المزيف للناقة أو البقرة التي مات ولدها، وهو عبارة عن جلد محشو بالقش أو التبن) كإسقاط سياسي؛ فوازى/ عَاَدلَ بين [ البو] وحاكم مصر المزيف الذي خدع الناس بمعسول الكلام! وذلك يعكس شعورا مرا بعدم قدرة( انتفاضة يناير 2011م) على تحقيق أحلام المصريين في غدٍ أفضل. ف[ البو] في القصيدة هو ديكتاتور مزيف، يخدع الناس تارةً باسم الدين، وأخرى باسم الوطن، أو بالطريقين معًا، يقول:
بو بيصدر الوش الطيب
وهو دموي وسفاح وحويط
يتمسكن لحد ما يتمكن
ولو أمكن
وحد من شعبه اعترض
أو قال:
كنا فاكرينه لينا
وفضَّل الأغراب علينا
يطلق ألف كلب غبي وسعران
وألف سنجة
وألف جبان
يرشوا دم ع المنابر
يزرعوا الشوك في قلب الكنايس
(صـ 37، 38)
هذه كانت بعض الأمثلة حول طبيعة موضوعات الديوان، وتستمر هذه التنويعة حتى آخر الديوان، سنغادر تلك النقطة حتى لانطيل، ولكن قبل أنْ نترككم لننتقل إلى الجزء الآخر، سنتحدث في عجالة عن: عتبات النص.
غلاف الديوان: من إخراج : علا عادل، سنجد كف مفرودة الأصابع( ظاهر الكف) وهي كف يمنى غالبا، يبدو عليها تهتك، إلا في الجزء الأيمن منها( الزاوية المحيطة بالإصبع السبابة) هي الجزء السليمـ وباقي ظاهر الكف مع باقي الأصابع تبدو في حالة: تهتك أو تآكل، وفي الجزء الأيمن السليم تنبت شجرة عليه!، والكف تأخذ وضعية الخروج من الأرض، يبدو أنها قاحلة حيث هناك أشجار جافة أو ميتة! هذه اللوحة/ الصورة: تتناسب مع العنوان( العزف ع الضلوع) من حيث: الكف هنا هي الشاعر الذي يخرج من الأرض القاحلة( وهنا الوطن مصر بشكل عام/ البداري بشكل خاص، وقاو بشكل خاص الخاص، إذا ما ربطنا ذلك بالبنية الأكبر= بنية المجتمع المصري عمومًا والبداري وقاو خصوصا) وتهتك الكف هو تهتك داخلي للشاعر، تمزق جدلي في علاقة الشاعر ببيئته/ وطنه، جعله يغوص في داخله عازفًا على ضلوعه، تلك القصائد/ الألحان التي هي مؤلمة وحزينة، ساخرة وثورية، تمركز ذات الشاعر الممزقة حول بيئة ممزقة ووطنٍ ممزق.فالعزف على الضلوع كعنوان( مجازا وليس حقيقة) العزف هنا يعني ضرب الضلوع وإيلامها، وهي غالبا تيمة جنائزية؛ لأنه جعل الضلوع أداة العزف، وتحيل أيضًا على مكامن داخل النفس النازفة والمتألمة والحزينة، من هنا توافقت لوحة الغلاف مع العنوان باطنيا، رغم البعد الظاهري الذي ستلتقطته عين المتلقي الثاقبة. ولن نعثر في الديوان على قصيدة بهذا العنوان، وظلال العنوان قد تبدو باهتة لو نظرنا إليها ظاهريًا، لكنْ باطنيا سنجد العزف موازي للألم. أما عناوين القصائد ستجد العنوان إما مباشر في القصيدة( يعني ترى العنوان مباشرة) مثل: مش هقصر جلابيتي، صـ 41، ما يغركشي، صـ 46، ...وغيرها، أو غير مباشر مثل: جهل، صـ 68، متاجرة،صـ 76، شيخوخة،صـ 84...وقصائد أخرى.ظل العنوان: العزف ع الضلوع سنجده بشكل مباشر في قصيدة: جهل، صـ 68، يقول:
وإيه تعمل المزيكا
في أبو مخ اتحشا بَعْرَة؟!
