أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - مأساة أمرأة في مواجهة جريمة دينية مفزعة في فيلم ( فيلومينا) !!















المزيد.....

مأساة أمرأة في مواجهة جريمة دينية مفزعة في فيلم ( فيلومينا) !!


علي المسعود
(Ali Al- Masoud )


الحوار المتمدن-العدد: 6188 - 2019 / 4 / 1 - 15:26
المحور: الادب والفن
    


مأساة أمرأة في مواجهة جريمة دينية مفزعة في فيلم ( فيلومينا) !!

علي المسعود

هنالك قصص كثيرة لا يمكن تصديقها لو لم يكن هناك ما يؤكد حدوثها في الواقع لغرابتها. ومن هذه القصص حكاية فيلم ( فيلومينا ) ، الفيلم المقتبس من كتاب "الابن المفقود لفيلومينا لي " لـ"مارتن سيكسميث"، الفيلم يبدا بمشهد لامرأة كبيرة وهي" فلومينا" ممرضة متقاعدة في لحظة تنكسر روحها وهي تحمل صورة طفل صغير و تتراكض امام عينها صورتها التي تعود بها الى سنوات وهي شابة فرحة تتقافز وتتامل صورتها امام مراة في مدينة الملاهي ، عندما يقترب منها شاب وبقبلها ومن ثم تصبح حاملا منه وليتم عقابها من والدها لجلبها العار اليهم ، ويرميها في احدي الاديرة في شمال ايرلندا ثم تلد فيه ، تقوم "فلومينا " في الدير بغسيل الملابس ويسمح لها بساعة واحدة للقاء طفلها هي ومن مثيلاتها من الفتيات الخاطئات، عندما ترى ابنتها الصورة تسالها ، من يكون ؟ تخبرها " اليوم سيكون عيد ميلاده الخمسين "، وتحكي لها عن سرها المدفون مدة خمسين عاما. في الجانب الاخر،هناك مارتين سيكسميث الصحفي السابق الذي كان يعمل في تلفزيون بي بي سي، والذي تضطره الظروف للاستقالة من منصبة الاخير كمستشار إعلامي لحكومة العمال البريطانية في حكومة توني بلير. ويبدو على مارتين الحيرة في خطوته المهنية القادمة ويفكر في كتابة كتاب تاريخي عن روسيا ، وفي أحدى المناسبات ، شابة تعمل ساقية وهي إبنة فلومينا، تتقدم إليه وتقول له إنه إذا كان كاتباً فلديها قصة مثيرة جداً وهي قصة أمها، لا يبدو على مارتين في البداية الحماس، فهو لا يحب الحديث عن الناس العاديين، وهذا يكشف منذ البداية تعاليه على البسطاء، لكنه وكما يبدو بدافع الفضول يذهب للقاء الأم، وبعدها يعيّ بحس الصحفي إن قصتها تستوجب مزيداً من الإهتمام والتقصي، يلتقي " فيلومينا"، ربما هي الأقدار التي تجمع الصحافي مارتن سكسميث بفيلومينا التي تسيطر عليها فكرة واحدة، وهي العثورعلى ابنها الذي فقدته قبل خمسين عاما بعدما أنجبته خارج اطار الزواج في دير وهي لم تتجاوز سن السادسة عشرة، والتي تعيش تحت وطأة أزمة ممتدة منذ خمسين عاما، متمثلة في بحثها عن ابنها (توم) الذي انتزعته الكنسية منها وباعته الى إحدى العوائل، إنها أسيرة هذه المأساة، بل وتعيش جل حياتها في طرح التساؤلات حول ابنها، كيف يعيش ؟، وكيف اصبح شكله؟