أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل صوما - رواية -عواصم السماء-















المزيد.....



رواية -عواصم السماء-


عادل صوما

الحوار المتمدن-العدد: 6158 - 2019 / 2 / 27 - 22:57
المحور: الادب والفن
    



الفصل الاول




لا سبب واضحا كان يمكن أن يفسر سر تراجع رايفن بريدا التربوي والسلوكي بعد إلتحاقها بالمدرسة الثانوية، رغم إنها كانت تلميذة مجتهدة مهذبة في المرحلة الاعدادية، تتمتع بأخلاق تعكس تربيتها في منزل محافظ، وتحصيلها العلمي على درجة جيدة. رأى اهلها أن الامر ربما يعود إلى تغيّر مستوى التلامذة من حولها إلى الاسوأ. وفسر بعض معلميها تلك التغيرات بأنها تمر فترة مراهقة متأخرة إنتقالية، سرعان ما ستعود بعدها إلى سيرتها الاولى. أما رايفن نفسها فقد شعرت وكأنها أُلقيت من بيئة وادعة مستقرة مألوفة لها، في مدرستها الاعدادية القريبة من منزلهم، إلى أخرى مختلفة لا تعرفها، ما جعلها تشعر بعدم إستقرار وتوتر عميقين لم تفلح الايام في إزالتهما.
ورغم إنها اصبحت من أعمدة فريق كرة السلة النسائي في مدرستها الثانوية، إلاّ انها لم تستطع التغلب على مشاعرها الداخلية المزعجة غير المريحة التي ظلت تلازمها، حتى غادرت تعليمها الثانوي قبل نهاية دراستها فيه، لتواجه قدرها في الحياة خارج أسوار المدارس.
ووسط إمتعاض أهل امها غير المتعاطفين مع قرارها المتهور، وسخرية اخوتها منها ومن أفكارها، وصمت أبيها الذي كان نادرا ما يتخذ أي قرار ذي شأن تجاه نفسه أو عائلته، وتقبّل امها لرأيها بعدما اقنعتها رايفن بأن مستوى ذكائها وقلة صبرها على التحصيل العلمي والمذاكرة لن يؤهلاها لدخول جامعة مرموقة، ومن الأفضل أن تلتحق بمكان يعدّها للحياة العملية، تقدم خالها القس لوقا ريتشاردسون، راعي الكنيسة المنهجية في مدينة سان بيدرو بولاية كاليفورنيا، بإقتراح عملي لها، وبناء على نصيحته الواقعية التي قالها بهدوء، قررت رايفن الالتحاق بمعهد تجميل تتعلم فيه فنون قص الشعر وصبغته والعناية بالبشرة، لتستأجر في ما مقعد في صالون حلاقة بعد تخرجها تتعيش من إيراده، ثم تتجه نحو المكان الذي يناسبها بعد تمّكنها من حرفتها وذيوع إسمها في هذا المجال.
كان خالها لوقا بلسم أوجاع اسرتها دائما، ولا تذكر رايفن أي مشكلة مهمة واجهتهم إلا بوجوده جالساً بكل صبر بينهم، بقامته المتوسطة الطول وبنيانه المتين وكتفيه العريضتين اللتين تلامسان زاويتي الكرسي الذي يجلس عليه، ونظارته السميكة وصوته الكنسي الرخيم، يقترح ما لديه من حلول قد تصل إلى تقديم المال من جيبه للمساعدة احيانا. وكانت رايفن تعتبره بحق "شفيع المشاكل" الذي لا يجد عقبة امامه يخفق في حلها سوى المرض والموت، كما قال لها ذات مرة عندما سألته عن أصعب الامور التي لا يجد أي مخرج لها. وكانت شفاعته حسب ما ترى تنتشر حتى بين اعضاء كنيسته الذين يحبونه ويحترمونه ويذكرونه بإعجاب كبير حتى وهم بعيدون عنه، والسبب كما قالت لها إحدى صديقاتها المراهقات هو عدم تورطه في أي شبهة مالية أو علاقة نسائية، طوال أكثر من ثلاثين سنة في خدمة رعيته وقبل أن يكون رئيسها.
رغم أن مجال دراسة المعهد قد راق لرايفن كثيرا، وجعلها تستقر نفسياً وتتخلص من هاجس لم تصرح به لأحد هو صعوبة وجود دور لها في الحياة المزدحمة بالناس والمواهب، بعد إكتشفافها متعة العمل اليدوي والتفكير في جعل الزبونة تشعر بأنها أجمل وأكثر جاذبية عند خروجها من صالون الحلاقة، وهي مسؤوليتها الكبيرة في مجتمع يتكّل كثيرا على الانطباع الاول للإنسان، كما قال معلمو قص الشعر، لم تجد رايفن سبباً واحداً لرغبتها المحمومة في عدم إستمرارية أي علاقة عاطفية أو جنسية، بينها وبين اصدقائها الذين كانت تستبدلهم كل فترة، كما تغيّر تصفيف شعرها و لون صبغته، كما يفعل معظم تلامذة معاهد التجميل ببعضهم بعضاً، كنوع من التمرين العملي وتجربة المواد التجميلية التي توفرها قاعات الدرس لهم، لإكتشاف أفضلها وأكثرها دواما على أنواع الشعر المختلفة.
وفي الوقت نفسه لم تكن رايفن راضية عن علاقاتها العابرة، فقد كانت تشعر أن الشباب في مثل عمرها تافهون غير مقنعين، بينما هي تبحث عن قماشة اخرى بين هذه السلع الرخيصة المتشابهة، التي تراها مجرد إسلوب لكسر ملل حياتها، خصوصاً في العطلات الاسبوعية المملة حين تكون بلا صديق ولو عابر، أو إتصال هاتفي من عاشق متكاذب، لإكتساب الخبرات الغرامية والجنسية المتنوعة التي تجعلها أكثر جاذبية وكفاءة من غيرها، كما قال لها أحد عشاقها العابرين.
- هل تؤمن أن الكفاءة الجنسية من سبل قوة العلاقة بين الطرفين؟ سألت رايفن صديقها.
- أعظمها. لكن الناس يكذبون ويقولون أمورا غيرها.
- وما هو دليلك؟
- كمية المنشطات الجنسية التي تُباع، والمجلات الاباحية ذات الانتشار الواسع.
- قد يكون أحد الامور..
- هل سمعتِ عن مجلات تتحدث عن أهمية الكلام المعسول واللباقة، تماثل في مبيعاتها المجلات والافلام الخلاعية؟
- لا.
- هل سمعت عن إمرأة تخون زوجها لأنه لا يُحسن الحديث؟ أو لأنه لا يعرف كيف يختار ألوان ملابسه وربطة عنقه؟
- ابدا.
- لا شيء يضاهي الكفاءة الجنسية والصحة في خلق علاقة جيدة بين الرجل والمرأة.
- والمال؟
- يتلاشى مفعوله في الفراش، ولا يبقى سوى من يلتهم شفتيك وينفعل بكل جوارحه مع جسدكِ.
إكتشفت رايفن بعد تخرجها في معهد التجميل، إختلاف ممارسة العمل تماماً عن ايام الدراسة. كان المرح وعدم وجود مسؤولية والشغف بتعلم هذا الفن شاغل حياتها. ثم ظهرت الامور المزعجة خصوصاً لها، مثل الصبر على التواجد في مكان العمل ثماني ساعات يومياً حتى لو لم تكن هناك زبونة لفترة طويلة، ودفع أجرة الكرسي الذي تستأجره مساء كل سبت، والتأقلم مع الامزجة المختلفة للمرأة ومسايرتها حتى لا تطير إحدى زبوناتها منها. وقد دفعتها هذه الامور التي لا تُطاق بعد عدة شهور إلى تغيير مهنتها، والعمل مندوبة مبيعات لدى إحدى شركات مستحضرات التجميل، لأنها شعرت من أحاديث المندوبات اللاتي كن يعرضن عليها بضاعتهن، إنهن أكثر حرية منها لأنهن ينتقلن من مكان لآخر، ويجددن وينشطن طاقتهن وتفكيرهن بسبب حركتهن المتواصلة، كما يوّسعن دائرة علاقتهن مع مستويات مختلفة من البشر، ويستيقظن صباحاً في الوقت الذي يحلو لهن، ويعدن إلى منازلهن وقتما يرغبن. ومن جهة اخرى هن أقل مسؤولية فلا دفع إيجار ينتظرههن إسبوعياً، او ساعات عمل صارمة لا تعرف نزوة شرب فنجان قهوة مع صديق او صديقة اثناء النهار، للتخلص من مزاج غير مستقر يمكن أن يجد المرء نفسه يستيقظ به صباحا بدون مبرر.
- ولماذا أهدرت هذه المدة من عمرك؟ سألتها أختها الأكبر منها.
- لم يكن لديّ معلومات عن مهنتي المقبلة. والانسان يتعلم كل يوم.
- ما هي الفترة التي تتوقعين العمل فيها في وظيفتك الجديدة؟
- أطول مما تتوقعين. لا تقلقي ياعزيزتي. هذه المهنة تعطيني تماماً ما أريده من الحياة.
- سمعنا ذلك منكِ مرات ومرات. العصفور الطائر لا يبني أي عش.
لم تكن ماري أخت رايفن تسخر منها عندما سألتها عن الفترة التي ستعمل فيها كمندوبة بيع مستحضرات تجميل، لأن جميع من حولها باتوا واثقين من عدم إستقرارها على أي أمر لفترة طويلة. وشرح لوقا لأخته دوريس كيف تواجه تقلبات إبنتها ولا تنزعج منها، لدرجة تؤثر على إرتفاع ضغطها او تزيد نسبة السكري في دمها، فما يرونه هم مشكلة لا تراه إبنتها كذلك، وأقصى ما يمكن لأي إنسان ان يفعله لرايفن هو تحسين إسلوبها فقط، حتى يكون وقعه على غيرها أقل ضراوة، فمن المستحيل تغيير طبع مُتغيّرعدواني طفولي متأصل فيها.
كانت رايفن بريدا مفارقة عائلة امها، فأبوها كان بدون أقارب من الدرجة الاولى. فقد كان وحيد والديه اللذين توفيا، ولا يذكر أحد أولاده ان قريبا لهم لجهة ابيهم قد زارهم من قبل، حتى في المناسبات العائلية والاعياد. وكل ما عرفوه عنه إنه من اصول رومانية، مثل عائلة أمهم التي عاشت في بوخارست العاصمة، وجاء أبوه من مدينة سولينا المطلة على البحر الاسود وإستقر في كاليفورنيا. بينما كانت عائلة أمها تتميز بعددها الكبير ونفوذ خالها لوقا إضافة إلى عضوية خالتين في مجلس ادارة الكنيسة المنهجية في مدينة سان بيدرو. أسرة محافظة سواء بالنسبة إلى سلوك اعضائها في المجتمع، أو ثيابهم وصداقاتهم ومحتويات منازلهم واللوحات التي تزين جدرانها.
كانت رايفن تختلف تماماً عن هذه العائلة التقليدية، فهي صاحبة مزاج غير مستقر ومشاعر يصعب إرضاءها، وإسلوب في الحديث يشبه فساتينها المشقوقة المكشوفة، التي لا تعرف أمها كيف تهتدي إبنتها هذه إليها، وقابلية عارمة لا تؤجل للتمتع بإغراءات الوجود وشهوات الجسد والنفس. وقد وهبتها الحياة جسداً ساعدها كثيرا في فرض ما تريده على الناس، وجعلها صاحبة إنطباع لا يُنسى خصوصاً على الرجال. ورغم صفاتها التي كان يراها آل ريتشاردسون سيئة، لم تضمر رايفن الشر لأحد، ولم تزاحم بشكل غير شريف على لقمة عيشها. وكانت صديقاتها المقربات يصفنها بالانسانة الطيبة.
- كم عدد زجاجات البيرة التي تنوين إحتساءها؟ سألها خالها لوقا وهو ممتعض في "عيد الشكر"، بينما كان معظم افراد العائلة يحتفلون في بيته المجاور لكنيسته الذي يعتبرونه منزل المناسبات والاعياد.
- كل الذي إشتريته. ثلاث زجاجات. إطمئن انا لن أسوق السيارة في طريق العودة. أجابت رايفن بشكل طبيعي.
وفرّ عمل رايفن في الترويج لمستحضرات التجميل لها الاسلوب الذي تعشقه في الحياة. كانت تستيقظ متأخرة من نومها، وتبدأ جولتها على المراكز التي تبيعها هذه المساحيق قبل منتصف النهار، وتنهي يوم عملها قبيل أو بعد الغروب بقليل، لتبدأ الجزء الثاني من يومها ما بين المراقص وزيارة صديقاتها واحيانا في قضاء وقت ممتع مع أحد عشاقها. وكانت تسهر كل فترة برفقة مدير من مدراء البيع في المراكز الكبرى التي كانت تشتري منها، لإيمانها العميق بأن الصداقات والعلاقات الجيدة مع أصحاب القرار في المؤسسات أهم بكثير من كفاءة الانسان أو جودة السلعة التي تروجها. وقد جعلها ذلك الامر، أثناء مجاملة الذين كانت ترافقهم، تكتشف متعة الانتشاء بكأس نبيذ مع العشاء، سرعان ما تحول إلى عادة تطلب المزيد كل ليلة، وتجعلها تستيقظ متأخرة صباحاً، بينما أخوها وأختاها في جامعتهم، وأمها تطبخ أو تجالس إحدى ضيفاتها من الرعية نفسها في كنيسة مدينة لونغ بيتش المنهجية حيث يسكنون، وأبوها يقرأ أو يشاهد التلفزيون ليرفه عن نفسه.
- لديها طريقة معينة في التعامل مع الناس. قال أحد مدراء المحلات لمشرف المبيعات على مراكز التسويق في المنطقة التي تعمل رايفن في نطاقها.
- وهل تراها ناجحة؟ سأله المشرف.
- مميزة. كأن هذه الفتاة خُلقت لتكون مندوبة مبيعات.
- وهل هي ُمقنعة في عرض ما لديها؟
- رائعة.
- هل تفكر في ضمها يوما لبائعات مركزكم؟
- مستحيل. رايفن لم تُخلق لتبقى في مكان واحد.
إعتبرت بعض فتيات المبيعات اللاتي كن يروجن للمنتجات عينها في أحياء اخرى رايفن محظوظة لا أكثر او أقل. وبعضهن اعتبرنها بارعة في تسويق نفسها قبل تسويق ما بين يديها. أما الادارة فقد قيمتّها الفتاة الأكثر مبيعاً بين كل مندوبات الشركة، وكانت عمولتها تفوق معاش مدير قسم. لكن رايفن لم تكن تملك الكثير من المال، لأنها كانت تعطي أمها وأباها الذي تقاعد في بداية خمسينات عمره بدون أي مبرر صحي ويلازم المنزل في أغلب الاحيان، نسبة كبيرة جدا مما تربح، والباقي كانت تنفقه على حياتها الخاصة، لأنها لم تنتظر في يوم من الايام أن يدفع عنها أحد في مطعم أو مرقص، صديق كان او صديقة. كانت دائما تثق في اليوم التالي الذي ستربح فيه نقودا كثيرة.
حاولت كيلي اخت رايفن الآخرى التأثير عليها لتخفف من نزواتها مع الشباب وتقلع عن شرب الخمر، رغم إنها كانت أصغر عمراً من رايفن وأخيها ريتشارد، لكنها لم تفلح ولم تستطع حتى بكلامها المنمق أن تجعلها تفكر في حديثها بعد فترة. كانت رايفن على قناعة نهائية أن الاحاديث الاخلاقية تسبب على نحو ما الامراض السلوكية، لأنها تحاول إلغاء قوى وطاقات موجودة في الانسان، الذي لن يستفيد بشيء من حياته سوى المتعة التي يعرفها من إستعمال حواسه الخمس وغرائزه. لم تقتنع رايفن بحديث اختها عن الفرص شبه المعدومة لزواجها في المستقبل إذا إستمرت على وتيرة حياتها، التي لا توحي بالثقة لأي شاب يبحث عن فتاة جديّة.
- هل تعلمين انك ترددين كلاماً سمعته من امك عشرات المرات؟
- لكنني أقوله بدافع الحب وليس التربية.
- أعلم ذلك.
- لا يقبل شاب بزوجة مدمنة.
- لكنهم يلقون بأنفسهم في طريقي.
- لمجرد التسلية أو المنفعة المالية.
- وسيلقي أحدهم بنفسه امامي لأنه يحبني ويريد أن يتزوجني.
- لكن هل سيقبل نزواتك وإدمانك للخمر عندما يعرف تفاصيل حياتك؟
- لو كان يحب حقاً.
- إذا انت تعلمين أن إسلوبك خطأ.
- انني استمتع بحياتي ولا افكر بالخطأ والصواب.
تعودت رايفن على ممارسات المتعة التي تهب كلهيب في الجسد، وسرعان ما كانت تنساها لأنها لم تمس داخلها، لكنها في العام 1990 شعرت بأنها يمكن أن تنشغل بصديق جديد دخل حياتها. ولم تدر لماذا وهي في عمر الواحد والعشرين بادرت لأول مرة في حياتها بالاتصال الهاتفي، لتسأل عن رون لأنها لم تلتق به عدة ايام. وقد خافت من إحساسها ومبادرتها كثيراً، لأنها لا تحب الأسر أو الإحتياج المّلح لأي شيء.
كان رون مساعد مدير المبيعات في أحد المتاجر الكبرى التي تتعامل معها. شاب يدنو من الثلاثين من عمره، على درجة كبيرة من الجاذبية والاناقة المفرطة في إنتقاء كلماته. لم يبادر الى خطب ودّها مثل معظم الرجال، لكنه كان يتحدث معها وكأنه التفاؤل نفسه. وقد مسّ إسلوبه قلبها، لأن البائع مهما كانت قوته وموهبته في التعامل مع الناس يحتاج إلى الأمل الذي يعينه على إقتناص الفرص التي تومض بغتة امامه، ومواجهة عمله بعد عدة ايام جافة متواصلة احياناً، بالقوة نفسها التي يواجه فيها أيامه ذات الربح. وهي لم تجد في حياتها من يتعامل بطريقته حتى اللحظة التي قابلته فيها، بعد إنتقاله إلى الفرع الذي يقع في نطاق الاحياء الثلاثة التي تعمل فيها، ولأول مرة تجد نفسها تترك باب قلبها موارباً، بعدما كان الجميع يفتحون قلوبهم لها، ودخل رون صديقاً في البداية ثم تحولت الصداقة إلى علاقة جنسية بينهما.
رغم حالة الإنجذاب العميق الذي عاشته رايفن مع رون، إستطاعت ان تلاحظ تغيّر مزاجه احياناً، خصوصاً عندما لا يكون في العمل. شعرت كأنه يضع قناعاً وهو في المتجر، يساعده على إخفاء الوجه الحقيقي له. ولم تستطع رايفن حتى بإسلوب الانثى المناور الوصول إلى أسباب ذلك الانقلاب المفاجىء الذي يحدث لرون، لكنها كإمرأة مجربة كانت مندهشة من طاقته الجنسية التي بدت احياناً انها تستمر أكثر من غيره بكثير. واستقر إحساس رايفن بعد فترة من معاشرته، على ان أروع مكانين يمكنهما اللقاء فيهما هما مكان عمله وشقته الصغيرة. ففي المتجر كان ينشّط التفاؤل في قلبها، وفي الشقة كان يحفزها على إطلاق كل طاقتها الجسدية، لدرجة كانت تشعر بعدها وكأنه قد أعاد تأهيل اعضاءها مرة اخرى.
- ما الذي يجعل شفة الانسان السفلى ترتجف احيانا؟ سألت رايفن زوج صديقتها ستيفاني الذي يعمل صيدلياً.
- ما هو عمره وحالته الصحية العامة؟ سألها جيمي باكستر.
- ثلاثين وصحته ممتازة.
- المرّجح إدمان افيون. قال جيمي بعد لحظات تفكير.
- وما هي الظواهر الاخرى لمدمني الافيون غير ذلك؟
- هل بدأتِ تجربة الافيون يا رايفن؟ سألتها ستيفاني.
- انتِ تعلمين ولعي بكأس الخمر.
- يأكل قليلاً ونادراً ما يزيد وزنه، ويسبب له تعاطي الافيون إطالة العملية الجنسية بشكل غير طبيعي.
- لماذا تطول فترة ممارسته للجنس؟ سألته رايفن.
- لأنه واقع تحت تخدير. تماماً كمن تُجرى له جراحة ولا يشعر بها. لكن ذلك في البداية لكن يأتي التدهور بعد ذلك.
توجست رايفن فعلا مما سمعته من جيمي باكستر، وتساءلت عن سبب إخفاء رون لهذه الحقيقة عنها، بينما قالت هي كل ما تعرفه له، ولم تخف عليه أي أمر من شؤون حياتها حتى عشاقها السابقين. حاولت ان تفتح صفحة جديدة مع إنسان إتفق معها على المساكنة لمدة ثلاث سنوات، يختبر كل منهما فيها الآخر، هي في منزل أسرتها وهو في شقته الصغيرة، ثم يتزوجان بعدها لو توافقت طباعهما وإرتاح كل منهما للآخر ورأى انه لا يستطيع الاستغناء عنها. وقد حاولت رايفن مساعدته لكي يوقف هذه العادة التي ستدمره بعد عدة سنوات، لكنه بعد إصرار منها، صرّح لها بأنه يتعاطى الافيون لإطالة العملية الجنسية ولا يدمنه، والكمية التي يأخذها تسبب المتعة لكل منهما، ولا داعي لأن تحرم هي نفسها من لذة مشتركة تجمع بينهما.
- هل أنت مقتنعة بالمساكنة بينك وبين هذا الشاب؟ سألها خالها لوقا.
- انت تعلم أن رجالاً وشابات كثيرات يمارسونه.
- لكنه غير ملزم للطرفين.
- أنت تتحدث عن القانون.
- وشيوعه جعله أمراً عادياً، لكنه في الواقع غير عادي. خطأ.
- وما المشكلة في ذلك؟
- الامور القانونية والانسانية التي تترتب عليه.
- هل تقصد الحمل؟
- هذا أحد الامور في العلاقة بين الطرفين.
- الحياة الحديثة خلقت عدة انماط جديدة في العلاقات الانسانية ياخالي.
- من يصدق أن المجتمع الاميركي كان محافظاً، والمايوه البيكيني كلت ممنوعاً منذ أربعين سنة؟
- أربعون سنة امر بعيد جدا.
توفى رون بجرعة زائدة ذات مساء، وعرفت رايفن بعد يومين عندما إستدعتها الشرطة بصفتها إحدى المشتبه فيهن، لترددها على شقته حسبما قال الجيران عنها، إضافة إلى صوتها المُسجّل على المجيب الصوتي لهاتفه المنزلي، وهي تستفسر عن سبب عدم إتصاله بها في مساء اليوم التالي لوفاته. وبعد تحقيق معها في مركز الشرطة، اُفرج عنها بكفالة عنوانها ومراعاة لظروف حملها البالغ شهرين، ووضعت تحت المراقبة طوال فترة التحقيق مع كل من له صلة برون، لكن النيابة وصلت إلى رأيها الاخير بعد إستجواب الشهود وكل من له صلة بهما وكان يعرف بأمر معاشرتهما لبعضهما بعضاً، وما جاء في التقرير النهائي للطب الشرعي، الذي أثبت الجرعة الكبيرة التي تعاطاها رون قبيل وفاته.
برأت النيابة رايفن لعدم وجودها معه في الشقة في اليوم الذي توفى فيه، إضافة إلى إستحالة وجود نية قتله عندها، وعدم وجود شبهة تعاطيها الافيون معه لخلو دمها من أثار هذه المادة.
خرجت رايفن من كابوس التحقيق معها ووضعها تحت المراقبة، وهي حزينة على فقدان أول حب لها في الحياة بهذه الطريقة المفجعة، بعدما عانت في الايام الاولى التي أعقبت خبر وفاته من شعورين متلازمين، هما الحزن والخوف المبالغ فيه من شُبهة غير حقيقية تلقي بها خلف القضبان عدة سنوات، فلم يكن يوجد غيرها في حياة رون المقفرة، لأنها كانت الوحيدة التي تتردد على شقته وتأتي له بالطعام في أغلب الاحيان. خافت ان تلحق بها تهمة التسبب في قتله، هي التي بالكاد قد سمعت منه عن أهله في شمالي كاليفورنيا ولم تر احدا منهم، لأن رون عاش بعيدا بعد الثامنة عشرة كما قال لها، بسبب عقليته المختلفة تماما عن تفكير أسرته.
وجدت رايفن نفسها لأول مرة متعلقة بإنسان، بعد حياة كانت تُشبه فيها قطار يتحرك من محطة إلى اخرى، ويغادره ركابه الذين لا تربطهم به أي علاقة سوى الرحلة، وأصابتها حيرة شديدة عندما إتصل بها مدير المجمّع السكني الذي كان يقطن فيه حبيبها، وطلب منها إستلام أغراضه، لأن احداً لم يبال بها حتى عائلته. ولم تجد غير كنيسة خالها لتتبرع بمعظمها، بعد الاحتفاظ بغرضين من اجل الذكرى، هي التي تعودت ألاّ تتذكر المعجبين والعشاق الذين كانوا ينزلقون من ذاكرتها، كما تنساب المياه على جسمها وهي تستحم.
ترملت رايفن وهي عزباء حامل بجنين سيولد يتيماً، وبُرئت من تهمة قتل، وعاشت حياة صاخبة مثيرة للسخط من حولها على تصرفاتها الطائشة وإسلوب ثيابها وتغيير توجهات دراستها ثم تبديل مهنتها، وعلاقاتها المتعددة مع الرجال، إضافة إلى إنزوائها بعيدا عن هالة الدائرة الاولى التي تحيط بأقارب راعي كنيسة، كما هي العادة في المجتمع الاميركي، الذي يمنح جميع مؤسساته القوة والحرية والصلاحيات المطلقة، وهي لم تزل في الواحد والعشرين من عمرها، بدون أي شفقة حقيقية عليها سوى من أبيها، الذي كان يقدّر عنفوانها في مواجهة الحياة، التي فشل هو تحديداً في مواجهتها بقرار شجاع واحد مثل القرارات التي إتخذتها إبنته رايفن.
- هل ستحتفظين بالجنين؟ سألتها خالتها نانسي عضو ادراة الكنيسة بإيعاز من العائلة.
- أكيد ياخالتي.
- وكيف ستقدرين على الاهتمام به؟
- سأغيّر إسلوب حياتي.
- اتمنى ذلك من كل قلبي. قالت أمها التي كانت تشاركهما الحديث.
- وهل توافقينها الرأي يا دوريس؟ سألت خالتها الام.
- الجنين اصبح عمره ثلاثة شهور، ومن جهة أخرى لا شيء سيعلمّها معنى المسؤولية سوى إبنها.
- وهل المشكلة في تعلمّها المسؤولية فقط؟
- إلى حد ما.
- هل تعتقدين يادوريس ان إبنتك ستجد عريساً في المستقبل إذا إحتفظت بالجنين؟
- انا مقتنعة بحياتي كما هي، ومن يرغب الزواج مني عليه مشاركتي إبني وقناعتي. قالت رايفن.
- لكن الحياة لا تسير وفق قناعاتنا دائما.
- انا مقتنعة بحياتي وقدري. وكم من رجال تزوجوا أرامل.
- لكنك لم تتزوجين لتصبحين ارملة؟!
- هذا رأيك انت!
لم يقتنع لوقا ريتشاردسون كثيرا بما أخبرته اخته نانسي، وهمس لها باحتمال مصير الطفل في ملجأ، لكنه لم يشأ التدخل في أمر شخصي للغاية يمّس إبنة اخته، وإن كان يهم العائلة كلها، ويوحي بطريق غير مباشر خصوصا لأخيها واختيها، بأن اسلوب اختهم رايفن هو الصحيح في الحياة، لأن الكبار تقبلوه بدون تذمر وإعتراض.
تمنى في ما بينه وبين نفسه أن يكون المولود هو الحافز المؤثر لترجع رايفن عن سلوكها الطائش وقرارتها غير الصائبة التي كانت نتيجتها هذه الورطة، في عمر أصبحت فيه صديقات دراستها الثانوية التي لم تكملها هي، بين أسرهن ولديهن أزواجهن وموارد مالية شهرية ثابتة، بينما إبنة أخته تركض وراء نزواتها، وترتزق على العمولة وتواجه فترة مستقبلية صعبة لن تعمل فيها بعد الوضع ، ولا تمت بصلةٍ لإسلوب عائلة ريتشاردسون المحافظة، التي غيّر ابوهم لقبها الحقيقي الذي جاءوا به من بوخارست ، ليتماشى مع أسماء الاسر في الولايات المتحدة، ولا يوحي بالبلد الذي اتى والداه منه مهاجريّن.
اقلعت رايفن عن التدخين نهائياً، وأوقفت عادة شرب الكحوليات، بعدما إقتنعت من الطبيب بخطورة ذلك عليها وعلى جنينها، رغم عدم إقلاعها عن هواية تأمل زجاجات الخمر والشمبانيا الممتازة المختلفة على رفوف السوبرماركت، ومشاركة الذين يشربون في الولائم والمناسبات بعينين تراقبان كيفية إحتساء الناس للخمر ومدى تمتعهم بها، لأنها قد تعلمت كيف تدير الجرعة في فيها وتتذوقها قبل بلعها. كما اجبرتها الظروف عن التخلي عن فساتينها المشقوقة لتبرز نهديها ورقبتها وعظام كتفيها، الذين كانوا يشعّون جاذبية لا تُقاوم، ولهم سطوة على عيون الرجال، طالما لاحظتها في نظراتهم التي لحست هذه الاماكن ولمستها وشمّتها بقوة المخيلة، فقد كانت صاحبة جسد رائع متناسق، يزيده إثارة أي فستان أو بنطلون فوقه قميص بمواصفاتها هي، ويلائم إسلوب إختيارها.
وضعت رايفن إبنها هنري وعادت بعد عشرة ايام إلى عملها، الذي ساعدها عدم وجود دوام ثابت فيه على العودة للمنزل عدة مرات اثناء النهار لترضعه، ما جعلها تشعر ان حياتها لم تعد تافهة، وغيّر تماما إهتماماتها اليومية التي كادت تنحصر في بضعة أمور لا تزيد عن اصابع اليد الواحدة. كما ساعدها رضيعها على تبدّل الرأي العام العائلي حولها نحو الأفضل. كما أخذ المجتمع القريب منها يشفق عليها ويقدّر معاناتها اليومية، بعدما بدت للناس، رغم كونها بلا رجل، قوية بما يكفي لتحمل عبئها الثقيل. وجعلت رايفن تفكر جديا في الاستقلال بحياتها بعد بلوغ عمر ابنها خمسة عشر شهرا، وإنتقلت إلى شقة قريبة من منزل اسرتها، ووضعت هنري في الحضانة، لتبدأ يوم عملها مبكراً بعد توصيله بسيارتها، وتعود لتأخذه بعد الظهيرة، وتتركه عند امها لترجع بعد الظهر ثم يذهبان إلى المنزل. وإقترح ابوها ان يأخذه من حضانته وقت خروجه ليوفر عليها مشقة هذا المشوار فوافقت.