وإيه يعمل الضي
في الأرض لو واعرة؟!
فمفردة (المزيكا )تحيل إلى العزف ، وقبل أنْ ننهي حديثنا هنا، نشير إلى قصيدة: ألم الروح، صـ 62، وهي كذلك على الغلاف الأخير، تيمتها تتوازي مع عنوان الديوان، وصورة الغلاف الأول التي أشرنا إليها، هذه القصيدة هي مفتاح فهم العزف ع الضلوع، واستنطاق دلالاته، وهي تؤكد ما قلناه قبل أسطر. يقول فيها( قصيدة مكثفة وقصيرة=8 أسطر شعرية):
المرض لو يصيب الجسم
الروح هتتحمل
زي الشجر بعد الخريف
بينبِّت ويتجمِّل
لكن الروح
- لو بعد الشر إتكسرتْ-
إزاي ابن الأصول
لِكَسرة الروح هيتحمل؟!!
(2)
ثانيًا البيئة المحلية وأثرها على الألفاظ داخل الديوان
كما قلنا في بداية حديثنا: هناك علاقة جدلية بين اللغة، والبيئة المحلية، فاللغة لا تأتي من فراغ؛ لأنها تأتي في سياق حاجة الإنسان للتعبير عما بداخله، وإيصال ذلك للآخرين، والمفردات/ الألفاظ كبنيات للغة تتغير تبعًا للظروف والأحوال( مكانًا وزمانًا على السواء) فهناك ألفاظ يهجرها الناس( تندرس/ تندثر من حيث قيمتها الاستعمالية اليومية؛ لكنها تظل قابعة بين أحضان المعاجم والقواميس) وهناك ألفاظ/ مفردات تكون أكثر استعمالا فتتحول لمعاني دراجة( تستخدمها جميع الطبقات والشرائح الاجتماعية)، هذه الألفاظ/ المفردات تكتسب حضورها وقبولها من خلال قيمتها الاستعمالية في التواصل والتعبير. ولكل بيئة جهوية/ محلية خصوصيتها ولهجاتها، وهذا مبحث طويل في اللسانيات، ونظريات اللغة؛ لا يتسع المجال لبسطه بشكل مفصل، لكنْ ما نود التأكيد عليه أنَّ اللغة صنو بيئتها: الريف- الحضر- البادية- السواحل، وكذلك صنو زمانها.
وهذا ما نريد تأكيده من خلال رصدنا لمفردات وألفاظ ديوان: العزف ع الضلوع لماهر مهران. ينتمي شاعرنا لبيئة ذات ملامح جهوية خاصة، فهو من قرية قاو/ جاو مركز البداري، محافظة أسيوط، بصعيد مصر، والبداري بشكل عام مركز يعمل أغلب سكانه بالفلاحة/ الزراعة( بيئة ريفية) وهو متداخل مع الصحراء( على تخوم الصحراء الشرقية) وهذا طبع شخصية سكانه المعروفة بالحمية القبلية والعائلية؛ فتجذرت العادات الثأرية فيه، والبداري مركز قديم يعود تاريخه لعصر ما قبل الأسرات( العصر النيوليتي= الحجري الحديث) حيث قامت في دير طاسا(تاسا) حضارة من أعرق حضارات ما قبل التاريخ/ الكتابة= عصر ما قبل الأسرات( راجع في ذلك: سليم حسن: موسوعة تاريخ مصر القديمة، ج1، وجيمس هنري بريستيد: تاريخ مصر منذ أقدم العصورحتى الغزو الفارسي). حفل ديوان: العزف ع الضلوع بألفاظ قد تكون غريبة لمن لم يعايش هذه البيئة: الريفية- الصعيدية- الجبلية= العربية الأرومة من حيث أنساب قبائلها وعائلاتها، وسنتوقف عند بعض تلك الألفاظ ودلالاتها، وربطها بسياق البيئة المتداولة فيها، وهي أمثلة وليست للحصر، حتى لا نطيل على قارئنا العزيز.