، هل هو ميت أم حيّ؟ كيف حدث مثل هذا الأمر في غفلة منها؟. لا يجد الصحفي مارتن في النهاية ، أفضل من أن يشاركها مأساتها، بل والاستماع إليها مليا، وأن يقف إلى جانبها، ومشاركتها البحث في مصير إبنها، الغائب الحاضر، خصوصا بعد نجاحه في إقناع إحدى دور النشر بشراء القصة كاملة، والتي ينوي صياغتها لتصدر في كتاب ، لكن يبدو أن للحكاية وجها آخر، تكشفه المشاهد اللاحقة، حينما يعود بنا السيناريو إلى الكنيسة الكاثوليكية،التي لجأت إليها فيلومينا، بعد أن وقعت في الخطيئة، و يرجع الفيلم في أحداثه الى عام 1952، وهي في سن السادسة عشرة من عمرها، حين حملت، وأنجبت ولدا، في الدّير الملحق بالكنيسة، وسط ظروف قاسية وعسيرة، وقد أرغمت على أن تتنازل عنه، وتهبه للكنيسة، تنازل مشروط ، أي لاحق لها في طفلها في المستقبل، تتوالى المشاهد بسرعة على طريقة (الفلاش باك)، لكي تكشف لنا أحداث الفيلم عن سر هذه القضية، وكيف أن الطفل قد انتزع منها، وتم ترحيله عن الدّير، أوبمعنى اخر باعته الكنيسة بألف جنيه إسترليني الى اسرة أمريكية وهي التي تبنّته فيما بعد. أحداث الفيلم هي رحلة يطوف بنا المخرج في جولة بحث مضنية، نقطة البداية في البحث والتحقيق تبدأ في الكنيسة مكان فيلومينا في بداية حياتها، ويكتشف الصحفي مارتن أن الراهبات القديمات الباقيات على قيد الحياة ، واجيال اخرى من الراهبات بنفس القساوة في المعاملة مع فيلومينا باعتبارها ارتكبت ذنب واثم شنيع ، وفي المقابل لا تستحق المساعدة او الأفصاح عن مكان ابنها انتوني. يتوصل الصحفي مارتن الى حقيقية أن الطفل انتقل مع العائلة التي اشترته الى أمريكا، لذا يقرران شد الرحال الى امريكا ، في أمريكا تبدأ سلسلة بحث أخرى، السؤال الأكبر الذي يؤرق فيلومينا هو هل فكر ابنها فيها أم لا ؟. هذا السؤال الذي قاد إلى مفاجآت محزنة، أعطى معنى أبعد للحكاية. فالانفصال القسري ومتاهة الزمن وقلة المعلومات لم تمنع الاثنين من الاقتراب من بعضهما البعض رغم كل شيء. تسافر برفقة الصحفي والام فلومينا من لندن الى ايرلندا ثم الى واشنطن لنصل إلى لحظة إدهاش، في أمريكا يحصلان على معلوماتٍ تفيد بأن العائلة التي اشترته من الدير ، بمبلغ ألف جنيه استرليني ، قد حولت اسمه من ( آنتوني ) الى ( مايكل ) و منحتهُ إسمَها ( هيس ) ، وكذالك الإبن كان قد وصل الى وظيفة المستشار القانوني للرئيسين الأمريكي رونالد ريغان و جورج بوش الأب ، وتبيّن أن هذا الإبن كان مثلياً وذا علاقة مع رجل، و قد توفي في ١٥ أغسطس / آب عام ١٩٩٥ بسبب مرض نقص المناعة ( ألايدز) ، حينها تصاب ألام " فيلومينا " بالدهشة والانكسار والهزيمة، وعلى الرغم من الأذى النفسي الطبيعي الذي لحق بالأم ، لكنها حافظت على تماسكها، لأنها ما زالت تملك بعض الأمل في أن يكون