- ما الذي فعله وجود هنري في حياتكِ؟ سألتها ستيفاني وهما امام شوّاية اللحم في المساحة الخلفية الخالية لمنزل صديقتها.
- النظام. أجابت رايفن بعد تفكير قصير.
- لكن هذا الامر عكس فوضوية حياتك.
- هل تعلمين إنني ارتزق من الفوضى؟
- كيف؟
- تعلمت من الدنيا انني إذا وضعت خطة لأمر ما لا احصل عليه.
- لكن هذا عكس منطق الحياة.
- وحياتي عكس منطق حياة الناس! أتحدث معك بعد عدة تجارب.
- هل يعني ذلك العودة مرة اخرى إلى الفوضى؟
- أخشى التعود على النظام.
تُعتبر ستيفاني إحدى صديقات الدراسة الثانوية اللاتي ما زلن مقربات من قلب رايفن، كما كانت لاعبة مع رايفن في فريق صفهما الدراسي والفريق النسائي الذي يمثّل المدرسة في كرة السلة، لكن ستيفاني اكملت دراستها الثانوية ثم تزوجت بعدها مباشرة من جيمي باكستر، الذي بدأ حياته العملية كصيدلي في إحدى الشركات التي تنتج الدواء، بعد عِشرة إستمرت منذ سنوات دراسة ستيفاني الثانوية. وكان جيمي قد طلب من ستيفاني عدة مرات تجنب رايفن لسلوكها غير المريح المثير للشبهات، وذوقها المبتذل في إختيار ثيابها وتسريحات شعرها، حسب ما يرى، لكن زوجته تمسكت بصديقتها وبررت سلوكها بعدة اعذار، منها إنها غير محظوظة في الحياة، رغم إنتقادها المستمر لرايفن بشكل شخصي على عدة أمور سيئة في حياتها، وتقبّل الاخيرة للسعات ستيفاني الموجعة احياناً، بصمت مطبق لا يليق مطلقا بلسانها السليط، الذي لا يسكت على ملاحظة تزعجها.
كانت رايفن ترى هنري وهو يكبر امامها ولا تصدق إن هذا الولد ينتمي إليها، وقد تعودت في عيد الشكر بعد ولادته، ان تشكر الظروف التي منحتها إياه، وتشكر جسدها على قدرته أكل وشرب أي شيء بدون أدنى شكوى صحية. وطالما رأت لمحة من إسلوب أبيه في الحديث وحركة يديه وهو يتكلم، رغم أنه كان يشبهها هي ولم يرث سوى لون شعر ابيه. وقد اكدت لها خالتها الاخرى تاتيانا صحة نظرتها، لأنها كانت تعرف رون الذي إصطحبته رايفن معها عدة مرات الى منزلها، وكانت هذه الخالة أكثر تفهماً وأوسع افقاً من نانسي صاحبة الهوس العقائدي في النظر للحياة وسلوك الناس.
شعرت رايفن إنها أكثر حرية بعد بلوغ إبنها الخامسة من عمره. ربما لأنه اصبح قادرا على الحديث والتعبير عما يريده بشكل أكثر وضوحا، ومساعدة نفسه بعمل بعض الامور البسيطة مثل إرتداء ملابسه وإطعام نفسه بمفرده وفتح البراد وإختيار ما يحلو له، وخروجه من منزل جدّيه بمجرد وصول سيارتها. وقد جعلتها هذه الامور على بساطتها تشعر وكأنها ازاحت حملا كبيرا عن كتفيها، ومنحتها القوة وروح الاهتمام بنفسها مرة اخرى، الامر الذي جعلها تبدو أكثر إشراقا مثل إمرأة في السادسة والعشرين لا اعباء لديها ومسؤوليات ترهقها. كما أضفى المال الذي تربحه الرونق على بشرتها وملامحها، وأعطتها الامومة لمسة جنسية إضافية على تفاصيل جسدها بدلا من سلبها رشاقتها.
- هل هذا أخيك الصغير؟ سألها رجل في مطعم وجبات سريعة ذات بعد ظهر، وهو يومىء إلى هنري الجالس على الطاولة ينتظر عودتها بالطعام.
- هل يبدو كذلك؟
- واقعياً انت التي تبدين وليس هو.
- هل أبدو أصغر عمرا كما أفهم؟ سألته رايفن وهي تضحك.
- تبدين غير متزوجة أيضاً. قالها وهو يتأمل جسمها.
- إنه إبني.
- وأين زوجكِ؟ سألها وهو يختلس نظرة إلى أصابع يدها اليسرى.
- يعمل في الشرطة.
- فقط؟
- وأين تريده أن يعمل ايضا؟
- في حراسة مثل هذا الجمال.
- هذا عمله الاساسي لكن عند الطلب.
رجعت رايفن إلى الطاولة التي يجلس إليها إبنها، وبدأا في تناول الطعام، وجاء الشاب الذي كان يغازلها ووقف امام مائدتهما وإستأذنها في الجلوس فأذنت له. وحاول الشاب اثناء هذه الوجبة السريعة كسب ود هنري، وبدا لرايفن إنه نجح في ذلك لأن إبنها ضحك عدة مرات على ما يقوله ما بين الهذر والجد، وكان هنري نادرا ما يضحك. كما حاول أن يكون طبيعيا معها، رغم نظراته التي تفحص شعرها وملامحها وكتفيها وعينيها وتعود لتندس بين نهديها.
كان رجلا صاحب تجارب كما بدا عليه ولم يصدق حكاية زوجها الشرطي، كما لم تدر رايفن لماذا نسيت عملها واصدقاءها والمكان الذي يجلسون فيه، وهو يتحدث إليها وإلى إبنها، وكانت منذ فترة طويلة لم تغب عما يحيط بها. وسألت نفسها عدة مرات وهي مع هنري في طريق العودة للمنزل، عما إذا بدت رخيصة وهي تكتب له رقم هاتفها الخلوي على إيصال الطعام، بعدما دوّن لها رقم هاتفه على إيصاله وتحتها عبارة "لا اصدّق أنك متزوجة"، وترك لها قلمه بجوارها. لكن رايفن لم تكن من النساء اللاتي يتوقفن كثيرا عند هذه التفاصيل عندما يروق شخصاً لها.
شرحت رايفن لآندي غرين في أول لقاء لهما بأن حياتها لا يمكن ان تكون سوى لإبنها، مهما بلغ شأن علاقتهما مستقبلا، وتقبّل هو ما قالته لأنه لم يكن يريد غير جسدها وعلاقة مسلية فيها متعة بدون إلتزامات لتنعش حياته، وشرح لها انه يربح جيدا لكنه يشعر انه لا يعيش كما يجب رغم ما يجنيه. وعلّقت هي على حديثه بأنهما يبدو انهما نجحا في العثور على بعضهما بعضا في مطعم وجبات سريعة، ولم تعرف السبب الذي دفعها إلى تمنياتها له بإنتهاء هذه العلاقة يوماً ما بدون خيبة أمل لأي منهما، رغم إنهما أعلنا شروطها منذ البداية. وبررت رايفن تمنيها بتوجسها من العلاقات مع الناس رغم الحاجة إليهم. فقد كانت رايفن تتعامل مع الناس ولا تثق في ظروفهم، بعد الذي حدث لها مع رون.
كان صديق رايفن الجديد يعمل سمساراً في شركة عقارية ضخمة يزيد عدد موظفيها عن خمسة وعشرين موظفا، هدفهم الاساسي المنازل الفخمة والعقارات ذات الاسعار الخيالية في المناطق الارستقراطية. ولعل سر تمسك آندي دائما بالملابس الرسمية وربطة العنق وعطره غالي الثمن، يعود إلى البيئة والناس الذين يتعامل معهم، والشخصيات التي تتحدث بمئات الالوف من الدولارات وأحيانا بالملايين بكل بساطة. وقارنت رايفن بين حجم الاموال التي يتعامل بها آندي وبينها، وبين أرباحه وأرباحها فزاد إعجابها بقدرته الفائقة على إختيار النوعية، بينما هي تتعامل مع الكمية الكبيرة التي تحاول بيعها للمتاجر شهريا.
كان آندي يقابل احيانا عشرين شخصا ليبيع لأحدهم عقاراً أو منزلا أو طابقاً في مجمع سكني فخم. وبسبب حشريتها في معرفة كيفية تعامله في مجاله رافقته بعد إلحاح منها عدة مرات، في "إجتماعاته" كما كان يسميها. وطلب منها في إحدى هذه الاجتماعات تولي عملية إقناع زبون بدا له من اول وهلة إنه غير مهتم، لأنها حضرت معه تفاصيل حديث سابق عن المنزل المعروض للبيع نفسه. وإندهش كثيراً عندما وجد الزبون يتجاوب معها في الحديث، ثم بدأ في الاقتناع وتحولت طريقة رؤيته المحايدة إلى المنزل إلى نظرة متجاوبة، وسلبيته في الحديث الى عبارات ايجابية.
- كيف إستطعتِ إقناع هذا الرجل؟ سألها آندي وهو يوصلها إلى منزلها.
- وكيف تسألني هذا السؤال وأنت صاحب خبرة أكثر مني؟ ألم تسمع بنفسك ما قلته؟
- سمعته. لكن هذا الرجل من الصنف السلبي المتردد.
- معظم الناس يريدون لكنهم ينتظرون الدافع ليتحركون.
- هل تعلمين أن الناس في هذا القطاع بالذات قد يشترون بدون دوافع؟ للتسلية وإقتناص فرصة ثمينة احياناً.
- كيف؟
- مثل امرأة تشتري معطف فرو ليست بحاجة ماسّة إليه، لكنها رأته جميلا. وقد بعت منزلا لنجم هوليوودي لأنه مهووس بالنزوات العقارية.
- لننتقل إلى حالتك، ما الذي دفعك في ذلك النهار للذهاب بأناقتك الفائقة إلى مطعم يبيع الوجبات السريعة؟
- الجوع. كنت جائعا حقا، وكان هذا المطعم أقرب الاماكن.
- هذا هو الدافع الذي أتحدث عنه. وزبائنك قد يتحركون بدافع النزوة.
- وماذا كان دافع هذا الرجل؟
- إمرأة تتحدث له عن مزايا المنزل.
- انت محقة فعلا، لأنك تحدثت معه كإمرأة عن منزل يعجبها، ومن الغريب أن إحساسي كان يرّجح وقتها عدم شرائه.
- صفقة موفقة. ما نسبة عمولتي؟
- قبل العمولة.. ما الدافع الذي جعلكِ تنتبهين لوجودي وانا اقف خلفك في الصف في ذلك النهار؟
- رائحة عطرك.
- هل أعجبتك؟
- كانت مقززة حقا وهي تختلط برائحة البطاطا المقلية ولحم الهامبرغر على الآت الشواء.
- وعندما إلتفتِ ونظرتِ إلىَّ؟
- أدركت إنك رجل يقف في المكان الخطأ. لم أر ابداً في هذه المحلات أناقة مفرطة وربطة عنق حمراء وعطر باهظ الثمن.
- ...............
- كل شيء بدا ليس طبيعياً في ذلك النهار.
- بدا عادياً.. مجرد حوار بين شخصين ينتظران دورهما.
حاول آندي غرين عدة مرات إقناع رايفن بضرورة إستغلال قدرتها الفائقة على التسويق وخلق علاقات عامة، في مهنة تفيدها مالياً أكثر من العمل الذي تمارسه، لكنها كانت ترفض لأنها تربح ما يكفيها وتحب بيع مستحضرات التجميل والعطور، وهي لا تملك خبرة سواها، لكنه ذكرّها بتغيير مهنتها الاساسية ونجاحها في حرفة التسويق، وردت بأنها لم تمارس مهنة التزيين فعلا، مثلما مارست التسويق ونجحت فيه. ولم تجد رايفن أي جواب عندما سألها عن الفرق بين تسويق شقة أو عطور في السوق. وفكرت رايفن كثيرا بفارق الربح بين المجالين، وقرارها يقف ما بين عقلها ولسانها فترة طويلة نسبياً، لأنها لا تحسن اداء عملها لو كانت غير مقتنعة بما تفعل، وكانت مهنة بيع العطور ومساحيق التجميل والحرية والعلاقات واداء العمل وكأنه هواية لطيفة، من الامور العزيزة للغاية على قلبها.
- هذا المجال سيعطيك كل ما ترغبين، إضافة إلى المال الوفير. قال آندي لها.
- لكنني بحاجة إلى وقت ربما يطول لكي أجني ثمار وظيفتي.
- هل تريدين اقناعي بعدم وجود مدخرات لديكِ؟
- ولديّ مصاريف ومسؤوليات ايضا.
- خبرتي تقول انك ستبدأين جني الارباح أسرع مما تتوقعين.
- هل تثق في الشركة التي ترّشحها لبداية عملي؟
- نعم. ولو كنت محترفة كما قلت لك لعملت في مؤسستنا فورا.
- سأبلغ شركتي بقرار إستقالتي قريبا.
- وسأحاول مساعدتكِ قدر المستطاع.
بدأت رايفن عملها الجديد بين دهشة أهل امها، ولامها ابوها لأول مرة على قرار إتخذته، لأنه رأى ما فعلته خطأ فادحا تجاه عمل أمّن لها إستقرار حياتها ومصروف بيتها، وجعلها تحب الحياة وتستقل بعيدا عن اسرتها، ونصحها بالرجوع عما فعلته إذا امهلتها شركتها فترة زمنية تعود خلالها، لكن رايفن طمأنته بأن وظيفتها الجديدة ستتيح لها لأول مرة في حياتها الحصول على نقود وفيرة، بدلا من العيش يوماً بيوم، وستتمكن من شراء منزل صغير بعد سنتي عمل، تقسّط ثمنه على عشر سنوات بكفالة المؤسسة العقارية التي تعمل بها. أمّا خالها لوقا فقد حذرها من الانتقال من عمل تعرفه تماماً إلى وظيفة تجهلها، وعندما شرحت رايفن له أن تغيير العمل يجلو العقل ويصقل خبرة الانسان ويفتح آفاق تفكيره، قال لها ما تقوله يصلح لأصحاب رؤوس الأموال الضخمة، الذين يجربون من ارباحهم إستثماراً جديدا يعتبر مغامرة بعيدة عن صلب ما يملكون، وليس بالنسبة لموظفين يأكلون خبزهم من معاشهم، ويعتبر التغيير بالنسبة لهم مسألة حياة او موت.
تعرفت رايفن أثناء ممارستها عملها الجديد في بيع العقارات على إمرأة مسلمة اسمها ماجدة وزوجها أحمد أولمان، وكانا يبحثان عن شقة بثلاث غرف نوم في مجمّع سكني يغلّب عليه طابع الاسر المحافظة، لأنهما يريدان الانتقال من المجمع السكني الذي يعيشان فيه، وبعض سكانه يتميزون بالسلوك المتحرر غير المقبول أحياناً، وتمارس بعض الفتيات المراهقات فيه العوم في حوض السباحة بمايوهات بيكيني ذات حجم صغير للغاية، الامر الذي يتنافي مع أخلاقهم والتنشئة التي يربيان إبنتهما وإبنهما المراهقيّن عليها.
- وذلك يحدث في أي مجمع سكني يا سيدة ماجدة. قالت رايفن.
- صحيح. لكن بعض الفتيات يمارسن السباحة في الصيف مساءً بدون القطعة العليا ليثرن الشباب. همست لها ماجدة.
- وهل يعلم أهلهن ذلك؟ هذا ممنوع قانوناً.
- يحدث الامر للحظات. لكنها كفيلة بخلق أجواء معينة بعد ذلك.
- فهمت. هل ابلغتما الشرطة أو مدير المجمّع المسؤول؟
- لا نريد مشاكل أو نشعر بأننا منبوذين.
- فهمت قصدك. سأحاول البحث عنم ما يناسبكم في الحي نفسه، أو قريبا منه.
- اتمنى ذلك. نحن لا نريد البُعد كثيرا. كل شيء قريب منّا هنا.
ادركت رايفن أن ماجدة وزوجها اميركيان قد تحولا إلى الاسلام، فلكنتاهما لا توحي إنهما من أصول لا تتحدث الانكليزية، وتسائلت في قلبها لماذا يغير الناس دينهم احياناً، إذا كان الله لا يحتاج لصلواتهم، وما يهمه هو سلوكهم، وهي شخصيا لا تصلي بسبب ذلك الامر تحديداً، وغير مقتنعة بفائدة الصلاة بالنسبة اليها، والمُقنع عندها عدم أذى الآخرين. كما تعجبت من الزي الغريب الذي ترتديه ماجدة، ويبدو إنه موجود في الصور التاريخية فقط، وفي الافلام التي جرت احداثها في عصور قديمة في الصحراء أو في أديرة الراهبات. كما لاحظت رايفن أن ماجدة لم تنظر إلى فستانها ذي الطابع والاسلوب المعروفيّن بأي لمحة إستنكار، رغم رغبتها مغادرة المجمّع السكني الذي تعيش فيه بسبب تحرر بعض سكانه الزائد. وسألت رايفن في ما بعد خالها لوقا عن إسم ماجدة وهل هو إسلامي، وأخبرها انه إسم عالمي لأن الألمان والروس كما المسلمين لديهم الاسم نفسه.
مرت عدة شهور لم توفق رايفن خلالها في بيع عقار أو شقة أو منزل، وكل ما إستطاعت عمله هو تأمين بعض المستأجرين لعدة شقق وبيوت، والحصول على سمسرة بسيطة للغاية، لا توازي ما كانت تجنيه من بيع العطور ومستحضرات التجميل، وتفوقه تعباً وتحركا. وكان من بين هذه الشقق واحدة لماجدة أولمان وأهل بيتها، وقد تمنت عليها ماجدة زيارتها وقت ما تشاء، وتبادلت السيدتان أرقام هاتفيهما، وإعتبرت رايفن ما حدث نوع من المجاملة ليس إلاّ.
همست رايفن لآندي بمخاوفها لكنه نصحها بالصمود وعدم التفكير في العقم المالي للمرحلة التي تمر فيها، وأكدّ لها أن جميع السماسرة الكبار مرّوا بالفترة التي تعيشها في الوقت الحالي، لأن رأسمال مهنتهم معرفة الناس ومدراء المجمعات السكنية وأصحاب العقارات في عدد كبير من الاحياء، وبقدر قوة العلاقات العامة والثقة في أول عملية بيع وشراء، ترتفع نسبة نجاح البداية الفعلية كثيرا بتناقل الناس معلومات عنها، وهكذا يعرفها عدد أكبر بمرور الوقت.
لم يكن من طبع رايفن الشكوى، لأنها لو كانت ممن يشكين لصرحت لصديقتها ستيفاني بأنها بدأت تعيش على البطاقات الائتمانية، فالسيولة المالية التي ليدها بدأت تنقص. كما منعها الكبرياء من مصارحة أهلها بما حدث، بل إشترت آخر موديل من إحدى ماركات السيارات الغالية لتثبت للجميع إنها على أحسن ما يرام، ما جعل آندي غرين نفسه يشّك في ما سمعه منها منذ شهور قليلة.
- هل عرفتي من المتحدث؟ سأل صوت نسائي رايفن ذات مساء على التلفون.
- لا. قولي جملة أخرى فربما إستطعت معرفتك.
- بركة السباحة .. الشقة ذات الثلاث غرف النوم ..
- ماجدة!
- صحيح. ليس من طبعي إزعاج الناس، لكنك وعدتيني بحديث تلفوني.
- وأعدّك بزيارة قريبة بعد هذه المبادرة منكِ. لقد ظنيت تبادل أرقام هواتفنا مجرد طريقة لأي طلب آخر منك في المستقبل.
- أبدا. لقد إرتحت لكِ. انا في إنتظارك.
تبخّر آندي غرين من حياة رايفن بعد تعرفه على إمرأة ثرية مُطلّقة، وعدته بإنشاء شركة عقارية يكون هو مديرها التنفيذي، حسب ما عرفت من زملاء عمله السابقين، ولم تحزن رايفن على هجر عشيقها، بقدر ما نهش قلبها تهربه وعدم مساعدته لها، بعدما أصبح في مكان يؤهله فعلا للأخذ بيدها. كان من الممكن أن يكون مجرد صديق لو اراد، لكنه تركها بعدما جعلها تعود بقوة إلى جميع عاداتها السيئة ما عدا التدخين، لأنه شخصيا كان غير مدخن ويخاف على قمصانه البيضاء وشعره من رائحته.
كانت خسارة رايفن الكبيرة عملياً فقدان وظيفتها التي كانت تجعلها ذات قيمة في نظر نفسها وإبنها، والديون التي وقعت فيها، وحولتها من إنسانة ترى الامور كافة بمزاج ضاحك على تناقضات الحياة، إلى إمرأة متوترة دائما، تحلم أثناء يومها بنقود تأتي إليها، لتنفقها على ضروريات حياتها وما يلزم إبنها، ويؤرقها كابوس ليلي بسبب تبخر حلمها النهاري، وتداوي هواجسها بالخمر.
- ملعون من يتكل على إنسان. قال لها خالها لوقا وهي تجلس معه وتبوح له بسر ما حدث لها في الفترة الاخيرة.
- انت تستشهد بالانجيل، لكن المرء يضطر احيانا للإتكال على إنسان.
- هذا صحيح. لكن يجب ان يتّكل على نفسه أولا ولا يأمل كثيراُ من مساعدة الاخرين ويثق في من يحبوه وينصحوه مخلصين.
- ما حدث قد حدث ياخالي. انا في ورطة.
- سأخبر الرعية عن ورطتك ولعل أحدهم يريد شراء بيت قريباً.
شعرت رايفن اثناء زيارتها لماجدة أولمان بهدوئها والسلام النفسي الذي يغمر حياتها الداخلية، من خلال الصوت الوادع المنساب من بين شفتيها، الذي دخل إلى قلبها ومنحه طمأنينة ولو آنية. هي التي فقدت الطمأنينة منذ فترة، وحاولت عبثاً الحصول عليها من خلال المظاهر الفخمة التي أحاطت نفسها بها. كما أدركت رايفن أن غياب احمد أولمان عن الجلوس بينهما اثناء زيارتها لماجدة لم يكن مصادفة، لأن الرجل كان في المنزل وصافحها فقط، وذهب إلى غرفة اخرى.
سألتها ماجدة عن حقيقة حدسها بأنها -رايفن- غير سعيدة، ولم تستطع الانكار، وشرحت لها بشكل مختصر ما عانته في الفترة الاخيرة، وهواجسها تجاه عدم قدرتها على عدم تسجيل إبنها للعام الدراسي التالي تحديداً في مدرسة خاصة.
- وماذا عن عملكِ غير المثمر؟
- هذه مصيبة أخرى، لكنني اتدبر اموري بعدة بطاقات إئتمانية.
- سأحاول البحث عن حل لمشكلة إبنك "إن شاء الله".
سألتها رايفن عن معني عبارة "إن شاء الله" التي قالتها باللغة العربية، وفسرت لها ماجدة معنى ما قالته باللغة الانكليزية، ما جعل رايفن تتساءل في ما بينها وبين نفسها عن مدى تدّخل الله في حياة الناس، القائمة في مجملها على هندسة الجينات والظروف والجاذبية وصدفة الميلاد في اسرة ثرية أو مُعدمة والعلاقات الشخصية والرشوة والكذب وإستخدام الجنس بعيداً عن هدفه الطبيعي.
لكن ما حدث بعد ذلك بعيدا عن تساؤلات رايفن، كان مساعدة ماجدة على تسجيل هنري في مدرسة حكومية، تحصّل رسوماً رمزية من الملتحقين بها. ولم تدر رايفن لماذا غابت هذه الحقيقة تماما عن ذهنها وعقول المحيطين بها، لكنها رجّحت معرفة ماجدة لهذه الخطوة الرائعة التي أزاحت كابوساً عنها، لعملها في دار حضانة في وسط مدينة لوس آنجليس.






























الفصل الثاني





إستمرت رايفن في عملها على نسبة السمسرة التي تتقاضاها من عمليات المكتب العقاري المتباعدة ذات العائد المالي البسيط، لأنها رفضت كل عروض العمل التي قُدمت لها، من خالها لوقا وخالتها تاتيانا وصديقتها ستيفاني، بسبب عدم ميلها للعمل في مكان واحد، ورهانها الأوحد عملية وساطة ضخمة تسدد من سمسرتها ديونها المتزايدة يوما بعد يوم.
أدمنت رايفن المقامرة على حدوث صدفة تكسر نحسها في سوق العقارات، بعدما عادت مرة اخرى إلى تعاطي الخمر ليلا بكميات كبيرة والاستيقاظ في وقت متأخر قبل الضحى. وقد تعوّد هنري إبنها على نمط حياتها، وكان يستيقظ بنفسه فجراً على صوت المنبه بجواره، ويذهب ليعد مشروب ساخناً له، ثم يحضّر طعاما يروق له ويضعه في حقيبته، ويرتدي ثيابه ويقف خارج المجمّع السكني وهو عابس لينتظر باص المدرسة، ويعود بعد الظهر ويسخّن بنفسه طعام الغذاء الذي أعدته او إشترته امه وتركته في البراد، ويجيب على تلفونها ويقول لها ما فعله ويحتاج اليه عندما ترجع، ثم يبدأ عمل واجباته المنزلية المدرسية، وبعدها يشاهد التلفزيون او يمارس ألعابه المفضلة على الكمبيوتر، واحياناً كان يتحدث مع اصدقائه على الهاتف.
كانت رايفن تقضي مع إبنها فترة المساء معظم الاحيان، يتحدثان أو يشاهدان افلام الكرتون سوياً، لأنها مِن هواة مشاهدتها وتشتري وتستأجر الجديد منها دائما، واحيانا كانا يذهبان إلى بيت جده، او للتجول في احد المجمعات التجارية الضخمة، وتناول طعام العشاء في احد مطاعمها، او لزيارة إحدى صديقاتها. وعند العودة إلى المنزل كانت رايفن تبدأ في ممارسة طقوسها المسائية بإحتساء النبيذ الذي يناسب الفصل الطبيعي الذي تعيش فيه، او شرب الشمبانيا التي كانت تعشقها لكن الحالة المالية الصعبة التي كانت تمر بها كانت تمنعها من شرائها بالكميات السابقة، بينما هنري يستحم ويذهب بعد ذلك إلى فراشه ليقرأ كتابا او يطالع مجلة من مجلات الصغار وينام، وتذهب هي عندما تنتبه إلى سكونه التام وتطفىء نور غرفته، وتعود لمشاهدة التلفزيون وشرب ما تبقى من زجاجة الخمرة اليومية، وتنام على الاريكة التي تشاهد التلفزيون منها. وكانت تذهب احياناً بعد توصيل إبنها بالسيارة صباحاً إلى باب المجمع السكني، لتكمل نومها المتقطع حتى العاشرة، وهي مطمئنة إلى هنري الذي يستطيع تدبير أموره في المنزل بنفسه بعد الظهر، علاوى على هاتفها الخلوي الذي يساعدها على الاتصال مرتين أو ثلاثة للإطمئنان عليه حتى عودتها.
كانت رايفن رغم كل الفاقة ومظاهر الحياة غير المنتظمة التي تعيشها وسلوكها غير المنضبط، تحب إبنها حباً عظيماً ولا تستطيع رفض طلب له أو مضايقته بكلمة لو مارس شقاوته كأي طفل في السابعة من عمره، ومهما بلغ السكر بها حتى لو شربت زجاجتها الثانية بسبب الملل الذي تعيشه، كانت تذهب إليه في غرفته قبل النوم على الاريكة لتطمئن على الغطاء فوقه وإغلاق الشباك ووضع مجلته أو كتابه بجواره، وكانت تستيقظ من غيبوبتها ما بين الثانية والثالثة قبل الفجر لتأخذه إلى دورة المياه ليتبول وتعود وتضعه في فراشه وتذهب في غيبوبتها مرة اخرى، لتستيقظ صباحاً أو في وقتها المعتاد قبل الظهر.
تأقلم هنري مع ادائها، وجعلته ظروفه حريصاً للغاية وهو يفعل أي شيء، أو يشعل الغاز لتسخين طعامه، وكأنه كان يعلم بالفطرة إنه مسؤول عن نفسه رغم صغر عمره. ومن جهة اخرى علّمته امه كيف يتصل برقم هاتف الطوارىء في حال حدوث أي أمر غير طبيعي، ثم يذهب وينتظرها عند مدير المجمع السكني.
- هل تسمحين لي بدفع الحساب عنكِ؟ قال لها رجل وهي تقف أمام الكاشير في محل حلويات، بعدما فشلت بطاقتها الائتمانية مرتين في تسديد تسعة عشر دولارا، ثمنا لبضع اغراض إشترتها لإبنها.
- شكرا.. شكرا.. الامر بسيط، سأشتري الحلوى لإبني غداً. لا اعلم ما الذي حدث تماما. قالت له.
- ربما نسيت تفعيلها.
- انني استعمل بطاقتي الائتمانية هذه منذ فترة!
- ارجو أن يقبل إبنك هذه الهدية البسيطة مني، وهذه بطاقة عملي وفيها رقم هاتفي. إتصلي وقتما تشائين لكي تردي لي ثمنها إذا اردت.
- شكرا. قالت له وهي تتناول بطاقته وتخرج من المحل مضطربة وتنظر خلفها وتبتسم له.
لم يكن الرجل صاحب مظهر يوحي بالغنى أو الاصل النبيل كما بدا لرايفن. كان شابا عاديا يرتدي قميصا وبنطلون جينز وينتعل حذاء رياضياً. كما كان ذوقه سوقياً لأنه يضع سلسلة ذهبية ضخمة عليها صليب مبالغ في حجمه، لم تره على رقبة خالها القسيس نفسه حتى في الاعياد. لكنه على أي حال أنقذها من ورطة سخيفة مفاجئة، عندما توقف مفعول بطاقتها الائتمانية، بعد تجاوزها الحدود المسموح بها في دفع النقود. وما اثار فضول رايفن بعد ظهر ذلك اليوم عندما عادت إلى سيارتها، هو وجود إسم الرجل ورقم هاتفه فقط، بدون عنوان أو وظيفة، وكادت تلقي بها من نافذة سيارتها، لكنها سمعت صوته في ذاكرتها يقول : " ارجو أن يقبل إبنك هذه الهدية البسيطة مني"، فلم تلقها.
- يبدو إنه لطيف رغم مظهره الخارجي غير المتناسق. همست رايفن لنفسها وهي تضع البطاقة في جيب سترتها.
بينما كانت رايفن على أريكتها في تلك الليلة تمارس "فضيلة النسيان" كما كانت تقول عن سهرتها وهي وحيدة تشرب النبيذ، تذكرت فجأة الموقف الذي حدث في محل بيع الحلويات، فنهضت وفتشت جيوب سترتها جميعا حتى وجدت بطاقة الرجل، وعادت وتمددت على الاريكة وطلبت رقم هاتفه الخلوي المكتوب عليها، ولدهشتها لم يرد أحد، فعادت وطلبته بعد دقائق بعدما تأكدت إنها تطلب الرقم نفسه المكتوب على البطاقة، وتكرر عدم الرد، وبعد المحاولة الثالثة رد عليها صوت يسألها إذا كان يمكنه الاتصال بها على الرقم نفسه الذي ظهر على شاشة تلفونه بعد قليل، ووافقت رايفن وتابعت شاشة التلفزيون امامها. ثم نهضت وذهبت إلى المطبخ لتفتح زجاجة نبيذ ثانية، لتمارس "فضيلتها" بقوة في تلك الليلة بعد توقف بطاقتها الائتمانية الرابعة عن تسديد أي مبلغ في محل آخر.