من الألفاظ التي استخدمها شاعرنا في عزفه على الضلوع:-
1- البُرْتُكَان، صـ 8(قصيدة متعة الرحيل)، حيث يقول:
بكرة هيتقال عليه
عصر دمه غطَّى نوَّار[ البرتكان] التشديد بين قوسين للمفردات المدروسة من وضعنا.
فالبرتكان: هي النطق العامي( الدارج) للبرتقال، وهو طبعًا مشهور ومعروف من أشجار الموالح، و(نوار البرتكان) في القصيدة تشير إلى زهر البرتقال قبل تحوله إلى ثمار، وهو ذو رائحة مميزة ونفاذة، وبالمناسبة مركز البداري معروف أنَّ سكانه يهتمون بالجناين، وتكثر فيه بشكل خاص: الرمَّان، والبرتقال، والمانجو.ونطق لفظة/ مفردة: البرتقال: برتكان سائدة في الأرياف المصرية شمالا وجنوبًا على السواء، لذا هي لفظة لها خصوصيتها في البيئة المحلية، خاصة إذا كانت هذه البيئة حاضنة للجناين وأشجار الموالح منها بشكل خاص.
2- تركيبة: أنفخ في عود البرسيم وأعمله زمَّارة ( صـ 9، نفس القصيدة السابقة): من المعروف في الأرياف، أنَّ الأطفال يقومون يتقطيع عيدان البرسيم، لقطع صغيرة( بطول الإصبع السبابة أو أقل) ويضغطون على أحد طرفيه بالأسنان قليلا( يقومون بعصرة خفيفة) ثم ينفخون فتصدر صوت( يزمرون ). وهذا تقليد ريفي بالقطع لأنه مرتبط بالفلاحة، وبالبرسيم، قد لا يعرفه أو يستسيغه ساكن المدن والحواضر.وتأتي سياق هذه التركيبة المشار إليها: بعد تركيبة أخرى)وأركب عصايتي وأعملها طيارة) فكذلك معروف من تيمات البيئة الريفية، هو ركوب الأطفال للعصي( مأخوذة من جريد النخل المجفف) ويتخيلون أنها: خيول أو حمير أو طائرات أو سيارات( وسيلة مواصلات).ويأتي سياق التركيبتين في القصيدة، كتعبير عن عبثية الواقع المعاش، وسخرية مريرة من الأوضاع المقلوبة التي ينقدها الشاعر بحدة.
3- فيلعن أبو اللي [ قَنَاه] صـ 15( قصيدة: التكشيرة):لفظة قناه: تعني رباه( اللي مربيه) والقاف في الريف والصعيد تحديدا تلفظ كا الجيم القاهرية، يعني قناه= جناه( ليست جيم معطشة) قاو= جاو، قولي= جولي.يبدو أنَّ جذر: قناه: من قني، يقتني( وهي كلمة فصيحة أصلا) وهي بمعنى يملك: نقول اقتنى سيارةً، يقتني مكتبةً وهكذا، في البيئة الريفية كبيئتنا موضوع الدرس يقولون: فلان قاني/ جاني بهايم: أي يمتلك/ يربي بهائم، ويتندورن على امرأة الرجل مثلا بقولهم: حوش مراتك اللي قانيها/ جانيها. أما سياق الكلمة في القصيدة فهي ذم للشخص المتأسلم، الذي يستغل الدين، ويخدع به الناس.
4- حبيبتي شمع و[تقلية]صـ 23، قصيدة: أبو سمرة العاشق: تَقْلَية= تَجْليَة وهي طعام مطهو في الريف المصري يُأكل مع الرُقَاق، وتُعمل من البصل والطماطم(القوطة= الجوطة) مع اللحوم، وقد يسميها البعض بالصلصة كتلك التي تُقدم مع طًبق الكُشري!
5- قاو: جاو: عنوان قصيدة صـ 26، وهي تتحدث عن قرية ( جاو) بلد الشاعر ومسقط رأسه، والقصيدة تعكس ( جاو) جغرافيا واجتماعيا، يصفها مثلا:
أولك عجين كما الملبن
وجنة مرسومة ع الحيطان
وعطرك ينعش الرطوبة في المغارات
وآخرك معابد سكنت إستطانبول
ومسلات سفَّروها بكين
وخَلْق تنام تحت تراب الخراب
وهي ع تتدفا بالآهات.