ولدها قبل رحيله قد تذكرها، أو قد تذكر أصوله الإيرلندية، وتثبت لها المقابلة التي أجراها الصحفي مع صديق مايكل هيس، أنّه كان معجونا بإيرلندا، وقام بزيارة مسقط رأسه في ذلك الدير الذي بيع فيه وطالب بأن يدفن فيه بعد موته، وقد تحقق له ذلك. وبعدها عادا الصحفي مارتن و السيدة فلومينا الى أيرلندا والى الكنيسة (لقد اكتملت الدائرة ) جملة قالتها فلومينا عند بوابة الكنيسة في "روسكريه" المكان الذي بدات منه الحكاية وسوف تنتهي عندها ايضا، ويرد الصحفي مارتن جملة للكاتب ( ت.أس.أليوت) " نهاية استكشافنا ستكون حيث بدأنا ، حيث سنكتشف المكان للمرة الاولى"، وبعدها يقتحم خلوة الآخت التي عاشت قصة فلومينا وهي (هيلدجار ) و يوجه لها السؤال : لماذا لم تحاولي على لقاء الام بولدها عندما عرفت انهما يبحثان عن بعضهما و لماذا منعت لقاءهما؟ وترد عليه الراهبة و بانفعال و تشنج" هذه عقوبة الرب على الفتيات اللواتي لايستطعن كبح شهوات اجسادهن! ولايقع اللوم إلا أنفسهنَ! معاناتهم هي تكفير لخطاياهنً"، وتسمع فلومينا الحوار وترد عليها ( لايوجد شئ يقال أو يفعل ، أريدك أن تعرفي إني أسامحك وقد جئت الى هنا كي ازور قبر ابني). في النهاية ، نقرأ على الشاشة "تعيش فلومينا حاليا في جنوب انكلترا مع ابناءها و احفادها وتزور قبر ولدها في ( روسكريه) بانتطام ، ونشر مارتن كتابه ( ابن فلومينا لي المفقود ) في عام 2009". هذه هي معطيات هذا الفيلم الإنساني البديع، الذي يحكمه سيناريو محكم، يقوم بناؤه على التناقضات القائمة بين شخصيتي فيلومينا، والصحفي، فالأولى أم بسيطة، مفجوعة، لا تجد وسيلة للتعبير عن نقمتها على المجتمع الديني والقوانين المحرّفة، سوى قراءة الصحف الشعبية، باحثة فيها عن أخبار الفضائح التي يقع فيها النخبة ورجال السياسة، في حين أن الثاني، صحفي مثقف درس في أكسفورد، والسوربون، اكتسب خبرات كبيرة، في العديد من البلدان، من خلال عمله مراسلا صحفيا لتلفزيون بي بي سي، ومن خلال هذه المفارقة الدرامية بين الشخصيتين والثقافتين، نجح السيناريو الذكي، في بناء المشاهد الكوميدية التي كسرت جمود القصة، وبخاصة في الجزء الثاني من الفيلم خلال رحلة البحث المشترك عن الابن المفقود، باستخدام أسلوب ( الفلاش باك) ، يكشف لنا مخرج الفيلم كيف انتزع الطفل بقسوة من أمه باعتبارها وقعت في الخطيئة ولا تصلح لتربية الأطفال. وربما تكون هذه القصة التي يطرحها الفيلم، من أجرأ ما قدّمته السينما، قصة تدين، وتصور الكنيسة وكأنها أقرب إلى بيوت المافيات، حيث تجري في الخفايا، مؤامرات وجرائم جنائية، توحي وكأنها قلعة مغلقة على الكثير من الغرائب والأسرار الدفينة، المختفية وراء الوجوه الصلبة الجامدة القاسية للراهبات، وغيرهن ممن يديرون المكان، قسوة مفرطة، مهينة