- لقد إتصلتٍ منذ أكثر من حوالي ساعة تقريبا. قال لها الصوت على الطرف الآخر.
- هذا صحيح. ردت رايفن.
- آسف إذا كان الوقت متأخرا. انا عادة لا ارد على ارقام الهاتف التي لا أعرفها.
- لقد تخيلت إنك بعيد عن هاتفك، لذلك كررت المحاولة.
- هل يمكنني معرفة سبب إتصالك؟
- هل تذكر محل الحلوى بعد ظهر اليوم؟
- أكيد. لقد تذكرتك. على فكرة .. ما إسمك؟
- رايفن.
- إسم رائع. هل انت متزوجة؟
- لا. لماذا بادرت بهذا السؤال؟
- حتى لا يسّبني زوجك في هذه الساعة.
- لا. لست متزوجة.
- وماذا تفعل إمرأة غير متزوجة في العاشرة مساء وحدها؟
- تشاهد التلفزيون وتشرب كأسا. وانت ما إسمك؟
- وارن. هل تشعرين بالوحدة؟
- إلى حد ما. تعودت على نمط حياتي.
- هل يمكنني التعرف على إبنكِ؟
- اكيد. أنت مدعو على غذاء متأخر أو عشاء معنا الخامسة بعد الظهر. إختر اليوم الذي يناسبك.
- غدا؟
- إتفقنا. أين؟
- في منزلي.
إندهش وران تافت من دعوتها فهي لا تبدو مومساً، وفسّر الامر بعدم قدرتها على دفع ثمن عشاء خارج منزلها، وكما يرتدي ساعة وسلسلة وصليب مبالغ في حجمهم، كانت الهديا التي جاء بها إلى هنري، لدرجة أن الولد ذهب معه مرتين إلى سيارته لإحضارها، كما طلبت منه أمه وهي تضحك وتسأله عما إذا كان الامر يحتاج إلى مرافقتها لهما ايضا. وبحدس الانثى ادركت رايفن من الطريقة التي يأكل بها وارن إنه رجل كريم، من الصنف الذي لا يعرف ما في جيبه من نقود ولا يشعر بقيمتها. كما إندهشت كثيرا من الألفة التي تعامل بها، والطمأنينة التي جلس وأكل بها معها ومع إبنها، وكأنه يزروهما منذ سنوات. ولم تدر لماذا إرتاحت له بدون اسباب واضحة. كما لم تفهم، وهم يشربون الشاي بعد الغذاء بناء على دعوته إلى مجمّع تجاري، لماذا صارحته ببعض أمورها الخاصة رغم إنه غريب عنها، وخبرتها في الحياة والرجال تمنعها من الحديث بعفوية أمام من لا تعرفهم.
- هل تحتاجين لبعض السيولة؟ سألها هامساً وهم يشاهدون إحدى نوافذ العرض في المجمّع التجاري الكبير بعد شرب الشاي.
- ما ثمن هذا الكرم الزائد؟
- لا شيء مجانياً. لكني نشأت في بيئة فقيرة جدا، ولا اتحّمل رؤية إمرأة بلا مُعين مع طفلها بدون نقود.
- حقيقة انا بحاجة لبعض السيولة.. لكن على سبيل قرض منك.
- مائة مائتا دولار؟
- .................
- منذ متى وانت لا تربحين من عملك؟
- حوالي سنة.
- هذا كثير جدا. هل حظك إنكسر؟
- إنكسرت أمور كثيرة وليس حظي فقط.
- حتى قلبك؟
- هل تظن إنني ما زلت طفلة صغيرة؟
- هل تعيشين بدون قلب؟
- المعدة أهم بكثير ياعزيزي..
كان وارن تافت بالنسبة لرايفن في ذلك اليوم، مثل ورقة مالية بقيمة خمسين دولار وجدها طفل مفلس يريد الذهاب إلى السينما وتناول وجبة سريعة بعد ذلك. كانت قيمة ما اعطاه لها واهداه لإبنها هنري، تفيض عن حاجتهما لكن لا يمكنهما العيش منه كثيرا. وما اثار دهشتها وإنتباهها هو وجود نقود كثيرة معه، لأن هذا الامر غير معروف كثيراً في الولايات المتحدة، التي يحمل كل الناس فيها بطاقات ائتمانية ونسبة صغيرة جدا من النقود.
لم تشعر رايفن انها امام نزوة ستشتعل فجأة ثم تنطفىء كما حدث لها مع عدة رجال، او انها ستدخل تفاصيل علاقة تشبه ما حدث مع رون. كان وارن بالنسبة لها يشبه طوق نجاة وجده مسافر غرقت سفينته، بعدما جرفه التيار بعيدا عن بقية الذين يصارعون الغرق وبرودة مياه المحيط القارصة. وكان هذا الشعور جديداً عليها لأنها لم تكن بحاجة لأموال مطلقاً من أي رجل عرفته. كما إرتاحت كثيرا للمودة التي يبديها هنري نحوه، لأنه عادة يظهر عدم الاهتمام أو التوجس من الرجال الذين يراهم معها. وفسرت رايفن ذلك الامر بتصرف وارن نفسه كطفل مع هنري. طفل يأخذ رأي صديقه في ما يشاهدانه ويأكلانه والهدايا التي جلبها له، ويضحكان كثيرا على أمور لا تجعل الكبار يبتسمون عادة.
إنتظرت رايفن الايام لتُظهر لها بعض الحقائق عن وارن، الذي بدأ يتردد على منزلها ويسهر معها لوقت متأخر من الليل، ويغادر فجراً احياناً. وقد أعطاها ذات ليلة رقم تلفون، وقال لها انه لصديق يبحث عن منزل فخم ذي طابقين في منطقة ردوندو بيتش تحديداً. وربحت رايفن من عملية البيع ستة عشر ألف دولار، كانت أول مبلغ محترم يدخل إلى حسابها دفعة واحدة منذ فترة طويلة، وتفاءلت رايفن خيرا بوارن، الذي واظب على إحضار الاكل وأغراض اخرى معه بشكل مبالغ فيه، رغم معرفته بقيمة مبلغ السمسرة التي حصلت عليه من عملية البيع التي كان سببا فيها.
- لماذا تفعل كل هذه الامور معي؟ سألته رايفن وهما مخموران ومبللان بلزوجة شهوتيهما ذات ليلة.
- انا غير متزوج. وانتِ لست مومساً عابرة.
- مبرر غير كاف.
- أبحث منذ فترة عن علاقة تشبه علاقتنا. لا أذى فيها او إستغلال.
- لماذا قلت كلمة أذى؟
- عن غير قصد.
- لماذا لم تقل لي عن عملك بشكل صريح حتى الان؟
- يجب أن اثق فيكٍ ثقة كاملة اولا..
- وهل ما زلت لا تثق بعد كل ما حدث؟
- كل شيء في حياتكِ يوحي بعدم الثقة، لكن شخصيتك هي الضمانة الوحيدة.
- وارن.. ماذا تعمل؟
- انا مهرب!
- مهرب؟! لذلك تخشى أي علاقة قد تؤذيك؟
- أو تشّي عني للسلطات الفيدرالية.
- لكنك تحمل نفسية طفل داخلك.
- كيف يوكن التعامل مع طفل؟ كل إنسان ينال المعاملة التي يستحقها.
- لماذا قدمت عرضك بالدفع عني في ذلك اليوم؟
- راهنت نفسي على إنك مفلسة، رغم الفستان الذي ترتدينه وسيارتك التي تقف خارج المحل.
- وكيف عرفت؟
- إنني اشم النقود أينما كانت!
- هل تشم رائحة النقود؟
- وأعرف المائة دولار المزوة بالشم!
- لابد إنك تمزح معي.
- مطلقا. أعلم الورقة المالية المزورة بالشم، والبيئة المدقعة التي تربيت فيها كانت سبب هذه الموهبة.
- وارن! هل يمكنك شراء ساعة وسلسلة وصليب أصغر؟
- لماذا؟ سألها وهو يضحك.
- لأن بيع مساحيق التجميل والعطور جعلني صاحبة ذوق معين.
كانت رايفن أذكى من ان تسأل وارن عن تفاصيل عمله وعنوان بيته وأسماء اخوته والتفاصيل الاجتماعية التي يقولها الناس والاصدقاء لبعضهم بعضا، لكنها توقعت المتاعب في يوم ما، بسبب مراقبة رجال مكتب التحقيقات الفيدرالية لأمثاله لو إشتُبه فيهم. وقد وازنت ما بين مدى إحتياجها له وللمسة الحظ التي أضفاها على حياتها التعيسة في تلك الفترة، ومشاكل التحقيق معها لتردده على شقتها لو وقع في مشكلة ما، وخرجت بترجيح إستمرار العلاقة معه لأنها هي شخصيا بعيدة عن أعماله. مجرد عشيقة ربما يعرف غيرها أيضاً ويتظاهر بأنها المرأة الوحيدة في حياته.
لاحظ المحيطون برايفن واقاربها مدى التغيير الذي حدث في حياتها ، والبحبوحة التي بدأت تعيش فيها، والملابس الفخمة التي يرتديها إبنها. ولأن الجميع تعودوا على مثل هذه الموجات الصاخبة والهادئة في حياتها، لم يسألها احد عن سبب التبدّل الكبير لمعنوياتها والمظاهر الجديدة التي بدأت في الظهور عليها. وقد رجّح خالها حدوث صفقة موفقة في عملها العقاري درت عليها الكثير من الاموال. أما اصدقاؤها والمعجبون بجمالها فلم يصدقوا على الهاتف إنها تغيرت، ولم تعد تهتم بالمراقص والتسلية، وبنزواتها والخروج مع أحدهم مساء السبت لقضاء وقت ممتع، كما تعودوا منها، وسألوها عما إذا كانوا يعرفون سعيد الحظ الذي حجبها عنهم، وكانت تجيب بإقتضاب إنهم لا يعرفونه وهذا شأنها وحدها. وكانت ماجدة أولمان هي الانسانة الوحيدة التي سألتها عن تغيّر احوالها بلياقة. وقد إستفسرت منها بروح صديقة خائفة على مصير صديقتها وبهدوئها المعتاد وإسلوبها غير المزعج، عما إذا كانت قد وجدت عملا جديداً، وفهمت رايفن مغزى سؤالها، وقالت لها انها قد عقدت صفقة بيع، جعلتها تسدد ما عليها من ديون للبنوك، وتنتعش ماليا وتتمنى ان تكون بداية سعيدة، بعد فترة احست خلالها أن كل شيء جيد قد تبخر في حياتها.
- سألتك لأن ثقافة الفساد والإباحية أصبحت إحدى المهن وصناعة مهمة في مجتمعنا.
- عملي بعيد عن الفساد، فهل تظنين انني يمكنني ممارسة الاباحية؟
- جسدك جميل وملامح وجهك مثيرة للغاية وظروفك تعيسة.
- وهل يشكل ذلك سببا للعمل في هذا المجال؟
- احيانا يكون الشكل الجميل مع تأثير الناس هما السبب. والامر لا يتم في الافلام فقط.
- كوني على ثقة لا يمكنني فعل ذلك.
كانت رايفن مندهشة من ماجدة التي لم تعلّق ابدا ومنذ بداية صداقتهما على إسلوب فساتينها، ولم تقس عليها بأي عبارة من التي تسمعها من المقربين منها احيانا. وكانت تضحك فقط لو قالت رايفن شيئا بطريقتها المكشوفة. كانت تضحك بحياء يغيظ رايفن احياناً، لأنه لا يليق بإمرأة لديها مراهقاً ومراهِقة، وتعودت على العري أمام زوجها. كانت ماجدة تتعامل مع رايفن على انها حقيقة لا يمكن تغييرها وصديقة تتقبلها كما هي تماما. ولاحظت رايفن ايضاً أن هنري يكّن محبة كبيرة لماجدة، لا تقل بأي حال عن محبته لأهلها، ويزيد فيها الاحترام وعشق الاطفال الخاص لأبطالهم الكرتونية المفضلة، فقد كانت ماجدة بثيابها كشخصية أسطورية محببة عنده، كما كان يحب إبنيها جود وسارة، اللذان كانا يتعاملان معه كأنه في مثل عمرهما، وكانت رايفن تضطر إلى ترك هنري أحيانا عندهم في المنزل وهي مطمئنة تماما.
كانت ماجدة شخصية لبقة تجيد الحديث والانصات، وشخصيتها أجمل بكثير من ملامحها المحايدة. طويلة تبلغ أكثر من مائة وثمانين سنتيمتراً، في مثل طول رايفن لكن نحيلة. ترتدي نظارة عند القراءة تزيدها وقاراً على وقار زيها المحتشم، وغطاء رأس منع رايفن من رؤية شعرها، وإن رجحت أن يكون ُبنيا فاتحا مثل لون حاجبيها، فلماذا تصبغ إمرأة مثلها شعرها؟
لم تشر ماجدة ابداً إلى سبب تحولها إلى الاسلام، رغم إنهما تحدثتا كثيرا في عدة امور، ورجحت رايفن أن يكون زوجها احمد أولمان سبب ذلك التحول، ولم تسألها لأن ماجدة تحترم خصوصيات الاخرين للغاية، لدرجة انها لم تسألها إذا كان لديها عشيق، كما صدقت بدون أي إستفسار حكاية المساكنة بين رايفن ورون التي كان نتيجتها ولادة هنري. وكان أحمد أولمان على هامش صداقة السيدتين، ولم يكن بينه وبين رايفن غير التحية وكلام المجاملات الذي يُقال عند دخول البيوت ومغادرتها، وكان مثل ماجدة يتحدث بصوت منخفض لكن كل كلمة واضحة فيه.
سأل وارن رايفن عن إمكانية مشاركته في إختلاق كذبة على شركة التأمين التي تتعامل معها، وشرح لها نية ذهابه برفقتها وهنري إلى المكسيك بسيارتها، والعودة بعد أن يتركوها هناك، ثم تبلغ هي شركة التأمين عن سرقة سيارتها، فيدفعون لها ثمنها بعد ثلاثة شهور إذا لم تظهر وتشتري سيارة اخرى، وأثناء هذه الفترة تستعمل إحدى سيارتيه. وعندما سألته عن سبب ذلك أفهمها انه سيستعمل لوحة ارقام سيارتها على سيارة اخرى للتهريب، وبمجرد الابلاغ عن السرقة وإختفاء السيارة، لا تقع عليها أي شبهة حتى لو اوقفوا السيارة التي عليها لوحة ارقام سيارتها المسروقة نفسها.
- وماذا عن الشرطة في المكسيك؟
- سنترك السيارة مع مفتاحها أمام احد المطاعم بدون لوحة، وسيسرقها أحدهم حتماً وقد يبيعها قطع غيار، او يغيّر لونها ويستعملها. إنهم شعب فقير.
- هل لديك خبرة في هذا الموضوع؟
- بضع مرات.
- ولماذا لا تصنع لوحة أرقام مزوة بدلا من كل هذا العذاب؟
- اللوحة المزوة ستلفت نظر الشرطة اثناء محضر ضبط عادي لمخالفة السرعة مثلا.
- لكن رقم اللوحة يظهر على كمبيوتر سيارات الشرطة بمواصفات السيارة.
- ومن قال لك انني سأضعها على موديل آخر غير سيارتك ولونها؟
ادركت رايفن انها لو إشتركت في هذه العملية، فستكون بداية لأمور اخرى لا تعلم مداها وخطورتها، وستتورط أكثر مع وارن. ومن جهة أخرى لم تعرف كيف تتهرب من طلبه. كانت في حيرة من أمرها، ومن نوعية البشر الذين لا يستطيعون العيش تحت ضغط التردد بين خيارين لفترة طويلة، لذلك قالت له بعد عدة ايام إنها موافقة بشرط عدم تورطها في أعماله بعد ذلك، أو ينسحب من حياتها لأنها لا تضمر له الاذى، وتنتظر منه التصرف تجاهها بالاسلوب نفسه.
- هل أنتِ مقتنعة بأن اصحاب الاعمال الكبيرة شرفاء؟ سألها وارن.
- لا اظن.
- إلى متى ستظلين تعملين تحت رحمة مزاجية الناس؟
- لا أعلم.
- إذا كان قدركِ العيش معاقة، فلماذا ترفضين كرسياً متحركاً يعينك على اعاقتَكِ؟
- هذا يعني انك تحاول إقناعي بالدخول في اعمالك.
- ولما لا؟
- لا استطيع.
- لماذا؟
- لا يمكنني العيش في توتر دائم.
- وما هو الحل؟
- بالنسبة لي أو لك؟
- بالنسبة لي.
- إفعل شيئا كبيرا في عملك المشبوه، ثم توقف وإبدأ بعد ذلك مشروعاً محترماً.
- هل تقصدين تبييض اموالي؟
- سمّه ماشئت. ضربة كبيرة وتوقف.
- موافق. هل تلعبينها معي؟
- على فكرة، ما نوع التهريب الذي تمارسه؟
- الافيون.
- ماذا قلت؟
- الافيون! لماذا إنزعجت؟
- هل تعلم أن أبا هنري مات بسبب جرعة كبيرة منه؟
- غبي! انا وسيط أبيعه لشركات أدوية صغيرة وليس للمدمنين. انا لست مجرماً.
- ولماذا يشترونه منك؟
- لأنني أبيعه بسعر أرخص من السوق العالمية!
- وارن! هل تتكلم بشكل جدّي؟
- نعم! إذا اردت مشاركتي فستكون ضربة كبيرة نتوقف بعدها سوياً.
- هل تعدني؟
- لكن ماذا سنعمل بعد ذلك؟
- عندي خبرة محترمة في مجال مساحيق التجميل والعطور. نؤسس مخزناً ضخماً للبيع بالجملة والتجزئة.
- فكرة لا بأس بها.
- هل تعدني فعلا يا وارن؟
- .........
- لم اسمع جوابك؟
- أعدك بعد عمليتين كبيرتين ليبلغ رأسمالنا أكثر من ربع مليون دولار.
- وعلى أي مستوى انت تعمل الان؟
- انا مجرد وسيلة نقل.. وسيط لا أملك الكثير من الاموال.
- وكيف ستعمل على مستوى عملية ضخمة؟
- الامر يحتاج إلى ثقة فيَ، وأعتقد انني حزتها من زمان، لكن طموحي لم يصل إلى هذا المستوى سوى بعد حديثك.
- إعتبرني شريكتك لو إلتزمت بما قلته.
- لم أفكر بهذه الطريقة من قبل.
- ماذا سيكون دوري؟
- دعيني أفكر في دوركِ.
سألت رايفن وارن وهما عائدان داخل باص رحلات من المكسيك إلى كاليفورنيا بعد ان غفا هنري، عن السبب الذي جعله يغيّر لوحة ارقام سيارتها بأخرى مزوة قبل دخول حدود المكسيك، وشرح لها الامر بأنهم يسجلون ارقام السيارات التي تدخل، ومن الأفضل ألّا يسجلوا ارقام لوحة سيارتها الحقيقية. وضحكت رايفن ونظرت من النافذة، وسألها وارن عن سبب ضحكتها فقالت له انها شعرت فجأة انها تمثل في فيلم، تنبأت صديقة لها بأنها يمكن ان تلعب دورا فيه، لكنها لم تتخيل ابدا إنها ستلعب الدور الذي تؤديه. ثم قبّلت رأس إبنها النائم في حضنها، وكأنها تعده بمستقبل أفضل بعد الفترات السيئة التي تمر في حياتهما، والزمن الرمادي الحالي اللذين يعبرانه.
تفتحت عينا هنري على الدنيا وهو يعلم إنه يتيم، ويحتفظ بصورة لأبيه على حائط غرفة نومه، كان الحظ فقط سبب وجودها، لأن رايفن حتى اللحظة التي مات فيها رون لم يكن لديها صورة منه، فلم تكن من صاحبات الطبع الرومانسي. وكانت صورته في جملة أغراضه التي حصلت عليها بعد إنتهاء التحقيقات، وعدم إهتمام أهله بأمتعته الشخصية. ونشأ هنري بإحساس اليتيم المنكسر بسبب الحياة غير المستقرة لأمه، التي جعلته متقوقعا خجولا، لأنه تعود على رؤية رجال غرباء في بيتهم وخارجه معها، وكان يرد أحياناً على تلفونات يطلب أصحابها الحديث مع رايفن، بدون تقدير لعمر المتحدث معهم. وقد أثرت كل هذه الامور غير الطبيعية عليه وجعلته طفلا منزوياً في المدرسة، لا اصدقاء مقربين له يتحدث معهم في الفناء وقت الراحة بين ساعات الدروس، أو يذهب عندهم ويأتون إليه في المناسبات المختلفة. كما كان متحفظا مع الغرباء، ولا يبدي حماسا للزوار، ولا يستقبلهم بإبتسامة من هم في مثل عمره، لأنه كان يشعر بأمور غير سوية تحدث، وكانت رايفن تعتقد إنه مجرد طفل صغير لا يفهم علاقاتها ونزواتها، والمدلولات الجنسية للعبارات التي يقولها أصدقاؤها لها.
- ماذا تريد ان تعمل في المستقبل؟ سألته رايفن يوماً بينما كانا يتناولان طعامهما في مدينة ديزني لاند.
- صيّاد سمك.
- لماذا؟!
- لكي اشتري بيتا بجوار المحيط، واربط مركبي بجواره.
- لكنك لم تقل لي عن سبب إختيارك لهذه المهنة.
- لأن الناس اشرار.
- كلهم؟
- ما عدا ماجدة وخالي لوقا.
- ولذلك تريد البعد عنهم؟
- وأتعامل مع السمك فقط.
إضطرت رايفن إلى الاستعانة بجليسة أطفال لفترة بعد الظهر والمساء، لأنها كانت تخرج كثيرا مع وارن، وقد شرحت لها أن ابنها يمكنه النوم وحده بدون خوف، وتعودت الاخيرة العودة لمنزلها بمجرد دخول هنري إلى الفراش. وكان وارن ورايفن يرجعان عادة بعد نوم هنري، ليكملان سهرتهما وسكرهما وأكلهما وعبثهما، ويبدأان ليلة ماجنة لا يفيقا بعدها سوى ضحى اليوم التالي، لتذهب هي إلى مقابلات مع زبائنها لو كانت على موعد في ذلك اليوم، او يذهبان إلى السوق لتعود بعد ذلك لتطبخ الطعام لسكان المنزل وضيوف وارن الذين كانوا يتعشون معهما في بعض الاحيان. وكان طبيعيا أن تزداد ثقة وارن غيها بعد هذه الحياة المشتركة.
- كثرت الملاحظات السيئة لي في العمل، رغم عملي على العمولة. قالت رايفن لوارن.
- ستتركينهم قريبا بعد نجاح أول عملية لنا.
- ولماذا لا اتركهم الان؟
- حتى تعيشين كمواطنة عادية بدون شبهات.
- ماذا تعني؟
- عندما تتحول حياتك إلى الأفضل، يمكنك القول انك حصلت على عمولة من بيع فيللا بمليوني دولار. من سيهتم بتحري أقوالك؟ لماذا يهتم؟ بالعكس سيبدأ شعور الحسد تجاهك.
- لأنني لا استحق هكذا عمولة؟
- لكن بدون عمل كيف ستفسرين الانتقال من حال لأخر؟
- انت محق في هذه النقطة.
- إبق حيث انتِ مع بذل القليل من الجهد.
إتصلت شركة تأمين السيارات برايفن عقب زيارة المكسيك بثلاثة شهور، وبعد التوقيع على الاوراق اللازمة اعطوها ثمن سيارتها "المسروقة"، بناء على تغطية بوليصتها للسرقة والحريق. ولم تصدق رايفن ما يحدث وهي توّقع بيد ترتعش على عدة وثائق واوراق رسمية. فقد توجست شراً من العمل الذي شاركت فيه، بينما كان وارن يؤديه وكأنه يشاهد فيلما على شاشة التلفزيون، سبق وشاهده في صالة السينما، وشرح لها عدة مرات ليزيل الخوف عنها أن الادارات منفصلة عن بعضها، ولا علم لأي إدارة بمعلومات الاخرى، لأن الناس لم يعودوا يستعملون عقولهم بل الكمبيوتر، واللاعب الماهر يعرف كيف يستخدم عقله ويتحرك بين شوارع السيلكون الادارية الخالية. فمن يستعمل بطاقة هوية مزوة لفتح إعتماد في بنك، عليه اخفاءها تماما أمام رجل الشرطة الذي يحرر له محضر ضبط لتجاوزه السرعة في الشارع.
حدد وارن الاسبوع الذي سيذهبون فيه إلى المكسيك، وطلب منها ذهاب هنري معهما ليستمتع برحلة الثلاثة أيام، ويمنع إثارة الشبهة عن السيارة التي سيكون فيها الافيون، رغم ثقته بأن رايفن نفسها لن تثير أي ريبة، بسبب وجهها غير المألوف على الحدود الاميركية المكسيكية، وعدم تورطها في قضية سابقة. وعندما سألته عن الاشتباه فيها بعد وفاة رون، قال لها ان الامر لم يتعد التحقيقات، ولم يُسجل شيء ضدها في الاوراق التي طُويت في ملف، كما دُفن رون نفسه في سان فرانسيسكو. وكان وارن قد برر لها طول إقامتهم ثلاثة ايام في المكسيك، ليبدو الامر وكأنه رحلة لأم وإبنها بالنسبة لمرورهما وعودتهما عبر الحدود. وتحدث وشرح لها كل الامور وكأنهم سيذهبون إلى رحلة إستجمام.
إتجه وارن وخلفه رايفن وهنري بسيارته الثانية، بعد عبورهما الحدود من سان دييغو في الولايات المتحدة، إلى مدينة غوايماس الساحلية الواقعة على خليج كاليفورنيا بعد إستراحة في مدينة لا ليبرتاد، وكانت المرة الاولي التي يرى فيها وارن رايفن تقود على طريق سريع خارج المدن، وراقبها من وقت لآخر وهي تقود خلفه بالسرعة نفسها وثبات لم يتوقعه منها، بعد ليلة سكر طويلة كانا يحلمان فيها بمشروعهما المشترك، بعد حصولهما على أول مائة وخمسين ألف دولار ثمناً لنقل حمولة كبيرة بين البلدين.
- كم يبلغ ثمن البضاعة التي سننقلها؟ سألته رايفن وهي منتشية.
- مليون دولار.
- وهل ستكفي سيارتك لحملها؟
- هل تظنين اننا سننقل ورق محارم؟
- ولماذا لا نبيعها ونذهب إلى بلد آخر؟
- لن نجد الوقت الكافي.
- لماذا؟
- خخخخخخ. قال وهو يحرك إبهامه على رقبته من اليسار إلى اليمين.
- هل تثق في هؤلاء الخخخخخ؟
- طالما أتعامل معهم بأمانة.
لم تستمتع رايفن بالاقامة في غوايماس ذات الطقس الرائع في الخريف، رغم إنها من اللاتي يلتهمن فرص المتعة بأشكالها كافة، فقد كانت مشغولة البال في رحلة العودة التي كانت تعني لها الخطر والقفزة المجهولة بإتجاه حالتين مختلفتين تماما. ورغم انها كانت صاحبة مزاج يميل إلى السير في طريق هدفها بدون أدني تفكير بعد إتخاذ قرارها، لم تستطع التخلص من احساس التوتر المزمن المسيطر عليها، والصورة الذهنية المتكررة بشكل هستيري لإكتشاف الافيون عند النقطة الحدودية بين البلدين. وبينما كانت تتمشى مع إبنها على الرصيف الموازي لشاطىء البحر، طلبت منه مشاركتها في صلاة قصيرة على نية نجاح أمر يخص مستقبلهما معا، فسألها لماذا تريد الصلاة طالما هي لا تؤمن بها.
- ومن قال لك انني لا اؤمن بالصلاة في حينها؟ سألته وقد صدمها سؤاله لدرجة انها نسيت توترها.
- لأنك لا تذهبين إلى الكنيسة.
- وهل يعني ذلك عدم إيماني بالصلاة؟
- احد الاسباب وليس كلها. قال لها بعد ان وضع كفيه في جيبي بنطلونه وكأنه يلوذ بهما خجلاً من الذي يعرفه عنها.
- وما هي باقي الاسباب؟ سألته رايفن وقد شعرت بصاعقة أصابتها ونبهتها إلى تماديها في عدم الانتباه إلى هنري الذي بدأ يكبر ويفهم.
- لا شيء مهماً. هل تريدين البدء بالصلاة معاً؟
- كل ما تبالي به مهم عندي. قل لي ياحبيبي ما هي باقي الاسباب؟
- عندما نعود إلى المنزل. دعينا نبدأ الصلاة.
توقفت رايفن عن المسير وضمّت كفيها وإتجهت إلى الشمس التي تميل نحو الغروب وأغمضت عينيها لتبدأ صلاتها، فإستوقفها هنري بلمسة من أنامله الصغيرة على كفيها المضمومتين، ما جعلها تفتح عينيها متسائلة.
- لماذا تصلين بهذه الطريقة؟ سألها هنري.
- لأنني تعودت الصلاة هكذا.
- لا تضمّين راحتيك بل إرفعيهما نحو السماء.
- لماذا؟
- لتنالين البركات.
- من الذي علمك هذه الطريقة؟
- رأيت ماجدة تصلي هكذا.
- ولماذا تعتقد انها تنال البركات؟
- لأنها هادئة دائما.
- وانا؟
- متوترة ودائمة الانفعال.
- هل قال لك احد هذا الكلام؟
- لا.
- وكيف عرفت هذه التفاصيل؟
- بنفسي.
- دعنا نصلي بطريقة خالك لوقا لأن دين ماجدة غير ديننا.
- هل تعنين ان كل دين يصلي بطريقته الخاصة.
- أعتقد ذلك.
إنطلقت رايفن مع هنري بالسيارة نفسها التي جاءا بها، لكن قرب نقطة الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، تقدمت رايفن بسيارتها لتجعل سيارة وارن خلفها، كما سبق وإتفقا. وكان وارن قد قال لها أن الافيون وضُع في السيارة التي تقودها المسجلة بإسمه، ما يعني وقوع المسؤولية عليه لو حدث أي شيء، وطلب منها لو حدث شيء أن تقول إنها عشيقته وهو يقود السيارة التي خلفها مباشرة، ليجعلها تطمئن اثناء عبور النقطة الحدودية عند سان دييغو. ورغم ذلك كانت رايفن في غاية التوتر وعدم التركيز، وهي تقف في رتل السيارات التي تنتظر دورها لتعبر إلى الولايات المتحدة.
- هل أنت متأكدة من مفعول صلاتك أمس؟ سألها هنري وهو يبتسم.
- لكنني لست متأكدة من مفعولها على ما طلبته!
- ستساعدك الظروف هذه المرة لأنك بحاجة للمساعدة فعلا!
- هل تعتقد ذلك؟!
- انا واثق.
- ولماذا تملأ الثقة قلبك؟
- لأن الاستاذ يمكن ألاّ ينتبه إذا لم اعمل واجبي المدرسي مرة واحدة!