(صـ27)
وفي مقطع آخر:
يا قاو
يا صعبة في الوزن
واعرة في القافية
جمالك الزايد
جابلك الكافية
(صـ 28)، وتعتبر هذه القصيدة أكثر القصائد تعبيرا عن تأثير البيئة المحلية، فنجد فيها ألفاظ وتراكيب هي بنت بيئتها، مثلا يقول فيها، صـ 28: ( وسابولنا الدم يغيَّر ريحة الحيَّاقة في البتاو) هنا كناية عن العادات الثأرية، والوضع الاجتماعي المزري في القرية الجميلة ؛ التي يعشقها الشاعر، واستخدم مفردات البيئة المحلية التي – قد لا يدرك عمقها وكنهها- من هو بعيد عن تلك البيئة: مفردة الحياقة: هي الحلبة المطحونة، وكانت تُخلط بدقيق القمح والذرة؛ لصناعة الخبز، ومعروفة بمرارتها الشديدة( يقولون: بشرب الحياقة =كناية عن المرار) والبتاو: يطلق على الخبز المنزلي، وتختلف دلالة الكلمة من لهجة لأخرى، فدلالاتها في أسيوط تختلف عن المنيا، وتختلف عن البحيرة أو الغربية في الدلتا، فمثلا البتاو في البحيرة له شكل مختلف عن أسيوط.
6- البو: عنوان القصيدة، صـ 34: البو:عندما يموت ابن البقرة أو الناقة، وحتى تدر لبنًا بعد فقيدها، يتم صناعة ابن وهمي لها من جلد محشو بالقش أو التبن، ووضعه أمامها؛ لتلعق فيه أثناء القيام بعملية ( التحنين: أي حضها على در اللبن، بملاعبة أثدائها) وقد أُطلق عليه اسم البو، قد يكون لقبح شكله أو منظره، وقد أورد ابن منظور في لسان العرب، هذه المفردة في ج14، صـ 100، طبعة دار صادر، بيروت ، بدون تاريخ نشر، اعتمادا على ط1، 1300 هـ. ولم يوردها: هشام النحاس في كتابه: معجم فِصَاح العامية، مكتبة لبنان، 1997، ط1. وقد أشرنا إلى أنَّ البو هنا معادل موضوعي للحاكم في مصر، ينطبق على السابق واللاحق، وهي قصيدة سياسية ساخرة بامتياز، وإسقاطها واضح، والبو مفردة سائدة في الأرياف، قد لا تُعرف إلا من معاجم اللغة لدى البعض، وفي الريف يشبهَّون الرجل القبيح أو السيء وكذلك المرأة بالبو!
7- الوقيعة/ الوجيعة: مفردة وردت في آخر قصائد الديوان( الأصيل، صـ 105) يقول:
عمر الأصيل الكبير
ما يعمل عملة وضيعة
زي الأسد لما يجوع
يصبر،
وما ياكلش [ الوقيعة]
الوقيعة/ الوجيعة: هي البهيمة المريضة، أو التعبانة، ومعروف في الأرياف: هناك تجار متخصصون في تجارة تلك البهائم/ المواشي، بل وبعض الجزارين يبيع لحمها للفقراء!
هنا سنتوقف، ونكتفي بهذا القدر من الأمثلة من المفردات، التي دللنا- أو حاولنا- أنْ نرى من خلالها تأثير البيئة المحلية على الألفاظ والمفردات، وهي ليست قليلة في العزف ع الضلوع، وهذا يؤكد رؤيتنا الجدلية حول علاقة اللغة بالبيئة المحلية، وقد لا يكون ذلك شافيًا للغليل، ولكنْ خشيتنا من الإطالة والإطناب جعلتنا نكثف ونختصر ونمحور الفكرة قدر الإمكان، حتى لا يمل القارىء. وقبل أنْ نترككم نشير إلى بعض الملاحظات العامة.
1- أكد الديوان على الارتباط الحميم بين صاحبه، وبين بيئته المحلية.
2- الديوان يُغَلَّبُ المضمون السياسي والاجتماعي المرتبط بالوطن والثورة والأوضاع العامة.