لكرامة وشرف الإنسان، ولكنها مبررة، في سياق تلك المعتقدات الدينية التي تجيز حرمان مثل هذه الأم من طفلها، استنادا إلى ما ورد في بعض التفسيرات الدينية عن (الأم الخاطئة)، التي لا تصلح لأن تكون أمّا، وبموجبه لا تصلح لتربية طفل. ما يتمتع به الفيلم هو علاقة منسجمة بين “فيلومينا” و “مارتن” رغم اختلاف عقيدتهما، الاولى متدينة والآخر ملحد، ليست فقط القائمة على الاحترام بل يشكلان ثنائي رائع يدعونا إلى سماع حواراتهما عن معاناة وخبرة شخصية في الحياة ، يؤدي دور مارتن سكس سمث في الفيلم الممثل ستيف كوجان والذي ساهم بكتابة السيناريو مع ستيف بوب، شخصية مارتن الملحد الساخر المنتقد للكنيسة، فهو يناقش فيلومينا في مشهد يجمعهما وسط حقول إيرلندا الخضراء، "لماذا خلق الله فينا الرغبة الجنسية هل كان يتوقع منا أن نقمعها؟"، ظهور هذا الصحفي في حياة الام التعيسة كأنه إعتذار إلهي عن فقدانها إبنها وعدم قدرتها على رؤيته مجدداُ، فهما يظلان متحدين طوال مسار الفيلم، وبمساعدته تكتشف إن إبنها كان مثلي الجنس وأنه توفي بمرض الأيدز وهو مدفون في الحقل المجاور للدير الذي ولد فيه بناءً على وصيته، ويتشاركان (فيلومينا ومارتن سكس سمث) عدة مشاهد ساخرة بينما ينفرد مارتن سكس سمث بمشاهد الغضب والحنق على الراهبات اللواتي عاملن فيلومينا بقسوة لانظير لها وحرمنها وإبنها المريض من فرصة اللقاء الأخير، وأما فلومينا "فهي تحمل طاقة تسامح مُلفتة، تبعث فيها قدرة على الاستمتاع بأتفه التفاصيل التي تبدو عادية من حولها، جودة الطعام، استضافة الفندق. متغاضية عما يحيط بها من مخاوف حيال ما سيتكشف لها عن حياة ابنها الذي تبحث عنه. بمثل هذه الطيبة التي تملكها في داخلها، تجنح لمسامحة راهبات الكنيسة، ولا تطالبهم بأية تبريرات حينما يتضح لها أنهم منعوها من مقابلة ابنها الذي جاء ليبحث هو الآخر عنها بداية من نفس المكان، ومن الممكن القول إن من جماليات الحكاية العلاقة بين مارتين وفيلومينا وكيف بدأت وانتهت، فما بدا أنه علاقة بين كاتب متمكن وشهير وامرأة بسيطة تحول بمرور الوقت إلى شكل مختلف فقد بدا الصحفي في النهاية أحمق صغيراً أمام فيلومينا وتسامحها وثباتها ورباطة جأشها. الفيلم البريطاني "فيلومينا" ابتعد منذ البداية عن كل القصص المعروفة والقوالب المعهودة، فكاتبا السيناريو جيف بوب وستيف كوجان يعرفان أنهما يرويان قصة استثنائية، ولذلك فهما غير معنيين بالقوالب الجاهزة، وقد ساهم أيضاً وجود مخرج متمرس وقدير كستيفن فريرز وهو مخرج فيلم "الملكة" وغيرها من الأفلام البريطانية المهمة، لجعل الأداء وكافة التفاصيل الأخرى تحافظ على تميز القصة وتبتعد بها عن الابتذال والمبالغة في التراجيديا. لابد من الحديث عن امانة المخرج في نقل الرواية أو