- وهذا رأيي ايضا.
لعل أكثر ما كان يزعج رايفن هو كونها إمرأة تحب الحرية ولا تتخيل نفسها مقيدة بأي شيء حتى لو كان تسريحة شعر أو زي معين أو الذهاب إلى عملها في طريق لا يتغير، وكانت تلمس رقبتها وهي تتخيل انها في الحبس بسبب تعاونها على تهريب الافيون الذي في سيارتها، رغم تأكيدات وارن بأن المسؤولية ستقع عليه لجهلها بما في سيارته، والعبارة التي قالها إبنها بعفوية بالغة، لأنه يشعر أن أمه وصديقها في وضع لا يحسدان عليه.
لم تفلح كل هذه الامور في إزالة إحساسها المُتعاظم ببطء مرور الدقائق وفقدان الشعور بالمكان ككل، وتمحور تفكيرها حول بؤرة سحيقة ملعونة واحدة هي إنكشاف سرهما، ما جعلها تتبول داخل بنطلونها بدون إدراك لما يحدث، وهي تقف أمام رجل الحدود الاميركي الذي طلب منها ببساطة جواز سفرها هي وإبنها، وعندما اعطته إياهما قال لها: مرحبا بكما في وطنكما، بعد انجاز ارجاءات الدخول، وهو يشير بيده لها بالمرور ويطلب باليد نفسها من السيارة التالية الاقتراب.
- لم يسألكِ حتى السؤال التقليدي عن وجود سكائر بكمية كبيرة معك؟ سألها وارن وهي تجفف شعرها بعد الإستحمام في منزلها.
- لا.
- لم أتخيلك بهذه الاعصاب الضعيفة، انت التي لا يهمها أي امر.
- لكن الزنزانة شيء آخر يا وارن! هذه أول وآخر مرة أفعل ذلك.
- لم اتوقع منك هذه العبارة.
- ماذا كنت تتوقع؟
- مشاعر السرور بعد النجاح.
- انا في غاية السعادة، واكتفي بنصيبي من هذه العملية ولا اريد أكثر.
- لم تتعلمين من درس عبور الحدود بعد.
- الصدفة لا تحدث سوى مرة واحدة.
- لكننا إتفقنا على مرتين ثم نبدأ مشروعاً لا شأن له بماضينا.
- انا إكتفيت!
- ستكون الحمولة في سيارتي المرة القادمة.
- وماذا يحدث لو إنكشف امرك؟
- اذهب إلى الزنزانة وتتمتعين انت بمال هذه العملية وحدك!
- لهذه الدرجة تحبني يا وارن؟
- نحن نتحدث عن العمل. النقود هي القيمة والحب والحياة يا رايفن.
- هل تنوي فعلا عمل ذلك مرة اخرى؟
- هل ما معكِ اليوم أكثر قيمة من إسبوع مضى؟
- نعم.
- لنفعل هذا الامر مرة ثانية ونهائية.
لم تستطع رايفن اقناع وارن لأنه كان دائما صاحب تأثير عليها، منذ إدمانها كلماته الاباحية، وتقديره لكيفية إيصال شريكها إلى اللذة القصوى نفسيا وجسدياً. وكانت هي من متذوقي الكلمات الاباحية المكشوفة من الرجال، خصوصاً تلك التي تخصها بشيء لا تملكه كل امرأة. وقد أثّر عليها هذه المرة بقوله انها ستتخلص من العمل تحت إمرة من هم أقل ذكاء وجرأة منها، والامر يستحق بضع دقائق توتر حتى لو تبولت في ثيابها مرة اخرى، رغم إنه شخصياً يعتقد ان المرة القادمة ستكون أسهل على اعصابها. وما زاد ثقتها فيه هو انه اتى بشنطة جلدية قديمة ووضع فيها النقود واخفاها تحت سريرها، وكأنه يستعد معها لمستقبل أفضل.
كان امرا طبيعيا ظهور بحبوحة مدروسة عليهما. لكن ما لم يكن طبيعيا بالنسبة لرايفن هو توتر وارن نفسه وتشتت ذهنه وهو يتحدث معها أثناء زياراته إلى منزلها، وقد إعتبرت انه رفض الافصاح عن حقيقة ما يشغله، عندما لم تقتنع بما قاله لها عن سبب توتره، علاوة على خبرتها السابقة في رؤيته يعمل ويفكر بشكل طبيعي قبل رحلة غوايماس، لكن لم يصل خيالها إلى وجود شنطته المفضلّة خالية من نقودهما ذات مساء. وعندما إتصلت به على الفور وهي منقبضة القلب، إندهشت من سماع رنين تلفونه الخلوي في غرفة نومها، وذهبت للتأكد مما تسمعه ووجدت الجهاز ملقى على كرسي بجوار سريرها بدون ان تنتبه لوجوده من قبل. ولم تشك لحظة في وقوعها صيداً في شبكة نصّاب محترف إستولى على مالها ولوحة ارقام سيارتها وطار، عندما فقدت قيمتها بالنسبة له، وتأكد من عدم وجود مراقبة عليه.
بينما كانت رايفن متكئة على الأريكة تحتسي زجاجة خمرها غضباً في تلك الليلة، لتمارس عدة "فضائل" معا والغيظ يتحكم بجسمها وعقلها، فتح وارن باب شقتها ودخل وهو يحمل كيسين بيديه، وألقي عليها تحية المساء كالمعتاد، وذهب إلى المطبخ ليضع الاغراض سواء في الخزانات أو البراد. وعاد ومشى أمامها وإتجه إلى غرفة النوم وهو يبتسم ويغمز بعينه لها، ثم توقف وحرّك حاجبيه بشكل مضحك عندما وجدها عابسة، وذهب إلى الحمّام وهو يحمل منشفة وبعض ملابسه الداخلية، وسمعته رايفن وهو يغني احد أغاني لوثر فاندروز التي يحبها بصوت منخفض.
- لماذا لم تقل لي انك إستوليت على النقود بما فيها نقودي الشخصية؟ سألته رايفن وهو يجلس بجوارها.
- انا لم اسرقها.
- هل افهم من حديثك اننا قد سُرقنا بدون علمنا؟
- ولم نُسرق أيضا.
- انني انتظر تفسيرك.
- سنتحول في العملية القادمة من ناقليّن إلى بائعيّن.
- لم أفهم.
- قررت شراء كمية بكل ما كان معي من نقود سابقة وأموالكِ وما ربحناه اخيرا لنبيعها. وهكذا نربح الضعف.
- ولماذا لم تقل لي؟
- قررتُ جعلها مفاجأة.
- انت تكذب يا وارن ولا تنوي الاقلاع. ما تفكر فيه نواة لعمل إحترافي.
- لقد صدّقتِ ما قلته لكِ من قبل، أعطيني فرصة اخيرة هذه المرة. صدّقيني.
- ومن الذي سيتولى هذا العمل؟
- أحد إخوتي.
- مَنْ؟
- اخ في العمل لا تعرفينه.
- هل تثق فيه لهذه الدرجة؟
- نعم. قلت لك إنه أخ.
شعرت رايفن بعد بضعة ايام ووارن يخبرها بما حدث إنه يروي تفاصيل كابوس، لأن اخاه الذي حدثها عنه إنتبه لوجود عدة سيارات شرطة مكسيكية تقف داخل النقطة الحدودية، عندما وصل إلى مكان لا يسمح له بالعودة الى المكسيك مرة اخرى وإلاّ طاردوه أو اطلقوا الرصاص عليه إشتباها، فإتجه إلى الكافيتيريا ليشرب فنجان قهوة، وهو يراقبهم يدققون في أوراق السيارات، وبعد حوالي ساعتين سأل احدهم عن إمكانية مرافقته إلى الولايات المتحدة لأن سيارته قد تعطلت، وغادر المنطقة وهو غير مصدق نجاته، بعدما ترك سيارة وارن إياها وبها الافيون امام الكافيتريا بينما عناصر الشرطة مازالوا في أماكنهم قبل نقطة التفتيش. وما زاد عذاب وألم وارن بعد عدة ايام وجعله مريضاً طريح الفراش بسبب أوجاع رهيبة في دماغه، هو معرفته من بعض المصادر ان سيارات الشرطة المكسيكية كانت تقف من اجل معلومات عن سيارتي جاغوار وبورشه مسروقتين، وقيل لهم أن السارقين سيتجهان بهما إلى الحدود بأوراق مزورة في ذلك اليوم. الذي لم يخسر وارن ورايفن فيه أموالهما فحسب، بل السيارة ولوحتها أيضا.
















الفصل الثالث



زارت رايفن ماجدة في محاولة منها للتملص من الغضب والاحباط العنيف الذي يسيطر عليها، ورغم القناع الذي وضعته على وجهها لتخفي معاناتها، وما بدأت تتوجس منه في علاقتها مع وارن المقامر، قرأت صديقتها معان لم تشاهدها من قبل على ملامحها وتعابير وجه هنري، الذي بدا لأول مرة خجولاً منها ولم يصافحا أو يندمج كما هي عادته مع ولديها في ألعابهما.
- هل أنت منزعجة يا رايفن؟ سألتها ماجدة.
- إلى حد ما.
- وخائفة؟
- كثيرا.
- وماذا بعد؟
- لا اعلم .انني أعيش المجهول ولا أنتظره.
- هل عملك يسير بشكل جيد؟
- انا حقيقة لا أعطيه الكثير من وقتي.
- لماذا؟
- لأن عشيقي يجب أن يخرج من حياتي اولا.
- هل هو سبب الإنزعاج الذي تعانين منه؟
- انه إنسان مقامر زئبقي يتخذ قرارات مصيرية لنا بدون استشارتي.
- وهل تنوين فعلا التخلص منه؟
- نعم. رغم أن احدا لن يصدق ذلك ولا حتى هو.
- هل تريدين الترفيه عن نفسك بخبرة ربما لم تمّر عليك؟
- ولمّا لا؟ لكن ما هي؟
- حضور حفل زفاف على الطريقة الاسلامية.
- هل يمكنني إصطحاب هنري؟
- اكيد.
ذهبت رايفن مع إبنها إلى مسجد الملك فهد الكائن في كالفر سيتي، الذي ُشيد عام 1988 بأموال سعودية تزيد عن ثمانية ملايين دولار، ويعتبر من أكبر مساجد ولاية كاليفورنيا، وعندما وصلت قيل لها عليها تغيير ملابسها للدخول إلى الجامع، فقالت أن كل ملابسها تشبه ما ترتديه ولا ملابس أخرى لديها في صندوق سيارتها، وعندما احتدم النقاش ذكرت إسم ماجدة لكي تجد حلا لها، وخرجت ماجدة وقالت إنها لم تتوقع حضورها فعلا، وطلبت من إمرأة ان تعطيها عباءة، وعندما كانت كانت تجربها على جسدها، أعطتها إمرأة اخرى غطاء رأس لتضعه فوق رأسها وعنقها.
لاحظت رايفن بعض النسوة ينظرن إلى ماجدة بشكل غير مريح، فيه نوع من الغل غير المبرر تجاه شخصية طيبة مثلها. ولم تُمح بعض هذه النظرات من ذاكرتها. ثم تأملت رايفن نفسها في مرآة إحدى الغرف الداخلية، وهي ترتدي الملابس المناسبة للمكان بدلا من فستانها القصير مفتوح الصدر، وهمست لنفسها بأنها مازالت جميلة ومثيرة رغم الزي العجيب الذي ترتديه، ورجعت خطوتين إلى الخلف وهي تفتح العباءة وتنظر إلى المرآة وتدمدم بأنها اخفت نهديها ورقبتها، وأشهى ما فيها حسب ما كانت تقول عنهم، وتعجبت كيف تجد الفتيات المسلمات ازواجهن او حتى عشاقهن وهن يرتدين مثل هذه الاكفان على اجسادهن. وضحكت بفجور وهي تتأمل نفسها في المرآة، وتتذكر بعض النسوة المحجبات الموجودات لحضور حفل الزواج.
لكن بمجرد دخولها إلى المسجد نفسه صدمها الوقار العام والسكينة، وشدّ إنتباهها هدوء الناس وأنواع العطور، التي لم تشمها من قبل رغم خبرتها الطويلة السابقة، كما أثار فضولها الكتابات العربية الموجودة في مختلف جوانب المسجد، واعتقدت انها رسومات سوريالية من البيئة العربية، وتأملت كثيرا السجاد المزركش ضخم الحجم الفاخر الذي يغطي كل ارضه، وتأملت القبة والمنبر ولم تدرك أن المكتوب عليهما آيات من القرآن كُتبت ببعض الخطوط العربية، ولم تفهم رايفن على وجه الدقة ما الذي إستيقظ فيها بسبب طقوس الاحتفال البسيط، وصدى الصلوات التي قيلت باللغة العربية في ركن من أركان الجامع الكبير، وكان رجعها من القبة والحيطان مؤثرا للغاية على قلبها، الذي لم يعرف معنى الراحة منذ بلوغها المراهقة.
- الناس في كنيسة خالي دائما يصيحون أثناء التراتيل، بينما الامور هنا تتم بهدوء وسكينة. همست رايفن لماجدة وهما واقفتان في المسجد الذي بدأ المدعوون يغادرونه إلى قاعة الطعام.
- المهم علاقة الانسان مع ربه. قالت ماجدة.
- ما معنى كلمة "allahou akbar" التي كانت تتردد كثيرا اثناء الصلاة؟
- تعني الرب أكبر. أكبر من كل شيء. شرحت ماجدة بالانكليزية.
- ولديّ أمر أكبر. عليَ العودة بإبني إلى المنزل الان، ثم الذهاب إلى مرقص أرفه فيه عن نفسي.
- إذهبي. همست ماجدة وهي تبتسم.
لم تكترث رايفن كثيرا بالنظرة المتجهمة التي إستقبلها بها وارن وهي تعود عند الواحدة بعد منتصف الليل إلى المنزل وهي تترنح من السكر، كما ردت عليه بمنتهى السخرية وهو يسألها عن عدم خوفها على إبنها عندما تتركه وحيداً، وشرحت له انه تعود على هذا الامر، لكن الخوف الحقيقي كان يجب أن يكون وهنري في سيارة بها أفيون مهرّب، لو كان يهتم به ويريد تبنيه فعلا كما يقول، ولا يعيد المحاولة ويحاول التهريب مرة اخرى، ثم يفقد أمواله وأموالها بسبب غباء أخيه الذي يثق به.
- هل تعتبريني كاذبا؟ سألها وارن وعلامات الغضب بادية على وجهه.
- مقامر ولص.
- رايفن أنت سكرانة ولا تدركين ماذا تقولين.
- بل أدرك تماما. من يأخذ شيئا من بيتي بدون إعلامي أو توضيح أعتبره لصا.
- كل ما في الامر إنني احببت جعل الامر مفاجأة.
- من يفعل ما فعلته مقامر. والامر لم يكن مفاجأة بل كارثة.
- هل يمكنك خفض صوتك؟
- لن أخفضه ويمكنك الخروج من حياتي إذا لم يعجبك الامر. وإتجهت رايفن إلى الباب وفتحته، لتجد أمامها مدير المجمّع السكني.
- يا سيدة بريدا. لقد إتصلت بالشرطة وهم في الطريق إلى هنا.
غادر وارن البيت منكسا رأسه، ووصلت سيارة الشرطة بعده بدقائق، ووقعّت رايفن على تعهّد بعدم إزعاج الجيران مرة أخرى تحت طائلة مغادرتها المجمّع نهائياً في المرة القادمة، وأغلقت الباب وطلبت من هنري الذهاب لسريره مرة اخرى، وعاد إبنها وهو يسمع وهو مستلق امه وهي تشرب الخمر بدلا من ذهابها للنوم، بينما كانت تغيّر محطات التلفزيون كأنها مجنونة تبحث عن شيء يسليها بدون جدوى، وكانت تسب وتلعن وارن وتقسم بأنها ستمزقه لو عاد إلى منزلها.
إستيقظت رايفن صباحا على رنين التلفون، لكنها عادت مرة أخرى لتغط في النوم ظنّا منها أن المتصل هو وارن أو احدهم في العمل. لكن الهاتف عاد يرن مجددا بعد قليل، وقامت رايفن وهي تكرر قسمها الذي ظلت تردده حتى ظهر نور الفجر، ونزعت شريط التلفون من الحائط كي لا يزعجها مخلوق، ولعنت وارن الذي جعلها تنسى تشغيل المجيب الصوتي قبل نومها، ثم ذهبت إلى المطبخ وتجرعت ما تبقى في زجاجة النبيذ دفعة واحدة وذهبت لتنام، ولم تستيقظ سوى ورنين جرس الباب يدق هذه المرة، فقامت من نومها ونظرت إلى الساعة التي وصلت إلى حوالي الرابعة بعد الظهر، وهي على يقين من وصول إبنها هنري من مدرسته، وعلى لسانها عبارة توبخه بها على تأخره.
- ماجدة‍‍‍؟‍! سألت رايفن بحالتها المزرية ورائحة الخمر تفوح منها ومن قميص النوم الفاضح الذي ترتديه.
- هل يمكنني الدخول؟
لم تنتظر ماجدة الجواب وبمجرد دخولها أغلقت الباب وراءها، ثم لكمت رايفن بضربة خاطفة مستقيمة مباشرة فوق حاجبها الايسر، طرحتها أرضاً على بعد خطوتين منها، وإعتقدت رايفن انها ترى كابوساً وماجدة تتجه إليها بزيها الوقور، لترفعها من رقبتها بذراع واحدة رغم انها أثقل وزنا منها، وتتهمها بأنها أوقح وأرخص عاهرة سمعت بها في حياتها، وهي تنظر في عينيها نظرة حيوان ضار يستجمع قواه لينقض على فريسته، ما جعل رايفن تبكي بدون سبب واضح وهي تتهاوى جالسة على أقرب كرسي، وماجدة تقف كأحد الكواسر امامها.
عرفت رايفن من ماجدة أن هنري لم يذهب إلى مدرسته، بل طلب تاكسي وذهب إلى منزلها صباحا وهو يرتجف خوفاً مما حدث وسمعه ليلة أمس حتى بزوغ الفجر، ومن كلمات لم يفهمها ووعيد جعله في غاية الارتباك، وأخذته ماجدة معها إلى عملها في دار الحضانة في لوس آنجليس، وحاولت الاتصال بها عدة مرات ولم يجب عليها أحد، وطلبت منها بعض ملابس هنري لأنه سيمكث عندها بضعة ايام ريثما تهدأ اعصابه، وأكدت لها ان صداقتهما وحدها منعتها من إبلاغ الجهات المختصة لأخذ الولد منها بجنحة الاساءة إليه، ليُربى في أحد دور الايتام. ولم تنطق رايفن بحرف بسبب دهشتها من لجوء إبنها إلى ماجدة وعدم توجهه إلى منزل أهلها. وكانت تنصت وهي في ذهول شديد.
كان هذا التصرف هو الاول لهنري الذي قال لماجدة وهو يبكي أن حياته ليست لطيفة مثل باقي الاولاد في مثل عمره، وهو دائماً يسمع كلمات الكبار ويسأل نفسه: هل يجب أن تكون دائماً بهذه الوقاحة؟ لا اصدقاء لديه يزورهم أو يأتون إليه بعد الظهر، أو يذهب معهم في رحلات المدرسة. لم يكن يريد العيش مع جليسة اطفال، بل يريد امه، لكنها مشغولة دائما وسكرانة معظم الاحيان، وتعيش مع اصدقائها أكثر مما تعيش معه، وقد وصل إلى حافة الجنون والضيق. ولاحظت ماجدة ارتياح هنري خلال الاسبوع الذي قضاه في منزلها، وبدا أكثر تجاوبا معهم من الفترة الاخيرة التي كان يأتي فيها مع امه، كما سأل عن بعض الامور مثل الانحناء والسجود والصلاة بإتجاه معين دائما، وشرحت له ماجدة كل ما إستفسر عنه ليفهم الاختلاف بين الصلاة في كنائس المسيحيين والعبادة لدى المسلمين.
رجع هنري إلى منزله ورايفن تقسم لماجدة انها ستعتني به، وقد سأل امه وهما في طريق العودة لو كان بإمكانه أن يكون مسلماً، وسألته لماذا يريد ذلك، واجابها لأنه يلاحظ أن ماجدة هادئة وهي دائمة الانفعال، وزوجها وزوارهم أكثر إحتراما من اصدقائها. فوعدته امه ان كل الامور ستتحسن وإنها ستقيم حفلة له في هذه الليلة بمناسبة عودته. وكان طبيعيا ان يكون الحفل المتفق عليه مسبقا لرايفن وأصحابها في المكان المخصص لذلك في المجّمع السكني، بدون حضور طفل واحد، ورأها هنري وهي تسكر مع ندمائها وتتبادل معهم النكات المكشوفة، وكان جالسا منحنيا في المطبخ لا يفكر في أي شيء عندما دق جرس الباب، وذهب ليفتح فوجد وارن أمامه يسأله عن امه، وأخبره انها في الداخل مع الساهرين، ودخل وارن وهو لا يشك لحظة في الاجواء العامة التي ستساعده على العودة لرايفن، التي سألته بفظاظة عمدما لمحته عن سبب حضوره بعدما طردته من حياتها، وتسبب لها في إنذار من الشرطة.
حاول وارن تلطيف الاجواء باطراء جمالها وفستانها، لكنها إزدادت حدة وضراوة وإرتفع صوتها وهي تعنّفه على وقاحة عودته غير المرغوب فيها، وإقتربت منه لكي تصفعه، بعدما طلب منها بسخرية الاّ تتحدث معه بهذا الاسلوب، لكنه كان أسرع منها وضربها على رأسها، وإرتفعت الاصوات وطلب الحاضرون منه مغادرة المكان، بينما كانت رايفن تنهال على ظهره بقبضتها، ثم ذهبت مسرعة إلى المطبخ وعادت وهي تترنح وتلوح بسكين كبير في وجهه ليرحل، وامام الباب الذي فُتح كان يقف مدير المجمّع الذي طلبها للحديث معه، وسار بجوارها في الردهة وهو يمهلها لتغادر شقتها في خلال إسبوعين، لأن حضور الشرطة هذه المرة سيؤذيها ويجعلها لا تجد سوى المجمّعات ما دون المستوى لتقبل بها. وعادت رايفن إلى إحتساء الخمر بعد ذهاب الجميع بدلا من الذهاب للنوم، وجلست تفكر في أسرع حل للمشكلة التي وقعت فيها مع إبنها، وتلعن اللحظة التي رأت فيها وارن تافت، بسبب الحلم الذي جعلها تعيشه وكانا على مرمى جحر لتحقيقه، لكن مقامرة عشيقها وسوء الطالع جعلهما يفقدان كل شيء.
إعتبرت دوريس ريتشاردسون عودة إبنتها وهنري الى منزلها نوعاً من العزاء والبهجة لها، بعد العملية التي اجراها زوجها منذ فترة غير بعيدة، بسبب كسر كتفه ودخوله في غيبوبة بعد الجراحة ظنوا أنه لن يفيق منها. كانت كل الظروف تضيق حول رايفن، لكنها لم تتوقع مطلقاً الاستغناء عن خدماتها في شركة العقارات في ذلك الظرف العصيب، بعدما تحملوا منها اموراً أكبر مما حدث اخيرا. ولم تدر رايفن لماذا كانت تشعر احياناً أنها غير موجودة في الدنيا، وكانت تندهش من مخاطبة الناس لها بينما هي ليست على خريطة الاحياء حسب رأيها، وكانت تقف امام المرآة وتنظر إلى نفسها نظرة مفرغة من أي معنى وبدون تفكير.
جاء وارن ذات مساء إلى منزل أهل رايفن، وتمنت أمها عليها بحرارة أن تقابله، فربما كان يحمل عرضاً جيداً لها بعدما تغيّر، ولكن لم تفلح كل هداياه إلى إبنها وإعتذاراته لها في إعادة المودة بينهما مرة أخرى، فرايفن صممت فعلا على إنهاء العلاقة القائمة على الخطر والتوتر، علاوة على إحساس آخر لم يفارقها هو كسر بينهما لا يمكن تجبيره. إشمئزت منه وتحوّل إندفاعها وشبقها الجنسي نحوه إلى فتور بارد يشبه ندى ليلة قارصة بدون مطر.
- لا خبرة لي بأي عمل آخر كما تعرفين. سنفعل ما فعلناه على الحدود مرة واحدة ونفتح صفحة جديدة.
- انت تحاول إقناعي فقط، بينما الحقيقة هي إنك لا تصلح لعمل آخر غير ما تفعله، كما يستحيل خروجك من هذه الدائرة فلست وحدك فيها. هل تعتقد إنك ستكون بأمان بينما تعرف كل هذه الاشخاص وكواليس حياتهم؟
- لو كنت لا تعنين لي لما رجعت اليوم. والعمل الذي اتمناه سيبدأ وستديرينه انت وسأكون موظفاً عندك.
- لماذا لا تمارس ألاعيبك بعيدا عني وعن إبني؟
- لأننا سنكون شريكين في شيء كبير جدا هذه المرة.
- أنت تبحث عن وجوه غير مشتبه فيها لا أكثر أو أقل.
- ربما. لكن ما سنفعله سيكون لنا ولمرة اخيرة.
- سمعت هذا الكلام ذات يوم، ولا إستعداد لديّ لسماعه مرة ثانية.
- واخيرة. صدقيني.
- وارن! انا والمرض والقيود أعداء.
- لماذا تضخمين خوفك بهذه الطريقة؟ لقد رأيت ما حدث اول مرة.
- وارن! طريقي غير طريقك.
لم تشعر رايفن إنها محاصرة في حياتها مثلما حدث معها في الفترة الاخيرة، كما لم تحس مطلقا انها فقدت الصلة مع النقود والاعمال والناس كما تعاني، وقد جعلها سوء طالعها الذي حبسها في دائرة نحس مريبة في تلك الفترة، فعل أي شيء ولو بسيط عدة مرات والخسائر تأتي بعد النجاح.
كانت تسكب طعامها في صحن فتكسره بدون سبب واضح. وكيفما تحركت بسيارتها كانت الحوادث البسيطة غير المبررة التي تغيظ من نصيبها، لدرجة أن اليوم الذي كان يمر بدون خدش أو ضربة خفيفة على هيكل سيارتها الجديدة، كان يعقبه يوم يتعطل فيه شيء في المحرك أو في دائرة الكهرباء، رغم عمر السيارة الذي لا يتجاوز بضع سنوات. وكانت تلعن في قلبها اليوم الذي ولدتها أمها فيه، وتنزعج كثيرا عندما ترى ضوء نهار جديد يتسلل الى غرفتها، لأن ذلك كان يعني المزيد من المسؤوليات والخسائر والمطالب الحياتية التي لا تتوقف كموج محيط يتكسر بلا ملل على شاطىء، لا قدرة لمخلوق على عدّه، ولا أمل في توقفه.
لكن كل هذه الامور لم تجعلها تتخيل نفسها تسأل ماجدة عن الطريقة التي يمكن أن تكون بها من أتباع النبي محمد، رغم مشكلتها الاساسية وهي البحث عن مغزى للعبادة التي يقدمها الناس لله وهم يتوقعون انتظاره إياها، بل يؤمنون إنه خلقهم من أجلها. كانت رايفن تبحث كالمصعوقة عن بداية ما أو كلمة جديدة، بعدما وصلت إلى عقم شامل لا علاج له في اساليب وطرق حياتها كافة.
- إدخلي مصحة للعلاج من الادمان أولا، لتقرري بعد ذلك ما إذا كنت تودين أن تكوني مسلمة. قالت ماجدة لها.
- وما علاقة العلاج برغبتي في الانضمام للإسلام؟
- قد يكون ما تفكرين فيه نزوة من نزواتك، أو مجرد مهرب تحت تأثير التسمم الكحولي الذي تعانين منه.
- ......
- وتغيير العقيدة لا يشبه تجربة تسريحة شعر أخرى، أو تبديل موديل فستان. قالت ماجدة.
- انا مفلسة كما تعلمين وعلاج الادمان مكلف.
- سيتدبر أحمد هذا الامر مع مستشفى جامعة UCLA التي يعمل فيها.
ضحك خالها لوقا طويلاً عندما أخبرته رايفن بتفكيرها في الايمان الجديد، وهما يتمشيان في حديقة مقره في الكنيسة المنهجية في سان بيدرو، ثم توقف عن سيره ونظر في عيني إبنة أخته وهو يتساءل في ما بينه وبين نفسه عن سر طاقتها المذهلة المتجددة، وسألها إذا كان هذا التفكير نتيجة العلاج في المستشفى، أو بسبب ضغط عليها من أي جهة وعدتها بدعمها مالياً. وشرحت رايفن له أن قلبها إنفتح للإسلام وهي تسمع صلاة المسلمين في الجامع، وإلى ترتيل"بسم الله الرحمن الرحيم" كما قالها إبنها بعدما سمعها من اصدقاء مسلمين.
لم يقتنع خالها لوقا بما قالته، وقال لها لو كان الامر كما تقولين لغيّر معظم الناس أديانهم وتحولوا إلى دين تشايكوفسكي أو غيره بسبب إعجابهم بإحدى سيمفونياتهم. ولمّا سألته لماذا فسّر الامر بهذه الطريقة، ولم يبال بتجربتها الداخلية الخاصة، شرح لها بأنها طالما سمعت تراتيل في الكنيسة ولم تبال بها، فكيف أثرت فيها مجرد ألحان لا تفهم معناها. وعندما دخلا إلى منزله قرأ عليها فقرة من الإنجيل، ليبين لها خطأ ما ستفعله، وقالت رايفن له بأنها كانت متأكدة إنه سيعظها بكتابه المقدس، ولن يحاول فهم ما تريد عمله من كل قلبها.
- انني اقرأ معاني القرآن الآن وهي أفضل شيء لي. قالت رايفن لخالها.
- محمد لم ينقذ احدا، كما أنقذ المسيح البشرية.
- لكنه نشر رسالة فيها هدى للناس.
- لكنه لم يجرؤ أن يقول إنه الطريق والحق والحياة، ولا يستطيع أن يأتي أحد إلى الله إلاّ به.
- القرآن يمجد المسيح ويعظّم أمه على أية حال.
- هذه عقيدة مسيحية كانت معروفة ايام محمد وهي القبول بالمسيح نبياً وإنكار العنصر الإلهي فيه.
بدت عائلة ريتشاردسون بالكامل مذهولة من قرار إبنتهم، الذي لم يباغتهم قرار إتخذته في حياتها مثله، وقال أبوها لها إنه يشعر وكأن احدهم لكمه بقوة فوق قلبه، لدرجة عجزه عن الدفاع عنها. ولم تسلم رايفن من النظرات المعتمة من خالتها نانسي عضو إدارة الكنيسة، التي كانت تقول أثناء مناقشات افراد الاسرة لبحث مشكلة ابنتهم، أن العبادة التي تتجه اليها رايفن ستؤدي بها وبهم إلى عواقب وخيمة. أما اصدقاؤها فكانوا متشككين من الخطوة التي ستفعلها، لأنها مزاجية صاحبة تاريخ لا يؤهلها لكي تكون مسلمة، أو حتى من أتباع أي دين آخر سوى "دين المتعة" كما قال أحد عشاقها تعليقاً على ما سمعه.