3- من حيث هندسة الديوان: بدأ بقصيدة قصيرة في قالب المربع أو الموال، لكنها تفترق في بنيتها عنهما، ويغلب عليها طابع الحكمة والوعظ والإرشاد( جزء من البيئة المحلية) ثم يتبعها بقصيدة طويلة، وهكذا حتى آخر الديوان، الديوان بدأ بقصيدة قصيرة(الالتباس، صـ5) لينتهي بقصيدة قصيرة( الأصيل، صـ 105).
4- هناك صور شعرية جميلة ومؤثرة، وتراكيب جيدة مثل: إنت مرهون للجوع/ يا ناشف زي عضم الكوع، من ناي مرسوم في الحجر/ من لسعة البشعة، وإيه يعمل الضي في الأرص لو واعرة...إلخ.لكنْ رغم ذلك لم يخل الديوان من تقريرية ومباشرة في مواطن كثيرة، بل ونثرية، وتراكيب عادية تخرج عن إطار الشعر، وكسر الوزن أحيانًا( أشرنا سابقا لمقطع: دولا مين).
نتمنى في النهاية أنْ نكون قدمنا قراءة جديرة بالعزف، وجديرة بشاعرنا[ ماهر مهران].
ممدوح مكرم
باحث وناقد أدبي
أبنوب في 4آيار/ مايو 2018م





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,841,255
- جريمة أنْ تكتب!
- محمود رأفت ورقصته على شبر ماية
- الفخار الشعبي في مدينة قنا( عرض كتاب)
- عن الأدب والسياسة
- جدال وليد حشمت بين الحركة والسكون( قراءةٌ في قصائد مبعثرة)
- الوظائف الأيديولوجية للدولة( مقاربة جرامشية)
- فرنُ لم ينضج خبزها بعد( قراءة نقدية في ديوان الفرن للشاعر شر ...
- أزمة شخصيات، وشخصيات مأزومة( قراءة المجموعة القصصية : عندما ...
- تفكيك مدحت صفوت في السلطة والمصلحة( قراءة في كتاب)
- تقنيات السرد في رواية الزيني بركات للأديب الراحل جمال الغيطا ...
- حول الصحراء الغربية: خواطر ماركسي مصري.
- الحركة الجماهيرية المصرية: فعلها، ومفعولها، وفاعلها المغيب(م ...
- النبوة: محاولة في إعادة بناء العقائد( قراءة في كتاب الدكتور ...
- الاشتراكية في السياسة و التاريخ: خرافة الطريق الثالث( قراءة ...
- الإسرائليات
- المسكوت عنه: الجذور الوثنية للأديان التوحيدية(عرض وتلخيص لكت ...
- مؤتمر لوزان(متابعات)
- الأزمة الهيكلية للاقتصاد المصري
- التنظيم( الجدل بين الأزمة و الضرورة ) [نقد ذاتي وموضوعي لتجر ...
- نقد الدين أم نقد الفكر الديني؟


المزيد.....




- وصفوا ما تقوم به بالـ-خطيئة-..أول فنانة غرافيتي أفغانية تتحد ...
- بنشماش يطرد أنصار الحموتي من اللجنة التحضيرية للمؤتمر الرابع ...
- أوبرا -عايدة- تدشن مهرجان-نجوم الليالي البيض- في بطرسبورغ
- مهرجان كان: فيلم -حياة لامرئية- يعري المجتمع الذكوري في بر ...
- بالصورة... قبلة مثيرة للجدل بين فنانتين مغربيتين
- مهرجان -كان- السينمائي يعرض فيلما روسيا مصورا بهاتف محمول
- جوني ديب: كنت ضحية لاعتداءات أمبر هيرد خلال زواجنا
- الروائية العمانية جوخة الحارثي.. أول شخصية عربية تفوز بجائزة ...
- في محاولة لوقف الانفجار.. اجتماع عاجل لحكماء البام
- جوخة الحارثي أول شخصية عربية تفوز بجائزة انترناشيونال مان بو ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ممدوح مكرم - البيئة المحلية وأثرها على الألفاظ في قصيدة العامية( العزف ع الضلوع لماهر مهران نموذجا)