أحداث الكتاب الى الشاشة، وهذا يقودنا الى الجدل حول نقل الرواية الى السينما ، لكل من الرواية والفيلم، عالمه الخاص في التعبير السردي ، فالرواية تتخذ من اللغة وسيلة لتصوير مفردات الواقع، والفيلم يتخذ من الصورة لغتها البصرية والسمعية للتعبير عن الواقع أيضاً، ولكن بقدرما تأثرت السينما كثيراً بالأدب من رواية وقصة وشعر، كذلك تأثرت الرواية بالسينما ـ خصوصاً الجديدة منها من خلال نظريات المونتاج وسرد الحدث الدرامي التصويري، والمزج واللقطة الكبيرة والحركة الاستعراضية للكاميرا، وأهم المشكلات التي تعترض المخرج في تعامله مع الرواية، قبل كل شيء هي أن يكون أمينا لأي شيء بالضبط للفكرة، للمضمون، للشخوص، للإصلاح، للحوار، للأمكنة، للأزمنة؟ كيف يمكن تحقيق المصداقية أو الموثوقية بشأن التفاصيل الدقيقة في عمل تاريخي مثلا؟. في فيلم " فلومينا " يركز مخرج الفيلم على" فيلومينا لي" مع القليل جدا على الابن، ولكننا لم نعرف عن الدافع لمايكل في رؤية والدته البيولوجية، كذالك مساحته السردية في الرواية فيها الكثير من الاحداث المصنوعة بجهوده، (أنتوني)، الذي يصبح مايكل هيس وحياته الجديدة مع العائله الامريكيه، في الكتاب هناك الكثير من التفصيل عن سنوات دراسته وتفوقه الجامعي ، حبه للغناء والأداء في المسرحيات الغنائية، وكطالب قانون متميز في جامعه جورج واشنطن، وكذالك معاركه في الحزب الجمهوري الذي كان عضوا فيه خلال سنوات ريغان، صفحات عديدة من الكتاب تتناول مدي فظاعة الحزب الجمهوري (في أعين المؤلف)، والكشف عن الكثير من التجاوزات والتناقضات في سياسية الحزب، ومن ثم تجاربه العاطفية و ميوله المثلية وصولا الى اصابته بمرض نقص المناعة وغيرها، برأي يجب ان يكون هناك فيلمين، "فيلومينا" والثاني بعنوان "مايكل".
الفيلم صور الدير كحصن غامض مغلق على كثير من الاسرار، تملأ وجوه الراهبات قسوة مفرطة تحاول أن تبرر تلك المعتقدات فى حرمان أم من طفلها، حيث لا يحق لها أن تعيش الأمومة بعد وقوعها فى الخطيئة . فى الفيلم تكتشف روعة وذكاء أداء الممثلة جودى دينش في دور "فيلومينا" وستيف كوجان من قام بدور الصحفى عبر عدة مواقف إنسانية وعاطفية تلهب مشاعرك، ويغلفها سخرية الحوار الذى لا تملك سوى أن تضحك من قلبك معه، والصورة الملهمة الصادقة حتى فى المشاهد المؤلمة والموجعة خاصة داخل الدير، حيث ترفض الراهبات وكبيرتهن الإفصاح عن أى شىء بل ويكذبن، وهنا يتطرق المخرج والسيناريو البارع دراميا فى كشف حقيقة الاتجار بالأطفال باسم الدين وباسم التخلص من براثن الخطيئة، تقول الممثلة جودي دينش عن شخصية فلومينا “كل ما يمكنني قوله هو أنني لا أتخيل نفسي في هذا الموقف ويكون بمقدوري أن أغفر ما حصل. أنا لا أملك فعلا كل هذه الإنسانية التي تملكها".