كانت أمها تشك بعمق في إنتماء إبنتها للإسلام يوما ما، لأنها لم تعرف وتبحث بما فيه الكفاية عن دينها الجديد، وكانت الام تتعجب في ما بينها وبين نفسها عن السبب الذي سيجعل المسلمين يقبلون بابنتها تلك، السكيرة المفلسة مادياً ومعنوياً، ذات الفساتين والاسلوب الفاضح في الحديث.
- هؤلاء الناس جديون للغاية تجاه إيمانهم ولديهم معتقدات دقيقة. مساحة الحرية في المسيحية غير موجودة عندهم. قالت أمها لها عن المسلمين.
- هل معنى ذلك إنني غير مؤهلة لأكون مسلمة؟ سألتها رايفن.
- هذا امر أكيد لأنك لست مسلمة بالولادة.
- وما الفرق؟
- كبير!
- المهم النية الصادقة في التغيير.
- انهم يصلّون خمس مرات يومياُ. فهل لديك مثل هذا الانضباط ؟
- سأحاول.
- ويصومون شهراً على الاقل سنوياً. هل جربت الصيام يوماً في حياتك؟
- سأجرب.
- لا عقاب في المسيحية لمن لا يصوم لكن الإتهام بالزندقة هو العقاب في الاسلام.
ورغم كل ما سمعته رايفن من نصائح الجميع وسخرية البعض، بدأت هي وإبنها عدم مشاركة أهلها مناسباتهم الدينية والاحتفال بها، وكانت ترتاح عند قراءة معاني القرآن باللغة الانكليزية.
علمت رايفن من ماجدة اثناء زيارة لها أنها كانت عضوا في جماعة شهود يهوه، عندما تعرفت على أحمد أولمان منذ عشرين عاما، ثم تزوجا لكنها غيرّت دينها بعد خمس سنوات، من معاشرتها لزوجها عن كثب وإقتناعها تماما بما يعتقد ويعمل. وتعجبت رايفن كثيرا من تحوّل ماجدة للإسلام لأنها تعلم التعصب الذي يمارسه شهود يهوه، لدرجة عدم تقبلهم لعملية نقل دم في المستشفى من إنسان يختلف عنهم في العقيدة، لو تعرض أحدهم لحادث أو عملية جراحية كبرى تستدعي ذلك. وقدرت أن يكون وراء شخص أولمان الهادىء غير مسموع الصوت في البيت صفات مهمة جعلت ماجدة تتزوجه ثم تغيّر دينها.
- ما الذي دعاك حقيقة للبعد عن شهود يهوه؟ سألتها رايفن.
- عندما وصلت إلى مرحلة التبشير في البيوت أحسست ان معظم المسيحيين يستخفون بنا ويتحفظون على دخولنا. خالك قسيس وأنتِ أدرى بذلك.
- لكن الكثير منهم يتجاوزون هذه المرحلة على أنها عذاب وواجب محبب.
- قد يكون صحيحا ما تقولينه. لكن انا شخصيا لم ار ذلك، إضافة لإحساسي بعدم إقتناعي بمعتقداتي، عندما بدأت شرحها للناس! بدت لي شيئا مضحكاً.
- لماذا؟
- عندما تشعرين بعدم معقولية كلامك، أو قوة حجج الناس التي تفنّد ما تقولينه يعني ذلك خطأ ما تؤمنين به.
- وهل حدث هذا الامر مع زوجك؟
- عندما قابلت كريستوفر، وهذا إسمه قبل الاسلام، لم اعتقد أنه سيتحوّل للإسلام، ولم يخبرني بذلك.
- وعندما إكتشفت انه مسلم؟
- مشيت وراءه عندما اقتنعت بالاسلام.
كان كريستوفر ستون قبل إسلامه ينتمي إلى الطائفة التدبيرية أو القدرية كما يسميها البعض، وهي إحدى طوائف الكنيسة الانجيلية الاميركية. وكانت معتقداتهم تسبب إلتباسات كثيرة له كأستاذ للقانون، لكونها لا تحمل نظرية متكاملة، بل مجرد تفاسير تلعب دوراً رئيسياً في الفكر اللاهوتي للمسيحيين الصهاينة الذين كان واحداً منهم. فالتدبيريون لا يؤمنون بأن المسيحية أتت لتحل محل اليهودية بل أتت لكي تعيد لها عناصرها المفقودة، وحسب فهمهم للكتاب المقدس يعتقدون بأن قيام إسرائيل عام 1948 كان الخطوة الأولى لعودة المسيح للعالم حيث سيخوض حرباً فيها ضد قوى الشر تسمى هرمجدون يُقتل خلالها ثلثي الإسرائيليين ويهتدي الثلث الباقي للمسيحية، وبعد انتصاره يحكم المسيح العالم كملك لألف عام.
كان كريستوفر ستون رجلا يؤمن بالنظرية المتكاملة، التي لم يجدها سوى في الاسلام، ولذلك رفض تماماً فكرة الانضمام لحركة أمة الاسلام عندما جاء وفد منهم لتهنئته وحثه على الانتماء لهم بسبب إسلامه وخلاسيته، فهو ينتمي لآب من أصول لاتينية وأم بيضاء، كما رفض الانضمام إلى جماعة الاخوان المسلمين في الولايات المتحدة، لأنه في حقيقة الامر لم يتحول إلى الاسلام بسبب الايمان بل بسبب نظرية متكاملة.
شرحت رايفن لماجدة كيف كانت تمشّط شعرها ذات مرة وهي في حيرة من اختيار تسريحة مناسبة، وتفكر في المتاعب التي تخوضها وتفاهة اعمالها، والعالم الذي يذهب إلى جحيم العلاقات الكاذبة بين الناس بسرعة غير متوقعة، عندما باغتها صوت داخلي يقول لها أنها بحاجة لعمل شيء من اجل حياتها وإبنها. واثناء سماعها للصلاة في جامع الملك فهد لأول مرة، سألت نفسها مرة اخرى، عن ماهية الشيء الذي يجب أن تفعله، لكن وقتها وعلاقاتها واسلوب الحياة الذي كانت تمارسه، كانت تلهيها عن ذاتها وتمنعها من البدء بالتغيير المطلوب. كانت مدمنة تسويف دائم لغد لا يأتي ابدا. ولما ذكرت نيتها لأقاربها لم يصدقها احد منهم.
بالمقارنة مع طقوس الدراسة الدينية والموافقة الوزارية لدخول شخص إلى اليهودية أو المسيحية، كان دخول منى وأحمد إبنها إلى الدين الاسلامي أسهل وأبسط، بعد قول الشهادتين والقسم للدخول إلى مجتمع المؤمنين، خصوصا انهما قد ولدا في الولايات المتحدة، ما يمنع الشبهة عنهما في الهجرة إليها لتغيير دينهما. ورغم إنسيابية التحول فقد واجهت منى أول تحديات إيمانها الجديد، عندما قررت التخلي عن إسلوب ثيابها المكشوف، ونصحها أحمد أولمان بالتنورة الطويلة حتى الكاحل، وغطاء الرأس في المرحلة الاولى، فلا شيء يلزمها بالحجاب الذي ترتديه زوجته لكي تكون مسلمة. ووجدت منى في نصيحته حلا يغنيها عن ما ترتديه ماجدة بسبب نذر كما عرفت منها. كما وجدت في الاسم الذي اختاره أحمد لها كلمة سهلة النطق عند الاميركيين ومعنى جميلا. وكان عليها حفظ بعض الصلوات باللغة العربية، وكانت ماجدة معينتها وكذلك إبنها، الذي اختارت له اسم احمد تيمناً بأحمد أولمان، وبدا أنه يستوعب اللغة العربية أسرع منها، وأخذ يرتل آيات القرآن في المنزل.
إضطرت منى إلى تغيير رقم هاتف منزلها بسبب إتصالات عشاقها القدامى، الذين لم يصدقوا جدية تحولها إلى الاسلام، وكانوا يمطرونها بكلامهم المستهتر وتمنياتهم برؤيتها وشرب نخب معها كما حدث في الايام الخوالي، وسألها احدهم عن قيمة المعاش الشهري الذي تتقاضاه بسبب تحولها للإسلام. ولم تكن تعتقد أن ما سيقوله المشككون عنها ولها هو أشّق الطرق التي ستسير فيها بعد إنضمامها لدين النبي محمد. لكنها جابهت اصدقاءها القدامى بإسلوب زيها الجديد ومفاهيمها التي إقتنعت بها، ولم يخل الامر من مشادات جعلتها تتحدث بطريقة رايفن القديمة. وكانت أكبر المفارقات زيارتها لخالها في كنيسته ومقر إقامته المجاور لها، أو خالتها نانسي عضو إدارة الكنيسة التي كانت تعتبر زيارتها لها تحدياً سخيفاً ونوعاً من التبشير المبطن، لكن الولايات المتحدة بلد يستوعب مثل هذه الامور، بدون العداوات الابدية أو الخصومات العنيفة بين أعضاء العائلة الواحدة، أو الجرائم التي قد تصل للقتل ضد الذين يغيرون دينهم وتحدث في اماكن اخرى.
شعرت منى بالرضا والمتعة وهي تعود إلى عملها القديم في صالون تجميل وحلاقة، قصدته المرأة المسلمة بعد سماعهن بحكاية اسلامها، وقد أهلتّها الحياة المتقلبة والبقاء مُفلسة بدون عمل لفترات طويلة، إلى ما كانت تكرهه من المكوث في مكان واحد عشر ساعات. تحوّل شعورها نحو مكان العمل الواحد الذي لا يتغير بالأمان عوضاً عن الضجر، واحسّت بالاكتفاء وهي تحصي نقودها كل سبت بعد الظهر لتنفقها في أمورها الضرورية. وقد فاجأها شهر رمضان بمتطلبات صومه، وكانت المرة الاولى التي تصوم فيها في حياتها، وشعرت بالخجل وهي تتذكر أحياناً في وقت السحور الايام التي كانت تعود فيها إلى منزلها فجرا وهي تترنح من السكر، وتستيقظ قبل الظهر ورأسها مخمور، وطلبت مساعدة ماجدة على نسيان هذه الامور، فنصحتها بقول عبارة "استغفر الله العظيم" عدة مرات.
- قوليها .. قوليها بإيمان. قالت لها ماجدة وهي تهز رأسها بتصميم.
واظبت منى على حضور دروس شرح القرآن لغير المتحدثين باللغة العربية في جامع الملك فهد في كالفر سيتي إسبوعياً، برفقة أحمد إبنها. وكان أول ما إسترعى إنتباهها هو الجوهر الاسلامي البسيط القائم على حمل النبي محمد لرسالة رحمة وهدى للمؤمنين به، شرط ان يسلموا قلوبهم لله ويؤدوا الفروض الخمسة، وكانت تسأل وتستفسر أحياناً بشكل لفت نظر الشيخ إليها، نظرا لنشأتها في بيت قسيس. وذات مرة سألها الشيخ عن الشخص الذي تستشيره بعيداً عن دروس الجامع، ولاحظت إضطراب ملامحه عندما ذكرت له إسم أحمد أولمان.
كان طبيعيا ألاّ يثير أحمد أولمان في نفس منى حساسيات أو عداوات من يخالفونه الرأي، نظراً لبساطة إيمانها والطريقة العفوية التي تحولت بها من دين إلى آخر. ورغم عمل أحمد أولمان كاستاذ لمادة القانون في جامعة UCLA، وتحوله للإسلام بعد تجربة أمره الشخصي الذي لم يفصح عنه حتى لماجدة زوجته، إلاّ أن مطالعاته وعقله الموسوعي جعلاه من المدرسة المناهضة للتشدد وعدم التسامح مع غير المسلمين، والعودة بالفكر الاسلامي إلى نظرية دار الاسلام ودار الحرب، وهي الظاهرة الأكثر شيوعاً في الفقه الاسلامي الجديد منذ نجاح الثورات الاسلامية، التي اعتمدت فقهياً على الحركة الوهابية في السعودية أو افكار الائمة المتزمتين السُنة، ما أدى حسب ما يعتقد أحمد أولمان إلى تثمين الطقوس والمظاهر وتفسيرات الفقهاء أكثر من النص القرآني نفسه، وتمسّك معظم المسلمين بقشور لا تفيدهم في العصر الحديث، وقمع ملايين النساء اللاتي نلن حقوقهن بفضل الدساتير الحديثة وكفاح مناصري المرأة.
كتب أحمد أولمان، متأثراً بمدارات التنوير وفلسفة الدولة الحديثة، النقد المرير عن القوانين القمعية في الدول الاسلامية المتخلفة، التي تسمح بسوء معاملة الكلاب حتى ضرب النساء. وقد تلقى عدة تهديدات بالقتل ومُنعت كتبه في المملكة العربية السعودية وغيرها، ورُفض طلب فيزا له لزيارة عدة دول اسلامية، ورغم ذلك نذر نفسه من أجل شرح طريقة إستخدام المتطرفين للفتاوى المتشددة لتبرير التعصب العنيف والعداوة ضد من ليسوا مسلمين، ما أدى إلى نمو الاعمال الارهابية في العقود الاخيرة، وخلق حالة عدم تأقلم المسلمين الذين هاجروا إلى الغرب داخل مجتمعاتهم الجديدة. كما يعمل أيضاً في جماعات الدفاع عن حقوق الانسان، وطالما شهد كخبير في المحاكم لمساعدة ضحايا الاضطهاد الديني، بغض النظر عن دينهم، للحصول على حق اللجوء السياسي في الولايات المتحدة.
من عبارات أحمد أولمان التي لا يمل من تكرارها: "أسعى لإيجاد سلوك إسلامي متسامح في أميركا". وعندما سُئل ذات مرة لماذا لا يربي كلباً في منزله رغم انفتاحه، قال لأنه يسكن في مجمّع سكني وليس منزلا منفرداً، وقوانين بعض المجمّعات تمنع الاحتفاظ بهذه الحيوانات في الشقق.
خصوم أحمد أولمان يعتبرونه منشقاً، ويتهمه بعضهم بتحوله إلى الاسلام ظاهرياً حتى تكون ضربته أشد وجعاً، ويشككون في أهداف علاقاته الحوارية مع يهود الولايات المتحدة، ويعتقدون إنه ما يزال منتمياً للمسيحية الصهيونية سراً. ولا يرد أولمان على هذه الاتهامات، لكنه يرد على اتهامات تحرره وتفسيره للنص على هواه بقوله أن زوجته تؤمه احياناً في الصلاة، ويطلب من خصومه نصاً قرآنيا يمنع ذلك، سوى اثناء فترة حيض المرأة التي تمنعها من الصلاة والصوم.
- هل سيعلمنا هذا المسخ ديننا؟ قال أحد المشايخ ذات مرة عن أحمد أولمان.
لذلك لم يكن من المستغرب أن يثير أحمد أولمان الاعجاب الحماسي ويتلقى عشرات الرسائل الالكترونية المؤيدة له، في الوقت الذي يتلقى فيه تشكيكات حول إنتمائه لأمة الاسلام، ويتلقى تهديدات بالقتل، ويسأل نفسه احياناً لماذا لا ينفذ اصحابها وعيدهم، وهو لا يسير بين حرس شخصي، ويصطحب أسرته مرات نادرة حتى لا يؤذي أحد ماجدة أو ولديه.
جعلت بعض المواقف خصوصاً الادارية منها منى تتذكر خالتها تاتيانا، التي نصحتها قبل التحول للإسلام بالبقاء على مسيحيتها شكلياً. فالدوائر الرسمية ستطلب منها ذكر إسمها قبل إسلامها للكشف على سجلها العدلي، أو البدء في معاملة قانونية، مع عدم إغفال استحالة نسيان إسمها القديم، وسيسبب إسلامها مشاكل روتينية لها ستتخطى بعضها فقط بعد وقت وجهد وعذاب.
- هل هذا ما تنصحيني به؟ سألت خالتها.
- أكيد.. ما الذي يثبت إنكِ على قيد الحياة قانوناً؟
- عدم صدور شهادة وفاتي من طبيب.
- هذا صحيح.. صلّي طقوسك وإقرأي قرآنك في غرفتك وحافظي على أهليتك القانونية كما هي.. من سيهتم؟
- هذا نفاق.
- الناس منافقون. معظمهم يأتون للكنيسة طمعاً في حاجة، أو للانتماء لمجموعة. من يأتي فقط للصلاة؟ قلة نادرة. إسأليني انا.
- أعلم ذلك.
- علاقة الانسان بربه لا شأن لها بالشكليات أو الاسماء أو العرق. هذا هو الايمان الصافي.
- ...
- يذهب معظم الناس أطفالا إلى الكنيسة ليلعبون ويتسلون في مدارس الاحد.. ويأتون مراهقين لمقابلات الفتيات.. ويتناقشون وهم رجال أمام باب الكنيسة في البزنس. هل هذه الامور جوهر علاقة الانسان بربه؟ أم التراتيل التي تقال وكل واحد مشغول بهمومه الحياتية؟
- لا يمكن لسواكِ أن يقول هذا الكلام.
لكن كل ما قيل والمضايقات السمجة التي تحدث من اشباح ماضيها كما كانت تسمّي عشاقها، لم تمنع منى من المضي قدما في إيمانها الجديد، لأنها وجدت فيه سلامها النفسي، والطمأنينة في القيام والسجود اثناء الصلاة بعدما قيل لها أن الملائكة تقف إلى جانب المصلين تشّد أزرهم وتحرسهم.
- الناس يزدادون عدداً والملائكة لا ينجبون، فكيف يقف ملاكيّن على يمين وشمال المُسلم أثناء الصلاة منذ أن كان المسلمين ألوف واليوم عددهم مليار. الامر يشبه أسطورة عزرائيل الذي يأخذ الارواح. علمياً هذا الكلام مستحيل. قال لها خالها عندما أخبرته بأمر الملائكة والمصلين الذي سمعته في الجامع.
ورغم جواب خالها، إكتشفت ان اداء الصلاة على الطريقة الاسلامية فيه متعة الروح التي تبحث عن مرفأ ينقذها. وساعدها ايضا إنسجام إبنها احمد مع دينه الجديد، الذي بدا لها احياناً انه وُلد ليكون مسلما. كما كانت صداقة منى بماجدة أهم الامور البهيجة التي اسعدتها دائما، وهي علاقة بدأت صدفة ولم يخطر لهما أن الامور ستصل إلى هذه النقطة، رغم أن منى لا يمكن ان تنسى مساعدة ماجدة لها في الجزء الاول في حياتها، ووقوفها إلى جانبها حتى عبورها محنة الادمان التي كادت تدمرها مع إبنها. وطالما سألت نفسها، خصوصا بعد صلاة الفجر، عن الامور التي يخفيها القدر لها، وإمكانية بدء حياة شريفة مع رجل يحبها ويقبل إبنها بدون إزعاج.
- ما أهم خطأ فعلناه جعل رايفن تصل إلى حد تغيير دينها؟ سأل خالها لوقا جميع افراد العائلة وهم يتناولون الغذاء ظهر يوم أحد القيامة.
- حريتها الزائدة عن الحد. قالت خالتها نانسي.
- نحن نعيش في بلد حر، لا يمكن الحجر على تصرفات الإنسان. ردّ لوقا.
- هذه هي المصيبة. رجل يصبغ شعره بلون أصفر ويضع قرطاً في اذنه كالنساء لأنه حرّ، وفتاة بلغت الثامنة عشرة ويمكنها اللعب في افلام البورنو بدون أي لوم حتى من اهلها لأنها حرة، ورجل يمارس اللواط ويريد الزواج بشكل رسمي لأنه حر. أين تذهب هذه الحرية عندما يتحولون إلى الاسلام؟
- .........
- ركلت هذه الفتاة تحت سمعنا وبصرنا كل ما سمعته من المسيح، وكانت تظهر ثلاثة أرباع ثدييها دائما لأنها حرة. كيف تبخرت هذه الحرية؟
- الحرية قيمة في المجتمع الحديث لا يمكن الرجوع عنها. قال القس لوقا.
- لماذا لا يكونوا احرارا من شذوذ تفكيرهم وهم مسيحيون؟ ردّت نانسي.
- توبيخ الانسان على تماديه في الاخطاء أقصى ما يمكن أن يفعله مجتمع حر. قال لوقا.
- اظن أن معظمنا قد وبخها. قال أبوها.
- ووصلنا إلى حد تعنيفها. قالت امها وهي تسبح في افكارها.
- يبدو أن نتيجة افعالها جعلتها تقف امام سياج شائك، كان يجب ان تعبره بوسيلة ما. قالت خالتها تاتيانا.
- لا تنسوا قدر الانسان. قالت امها.
- ماذا تقصدين؟ سألها لوقا.
- اقصد أن الملايين يقفون أمام سياج شائك، وقد يكون أشدّ هولاً، ولا يغيرون دينهم.
- الحق معك. قالت نانسي.
- ورايفن لم تذهب إلى الاسلام من أجل مال أو رجل. قالت امها.
- أمر محيّر فعلا. قال لوقا.
- لقد أصبت في هذه النقطة. قالت تاتيانا.
- هل يمكن أن تكون قد إنقادت وراء هاتف داخلي؟ سأل ابوها.
- كل الامور جائزة. قال لوقا.
- هل تكرهونها بسبب ما فعلته؟ سألت تاتيانا.
- هي ضربة مزعجة خصوصاً بسبب وضعنا. قال لوقا.
- لكنها على أية حال لم تعد ملوثة كما كانت، ولم تعد المشاكل تبحث عنها. قالت أمها.
- إضافة إلى الراحة التي وجدتها في دينها الجديد. قالت اختها كيلي.
- وهل نحن نبشر الناس بالعذاب؟ ما هذا الكلام السطحي؟ سألها لوقا.
- راحتها هي .. لا افعال وتعاليم المسيح الرحوم. قالت كيلي.
ذهب ريتشارد إلى خاله لوقا ذات بعد ظهر، وبدا واضحاً عليه إنه يريد التحدث في أمر لكن الخجل يمنعه. وريتشارد هو الفتي الوحيد والأصغر بين اولاد دون بريدا ويبلغ العشرين من عمره. منطو إلى حد ما، يدرس علم إدارة المستشفيات، ويواظب على حضور قداس الاحد، ولم يعلّق حتى بكلمة واحدة على إشهار اخته رايفن لإسلامها، لكنه اُخذ بإبتهاجها الواضح بالامر، وتحوّل حياتها إلى الافضل وتجاهلها كل ما سمعاه سويا في مدارس الاحد. كان آسفا على تعليقات اصحابه على سلوكها غير المقيَد سابقاً، وأصبح منزعجاً حالياً بسبب قصصهم عن إسلامها الذي سأل بعضهم عنه بدهشة، وكأنهم لم يسمعوا بهذا الدين من قبل.
- تكلم يا ريتشارد بما تود فعلا قوله. قال لوقا.
- هل ستذهب رايفن إلى جهنم؟
- الذي ينكر المسيح بعد معرفة مسألة فيها نظر. لكن دخول السماء أمر منوط بأعمال المرء تجاه الانسانية.
- هل هذا رأيك الشخصي؟
- نعم. فلا يُعقل ذهاب غاندي إلى جهنم لأنه غير مسيحي. والدنيا تعج بمثل هذه الشخصيات الطيبة المثمرة.
- لكن رايفن تقول...
- لتقل ما يحلو لها. نحن نؤمن ونصلي ونعبد الله. ما الذي إكتشفته هي؟ ما الجديد الذي قدمه الاسلام؟
- الايمان والراحة ومعرفة الله.
- وهل نحن نبشر بغير هذه الامور؟ أخبرني انت؟
- مطلقاً.
- ربما لسبب ما إعتقدت أن الاسلام وحده سيريحها هي بشكل خاص.
- وهل الحق معها؟
- تفاعل الثقافات والحضارات والاديان ينتج مثل هذه الامور احياناً. وأنت تعلم أن بعض المسيحيين يؤمنون بالبوذية. الممثل ريتشارد غير مثلا.
- لم أفهم رأيك.
- لو انني تحولت إلى البوذية بسبب الراحة التي تمنحها تعاليمها، ولم اكتف بإعجابي بها وقراءة كتبها، اكون قد تفاعلت معها تماماً.
- وهل البوذية دين؟
- أقوى وأوسع إنتشاراً أكثر مما يعتقد معظم الناس، لكن أصحابه لا يريدون حكم العالم به.
- لأنهم يحكمونه بالتقنية؟
- هذا هو بيت القصيد. ريتشارد، إبتهج لترفع معنوياتك، فالكون لا يهتز بسبب حبة رمل مهما عظم شأنها.
سألت منى أحمد أولمان لماذا لا يحبه بعض الناس، واجابها لأنه مع المبادىء الاصيلة وليس الأصولية، فالاخيرة هي التزمت نفسه. وهذا الموقف يؤذي مصالح بعضهم ويمنعهم من سوق الناس بالطريقة التي يسعون إليها. ونصحها بأن تكون مؤمنة بالله بشكل مباشر حتى لو كانت صاحبة إيمان بسيط، لأن التعمق في أفعال المؤسسات والقيميين عليها قد يُفسد عقل وإيمان الانسان، ويجعله عديم الثقة حتى بالانسانية.
- أريدك مساعدتك في إيجاد عمل جديد. قالت منى لأحمد أولمان ذات يوم.
- عمل جديد أو بيئة جديدة؟
- لقد أصبت. افضّل كليهما معا.
- ما الذي لم يزل يزعجك؟
- أريد بداية جديدة بعيدة تماماً عن قديمي.
- هل سأمت التحدي؟
- بالعكس. لكن إستهتار الناس بما فعلته سينعكس عليَ سلباً.
- هل يغيظك عدم تقديرهم؟
- بعضهم لا يصدق انني اصبحت إنسانة اخرى.
- تعلّمي إدارة الاعمال في عدة دورات سريعة مرّكزة، وسأحاول مع بعض الاصدقاء في نيويورك إيجاد عمل لكِ.
- إذا كان الامر كذلك فسأبدأ قريبا دورات مسائية.
- هل انت جادة فعلا؟
- نعم.
- هل تنوين ان تتركينا يا منى؟ سألتها ماجدة.
- بين نيويورك ولوس آنجليس أربع ساعات بالطائرة.
كانت منى تعاني مثل معظم الذين يتحولون إلى دين غير دينهم، لكن معاناتها أُضيف عليها ماض منحل يصعب التخلص منه، خصوصا انها كانت صاحبة جاذبية لا تُنسى، وصديقة يفاخر بها من نال حظوتها على من تركتهم على قائمة الانتظار. سهلة بالنسبة لعدم تقيدها بأي شيء، وصعبة لجهة مزاجيتها وعدد العشاق من حولها. ورغم مرور الوقت الكافي لتأقلمها مع إسلوب زيها الجديد داخل المنزل وخارجه، فقد كانت تمّر احياناً بجوار المرآة الكبيرة الموجودة في منزلها، وتعود للنظر إليها في لحظة لترى ما الذي تعكسه، وسرعان ما تدرك انها تعكس صورتها هي، بقامتها المديدة لكنها تخفي تفاصيل جسدها البديع المتناسق وبشرتها الوردية وشعرها البني الغامق. وكانت تقف وتتأمل نفسها احياناً، وتتعجب من قناعتها بإختيارها المحتشم بعد هوسها بكل ما هو فاضح ومكشوف من الثياب والكلمات.
تذكرت مرة كيف كانت تستعين بصدرية أصغر حجما، لتلجم رجرجة نهديها الكبيرين اثناء لعب كرة السلة، وتخفف بقدر المستطاع من إنزعاجها في إنطلاقتها السريعة القوية. قالت لزميلاتها إن هواية كرة السلة ستدوم بضع سنين، اما الإثارة فتدوم حتى الخمسين، وهي تفضّل اللعب مع القليل من الازعاج، والسير على رمال شاطىء المحيط بكل إرتياح، وعيون المتلصصين تحرق مؤخرتها. وقد شعرت منى بعدما تركت كل هذه الامور خلفها، إنها قد غادرت مهرجانا مثيراً صاخباً كان يستحوذ على كل حواسها وعقلها، وجلست فوق ربوة تتأمل ما حدث وهي لم تزل في عمر الثلاثين.
لم يكن إسلام منى وتغيير إسلوب حياتها هو الجديد بالنسبة لها فقط، بل تعلّم اللغة العربية لتؤدي بها صلواتها، وإكتشافها وقع بعض الكلمات القوي عليها، رغم المعنى نفسه للكلمتين باللغة العربية والانكليزية. وجدت نطق كلمة "الله" بالفصحى العربية أجمل وأقوى بكثير منها في لغتها الاصلية. وكانت تقول كلمة "الله" في احاديثها بالانكليزية. كما إندهشت عندما شرحوا لها كلمة "لبّيك" بأكثر من عشرين كلمات لتفهم معناها. وكان أستاذها غير المنازع الذي تثق فيه ليعلمها هذه اللغة ذات بعض الحروف غير الموجودة في الانكليزية، هو إبنها احمد الذي كان يتعلمها في أحد صفوف الدراسة الملحقة بمدرسة إسلامية، وقد تقدم عدة أشواط فيها لدرجة إنه اصبح أفضل منها.
من المعاني الجديدة تماما التي إكتشفتها منى بعد إشهار إسلامها كان نصيب الانسان ورزقه، لأن معظم المحاضرات والتفاسير التي سمعتها في كنيستها المنهجية لم تتناول هذا الامر بالغ الاهمية في حياة المرء. ومفردات الحياة الاميركية لا توحي بتدخل الله في مصادر أرزاق الناس، بل إجتهادهم ونوعية العمل الذي يعملونه. إكتشفت منى تحت مظلتها الدينية الجديدة أن الارزاق بيد الله وحده، وهو يرزق من يشاء بغير حساب، ويخلق اسباب الربح للعبد الذي يحبه، ويجعله ينفقه في ما يفيده، ويبعد عنه المفاسد التي قد تبدد ماله، ما جعلها تعتقد أن الله كان يحبها وهي تربح إسبوعياً مئات الدولارات من تسويق مساحيق التجميل والعطور، وكان يحبها ويرسم طريقها نحو الأفضل عندما جعل الخسارة الفادحة من نصيبها مع وارن، رغم إنهما ربحا ألوف الدولارات، ولم يكن الامر مجرد أمنية.
كانت هذه الخسارة نقطة تحوّل حاسمة في مسيرة عمرها، لم تقدّر أهميتها في وقتها سوى بالتخلّص من وارن وخطورته. وكانت المعاني الجميلة التي تكتشفها منى هي حافزها الاول على تعلم الكلمات وعدم نسيانها، لقلة إستعمالها اللغة العربية، حتى مع ماجدة وأحمد أولمان اللذين لا يجيدان التحدث بها. وكأي تلميذة أعجبت بمعنى نص أجنبي، وجعلت تردده في ما بينها وبين نفسها لحفظه عن ظهر قلب، ذهبت إلى أستاذ ذي اصول عربية، لتقوله على مسمعه ويصحح لها كيفية قول حديث شريف اخذ بمجامع قلبها في البداية للجرس الموجود في عباراته، ثم لمعناه الذي عشقته، حتى تمكنت من قوله بإجادة جعلت استاذها يسألها عن الشخص الذي قاله لها لأول مرة وجعلها تتعلق به، فقالت إنها سمعته عن طريق الصدفة في المسجد.
"عن ابي العباس عبد الله بن العباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلّى الله عليه وسلّم يوما فقال: يا غلام إني اعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الامة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلاّ بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلاّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الاقلام، وجفت الصحف".

الفصل الرابع




لا مدينة مثل نيويورك تُظهر للإنسان مدى حداثة وقيمة المدينة التي عاش فيها من قبل. وإذا كانت مدن اوروبا العتيقة تجعل الانسان يقف مبهوراً أمام جمالها، ومعجباً بميادينها وقهاويها ومطاعمها وشوارعها التي تفوح منها رائحة التاريخ، وممتناً للمسات الفنية الخارقة وجهود البلديات المتواصلة التي جعلت عدة طرز معمارية مختلفة في الزمن تلتقي بدون تنافر أو فقدان هوية البيئة العمرانية الممتدة لقرون، فإن نيويورك تجعل الانسان يشعر أين تقع مدينته من خدمات وتسهيلات الحضارة الحديثة وطرازها المعماري ودرجة إنتشار النور ليلا في شوارعها ومحلاتها وشقق البنايات نفسها، والانسيابية التي تعطيها هذه الوسائل المختلفة لتحركات المرء وراحته وشعوره بأنه يعيش فعلاً بين مظاهر مدن المستقبل.
نيويورك لا يمكن ان ُتقارن بجمال مدريد وباريس ونابولي ولندن، بل ُتقارن بأي مدينة حديثة بعظمة وضخامة أبنيتها، والحيوية التي تنبض في شراينها فوق الارض وتحتها، لأن جمال المدن القديمة وعراقة أبنيتها التاريخية لا تعرفه نيويورك.
رغم أن منى لم تسافر بالطائرة من قبل، فقد لاحظت وطائرتها تقترب من مدرج الهبوط، إنها تطير فوق مكان يختلف نهائياً عن لوس آنجليس والطريقين السريعين 105 و405 القريبين من مطارها. وتأثرت كثيرا بضخامة مطار جون ف. كنيدي، رغم أنها آتية من مطار يُعد بين المطارات الخمسة الأكبر في الولايات المتحدة. ولاحظت إنشراح إبنها أحمد بشكل لم تعهده من قبل، وحاولت الاستفسار منه عن سبب سعادته البالغة، وهما في حرم الدوائر الجمركية فقال لها: نيويورك! ألاّ تلاحظين تغيّر الاجواء وهذه الوجوه المتفائلة؟
تعرّفت خديجة وزوجها علي ماكهيل على منى وابنها بمجرد خروجهما من باب الوصول، ولم تتخيل منى أن إمرأة سافرة ستكون في إنتظارها بالمطار مع زوج عصري بملابس غالية تنم عن ذوق في الاختيار، غير ملتح ولو بلحية خفيفة جداً، كما هو الحال مع ماجدة وزوجها. كانت خديجة في الواحد والاربعين من عمرها، تتحدث اللهجة البريطانية بتمّكن وطلاقة شديدة. إمرأة ذات انوثة واضحة المعالم، تتميز بوقفة تنم على الاريحية والثقة بالنفس، ويوحي ظهرها لمن يتأمله من أحد جانبي جسمها بشكل علامة إستفهام تستقر على خصرها وبطنها الضامر، بأن صاحبة هذا القوام لا يمكن أن تكون أماً لثلاثة اولاد. حنطية بشعر أسود فاحم، جميلة بلمسة فرعونية على عظام الفكين وأعلى الجمجمة والانف وشكل العينين، وتتميز بجسم كل ما فيه ينضح بإثارة لم يفلح فستانها المحتشم في تغطيتها.
عاشت خديجة في الولايات المتحدة منذ كان عمرها ثمانية عشر عاماً، بعد حضورها من القاهرة بمنحة دراسية، ثم حصلت على الجنسية الاميركية، وفضلّت مواصلة حياتها المستقلة بعيداً عن أهلها، وإن ظلت مواظبة على زيارتهم.
لم تكن خديجة الشربيني صديقة ماجدة، وإن كانت علاقتها بأحمد أولمان متميزة للغاية، وقد تعرفت عليهما أثناء زيارة لهما لأخي زوجها بيل، وهو من أصدقاء احمد أولمان المقربين وصاحب مكتب محاماة في قضايا الهجرة واللجوء السياسي في نيويورك. وتمت خطوة إنتقال منى مع إبنها بعد حديث بيل مع أخيه علي ماكهيل الذي يعرف بعض الاصدقاء الذين يعملون في المصارف أو الجمعيات الاسلامية، وإستطاع تدبير وظيفة لها في بنك في قسم السندات والاسهم. وأوحت الاجواء الأولية لمنى بتفاؤل إنتشر في نفسها، وأكدت الابتسامة الواسعة في عيون المرأة الفرعونية لها بشيء لم تفهمه، لكنها شعرت بلمسة تغيير كبير تربت على كتفها، وهي تستقل السيارة معهما لتغادر مطار جون ف. كنيدي.
لم تتوقع منى مطلقا أن يكون علي ماكهيل قد إستأجر غرفة صغيرة لها على مقربة من البنك الذي ستعمل فيه، بناء على تمنٍ من أحمد أولمان الذي دفع إيجار أول شهر، ما جعلها تدمع بمجرد دخولها الغرفة مع إبنها، لأنها لم تتوقع وجود يد بيضاء تمتد إليها مرة أخرى بعد الضيق العظيم الذي عانته. ولم تشك لحظة أن ماجدة هي الدافع وراء هذه اليد التي إمتدت من المجهول، وشعرت لأول مرة بعد الاحساس بمراحل الانتقال فعلياً انها ستشتاق إليها كثيرا جدا. وبدأت بعد بدء عملها في المصرف مباشرة بالبحث عن مدرسة يلتحق بها أحمد، وإستطاعت تأمين مكان له في إحدى مدارس الحي الحكومية، وهي لا تكاد تصدق هذا التوفيق الذي حدث بعد إجازة أعياد الميلاد، ومرور ثلث العام الدراسي تقريباً. وباشرت عملها في قسم السندات والاسهم في البنك وهي في حالة رضا تام، لم تجد كلمات تشرحه وهي تتكلم مع ماجدة عن أول إسبوعين لها في نيويورك.
- يبدو إنكِ تشتاقين لمنى فعلا.. قال أحمد أولمان لزوجته ذات مساء وهي تتصفح بريدها الالكتروني.
- وهي أول إسم ابحث عنه في بريدي.
- هل ترسل لكِ دائما؟
- بشكل شبه يومي.
- وهل هي مرتاحة؟
- لا تتوقف عن شكرنا.
- تشكل شخصية هذه المرأة علامة إستفهام كبرى لي شخصياً.
- لأنها اشهرت إسلامها؟
- لقد تغيرت بشكل جذري، ولم يشر ولا شيء من قبل فيها إلى هذا التحول.
- ولم يؤثر عليها أي مخلوق أيضاً.
- هل تذكرين أول إنطباع قالته عن الاسلام؟
- سألتني عن معنى "الله أكبر" في مسجد الملك فهد فشرحته لها، وفوجئت بها بعد أقل من دقيقة تقول "ولديّ امر أكبر. لابد من ذهابي للمرقص للترفيه عن نفسي".
- ها..ها.. هل قالت ذلك فعلا؟
- حرفياً. لقد صعقتني، ولا أنسى ذلك التناقض الهائل.
- كان لابد لها من هذه البداية الجديدة، لأن حياتها مع بيئتها هنا شبه مستحيلة.
- وهي لم تستفد من إسلامها بأي دعم مالي.
- كنت سأفعل ما قمت به حتى لو لم تتحول إلى الاسلام. انها تستحق المساعدة فعلا.
- على فكرة. هي تعتبر كلامك نهائياً لو سألتك عن شيء.
- ماذا تعنين؟
- لو خُيرت منى بين كلامك وما يقوله إمام مسجد ستختار ما قلته أنت.
- هل قالت لكِ ذلك؟
- نعم.
- مشكلة كبيرة لو كانت على درجة عالية من العلم. لكن الامر يظل مجرد نصيحة ستحتفظ بها لنفسها على أية حال.
كان أحمد أولمان بالنسبة للمعجبين به من المفكرين الشجعان والصفوة وأصحاب الطاقة النارية، لمقاومة التأثير السلبي الذي بدأ يتنامى لظاهرة التزمت في المساجد والمجتمعات وتلامذة الجامعة المسلمين. وتتجلى نارية أولمان في قوله عن أصحابها بأنهم يجعلون الاسلام دين الممنوع والمسموح والقمع والحلال والحرام فقط، فالاسلام حسب ما يعرفه أكبر من أن يكون ضابط شرطة اخلاقية على سرائر العباد. وهو يتهم المتزمتين بشدة وإسلوب حاد لا مواربة فيه بأنهم يحثون المقربين منهم فكرياً على تجنب غير المسلمين، ونعتهم بالكفار واعداء الاسلام، ويرى أن تلك المفاهيم نبعت من الكتاب المدرسي السعودي، المُعلم الاول للأفغان العرب بعد فقه الائمة المتشددين لظروف سياسية منذ ايام التتار.
ويرى معجبو أولمان أنه بدون شخصيات مثله سيبدو أن المسلمين كافة يقبلون بما يقوله المتزمتون، الذين يطلقون عليه "المرتد المنافق" لأنه يقول أن الديانة الاسلامية هي ما جاء به القرآن في مكة، أمّا الايديولوجية فهي ما ورد في المدينة، وبما أن الاسباب والظروف لم تعد موجودة فيجب العودة إلى الايمان المكي، وقراءة الايديولوجية المدنية على أنها تاريخ وليس مستقبلا.
إنطلق أحمد أولمان في بداية حياته المهنية وقبل إسلامه من قضايا الهجرة وطلب الجنسية ومشاكل المال والافلاس. ولم يزل يعمل في المكتب نفسه، علاوة على تدرسيه بضع ساعات اسبوعيا في جامعة UCLA . وتقول أمه عنه إنه تعلم القراءة بطريقة لم تنتبه لها منذ كان في الخامسة من عمره، عندما ادركت فجأة أنه يقرأ يافطات وأسماء المحلات بطريقة صحيحة، وهو جالس على المقعد الخلفي في سيارتهم بصوت عال، وتؤكد إنه بدأ قراءة العناوين الكبرى للصحيفة التي كان يشتريها ابوه وهو في عمر السادسة، وفي التاسعة إشترى والده له أول موسوعة ملونة للصغار لأن معرفته سبقت عمره.
يعتبر أولمان العقل سلاحه، ويتهم المتزمتين بالجهل وبأنهم اصحاب ثقافة سمعية يتلقونها عن اناس أعمي التعصب عيونهم، أو منتفعون يرددون ما يقوله ممولوهم. وهم لو إحتكموا إلى العقل يمكنهم تطوير ما بين أياديهم. ويكاد منزله يشبه مكتبة عامة، بسبب وجود رفوف كتب أمام معظم حيطانه، تحوي أكثر من عشرين ألف كتاب ومجلة في القانون واللاهوت والفقه وعلم الكلام والاجتماع والفلسفة والتاريخ والادب، بينها حوالي عشرة الاف كتاب في القانون والاحكام الاسلامية، تتنوع ما بين المرجعيات الموثوق بها للفقه السني والشيعي، حتى الفقه المقيت السطحي كما يسميه لبعض مشايخ الفضائيات العربية.
يقول أولمان دائما، بعد قراءاته وتمحيصه، إن إرتفاع اسعار البترول في سبعينات القرن العشرين، جعل السعودية تتحكم في سوق الكتاب الاسلامي وتروّج لمبادىء المتزمتين فقط في العالم. كما ساهمت الخومينية في ذلك إنتشار التزمت في الشرق الاوسط فقط لقصورها المالي. ويرى أن عذاب المسلمين بسبب ورطتهم، وصورتهم التي إهتزت في العالم الحديث لا يمكن التعبير عنها بالكلمات، لأنه ماذا يمكن للمرء أن يقول عن أولئك الذين في جهلهم التام ووقاحتهم المسعورة ونجاسة قلوبهم ُيخضعون حتى كلمة الله إلى البشاعة والتشويه. فمن سمح لهم بمقولة كل المسيحيين كفار؟ او كل اليهود اعداء الاسلام؟ هذا الامر لم يرد بالمطلق في القرآن. وإذا كان الناس يقولون أن هناك ازمة بين العصرية والتقليد، فالعصرية كانت موجودة حتى عند أوائل المفكريين المسلمين التقليديين، أما الازمة فهي التعتييم على الافكار ولمحات الفطنة والتفاسير العظيمة وإحترام الانسانية، المودعة في الكتب غير المُصرّح لها بالانتشار بين عامة الناس.
كانت نقطة التصادم الاولى بين أحمد أولمان وزوجته في بداية تعارفهما، كون المسيحية حسب رأيه ديناً يشبه قواعد هندسة اقليدس، من يقبله عليه الايمان به مثلما هو، أو يبحث عن دين آخر يرتاح إليه. اما أفكار شهود يهوه وتفاسيرهم فتقترب من طلاسم السحرة وخدع ألعاب الارقام وتأويل النص بما لا يحتمل. ولا يمكن أن يكون مسيحيا من يؤمن بأفكار شهود يهوه. فالمسيحية حسب المسيح تنبذ حرفية وعبادة النص وترفع قيمة الانسان.
- ولماذا تحولت إلى الاسلام؟ سألته زوجته بعد معرفتها بأمر إسلامه.
- التناقض والتفاسير نفسها الموجودة عند شهود يهوه. لا مصلحة سياسية أو مالية لي لأتغاضى عن طلاسم تفسير الماضي وحكاية المستقبل الاسطورية.
شعر آل ريتشاردسون إنهم يبحرون داخل سفينة تمخر المحيط بين رياح مواتية، بعد سفر رايفن إلى نيويورك، وبدا لهم إنها كانت صانعة العواصف التي لا تهدأ، بسبب ورطاتها المتنوعة كل بضعة شهور، ولا تكاد تنتهي من إحداها حتى تدخل في أخرى بدون أن توحي لها خبراتها السابقة بتوخي الحذر. ورغم إحساس الهدوء الذي سيطر على العائلة، كان الجميع يشتاق لها بسبب روحها المرحة وعدم وجود نوايا سيئة في قلبها تجاه أي إنسان، والجو الحماسي الذي كانت تبدد به تحفظهم وبرودة جلساتهم، حتى وهم على الغذاء يوم الاحد. وكان طبيعيا ان تكون أسرتها أكثر الناس إحساساً برحيلها، فليس سهلا على أب وأم ان يجدا إبنتهما بين ليلة وضحاها قد غيرت دينها ثم ذهبت بعيدا لتبدأ من جديد، وكان الاحساس نفسه عند أخيها وأختيها. اما أكثرهم تأثرا فقد كان والدها. كانت إبنته رايفن الكائن الأقرب إلى قلبه، رغم كل عيوبها ولسانها غير المنضبط، لأنها الأكثر حباً ورفقاً به. وطالما بكى وهو وحده عندما كان يتذكرها منذ أول مرة رآها بعد ولادتها، وهو لم يزل في عنفوان صباه، حتى أيام ضيقها الاخير الذي لم تبح بتفاصيله لأي مخلوق حتى إتخذت قرارها الكبير. كان الجميع بمن فيهم هو يرونها تتلقى الضربات ولا يستطيع احدهم عمل شيء، وكثيرا ما طلب من أفراد العائلة عدم الخوض في تفاسير أفعال لا يعرفون أسبابها الحقيقية، ما زالوا غير مستطيعين تقديم يد العون.
رغم وقوف عدد قليل من الناس حول منى في نيويورك، كانت النتيجة مرضية لأنها بدأت صفحة جديدة من حياتها بدون دفع أصغر عملة معدنية لتتعلم خبرة مختلفة في مكان آخر، ولم تهدر أي طاقة من شبكتها العصبية لتجد طريقها في هذه المدينة الكبيرة، التي يفخر فيها حتى حارس موقف سيارات بعمله الذي وصل إليه بعد جهد وتعلّم خبرة المكان ومنافسة كثيرين من جنسيات مختلفة يبحثون بدون كلل عن موطىء قدم في "مدينة التفاحة" كما يطلق أهلها عليها.
وجدت منى نفسها في مصرف بقسم السندات والاسهم بين اناس لا يكفون عن نصحها وتعليمها يومياً، والهواء الدافىء الاصطناعي يحيط بها وهي ترى نيويورك خلف زجاج البناية الشاهقة من مكتبها وهي تستحم شتاءً بالمطر الغزير، وتجد نفسها مرة أخرى والبياض يكسوها لكنه لا يصل إلى التأثير على سير الحياة فيها سوى مرات قليلة. كما كان يحيط بها أساليب تعامل فائقة التهذيب واناس يبتسمون دائما، ويقع على مقربة منها الشارع الأوسع شهرة في عالم المال "وول ستريت"، وترى من مكانها أيضا برجي التجارة العالمية، اللذان يعمل فيهما أهم وأكبر العقول المالية في العالم من عدة دول تقود الاقتصاد الكوني.
كان طبيعياً أن تفعّل منى علاقتها بأصحاب الدائرة الاولى التي وجدت نفسها فيها، وكانت خديجة الشربيني أقرب إنسانة فيها إلى قلبها. كانت منى تزور خديجة أحياناً اثناء ساعة الغذاء ظهراً في دكانها الكائن في مانهاتن وسط مدينة نيويورك، الذي تبيع فيه التذكارات النيويوركية وأهمها مجسدات أكبر ناطحات السحاب فيها، التي وضع صانعوها في بعضها ساعات لتكون أكثر من قطعة تذكارية صماء، إضافة إلى خرائط للطرق السريعة المهمة في الولايات المتحدة، وأشهر المجلات والصحف الاميركية وخرائط نيويورك، وهدايا صغيرة متنوعة وعطور محلية وعالمية، وبعض المشغولات والتماثيل الفرعونية وصحون النحاس والملابس التقليدية المصرية للنساء مثل العباءات المقصّبة. وكان يعاونها في البيع شاب من أصول هندية وفتاة مكسيكية. كما كانت المرأتان تتبادلان الزيارات المنزلية. وعرفت منى منها إنها تعرفت على زوجها اثناء دراستها، وجمعتهما الرؤية المشتركة للحياة التي تحولت إلى زواج بعد دخول زوجها الاسلام واطلاق إسم علي على نفسه، تيمنّا بالملاكم محمد علي، وهو حقيقة لا يعرف من الاسلام سوى عبارة "لا إله إلاّ الله محمد رسول الله"، فقد أسلَم لأنه أحبها فقط وهو في الواقع لا يهمه دين أو مذهب. وهي راضية ومقتنعة بحياتها وإبنتها تمارا وولديها سام وتامر الذين وصلوا إلى الدراسة الجامعية.
- ألم تفكرين بالعودة إلى وطنكِ بعد إنتهاء دراستك الجامعية هنا؟ سألتها منى.
- لا. تعودت على إسلوب الحياة هنا الذي ناسبني ولم يكن من الممكن التخلى عن التقدم والحرية وسعة الأفق والمرافق الحيوية. وجود هذه الامور يجعل الانسان لا يكره نفسه مثلما يحدث عندنا في الشرق الاوسط.
- كيف يكره نفسه؟
- إذا استيقظت صباحاً ولم تجدي المياه في الحنفية لتغسلين وجهك، فمن المؤكد انك ستكرهين نفسك وربما الحياة نفسها.
- وهل وافق أهلك على قراركِ بسهولة؟
- حدثت بيننا مشاحنات كبيرة، لكن الوقائع فرضت نفسها. ولا تنسين إنني سافرت لأستفيد من منحة دراسية بعد جدل وصل إلى حد إستشارة رئيس تحرير جريدة، وقد اقنعهم الرجل بوجهة نظري فسافرت.
- هل تقصدين بالوقائع زواجك؟
- لا. فقد إتخذت قرار البقاء هنا قبل ذلك بكثير.
- وهل إقتنعوا؟
- جاء أخي إلى هنا من أجل مستقبل أفضل.
- ما يعني صوابية رأيك.
- يواجه الشباب في بلادنا مشاكل كثيرة، أهمها عدم معقولية مدخول الشاب امام تكاليف حياة جديدة مستقلة عن أهله.
- لكنك لم تعملي في مجال دراستك!
- وجدت عند التخرج عشرات الالوف لديهم تخصصي نفسه. تنافس رهيب. عملت في وظيفة بعيدة عن مجال دراستي. أما هذا المحل فهو فكرة زوجي، لأنه وجده يناسب شخصيتي ومهاراتي، وانا أربح هنا أكثر من أي وظيفة، ويمر النهار وكأنني امارس هواية.
روت منى لخديجة، أو كما ينادوها ديجا، حكاية مقبولة عن ماضيها في لوس آنجليس ولم تقل الحقيقة كما هي، لأنها كانت واثقة أن ماجدة وأحمد أولمان لن يقولا كل شيء عنها، خصوصا الامور غير المستحبة، تلك التي كانت فعلا سبب تفكيرها في تغيير المكان بعد التحول الكبير الذي حدث في حياتها. وأسعدها كثيرا استقبالها بالاحترام بعد الاستخفاف، والحنان والتعاطف بعد حملات النقد من اهلها، وسخرية الاصدقاء والجيران منها، ومطاردة وارن تافت لها حتى بعد تحولها إلى الاسلام. كان الرجل على قناعة تامة بأن عرض زواجه سيجعلها تتراجع عن كل ما فعلته، وتبدأ معه صفحة جديدة، لأنه لم يحاول فهم ما فعلته على انه أمر نهائي عندها. كانت منى سعيدة بإسلوب حياتها ومضمونها وأصدقائها الجدد وإستقرار إبنها نفسياً، بعد ان كادت تفقده بسبب إدمانها وإسلوبها السابق.
وصلت منى إلى قمة رضاها عن حياتها الجديدة إلا قليلا، فقد كانت تفكر أحياناً في إختفاء الرجل منها، وهو أمر لم ينبع من زهدها في الرجال بقدر ما كان يكمن في البحث عن علاقة مستقرة نهائية، وعدم رغبتها في مغامرة عاطفية، أو مجرد رجل يساكنها لفترة تطول أو تقصر. ومن اجل ذلك الهدف وراحة إبنها، رفضت بحسم الزواج من مسلم أندونيسي هاجر ليعمل في الولايات المتحدة، وتعرّف عليها صدفة في منزل إحدى صديقات خديجة ونالت إعجابه، وتقدم ليطلب يدها عن طريق خديجة ، لأنه شعر بأنها هي الأنسب لعرض رغبته في الزواج من صديقتها، رغم إنها كانت أكبر منه بأربع سنوات.
رفضت منى بعد أن عرفت أنه يعيش بفيزا وتصريح عمل لمدة سنة، وهو يسعى للحصول على الجنسية الاميركية ليعيش في نيويورك بشكل نهائي، وخافت أن يكون الزواج وسيلته إلى هذا الهدف. وفسّر المقربون منها هذا الامر بأنه طبيعي في الولايات المتحدة، ويبدو انها لم تسمع به من قبل، لكن المهم هو نية الرجل الثابتة في الزواج منها. لكن منى كانت قد سمعت بهذا الامر في كنيسة خالها لوقا، وعرفت بعض المشاكل التي تتمخض عن ذلك النوع من الزيجات، لو كانت نية الرجل هي الحصول على حق المواطنة فقط، ثم يأتي الطلاق بعد ذلك. خافت من خوض تجربة لعدة سنوات، سرعان ما يطلقها زوجها بعدها عندما يصبح مواطناً، وقد تواجه الحياة بعدها ربما مع طفل آخر، ولقب أرملة ومطلقة، ما يجعلها عرضة مرة ثانية هدفاً لمن يرغب في قضاء وقت مع أنثى، بينما هي تبحث عن علاقة دائمة. كانت منى تبحث عن غرام حقيقي بعد مشوارها الوعر، وتشعر في داخلها أنها تستحق ان تجد ما تنتظره، بعدما تطهرت من الامور التي لوثتها، وأقسمت لنفسها انها لن تعود إليها، بينما العمر يركض بعد الثلاثين.
شعرت منى في أول زيارة لها إلى لوس آنجليس وهي بين أهلها إنها قد بعدت عنهم كثيرا، وأصبحت إنسانة اخرى إندهش حتى ذويها منها. تحولت رعونتها وميلها الطبيعي إلى النشاط الزائد، إلى هدوء وإستقرار حتى في جلستها التي كانت لا تزيد عن بضع دقائق في مكان واحد. كانت تتحدث بهدوء ولا تحرك يديها أو عضلات وجهها. تستمع جيدا قبل الاجابة، ولا تقول ما في ذهنها بدون الاستماع لمحدثها مثلما تعوّد الناس منها. كما شعرت بمرور الوقت الذي جعل أفراد أسرتها يتقبلونها ويستقبلونها بإشتياق وود ظاهرّين، ولم يعد أحد يناقشها في ما فعلته كما كانوا سابقاً، وإن ظلت خالتها نانسي على حالها ونظرتها المعتمة إليها، بينما كان تعليق خالتها تاتيانا الوحيد هو إنها مازالت تبدو جذابة حتى بثيابها المحتشمة، وأن غطاء الرأس الذي تضعه يذكرها بممثلة نسيت إسمها، كانت من هواة وضع مثله احياناً وكان يزيدها إثارة وغموضاً. وكأي إمرأة جعلت هذه الملاحظة منى تتأمل نفسها كثيرا في المرآة، وتستحسن ما لاحظته خالتها عليها، وتفكر في ما قالته هي شخصياً في جامع الملك فهد عن النساء اللاتي يرتدين نوعية ثيابها الحالية، ورأت وهي ترتدي ما يشبه الثياب نفسها التي سخرت منها ذات مساء، إن الجاذبية لا تعني ابدا إبراز الجزء الاعلى من النهدين أو الفستان القصير المشقوق الذي يبرز مفاتن الساقين، لأن الجاذبية الجنسية قد تكمن في ملامح الوجه ونبرات الصوت والاداء الجسدي، فلا شيء يمكنه ستر الجمال عن العين التي تريد إستكشافه. وقد تضرم الحشمة أحياناً نار الشهوة في عيون الرجال الذين شبعوا من اللحم النسائي المعروض مجاناً، والمُعدل بأصابع جراحي التجميل أحياناً أو بخدع الصدريات والملابس الداخلية، التي ترفع وتخفض ما تريده المرأة في جسدها. وقد حدث ذلك معها هذا الامر عدة مرات في نيويورك.
- على فكرة.. أريد أن اشكرك على المساعدة المالية التي تصلني شهرياً منك. قال دون بريدا لإبنته.
- بل إشكر ظروفي المواتية الآن. لقد وصلت إلى مرحلة الافلاس والاستدانة المُذلة هنا.
- وقد تجعل الظروف الناس ينسون احياناً.
- لا يمكنني نسيانك.
- هل أنت راضية؟
- كثيرا.
- وأنا سعيد من أجلك.
- هل تود زيارتي في نيويورك؟
- نيويورك؟ أتمنى ذلك.
قياساً إلى سعادة قلب أي إنسان آخر غير دون بريدا تجاه تحسّن أوضاع منى، كان سرور ماجدة هو الأكبر. فقد كانت تسمع من زوجها عن أحوال صديقتها، وتقرأ بريدها الالكتروني وتتحدث هاتفياً معها من آن لآخر، لكنها لم تتخيل ان رؤيتها بالرونق والانسجام الداخلي الذي لاحظته عليها أثناء زيارتها للوس آنجليس. أحسّت ماجدة بشكل ملموس أن منى لم تغيّر زيها الخارجي فقط، بل تغيرت روحاً وسلوكاً. واكدّ لها زوجها صحة ما شعرت به لأنه شخصيا لمس الفرق الذي قالته له زوجته، وزاد بأنه يحسدها على يقين المؤمنين البسيط الواضح الذي تنعم به.
- لقد إقتفيت خطواتك بعدما إقتنعت بما تفعله وتؤمن به. قالت ماجدة لزوجها.
- ماذا تعنين بكلامك؟
- اعني أنك تحولت إلى الاسلام بعد قناعة عقلية خاصة لم تبح بها حتى لي.
- ولم أطلب منكِ ولا مرة أن تتحولين إلى الاسلام.
- لأنك رجل متنور، وهذا ما جعلك حبي الكبير.
- لكني أشعر بأن كل ما أفعله لا جدوى منه. التيار المضاد أقوى مني بكثير.
- إرجع لقضايا المال والافلاس والهجرة، ما زلت تحسد منى على بساطة ايمانها.
- لا استطيع شخصيا التراجع عما أفعله بعد كل الذي عرفته. كأن الامر إدمان!
- هل يمكنك الرجوع إلى لحظة إيمانك البسيط؟
- كانت لحظة بدت بسيطة لكنها جاءت بعد تفكير.
- دع إيمانك لنفسك.
- لا استطيع فقد بدأتُ سجالات وكتبتُ مداخلات لا يمكنني التراجع عنها.
- وأنت مقتنع بها.
- هذا مؤكد.
- إذاً .. لماذا الاحساس بعبثية ما تفعل؟
- لأن بعض الصفوة معي والشارع مع المتزميتن. مفعولهم المالي أقوى. مصالح الناس معهم والناس لا يهمهم الحقائق بل المصالح.
- وقد يتحول الشارع إلى صف المتنورين يوماً.
- المتنورون يملكون قلماً بطيء النتيجة، لكن المال أو السلاح يؤثران بشكل أسرع.
- كيف؟
- تنقل كل الشاشات ما يفعله أي موتور بطلقة رصاصة، لكن مناسبة أو اهداف محطة تلفزيونية معينة قد تدفع مقدم برامج إلى إستضافتي.
- وما الفرق ما زال كلاكما أمام الرأي العام؟
- يجعل الجوع بعضهم يحذون حذو الموتور على انه مثال يُحتذى، لكنهم يتثائبون من حواري بسبب معدتهم الخاوية.
- انت مخطىء. الناس متعطشون إلى المعرفة.
نبعت فرادة احمد أولمان كمسلم خُلاسي في المجتمع الاميركي من عدم إنتمائه إلى تيار السود الذين تحول معظمهم إلى الاسلام، كحركة إعتراضية من السود الاميركيين على من إستعبدهم، وبينت هذه الحركة عن نفسها بشكل واضح في المعنى العنصري لحركة إليجا محمد في النصف الثاني من القرن العشرين، التي سرعان ما صححها تلميذه الذكي مالكوم إكس الذي مات إغتيالا، وإبن إليجا محمد نفسه ولويس فركان زعيم "أمة الاسلام"، الذين نجحوا إلى حد ما في إلغاء فكرة العنصرية عن الاسلام الاميركي عند السود، حتى لا يتحولون إلى أعداء للمجتمع الذي لن يلومنه أحد إذا حاول تهميشهم بصفتهم عنصريين.
كما رفض تماما فكرة الانضمام للإخوان المسلمين، رغم تغلغلهم في الجامعات ومراكز الابحاث ومحاولاتهم دخول مراكز القرار في المطبخ السياسي في واشنطن، لأنه تحول إلى الاسلام بدافع الايمان بنظرية متكاملة، وكان أقرب إلى الخط الفكري للكتّاب الاسلاميين المتنورين، الذين يناهضون التيار المتشدد في الدول الاسلامية، الذي له مدارس في أوروبا وأميركا أيضا، ويعظ مشايخها بأن دول القارتين مادية لا تقيم وزنا كبيرا للمعاني الروحية التي يتمتعون هم بها، وزرعوا في نفوس مريديهم العداوة تجاه هذه الدول، رغم إنها آوتهم عندما ذهبوا إليها هربا من النظم السياسية التي يحاربونها في بلادهم الاصلية وحاربتهم بضراوة.