هذا فيلم يحمل رسالة إنسانية خالصة ويناقش قضايا الإيمان والشذوذ الجنسي وجرائم الكنيسة الكاثوليكية بإسلوب هادئ ومنساب بسخرية للحد الذي يجعلنا نضحك رغم الحزن ويبتعد عن الحقد والرغبة بالانتقام، مشاهد كثيرة مشحونة بعواطف حادة وبسيطة في ذات الوقت أجاد تأديتها ببراعة الممثلان الرئيسيان فيه (جودي دينش وستيف كوجان). هناك مشهد مليء بالأسى حين يؤخذ الولد بدون علم إمه وتلتقي أعينهما للمرة الاخيرة، الولد في المقعد الخلفي للسيارة السوداء المبتعدة والأم من خلف سياج الدير ، كذلك تصوير الدير في الشتاء والثلج يحيط به من كل جانب يعكس برودة المشاعر التي أحاطت بهذا المكان وأوجعت ساكنيه. كما أن ما أضفى على القصة قوة هو بالتأكيد الأداء الرائع للممثلة القديرة جودي دينش. وكذلك فاللمسة الكوميدية البسيطة والموفقة في التخفيف من جو القصة الحزين، والمتمثلة في أداء ستيف كوجان قد أضافت قوة تضاعفت مع موسيقى الفيلم التصويرية للموسيقي الفرنسي الشهير ألكسندر ديسبلات، الذي اعتاد تأليف موسيقى تصويرية لأفلام شهيرة كثيرة ورشح عن العديد من الجوائز ، جودي دينش الممثلة البريطانية ليست غريبة على لعب الأدوار التي تمثل شخصيات حقيقية أو تاريخية، فهي قد مثلت الملكة فكتوريا الأرملة وقصة عشقها للموظف الإسكتلندي في قصرها جون براون في فيلم ( مس براون) للمخرج جون مادن 1997، وهي التي أذهلتنا بتأديتها لدور الملكة إليزابيث الاولى في شكسبير عاشقاً 1998 للمخرج جون مادن أيضا والذي حازت عليه جائزة الأوسكار عن أفضل دور مساعد، فى هذا الفيلم تكتشف روعة وذكاء أداء الممثلة جودى دينش، فيلومينا وستيف كوجان من قام بدور الصحفى عبر عدة مواقف إنسانية وعاطفية تلهب مشاعرك، ويغلفها سخرية الحوار الذى لا تملك سوى أن تضحك من قلبك معه.
لقد حولت فِطرة فيلومينا القوية، تعسفات وظلم أجواء الكنيسة التي نشبت فيها إلى مخزون عطاء وحب وتسامح، أحالت قيوده إلى جناحين، وبددت ظلمه وقهره إلى رحيق قبول ينتمي أكثر إلى مفاهيم الدين الصحيحة وليس المتعارف عليها، تقول جودي دينش عن دورها في فيلومينا: " شعرت بمسؤولية جسيمة عند تأدية هذا الدور لأن الناس تعرف فيلومينا الحقيقية وعند مشاهدة الفيلم سيحاولون التعرف عليها من خلالي وآمل أنّهم سيوفقون". وتضيف إنها قضت وقتاً مع فيلومينا الحقيقية وإنها كانت مأخوذة بضعفها وصرامتها وحس الفكاهة لديها وتقول إنها جعلتني أضحك، لكن عندما قرأت القصة أيقنتُ مدى شجاعتها وصبرها وقوة إيمانها"، وقد برع المخرج في إبراز هاتين الميزتين (الضعف وحس الفكاهة الساخر) في شخصية فيلومينا بجدارة عبر تتابع أحداث الفلم. الواقع أننا شاهدنا مباراة رائعة فى الأداء بين النجمة جودى دينش وبين من يقوم بدور الصحفى مارتن ماكسميث النجم ستيف كوجان فقد أبدعا فى لحظات كثيرة بالتعبير عن لحظات الغضب والسعادة والقبول بالتسامح والإنكار والرفض.. إنه ملحمة فنية وإنسانية، قدّم مخرج الفيلم ستيفن روبنز، رؤية فكرية واعية لمأساة أم في مواجهة جريمة دينية مفزعة، رؤية صيغت بأسلوب سينمائي، يحمل كل مقومات النجاح من حركة وإيقاع ومونتاج نظيف، وتصوير وموسيقى وأداء تمثيلي، ومشهدية سينمائية قامت على تنوع وغنى المناظر وحركتها في أمكنة متعددة بين الماضي والحاضر، وبين أميركا وأوروبا. الفيلم صور بحبكة ناجحة هى مزيج من المأساة والتراجيديا والكوميديا والسخرية لوعة أم لم تهدأ نصف قرن بحثا عن مصير ابنها، وفى النهاية يقدر الصحفى عدم نشر القصة احتراما لخصوصية فيلومينا حتى لا تتسبب فى جرحها أكثر، لكنها تصر على نشرها حتى تكون عبرة وموعظة للجميع.