كان أولمان يزعجه حياة معظم المسلمين المتحدرين من أصول عربية في الولايات المتحدة، لأن إسلوب تعاملهم مع المجتمع يجعلهم علامات إستفهام غير مفهومة بالنسبة له شخصياً، فهو يعتبرهم هامشيين يسعون على أقصى تقدير إلى تحقيق امالهم الشخصية التي لم يستطيعون تحقيقها في وطنهم الام، وبعضهم يحولون ما يربحون إلى تلك الاوطان ليعودون إليها عند التقاعد أو الاكتفاء المالي.
كان أولمان يراهم متجنسين موقتين لا يؤثرون أو يتمازجون في المجتمع الاميركي، حتى مع السود الاميركيين الأقرب فكرياً وعقائدياً لهم، ويتعالون على الجميع بجذورهم الحضارية والدينية، فيذهبون إلى مدارسهم الإسلامية ومساجدهم ومحلات بيع الاكل الخاصة بهم، ويلجأ المحتاجون منهم إلى المؤسسات الخيرية الإسلامية.
رغم سعادة منى وإبنها أحمد عادة بالاجازة التي يقضونها في لوس آنجليس بعد غياب عنها لبضعة شهور، فقد لاحظت هذه المرة أن إبنها يريد العودة بسرعة إلى نيويورك، وبدا كأنه يريد من الايام الخمسة أن تمر بأقصى سرعة، وقدرت أمه انه قد إشتاق إلى ألعابه وغرفته وأصدقائه الذين يقضي معهم أحياناً فترة بعد الظهر، وكان يوافقها على ما تقوله وهما في كاليفورنيا، لكنها فوجئت به وهما في طريق العودة بالطائرة يقول لها إنه كان يخشى أن تلتقي بأحد اصدقائها القدامى، خصوصاً وارن الذي يعرف كيف يؤثر عليها، فتعود إلى سابق حياتها وتهمله ويخسران كل الاشياء الجميلة والناس المحترمة الذين يحيطون بهما. ولم تعلّق منى على ما قاله بحرف.
لم تندهش منى مما قاله إبنها احمد، لأنها تلاحظ منذ فترة انه يغادر ملامح الطفولة ويستفسر بحشرية ويسأل عن معنى كل ما حوله، ويستمتع بطعامه ولعبه وسماعه للموسيقى والاغاني. وكان الاستمتاع يثير خوفها، لأنه يجعله أقرب إلى أبيه ليس فقط من ناحية الملامح الخارجية، لكن من ناحية السلوك والطريقة الدخلية في التعاطي مع الحياة. كان أحمد يمضغ طعامه على مهل ويتذوق العصير بتأن قبل إبتلاعه، ويشاهد بعض برامج التلفزيون وهو غائب تقريباً عن كل ما حوله. وسألته امه يوماً عن سبب تأنيه وتذوقه ومتابعته للبرامج بمتعة، فقال إنه طالما سأل نفسه في الماضي: لماذا تشرب أمي الكحوليات وتأكل وتتحدث مع الرجال وكأنها مثل آلات الغسيل الآلية الموجودة في الطابق الاسفل من المجمّع السكني؟ ولماذا لا تستمتع بما تفعله؟ وإذا كانت لا تستمتع فلماذا تتورط يوميا في ما لا يعجبها؟
- لماذا تتعاطى الأفيون؟ سألت رايفن يوما رون.
- لسببين؟
- وما هما؟
- لأنه يجعلني أشعر بالمتعة، كما يجعلني آمل وانا اتعاطاه بلقاء الآلهة في لحظة ما؟
- وهل تؤمن بلقاء الآلهة بهذا الاسلوب؟
- قال أحدهم لي أن الافيون يحرر الروح من الجسد ويجعلها تغادره وتعود إليه بعد زوال مفعوله.
- ولماذا لا يلاقي السكران أي إله ممن تتحدث عنهم؟
- لأن السكران يضيع في عالم خيالي يتمنى فيه عكس ما يعيش. السكران يذهب إلى قاع ذاته، بينما ينطلق متعاطي الافيون نحو افاق أعلى.
- وضّح لي.
- إذا كان السكران مديوناً تؤهله الخمرة إلى التفكير بربح جائزة يناصيب أولى قريباً.
- وإذا كان بدون عمل؟
- يأمل من الاسبوع الجديد بعمل لم يحلم به من قبل.
- كيف وصلت إلى هذه التحليلات العجيبة؟
- سمعتها من بعض الاصدقاء.
- قل لي صفة واحدة يتميز بها الافيون عن باقي ما يدمنه الناس.
- لا تنسي إنك مدمنة خمر. وكل شيء له خطره! على أية حال، يُستعمل الافيون في غرف العمليات لعمل الخير وإزالة الاوجاع الرهيبة ومشاكل الجسد.
- يُقال إن الخمور كانت تُستعمل قديما للسبب نفسه.
- وايضا الضرب على الرأس. لكن الافيون وحده يجعل الانسان عرضة للقاء الآلهة.
طالما تذكرت منى رون بسبب ابوته لإبنها. كانت الصورة الحية الموجودة أمامها تدفعها دفعاً لتذّكر النسخة الاصلية. وأحياناً كانت تراه في عيني أحمد وطريقة سيره وإسلوبه في الحياة. فهو صبور مثله ويقابل الدنيا بتفاؤل وعنده قدرة غير محدودة على الاعتماد على نفسه، والتعلّم من كل تجربة وعدم التأفف منها. كان الرجل الوحيد صاحب الاثر الذي لا يُمحى من حياتها، ولم تزل تتذكره بحنان رغم مرور سنوات على رحيله اثناء رحلة كان يطمح فيها لرؤية الآلهة وضل طريق العودة للارض. ولعل هذه الرحلة كانت السبب في روح التشاؤم التي سيطرت عليها، رغم ايام البحبوحة التي عاشت فيها مع وارن، وجعلتها تبتعد عنه رغم محاولاته المتكررة للعودة إليها، فقد تتسبب "زهرة الالهة" في رحلة لا عودة منها خلف القضبان.
لا شك أن مساعدة علي ماكهيل وخديجة كانت السبب المباشر في الحياة المستقرة التي عاشتها منى، التي كانت تعتبرهما جزءاً من اسرتها الجديدة في نيويورك، وتحبهما بشكل عميق يشبه حبها لماجدة وزوجها. كانت تزورهما مع إبنها وتتحدث معهما لأن علي كان يختلف عن احمد أولمان، الغارق دائما تحت وطأة كتاباته وقراءاته وعمله. كان علي يجلس مع زوجته اثناء زيارتها لهم ويتبادلون الحديث بشكل عادي فيه الكثير من المودة والطرافة. وكان علي ماكهيل ينتمي إلى الطراز الاميركي الشعبي، كصاحب مصبغة ضخمة لتنظيف وكي الثياب، وتختلف طريقة تفكيره تماما عن أولمان، فقد كان يسألها عن أمور حياتية عادية ويتبادل معها النكات، وسألها يوماً عن أهم الطرق لإستثمار المال حسب خبرتها المصرفية، وقالت له بأنه إختار الأفضل فالمشروع الصغير هو سيد السوق.
تعلمت منى من خديجة كيف تحتفظ بملاحظاتها الخاصة ولا تقولها للناس، بل تطلق في وجوههم ما يحبون سماعه فقط. وشرحت الاخيرة لها بأن ذلك هو النفاق الاجتماعي، غير المكلف والمطلوب للنجاح، الذي يصنع شعبيتها بين الناس. وكانت خديجة تستعمل الاسلوب نفسه مع زبائنها وتقول للمتردد حيال شراء قطعة معينة، بينما عينه على أخرى، انها لو كانت مكانه لأختارت ما يركز بصره عليه فعلا. كما كانت تستقبل ضيوف غذاء الاحد في منزلها وهي مبتسمة وبألقاب يرتاحون إليها وتعجبهم، فهذا سيد الاناقة، وذاك مهندس الثياب المتناسقة، وهذه ملكة إختيار العطور، وتلك سيدة اللون الليلكي. وكانت خديجة وزوجها ممن لا يطيقون تناول الغذاء يوم الاحد بمفردهما. كانا يدعوان الاصدقاء ويلبيان الدعوات. وكثيرا ما كانت منى تشاركهما هذا الغذاء بناء على تلفون مساء السبت من خديجة تتمنى فيه عليها مشاركتهما مع إبنها تناول الطعام ظهر اليوم التالي.
- انكم تقدمون الخمر وتشربوها. قالت منى لخديجة يوما اثناء تحضير الغذاء مع إبنتها زهرة.
- ونحتفظ بأنواع مختلفة منها في منزلنا.
- لكن هذا محرّم.
- يا عزيزيتي أنت في أمريكا. ثم أن معظم المسلمين يشربوها خفية. فهل شربها خفية حلال وشربها علانية حرام؟
- هل تحبين الحياة في نيويورك فعلا يا ديجا؟
- من كل قلبي.
- لماذا؟
- لأن نيويورك كانت فأل خير في حياتي. وأنت؟
- أحببتها رغم توجسي منها في البداية. وأنت؟
- انا من عشاق هذه المدينة قبل أن أكون من مواطنيها.
- هل تشعرين حقا إنك مواطنة؟
- بكل تأكيد.
- ووطنك الذي جئت منه؟
- يا عزيزتي.. انا أؤمن بأميركا وأختنق إذا بعدت عن نيويورك.
- هذه أول مرة أسمع ذلك من أميركية ذات اصل عربي.
- إذا كان غيري يشعر بأنه سائح هنا أو مجرد متجنس، يجب أن يعود إلى بلده. وجوده هنا سيسبب له إنفصاماً عقلياً.
كان رأي خديجة هذا سبب تجذّر علاقة أحمد أولمان وخديجة كصديقين يجمعهما فكرة تشبه العقيدة، رغم عدد اللقاءات القليلة بينهما، والمسافة الكبيرة بين شرقي الولايات المتحدة وغربها. جمعهما تفاهم عميق وثقة كبيرة وأحاديث تلفونية ومراسلات لا تنقطع بالبريد الالكتروني، كما كانت تتصل به احيانا لتنصحه بشراء مجلة معينة قرأت مقالاً أعجبها فيها. وكان يستفسر منها من وقت لآخرعلى بعض المعاني التي تلتبس عليه عند القراءة، لأن الترجمة أحياناً لا توضح الكثير، كان يثق في ثقافتها وجذورها العربية التي تتيح لها فهم المقصود تحديدا من مصطلح ما، وكان يثق في ما تقوله بشكل مطلق.
كان أولمان يقدّر فيها تحررها وقناعتها بثيابها، ويرى فيها نموذج المسلّم العربي الذي إندمج في المجتمع الاميركي، وأصبح يتأثر بالامور الجيدة فيه، ويستفيد من الحقوق التي يكفلها الدستور له كمواطن، بدلا من العيش كمغترب يحياً على طقوس بلد آخر وعاداته الاجتماعية، ويهرّب نقوده بطريقة ليشتري بها عقاراً أو يعمّر فيللا في ما يعتبره بلده الاساسي، أو حسب ما قاله له يوما احد المغتربين العرب إنه يعتبر الاردن أمه التي لا يستطيع إنكار أمومتها، بينما أميركا هي زوجته التي يقدر أن يطلقها وقت ما يشاء بدون عتاب. وعندما حشره أولمان بحقيقة ما منحته أميركا له ولم يحصل عليه في الاردن، أجابه بإصرار بأن أميركا لم تعطه، لكنه عمل بكد فيها، وهذا كل ما في الامر.
- ما هي المجلات التي تقرأينها هذه الايام؟ سأل أحمد أولمان خديجة على الهاتف.
- لا مجلة محددة لأن التفاهة أصبحت سيدة الموقف.
- حكم قاس جدا؟
- حتى أغلفة المجلات الرصينة أصبحت تشبه صحف الفضائح. الجميع يركضون وراء خبر مثير؛ عضو كونغرس سابق متهم بتبييض أموال.. ممثل مشتبه فيه بقتل زوجته.. مطرب إستعراضي يمارس الشذوذ الجنسي مع قاصرين..
- وكيف تقرأينها؟
- انت تعلم أنني ابيعها عندي في المحل، ما يتيح لي إختيار موضوع جيد من أي مجلة والاطلاع عليه.
- ما سبب هذه الاجواء حسب رأيكِ؟
- أصبحنا مترفين أكثر من اللزوم. لم يعد لدينا أي مشاكل بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.
- القوى العظمى الوحيدة.
- أخشى كثيرا من الترف، فكل الامبراطوريات تضعضت بسببه.
- وهل سَرَكِ أننا اصبحنا سادة العالم؟
- امر مؤكد. على فكرة هناك سادة معنا أيضا، لكن بدون تهديد نووي لنا وحروب باردة وساخنة. كم مرة ترى في اليوم الواحد "صُنع في الصين" في أي محل في كاليفورنيا؟
- صحيح.
- سألتني عن القراءة وجاء دوري لأسألك عن السينما..
- أفتش عن فيلم لا مشاهد عنف فيه أو حروب خيال علمي لن تحدث لأنه لا يوجد غيرنا في هذه المجرة.
- هل انت متأكد؟
- إذا كان هناك مخلوقات فأين هم؟
- والاطباق الطائرة؟
- هل يُعقل إنهم بهذه القوة وعلى هذا المستوى العلمي ويأتون إلينا كمتلصصين؟!
- وما هو تفسيرك لأفلام حروب الكواكب؟
- قد يستعمر البشر القمر بعد قرنين، ويحاربون بعضهم بعضا بين القمر والارض، كما هي الحال بين الدول. لا حرب بين كواكب.
تميزت الانتخابات الاميركية التي جرت في نهاية الألفية الثانية بوصول إبن رئيس سابق إلى المكتب البيضاوي في البيت الابيض، للمرة الثانية في تاريخ الامة بعدما حدثت في المرة الاولى عام 1824، عندما ربح جون كوينسي آدمس كرسي الرئاسة وكان إبن الرئيس الاميركي الثاني جون آدمس، الذي خلف جورج واشنطن. وأقسم جورج دبليو بوش اليمين كرئيس يحمل الرقم الثالث والاربعين، بعد فوزه بدون نسبة شعبية كبيرة، وتعادل أصوات اعضاء الكونغرس بينه وبين منافسه آل غور، وإعادة فرز الاصوات في ولاية فلوريدا، بعد حدوث بعض الالتباسات في الفرز الاول.
ورغم أن تلك الانتخابات قد شارك فيها مرشح مستقل من أصول عربية هو رالف نادر، رجل الاعمال اللبناني الاصل، للتنافس على الرئاسة الاميركية، إلاّ ان الاميركيين العرب أعطوا أصواتهم الانتخابية لجورج دبليو بوش لإعتبارات سياسية، ترى إنه لو جاء رئيسا فسيكون الامر للمصلحة العربية بشكل عام. كما أن وجوده في المكتب البيضاوي في البيت الابيض سيكون لصالح القضية الفلسطنية، حسب ما أعلن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وكان أعلى أصوات المسؤولين العرب، التي تنادت وحثت الاميركيين المتحدرين من أصول عربية والمتجنسين بالادلاء باصواتهم الإنتخابية للمرشح بوش الابن. وقد رأى احمد أولمان أن هذه بادرة طيبة توحي بأن الاميركيين العرب على وشك الاحساس بمواطنتهم للبلد الذي يعيشون فيه، بغض النظر عن الصفات التي ترّجح مرشح عن آخر. وسأل أولمان خديجة عن مصير صوتها الانتخابي، فردت بأنه لآل غور، وهو إختيارها الشخصي كمواطنة اميركية.
حاول أحد العملاء المعجبين بمنى التقرّب منها بعدما سبق وقال لها ملاحظات رقيقة، فهمتها هي على انها مجاملات عمل ليس إلاّ، لرجل يتعامل دائما مع المصرف من خلالها، لكنها رفضت العرض بشكل لطيف عندما عرفت إنه مُطلّق ولديه ثلاثة اولاد.
- ما هو سبب رفضكِ؟ سألتها خديجة.
- الرجل مُطلّق.
- وما العيب في ذلك؟
- نفسيتي لا تقبل هذا الموضوع.
- لكنه أمر طبيعي في الاسلام.
- أعلم. لكن هذا الشيء لا استطيع إبتلاعه.
- أنت بحاجة إلى رجل متمول مثله لترتاحين بقية حياتك.
- أعلم.
- ولماذا ترفضينه؟
- كما قلت لك.
- لكن الرجل يقبلكِ مع إبنكِ.
- يبدو لي أن حياتي أفضل بهذه الوضعية.
- هل يمكنكِ الزواج بأرمل؟
- ربما.
لجأت منى إلى ماجدة، التي فسرت رفضها بعدم وجود نوع من الانجذاب الجسدي الصاعق تجاه الرجل الذي تقدم بطلب يدها، وكان شرارة كل علاقاتها السابقة مع الرجال، ونصحتها بالتفكير العميق وبطريقة واقعية لفترة أطول، لأنها تخطت بعمرها وخبرتها في الحياة مواضيع المغامرات الغرامية الصاعقة التي كانت تعيشها، لكنها لم تزل موجودة في مكان ما في عقلها.
تأثرت منى كثيرا بحجج ماجدة والاسلوب الذي تحدثت به بطبقة صوتية فيها التمني والرجاء، خصوصاً لأنها سمعتها لأول مرة، تتحدث عن الامور الجنسية والعلاقات بين الرجال والنساء خارج الزواج، وهي الانسانة الجدية أكثر من اللزوم، التي جعلتها هذه الصفة بعيدة عن إستشاراتها النسائية سابقاً، لكنها طلبت رأيها هذه المرة لحاجتها لعدة اصوات في أذنيها تؤنسها في وحدتها وتعينها على إتخاذ قرار. كما طلبت بحرارة احياناً عقب صلاة الفجر أن يعينها الله على الاختيار، ويلهمها إلى ما فيه الصواب. ورغم إنها صاحبة ماض كانت تأخذ فيه بشجاعة قرار الهجر والغرام وتبادل ملذات الجسد، وحتى المساكنة لو أعجبها احدهم، فقد تلاشت هذه الجرأة تماما من حياتها.













الفصل الخامس




- هل أنت مايكل وودز نفسه الذي يتحدث معي هاتفياً؟ سألت منى رجلا اثناء الاحتفال بمناسبة ميلاد أصغر ابناء خديجة في أحد مطاعم جيرسي سيتي للوجبات السريعة، المخصص جزء منها للأطفال.
- وهل أنت منى نفسها؟ سألها الرجل بدوره.
- يناديني الموجودون "مو" كما تسمع، وهو إسم لطيف. نوع من التدليل.
- ويحدث هذا الامر كثيراً.
- هل أنت صديق علي أو خديجة؟
- خديجة. ومن لا يعرفها في مانهاتن؟
- لكنني لم ارك ولا مرة في منزلهم أو في المحل.
- لأنني مشغول دائما. هل أنت صديقتها ايضا؟
- وأصبحت صديقة للعائلة من خلالها.
- هذا أمر طيب.
- لقاؤنا هنا صدفة جميلة على ما أعتقد.
- وستجعلنا نتحدث هاتفيا وكل منّا يعرف الآخر، بدلا من الحديث مع مجرد صوت.
- على فكرة.. صوتك في الهاتف يعطي إنطباعاً بأنك أكبر عمراً.
- هل تظنين بوجود علاقة بين الصوت والعمر؟
- أكيد.
- كيف؟
- صوت عجوز لا يشبه صوت شاب؟
كانت منى تتحدث مع مايكل في تلك الامسية، وبادرت بسؤاله عن شخصيته لتتحقق منه، وهي لا تدرك تماماً ما الذي يحدث في نفسها، ولا تستطيع وقف عينيها عن تأمل ملامحه التي تشع منها رجولة من نوع خاص. رجولة فريدة غامضة لا علاقة لها بالجاذبية الجنسية أو تناسق الملامح الخارجية أو طريقة التحدث مع المرأة، ولم تدر لماذا شعرت إنه شخصياً ينساب كضوء في كل جسمها ولا ينعكس على شبكتي عينيها فقط. لم تعرف لماذا اُخذت بهذه الطريقة وهي تتحدث معه، ولأول مرة في حياتها تشعر بالخجل وهي تتحدث مع رجل نال إعجابها، لدرجة إنها تلعثمت بسبب الحياء الذي سيطر عليها فجأة. كما لم تعرف لماذا تمنت من كل قلبها حدوث أي شيء يجعل حديثهما يمتد وقتاً أطوّل.
- هل تريد التعرف على إبني؟ قالت له بصوت فقدت السيطرة عليه فخرج مبحوحاً.
- بكل تأكيد. كم ولداً لديك؟ سألها مايكل.
- واحد.
- هل هو مع أبيه؟
- انا أرملة.
- هل ملّ زوجك منكِ بهذه السرعة فرحل؟
- توفي بسبب حادث وليس مللا.
- هل هذا ما حدث فعلا؟
- نعم، وإلاّ كنتُ في السجن.
- لكن لا إمرأة تُسجن إذا قتلت زوجها سأماً. قال مايكل وهو يضحك.
- هل انت دائما تمزح بهذه الطريقة؟
- انا أسخر من ظروف وفاة شاب بهذه السرعة، فمن المرحّج إنه كان في مثل عمرك.
- أكبر قليلا.
- هل أنت من طائفة السيخ؟ سألها مايكل وهو يتأمل ملابسها.
- لا أعرف ماذا يرتدي السيخ. انا مسلمة.
- لنذهب إلى إبنكِ.
ذهبت منى ومايكل إلى ركن كان الاولاد يضجون فيه، ويلعبون بطريقتهم التي لا تخلو من العنف أحياناً، وكان أحمد يقف وينفخ في ماسورة بلاستيكية تخرج منها فقاقيع صابون تطير في الهواء، ويحاول بعض أترابه المتحلقين حوله اللحاق بها، بينما هو يحاول النفخ بقوة أكبر لتطير فقاقيعه أعلى من أطول المتنافسين على تبديدها بأصابعهم.
- أحمد. نادت منى بأعلى صوتها.
- أي ولد منهم هو؟
- صانع الفقاقيع.
ذهب مايكل بنفسه ليحضر ابنها من بين المتدافعين والصائحين، الذين لم يقبلوا بخروج زميلهم بدون إعطاء قطعته البلاستيكية المسلّية لأحدهم، ورفض أحمد قائلا انها ملكه، لكن مايكل إنحنى واخذها منه بهدوء وأعطاها لأحد الاولاد وهو يقول له أن امه تريد رؤيته. وخرجا من المعمعة والفقاقيع تتطاير فوق رأسيهما والايادي تحاول لمسها. ولم تشك منى لحظة في أن مايكل متزوج ولديه اولاد، نسبة إلى الطريقة التي تصرف بها.
- السيد مايكل يريد التعرف عليك. قالت منى لإبنها.
- تشرفت بمعرفتك.
- وانا أيضا.
- هل تعمل مع السيد علي في المصبغة؟
- ولماذا لا أكون زميلا لأمك في العمل؟
- لأنها لم تذكر أحدا بهذاً الاسم يعمل معها في البنك.
- تحليل رائع.
سألت خديجة منى عن كيفية معرفتها بمايكل، فقالت لها أنه من العملاء دائمي الاتصال بقسمها في المصرف، بسبب عمله في شركة مالية متخصصة في بيع وشراء السندات والاسهم. وهي تعرفه بشكل جيد من خلال الهاتف، ولم يسبق لها رؤيته. وقد إنتبهت إليه حين ناداه احدهم بإسمه كاملا. كما عرفت منى منها إنه زبون دائم لمحلها، ويشتري بعض المجلات الإقتصادية إسبوعياً، ومن هواة جمع التذكارات المتميزة الصغيرة، ويهوى العطور الاوروبية، وهو شخصية ظريفة، دائم الابتسام، ويعلم قوة تأثير السؤال عن أمور الانسان الشخصية مثل أولاده وصحته ومشاكل عمله، وهي أسئلة يغفلها معظم الناس في المجتمع الاميركي، ويندهش معظمهم حين يُسألون عنها من إنسان لا يمت لهم بصلة قرابة أو صداقة متينة.
لم تستطع منى الجزم في تلك الليلة إذا كان إحساسها إتجه نحو هذه الشخصية الراقية، بعدما تطهرت وإستطاعت استعمال حواسها بطريقة مختلفة، أو انها كانت يمكن أن تشعر بالمودة نفسها تجاهه حتى في ظروفها السابقة. شعرت بأنها قد إنتقلت من لقاء شخصيات الاماكن الرخيصة بأجوائها وروادها التي تعودت التردد عليها، إلى الجلوس في مكان فخم بين اناس يتحدثون بأصوات هادئة وألفاظ مهذبة، لكن بعد فوات الاوان. فالرجل لم يبد حتى أي لمحة إعجاب بها، وكانت نظراته إليها محايدة تماماً، والمرجّح كما إعتقدت أن يكون متزوجاً من إمرأة تشبهه، أو قد يكون زيها السبب لأنها تختلف عن دينه وتبدو للعيان محافظة على إسلامها وسلوكها.
كانت منة ببساطة قد تغيرت ولم تعد تستطيع ممارسة أساليب غِواها الصريحة القديمة، التي لم يفلح أي رجل في الصمود امامها. وتساءلت في ما بينها وبين نفسها، وهي تقف امام المرآة في تلك الليلة قبل الذهاب للنوم، لماذا يرى الانسان ما يغيظه في الحياة احياناً؟ ولماذا يقابل بعض الناس في اوقات لم تعد تناسب ظروفه؟ وهل الندم هو رفيق مشوار حياتها دائما؟
ولد مايكل وودز عام 1965 وعندما قابل منى كان في السادسة والثلاثين من عمره. أعزب لكنه يعتبر نفسه متزوجاً بشكل ما. يعمل في برج مجمّع التجارة العالمي الجنوبي، في الطابق الرابع بعد المائة، في شركة تسوّق السندات وتقدم استشارات التوظيفات المالية وتنصح العميل بشراء أسهم معينة في السوق، أو جزء من سلة بضع شركات تؤمّن عدم خسارة ماله في حال إفلاس أو حدوث خسائر لإحداها.
عاش مايكل طفولة متواضعة لكن مستقرة بين أسرة كبيرة العدد يبلغ عدد أخوته فيها سبعة، على عكس ما هو معروف عن المجتمع الأميركي الذي لا تنجب معظم اسره أكثر من مولودّين ما عدا العسكريين الذين ينجبون أكثر من طفلين، ولعل أصولهم الريفية الاسكتلندية هي السبب وراء هذا العدد الكبير من الابناء، لأن والديه لم يكونا حتى من الاميركيين الريفيين الميسورين الذين يهوون ضخامة الاسر. كان ابوه فينسنت مجرد موظف في البريد الفيدرالي، أمّا امه فربة منزل مُتعلمة مثقفة مثل أبيه فكلاهما كان من هواة شراء الكتب وإستعارتها من المكتبة العامة القريبة من منزلهم.
- ماذا تنوي تسمية هذا المولود؟ سألت آني زوجها فينسنت بعد ساعات من ولادته.
- مايكل-آرثر.
- وهل تنوي فعلا إطلاق اسم مرّكب على جميع أولادك؟
- الاسم المرّكب له وقع جميل على الاذن.
كان مايكل هو المولود الثالث بعد أخويه دون و بِن، ومن بعده جاء وليام ودايفيد وفيليب وسارة. وكان جميع الاولاد بصحة ممتازة عكس الاب الذي لا يمكن أن يوحي شكله الخارجي بأنه والد هذه القبيلة الصغيرة، لأنه كان دائم التعرض لنوبات مرضية، وكان طبيبه هو شفيعها الذي جعل النجاح حليفه في التخلص منها. ولم يحدث ولا مرة أن غيّر فينسنت مستشفاه او طبيبه، وكأنه كان مطمئنا لدورية مرضه وقوة مُعالجه.
رغم أن كرة القدم (الاوروبية كما يقولون عنها) ليست رياضة شعبية في الولايات المتحدة، كان مايكل من هواة ممارستها بإيعاز من والده الذي كان يشجعه ويذهب معه في أيام العطلات ليشاهده وهو يلعب مع فريق مدرسته ضد فريق مدرسة أخرى، وطالما نصحه بالحفاظ على اداء معين ونبذ آخر والتركيز اثناء اللعب ومحاولة تقدير قوة وعيوب الخصم الذي أمامه ليحسن التصرف. وكان فينسنت يصطحب إبنه أحياناً إلى ملاعب الحي غير المجهزة مثل الاستادات الكبرى، ما كان يجعله يشعر احيانا بأن الصقيع سينخر عظامه أثناء وقوفه ومتابعته المباراة بسبب طقس نيويورك القارس شتاء. ولم يكن فينسنت يشكو، كما لم يستوعب إبنه، الغارق في عرقه بسبب الحركة في ذلك العمر، ما يحدث لأبيه أثناء حماسه بعد المباراة لسماع تعليقات والده، وشرحه لبعض اللحظات التي يعتقد أن من في الملعب لا يستوعبها مثل المشاهدين.
كثيرا ما تعجبت آني من سلوك إبنها مايكل الرصين، بالنسبة إلى عمره رغم إنه ورث روح النكتة عن عائلة أبيه. كان طفلها الوحيد الذي تطلب منه النوم لأن وقته قد حان فيذهب لغرفته، بينما الباقون يتحايلون ويخترعون حكايات نسيان كتابة واجبهم المنزلي وما شابه من حجج ما قبل المراهقة. كما كان الطفل الوحيد الذي يأكل كل ما يقدم إليه بدون تأفف على عادة الصغار، ولا يقاطع أحداً اثناء حديثه أو يصرخ للتشبث بأي لعبة أو مشاهدة برنامج تلفزيوني معين. وكانت أمه تضرب به المثل وتحث باقي السبعة على التصرف مثله، وكانوا يردون أحياناً بأنه تمثال لا يعرف المنافسة والحركة إلاّ في ملعب الكرة، اما هو فكان يكتفي بقوله إنه لن يرد عليهم.
كانت كارولين أخت فينسنت الشخص الوحيد الذي لحق به إلى الولايات المتحدة مع زوجها جورج الذي يعمل بتصليح الساعات في العام 1955، وكان منزلها مقصد أخيها وعائلته احياناً ايام العطلات والاعياد لأنها كانت تكبره عمرا، ولم يكن مايكل يمّل من هذه الزيارات، وينتظر زيارتها مع زوجها وإبنتيها لمنزلهم، فقد كانت "العمة كارولين" بالنسبة له كنز حكايات وأساطير لا ينضب، لأن شخصيتها كانت تؤهلها لذلك، فهي لم تستطع التخلص من وطأة بلدها سكوتلاند عليها وعاشت في أميركا بلكنتها القوية المميزة وزيها التقليدي. وقد عزز مكانتها لدى مايكل غرامها بالسيرك الذي كانت تذهب إليه أين ما حلّ في نيويورك والمحافظات القريبة مصطحبة إبنتيها ومايكل، الذي رأي لأول مرة في حياته الحيوانات التي شاهد صورها في الكتب، وكان ينتظر بفارغ الصبر اليوم الذي تخبره فيه عمته بفرح كبير، إنها علِمت بحضور سيرك في مكان ما وسيذهبون إليه. وكعادتها ستجلس في الصف الاول في غاية الاندماج مع ما يُعرض، وتصفق بحرارة بالغة لألعاب الهواء والمهرجين الذين يؤدون فوق شفرة الخطر وهم مبتسمون، لدرجة أن بعض اللاعبين كان يخصها بتحية وإنحناءة بسبب تأثرهم بإعجابها ومشاعرها المتدفقة وتصفيقها الحماسي لهم. وكانت تلك الصفات الخاصة بها، تماثل تماماً طقوسية حضور عرض السيرك نفسه عند مايكل.