(فيلومينا) فيلم درامي مؤثر وهو مأساة أمرأة في مواجهة جريمة دينية مفزعة !!، والقصة لشخصية حقيقية لازالت على قيد الحياة (78 عاما) ، وتعيش في مدينة سانت ألبانس جنوب بريطانيا وقد ظهرت مع جودي دنش في العرض الأول للفيلم في مهرجان لندن السينمائي لسنة 2013.

علي المسعود
المملكة المتحدة





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,559,517,446
- البحث عن رواية العار الوطني في الفيلم الدنماركي ( أرض الالغا ...
- فيلم-هذه انكلترا- صرخة تحذير عن اخطار التطرف العنصري ضد المه ...
- فيلم -مانديلا: طريق طويل نحو الحرية-، قصة شعب جسدته حياة رجل
- -شجرة الحياة- فيلم يغوص كثيراً في الوجود والحياة
- فيلم- نيرودا -فيلم ينتصر للحرية والإبداع
- الفيلم الكندي -حرائق - فيلماً سينمائياً متمردأ على نيران الط ...
- فيلم “سافرجت”، نابض بالحياة ويؤرخ لحق المرأة في التصويت .
- السينما الشعرية في فيلم المخرج الايراني الراحل عباس كياروستم ...
- فيلم ( حياة الاخرين) : كشف عن تأثير الرقابة البوليسية على ال ...
- -بلاد فارس - (( بيرسيبوليس )) فيلم رسوم متحركة يحكي قصة طفول ...
- محمد حمام --صوتك زى ابتسامة الطفل ف القلب اليسارى
- أطفال صغار يحملون هموم واثقال الكبار في الفيلم الكردي ( زمن ...
- (الاحتجاج الهادئ)، في افلام المخرج الكردي - بهمن قبادي-
- فيلم ( حرب خاصة ) قصة الصحفية ( ماري كولفين ) الجريئة والباح ...
- فيلم (على بوابة الخلود) يعيد الرسام -فنسيت فان كوخ من جديد . ...
- فيلم ( الزوجة ) يناقش فكرة: هل مازال الرجال منحازون بشكل أو ...
- نائب- فيلم أمريكي يعكس السياسية الامريكية وجهل مراكز القرار. ...
- إضاءة جديدة لفيلم ( الفراشة ) ألذي جسد قيم الحرية والاصرار و ...
- الفيلم السويدي -رجل يدعى أوفا-.. فيلم حافل بشتى أنواع المشاع ...
- فيلم ( الكتاب الاخضر) هل يشفي قرونًا من التميز العنصري؟؟


المزيد.....




- بملابس شخصيات فيلم -موانا-.. محمد صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنت ...
- صلاح يحتفل بعيد ميلاد ابنته مكة على طريقة الفيلم الكرتوني -م ...
- وزارتان بلا ثقافة.. كاتب يمني ينتقد صمت اتحاد الأدباء والكتا ...
- روبوت فنانة على شكل إنسان: هل يمكن أن نصنع فناً من دون مشاعر ...
- شاهد.. ماذا تبقى من آثار الموصل؟
- هل يصعب على الموسيقات العسكرية العربية عزف النشيد الوطني الر ...
- بعد الاستقلال.. حزب الكتاب يدعو الحكومة لتقديم تصريح أمام ال ...
- حزب الاستقلال: تقديم الحكومة لبرنامج جديد أصبح ضرورة ملحة
- دومينغو ضيفا على RT عشية إحيائه حفلا موسيقيا كبيرا بموسكو (ف ...
- عبد النبوي يثير جدلا داخل البرلمان


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي المسعود - مأساة أمرأة في مواجهة جريمة دينية مفزعة في فيلم ( فيلومينا) !!