- قرأت عدة مرات عن الموت ولم أفهم معناه. قال مايكل للعمة كارولين ذات يوم.
- وأين قرأت هذه الكلمة؟
- في المجلات والحكايات المصوّرة.
- لقد أصبحت في العاشرة فكيف لا تفهم معناها؟
- اعلم أن الذي يموت يُدفن. لكن أين يذهب؟
- هناك أسطورة تصف الموت بالسفر البعيد. يقول الناس في المحطة التي ينطلق منها الانسان: الى اللقاء. ويقولون: اهلا وسهلا، حين يصل إلى المحطة الأخرى.
- ولماذا تقولين اسطورة؟
- لأن الامر ليس مؤكدا تماماً ولذلك يشبه الاسطورة التي لا يُعرف مصدرها لكنها موجودة بقوة ويتداولها الناس بثقة.
كان يحلو لمايكل أحياناً الذهاب عند الرابعة والنصف مساء إلى مكتب البريد، ليعود سيراً مع أبيه إلى المنزل، لأنه يترك سيارته لزوجته بسبب عدد أطفالهما، وكانا يعرجان أحياناً على المكتبة العامة لو كان لدى فينسنت بعض الكتب ليردها، وكان مايكل يقضي ذلك الوقت في البحث عن كتاب أيضا، ليضمه إلى الكتاب الذي إستعاره والده. وقد سأل اباه ذات مرة لماذا لم يعمل في المكتبة العامة مازال من عشاق الكتب، وقال ابوه بأنه فكر في الامر لكنه نجح في مسابقة للتوظيف أعلن عنها البريد فإلتحق به، وهو يأمل أن يصبح مدير مكتب في يوم ما. وشرح له أهمية البريد والاتصالات في حياة الناس، وجعل يفتخر بإمتلاك الولايات المتحدة لأقوى شبكة بريد في العالم نسبة إلى مساحتها.
كان فينسنت وودز يحب أولاده كلهم بالدرجة نفسها، فلم يكن لديه ترف وقت الفراغ للمفاضلة بينهم، كما لم تكن أمهم من اللاتي يقدمن شكوى ليلية وقائمة بالأشقى والأظرف منهم، الامر الذي يشكل في أحيان كثيرة مشاعر الأب تجاه ابناءه. ولم يكن لديه أي لحظة للتفكير بعيدا عن مطالب منزله. كان يؤدي دوره كموظف أمين مخلص لما يفعله في مكتب البريد والمنزل.
لكن الصدفة البحتة جعلتهم جميعا يقفون في عيد ميلاد فيليب إبنه الأصغر، أمام كاميرا أخته كارولين، التي إحتارت كيف تجمعهم كلهم اضافة الى إبنتيها وزوجها داخل الكادر، فطلبت من الاولاد الذين يودون الجلوس فوق الاريكة أن يفعلوا، وجلس بعضهم، وجلس فينسنت وآن وجورج وأسندوا ظهورهم على أرجل الاولاد على الاريكة ومدّوا أرجلهم على الارض. وشاهد فينسنت الصورة وتعجب من وضوحها رغم إنها ضمت هذا العدد من المقرفصين على ظهر الاريكة والجالسين عليها والممددين أمامها والواقفين خلفها، وكانت المرة الاولى التي يرى فيها ابناءه في صورة واحدة، ولم يعرف لماذا شعر بالفارق بينهم في لحظة مباغتة، ورأى شخصية كل منهم المنفصلة التي تميزه تماماً عن الآخر، كما دفعه حدسه بإتجاه الطفل فوق ظهر الاريكة على اليسار، ليتنبأ في ما بينه وبين نفسه بأنه سيكون أهم المجودين شأناً وقائدهم، رغم الوداعة الواضحة على ملامح وجهه ونظرة عينيه. وقد إحتار فينسنت كثيرا بشأن هذا الاحساس الغامض الذي سيطر عليه ولم يقله لأحد مطلقا، وكان مايكل محوره.
مدينة نيويورك عملياً هي الأكبر في الولايات المتحدة، وتقع على مدخل نهر هدسن أقصى جنوبي ولاية نيويورك نفسها التي تتكون من خمس محافظات هي كينغز وبرونكس وكوينز وريتشموند ونيويورك. وكان آل وودز يقطنون في الشارع 14 في نيويورك نفسها، ويطلون مباشرة على إيست ريفر. وقد ساعدت وظيفة فينسنت المستقرة مالياً على السكن في هذه المنطقة، ثم اشترى منزلاَ في بداية خمسينات القرن العشرين بالتقسيط الشهري لمدة عشرين عاما بضمان وظيفته الفيدرالية، لأن هذه الاماكن لا يسكنها سوى الاثرياء اليوم. وكان موقع هذا المنزل أهم عوامل التعليم الممتاز الذي حصل عليه اولاده، رغم إنهم جميعا إلتحقوا بمدارس حكومية، لأن مدارس هذه المنطقة تعتبر من أرقى مدارس الولاية. كما كان الجيران على مر العقود الخمسة التي إستقروا فيها على مستوى إجتماعي مرتفع، ما هيأ لهذه الاسرة أشكالا مختلفة تماماً من الحياة، اولها الغنى وهو صورتهم الظاهرية أمام الناس، والاخرى متواضعة وهو صورتهم أمام أنفسهم والمقربين منهم للغاية، أما الثالثة التي لم يقدّرها أحد حتى منهم، فهي القوة المعرفية والعلمية التي يتمتعون بها، فلا احد جاهلاً منهم، علاوة على نهم معظمهم على القراءة الذي ورثوه وتمرنوا عليه مع والدهم.
كانت العمة كارولين تسكن في جيرسي سيتي، في ولاية نيو جيرسي التي لا يفصلها عن نيويورك سوى نهر هدسن، وطالما رأى مايكل مجمّع التجارة العالمي وبرجيه الشهيرين الشاهقين بشكلهما الزجاجي الذي يعكس غروب الشمس، بينما سيارة والده تعبر الجسر بين الولايتين ومعظم ركابها ما بين النعاس والاسترخاء بعد نهار لعب ولهو عند عمتهم، وكان مايكل ينتظر فصل الشتاء الذي تكون عودتهم فيه إلى نيويورك بعد الغروب بسبب قصر النهار، لكي يرى البرجين بأنوارهما المعتادة مساء، يضيفان على مانهاتن رونقاً ذا طابع خاص، لم يشاهد مايكل مثل عظمته على أي ناطحة سحاب من قبل. وقد أثمرت هذه المشاهدات الصامتة حباً جليلا للبرجين التوأمين في قلب الفتي لم يتغير مطلقا بتقدمه في العمر.
كانت بناية إمبايرستايت ذات المائة وإثنين طابقا، الموجودة ايضا في مانهاتن، هي الأعلى في الولايات المتحدة منذ العام 1931 حتى 1971، لكن مجمّع التجارة العالمي المكون من سبع بنايات متجاورة، أشهرها ناطحتا السحاب اللتان تختصران إسم المجمّع، تفوقتا علواً على الإمبايرستايت، إذ يبلغ برجهما الشمالي 417 مترا إرتفاعا اما الجنوبي فيبلغ 415 مترا، وتبلغ مساحة مجمّع التجارة العالمي ستة عشر هكتارا ويحتوي على 836000 متر مربع أماكن للإيجار. وقد صمم البرجين الشهيرين المهندس الاميركي مينورو يامازاكي، ونفذتهما شركة إيمري روث واولاده ما بين الاعوام 1966 حتى 1973، وسرعان ما أصبحا من معالم نيويورك السياحية، ورمزا لقوة المدينة المالية.
إنتظر فينسنت وودز أكثر من عشرين عاماً ليجلس على كرسي مكتب مدير بريد الحي الذي يسكن فيه ايضا، وأمهله قدره شهرين ليستمتع فيهما بثمار تعبه وإنتظاره الطويل، ليتوفى في عمر الثامنة والاربعين بعد ظهر يوم أحد في بيت اخته اثناء زيارة عادية له مع زوجته وإبنه فيليب، بعد إرهاق مفاجىء أصابه بعد الغذاء، وطلبت منه آني ان الاستلقاء ليستريح ريثما يعدون له فنجان شاي، لكنه توفي بينما الماء يغلي والجميع مذهولين من بساطة الاسلوب الذي رحل به، فقد خُيل إليهم ان الرجل سُرق من بين ايديهم ولم يمت.
عندما توفي فينسنت كان مايكل في الواحد والعشرين من عمره في العام الجامعي ما قبل الاخير في جامعة سيراكيوز يدرس إدارة الاعمال، وكان رصيد والده في المصرف ألف وثمانين دولار، وفي المنزل حوالي ثلاثة الاف كتاب. أما اولاده فكانوا ما بين الرابعة والعشرين والعاشرة من أعمارهم، يعمل إثنان منهم فقط هما دون و بن، والباقون تلامذة ما بين الجامعات والمعاهد والمدارس. وقد عاش فينسنت شهرين فقط يحلم بأنه سيدفع الاقساط المدرسية وما عليه من إلتزامات وهو مرتاح حتى يتقاعد، وعندئذ سيتفرغ لصيد السمك يوميا بجوار منزلهم، لأنه غير محتاج لأحد ولا يحتاج أحد إليه. لم يفكر ولا لجزء من الثانية إنه يدنو من الموت، وقد تعود الدخول والخروج من أزماته الصحية بدون أي إنفعال أو محاولات كسب الشفقة من أحد. ولم تخذله رئتاه ولا مرة بل كانتا تتعافيان تلبية لرغبة صاحبهما، لكن السكتة القلبية هي التي فاجأته في تلك النوبة المشؤومة، حسب ما قال طبيبه المعالج. كان هناك تجمع دموي في مكان ما في جسده تحرك وأوقف الدم في قلبه فجأة.
كانت الصدمة هي الشعور الاول الذي إستحوذ على قلوب الثمانية افراد بعد رحيل فينسنت لكن شكلها إختلف بينهم، وكان أقصاها في قلب آني التي فقدت توازنها بين يوم وليلة امام ثقل المسؤولية، والكارثة التي كانت يمكن حدوثها لو لم يتدخل زملاء البريد الفيدرالي ويدفعون تكاليف جنازة زوجها، وأمر المدير الجديد بصرف تعويض الرجل بأقصى سرعة تقديرا للظروف الاسرية الخاصة. كانت آني تجلس كثيرا بجوار النافذة المطلة على الطريق ورأسها على كفها وهي تنظر إلى لا شيء محدداً امامها، وتفكر خصوصاً في كيفية تدبير أمور اولادها الباقين في مرحلة التعليم. وقد أحسّت ذات صباح بأنها ستصاب بشلل من وطأة التفكير، وسمعت صوتاً داخلياً يقول لها: إنهضي فكل هؤلاء يعتمدون عليك، وفتحت شفتيها سخرية مما تسمع وتشعر، لكن التلفون دقّ في تلك اللحظة، فقامت وذهبت بإتجاهه وهي تستبشر خيراً ولا تعلم ما الداعي لهذا الاحساس السار.
- هل يمكننا التحدث مع السيد مايكل وودز؟ قال صوت نسائي.
- هو في الجامعة الآن. هل تودين ترك رسالة له؟
- بلّغيه أن موعد مقابلة معه قد تحدد العاشرة صباح الاربعاء القادم.
- أين؟!
- في شركة روبنسون/ غور.
- سأبلغه. شكرا.
فهمت آني من إبنها بعد الظهر انه إتكل على نظرية النسبة المئوية، ليخرج من الدوامة الهائلة التي شعر بأنها ستشدهم إلى الهاوية، فقدم طلب توظيف في خلال إسبوع لأربعمائة وثلاثين مؤسسة، هي عدد الشركات كافة في مجمّع التجارة العالمي، وهو يتوقع أن يردّ عليه أربعة منها فقط، بنسبة واحد في المائة، وقد بدأوا الرد فعلا وسيذهب إلى المقابلة كما حددت أول شركة. وذُهلت آني من الطريقة التي فكر بها وطموحه الجريء الذي دفعه إلى مغامرة الدخول فقط إلى المجمّع، وتوزيع مثل ذلك العدد الهائل من خطابات طلب وظيفة على جميع الشركات فيه، وهو لم يحصل على شهادته الجامعية في الاعمال، أو حتى إتكل على خبرة سابقة في وظيفة مماثلة، لأن ما مارسه كدوام جزئي في الصيف أحياناً، كان عملاً بسيطاً لا يحتاج لمؤهلات وخبرة. وقد ذهب مايكل بالثقة المفرطة نفسها إلى موعده، وعاد إلى منزله ليبلغ أمه إنه قد حصل على عمل في مؤسسة روبنسون/غور. ومن الامور غير المفهومة أن هذه الشركة كانت الوحيدة التي ردّت على طلبه ثم قبلت به موظفا بعد ذلك. وحدث كل ذلك قبل مناسبة ذكرى أربعين والده بأيام فقط .
لم يصدق أحد من اخوة مايكل إنه سيعمل في هذه الشركة، وسخر اصدقاؤه منه في الجامعة عندما أخبرهم بعمله الجديد الذي سيبدأ أول الشهر بعد الظهر والمساء.
لم يصدق مايكل نفسه وهو يتجاوز البلازا حول البرجين بمحلاتها وأجنحة معارضها ومكاتبها، ويتجه إلى أحد مصاعد البرج الجنوبي المائة واربعة، وهو بكامل اناقته ليضغط على الزر رقم 104 ايضا، ويصل إلى مقر عمله ويبدأ اول ايام دوامه في مكان رائع طالما حلم منذ صغره بالعمل في أحد طوابقه.
كان مايكل وودز بالنسبة لشركة روبنسون/غور بذرة مستقبلية ممتازة تحتاج لتأهيل، لذلك وقع الاختيار عليه رغم كونه تلميذ جامعة، وأثبت هو بسرعة قياسية إستيعاب عمله، وتبين للشركة إنه أيضاً من اصحاب الطاقات الهائلة لأنه كان يداوم ما بعد السادسة مساء يقرأ المجلات والصحف الاقتصادية ويتابع الاسواق وأخبارها في الشرق الاقصى، الذي يسبق زمنيا ساحل اميركا الشرقي بسبب فارق التوقيت، بدون أن يطلب أحد ذلك، في الوقت الذي يتابع فيه عملاء شركته في الشرق الأقصى ويمدهم بما يحتاجون من معلومات، فقد كانت شركة روبنسون/غور تعمل 24 ساعة يومياً، واختار هو الدوام الليلي لأنه يناسبه.
ظل مايكل على الوتيرة نفسها حوالي سنة، أحس بعدها بالمقدرة على القول إنه يفهم في سوق الاوراق المالية، فتنفس الصعداء رغم أن رؤسائه كانوا على قناعة قبل هذه الفترة بأنه يفهم، وليس مجرد واجهة فخمة تؤدي بنفاق مميت كما كان يقول حاسدوه عنه.
إستطاع مايكل من خلال عمله وعلاقاته مع اصحاب الاعمال وخلال سنوات تغيير مصير كل إخوته، حتى دون و بن الأكبر منه، اللذان دخلا الحياة العملية قبله، فقد كان صاحب أسلوب يستطيع اقناع الناس به، وذو دالة على أي إنسان يعمل معه بسبب تفانيه وصدقه في العمل، وإيمانه الشديد بما يقول. كان يطلب فيُجاب، وقد أقنع إخوته بالروح الاميركية والأهمية العظمى للاسواق وكيفية إختيار الوظائف المُربحة، فجعلهم يعملون في مجالات حيوية فيها المال الوفير والابتكار مثل سمسرة السفن، وبيع الأجهزة الطبية، وأبحاث إلاستثمار، وسمسرة بيع شركات متعثرة، والشركات المالية.
- أخوك دون يريد فعلا الزواج من صديقته. قالت الام آني لمايكل.
- رغم كل ما يقوله الناس وليس نحن عنها ؟
- والزواج سيكون في مكتب محام.
- إذا وصلت الامور إلى هذه النقطة فيجب إرسال باقات الورود.
- هل ستقف مكتوف الايدي ؟
- قلت لك سأرسل الورود فوراً وقبل توقيع العقد. قال لأمه وهو يضحك.
- اقصد محاولة إقناعه بشيء.
- الرجل بكامل قواه العقلية ويبلغ من العمر أكثر من واحد وعشرين سنة. يكفيني اللوم الذي إنهال عليّ من قبل.
- حاول مرة أخيرة.
- حسب خبرتكِ وعمركِ..هل يستقبل مكتب المحامي الورود في هذ الحالة كالكنائس؟
كان إخوة مايكل يقولون عنه أنه بعد وفاة والدهم تقدم ليأخذ زمام مبادرة قيادة المنزل، رغم إنه ليس الأكبر، وهم سعيدون بقيادته التي حافظ بها على روح ولمسة الاب فينسنت في الحياة. أما والدته فكانت تعتبره سندها المالي ومعينها العاطفي على الصمود أمام متطلبات العدد الكبير من أبنائها لسنوات طويلة، وأمزجتهم المتباينة في المنزل حتى حول الاكل نفسه، وإختلاف مواعيد حضورهم وبالتالي مواعيد طعاهم، علاوة على إبنتها التي لم تكن تساعدها لأنها لا تحب الاعمال المنزلية والطبخ، واقترحت عليها لكي لا تتعب استعمال الاكل المجلّد وشبه الجاهز للتسخين فقط، والصحون والكبايات البلاستيكية التي تُلقى بعد إستعمالها.
من العادات التي ظل مايكل محافظاً عليها الذهاب مع العمة كارولين إلى السيرك في أيام العطلات. وكان هو صاحب المبادرة بعدما كبرت هي، وكان يتصل بها لتهيء نفسها للذهاب معه عندما يسمع عن حصور واحد في إحدى حدائق المدينة التي يسكنون فيها أو إحدى المدن القريبة الاخرى، وكانا يتابعان من الصف الاول كدأبهما لمدة تزيد عن ربع قرن، ويصفقان بحرارة بالغة للاعبين. وكانت العمة كارولين أحيانا تقول له أنها كانت تود فعلا زواج إحدى إبنتيها منه، لو لم تسمع بمشاكل هذا الزواج الصحية على الاولاد، لأنها تحبه وتندهش كثيرا عندما تفكر بعزوبيته التي طالت بدون أسباب، وتتهم فتيات مانهاتن بالعمى لأنهن لم يرونه والكسل لأنهن لم يبادرن بغزله، وكان مايكل يضحك كثيرا من تعليقات عمته ولا يكن يرد عليها، لأنه كان يسمي عائلته "شركة وودز محدودة المسؤولية"، التي تمنعه من التفكير في ما عداها.
- انا غير مقتنعة بموضوع إجازتك. قالت آني والدة مايكل له.
- لماذا؟
- لأنك منذ عشر سنوات لم تأخذ أكثر من إسبوع إجازة طويلة.
- هل فاجأتك هذه الاجازة الطويلة نسبياً؟
- أنت لا تقول الحقيقة.
- الحقيقة إنها إجازة طويلة أستحقها لأنني لا أزور اصدقائي، أو أمارس هواية صيد السمك، أو أذهب مع طوني براون في رحلة خلوية؟
- لا تحاول الهذر معي.
- وماذا يبقى غيره بعد شكوككِ؟
- يبقى ألاّ تستخدم اسلوب الهذر أمام الأمور الصعبة في الحديث معي.
- لماذا؟
- لأنك إبني الذي أعرفه.
- الامر كما اقول لكِ. والتعامل مع الارقام وموجات تقلبات السوق باستمرار يكاد يدفعني للجنون.
- ولا مرة شكوت من عملك.
- ولن افعل. قلت لك انني مرهق فقط. هل هذا عيب؟
- لكنك تبدو كأنك تبحث عن عمل.
- أمامي عرضين مهميّن، وهذا حق مشروع.
- هل تنوي ترك البرج الذي تعشقه؟
- هذه مسألة فيها نظر.
كان حدس آني صحيحا وهي تخاطب ابنها، الذي فضّل ألاّ يزعجها بالورطة التي وقع فيها في عمله نتيجة نصيحة قدمها لمتمول في السوق، وأقنعه فيها بشراء أكثر من مائتي وخمسين سهماً في إحدى الشركات ذات الربحية العالية، وفوجىء الرجل كما السوق تماما بإنهيار مفاجىء يصيب هذه الشركة، أدى إلى إنخفاض قيمة أسهمه الضخمة مئات الالوف من الدولارات، ما جعله يتهم مايكل بأنه كان يعلم الخفايا الداخلية للشركة، ونصحه ليورطه ويأخذ عمولته.
كان مايكل فعلا لا يعلم بأي خلفيات مريبة عن الشركة، ودافع عن نفسه من تهمة التواطؤ أمام أصحاب شركته، بأن الانهيار حدث لعوامل سياسية مباغتة أدت لإلغاء عقد كبير جداً يتجدد بشكل تلقائي سنوياً هزّ قيمة أسهم الشركة فقط في سوق المال، لكن قيمتها الحقيقية لم تزل موجودة، ومجلس إدارتها لم يعلن إفلاسها أو انضمامها إلى شركة اخرى. ورغم ذلك طلب منه رئيسه الابتعاد قليلا ريثما تهدأ الاجواء المحتدمة. وإبتعد مايكل وبدأ البحث الجدي عن عمل آخر، لأنه لم يعتقد أن شركته ستقف هذا الموقف منه، رغم رمال عالم الاسهم المتحركة، كما إعتقد أن هذه خطوة لإبعاده نهائياً وليس لفترة، ولم يشك لحظة في إتصال قريب منهم يطلب منه الحضور لتسوية حساباته.
- انا لا احبط معنوياتك عندما اقول إنك لن تجد عملا بسرعة، وستجلس طويلا في المنزل. قال له أحد المستشارين الماليين من أصدقائه.
- لماذا؟
- لأن خبرتك تفوق حتى معظم مدراء هذا المجال، ولن يقول لك أحدهم تفضل بالجلوس على الكرسي نفسها التي أجلس عليها.
- لكنني لا اطلب المنصب نفسه.
- لا تنسى عوامل النفس الانسانية. حاول الاتصال بأصحاب الشركات أنفسهم، لأنك تناسب مصالحهم، وليس طموحات رؤساء أقسامهم.
- هل هذا هو السبب الوحيد؟
- هناك حجة اخري سيتذرع بها رؤساء الاقسام عند مناقشة طلبك هي: كم سيبلغ معاشك شهرياً؟
- ولماذا يعتقدون انني سأفرض شروطاً للمعاش في مثل ظروفي؟
- لأنك عملت تحت إسم ضخم جدا في عالم المال.
- لكن بعض الناس ينتقلون من عمل لآخر في مجالنا نفسه.
- لا تنسى أن هؤلاء تُقدم عروض لهم وهم في عملهم، ويفرضون شروطهم الباهظة لأنهم يعلمون أن اصحاب العرض بحاجة لخبرتهم. مسألة عرض وطلب وتوقيت.
- وما هو الحل؟
- واصل البحث لتعلم أكثر ومن ثمة تأخذ حذرك البالغ في المستقبل من هذا العالم المفترس.
- هل تنصحني بالبحث في مجال آخر؟ سأله مايكل.
- أتكلم معك كصديق. المرجّح أن شركة روبنسون/غور ستتصل بك بعد فترة.
- هل انت واثق؟
- عالم المال يحركه المال. لو ظل العميل الذي نصحته زبون روبنسون/غور سيتصلون بك.
- لماذا؟
- مع الاسف، قيمتك لهم هي ما تدخله في جيويهم الفضفاضة. لا انسانية في مجال المال. واذا رحل، سيصرفونك من العمل بكل تهذيب وألفاظ مُلتبسة.
- ما هي النسبة المئوية لبقاء هذا العميل زبونا؟
- واحد وخمسين بالمائة. إنتبه على نفسك لأنك هويت من القمة.
لم يتخيل مايكل وهو يعمل أن العيش أصبح على هذه الدرجة من التعقيد، تماما كمن تضطره ظروفه ويدخل مستشفى لإجراء عملية، ويذهله عدد المرضى والحالات الطارئة والمستعصية وتعايش بعضهم مع امراض مزمنة لمدة عقود، بينما ازدحام الشوارع واماكن العمل واللهو توحي بفراغ المستشفيات أو عدم وجودها. وكان أكثر ما ضايقه هو سؤال أمه ما بين المزح والجد عن نيته في ترك عمله في مجمّع التجارة العالمي بدون أسف، فقد عشق هذا المكان فعلا ولا يتصور حياته بعيدا عنه، وكان يبحث عن عمل بشعور الذي يخون زوجته لأول مرة بسببها هي وليس بدافع شهواني عنده، لكنه كما تعود دائما استعمل الضحكة امام المصيبة كشكل من شجاعة النفس، وعمل من أعمال التمرد على الواقع ذي الوطأة العنيفة على الانسان أحيانا، وتحرر من ضيق داخلي يمكن أن يميت.
كانت الضحكة تقليداً عائلياً اخذه عن والده، وآمن به وكان يعتقد إنها أفضل وأرخص ما يمكن عمله في الاوقات الصعبة، وهي التي تبقى عندما نفقد شيئاً مهماً في الحياة. ضحك مايكل هروباً وهو يشاهد العروض الكوميدية البسيطة في بعض ملاهي وسط المدينة، فرغم أمله في الكلام الذي سمعه من الصديق عن سوق العمل، كان حزيناً على سنوات خبرته تحت الاسم الكبير، التي لم تفلح في فتح باب عمل واحد له، حتى في شركة مالية صغيرة في نيويورك.
- هل يمكنني التحدث مع السيد وودز؟ سأل صوت نسائي أمه هاتفياً.
- إنه ليس في المنزل. هل تودين ابلاغه رسالة؟
- من المفترض أن يعود إلى الشركة صباح الاثنين القادم.
- لماذا؟
- ليبدأ عمله بالتأكيد!
- هل كان إبني في إجازة؟
- أظن ذلك.
رجع مايكل إلى مكان عمله المفضل في الطابق الرابع بعد المائة في البرج الجنوبي في مجمّع التجارة العالمي، حيث الشعور بالانتعاش خلف الزجاج بسبب العلو الشاهق وإحساس الانسان أنه معلّق في الفضاء، والرؤية غير المحدودة لأصحاب البصر القوي التي تمتد حتى الافق، ومحافظة نيويورك بالكامل تحت النظر، بينما التلفونات لا تهدأ، بعد إجازة قسرية جعلته يخسر الطفل العفوي الذي كان بداخله بسبب الظرف المؤلم الذي مرّ به، وكاد يكلفه سمعته في السوق، ويُكسبه لقب مستشار مالي متواطئ أو غبي على أقل تقدير، وجعله يسأل نفسه احياناً عن مدى خطورة الجواد الجامح الذي يمتطيه، والقفزات غير المتوقعة التي يمكنها الاطاحة به من على صهوته. وقرر مايكل بعد فترة العودة إلى إسلوبه حتى لا يخسر نفسه وتوقيعه المميز على عمله وبين زملائه، بدلاً من التصرف كأرنب مذعور يلقي بنصيحة تُقدم لعميله من خلال خبرة الشركة، أو من خلال كلمات بدون هوية لا لون لها يقولها للعملاء بكل تحفظ ولؤم ولا تلزمه عند حدوث أي خسائر بإعتذار. كان مايكل لا يطيق ألاّ يكون صاحب مبادرة.
- كنت متأكدا انك ستعود إلى إسلوبك وشخصيتك. قال رئيسه في العمل.
- لا يمكنني الاستمرار بأقنعة.
- وانا سعيد بك لأن هذه المؤسسة لا تربي الوكلاء الجبناء وتفتخر بهم، لكنها ترضخ لمبادىء السوق، وهي ليست جيدة أحياناً.
- اقدر لك هذا المبدأ.
- كنتُ واثقاً من عدم تواطئك.
- كان ظرفاً سياسياً.
- وإنتظرنا حتى إقتنع العميل بذلك. سرني أنه اقتنع وظل زبوناً دائما.
- وكنتُ أُرجِّح قراركم بعودتي. قال مايكل وهو يسمع كلمات الصديق تطن في أذنيه.
- لأننا نعتز بك.
- وانا أيضاً. عرفتُ مدى إلتصاقي بالشركة في الفترة الاخيرة.
- لا تنسى القاعدة الذهبية التي تقول: نحن ُندخل أرباح إلى جيوب العملاء، وقد تلعب الظروف فتجعلهم يخسرون. كن نفسك دائما.
إستأجر مايكل شقة في جيرسي سيتي بجوار خالته، وعقدت الدهشة لسان أمه التي لم تجد مبررا لخطوته، خصوصاً إنه صاحب فضل في إستمرارية تماسك الاسرة، علاوة على عدم تصريحه بنيّة الزواج، واقنع مايكل أمه بصواب خطوة إنتقاله حتى يستقل بحياته، مع إلتزامه الكامل أمامها بصفتها ربة منزل "البيت القديم". ولم تدر آني كيف تجيب الفارس الذي يتحدث أمامها، وكل ما فعله منذ وفاة والده يثبت أن إبنها هذا من معدن غير اللحم والدم، وكائن يسمو على الانسان الذي فيه بإستمرار يغيظ ويربك أحياناً، لأنه يقطع خطوط الجدل واللوم بشكل مهذب غير مألوف وحاسم. انسان استحق عن جدارة أن يلصق أبوه اسم الملك آرثر صاحب المائدة المستديرة باسمه.
- اين كنت يا رجل؟ سألت خديجة مايكل بمجرد دخوله المحل.
- في إجازة.
- لكنها أطول من اللزوم كما بدا لي.
- لأنني إنتقلت فيها إلى منزل آخر ايضا.
- وأين يقع؟
- لقد أصبحنا جيران ‍‍.
- هل تركت نيويورك؟
- وصرت في جيرسي سيتي .
- وهل يترك أحد نيويورك؟
- كنوع من الاستقلالية والمسافة ليست بعيدة عن هنا.
- زوجي يملك مصبغة في الجوار، أعتقد إنك بحاجة لها لأنك أعزب.
- أعرفها. إنه جارنا في الحي.
رغم بلوغ مايكل نهاية السادسة والثلاثين من عمره، وكان الزواج المبكر من تقاليد عائلتهم إلى جانب القراءة، لم يفكر جدياً في بناء اسرة، ولم يحثه زواج بعض إخوته على هذا الامر. كان لديه شعوراً عميقاً بأنه متزوج من مسؤولية عائلته ومن عمله الذي يعطيه كل إهتمامه ومحبته. كان عاشقاً لزوجيته ويشعر بالاكتفاء من العلاقات النسائية العابرة، ولا يريد إضافة المزيد لكي لا ترتبك حياته السائرة على وتيرة لا تتغير. وطالما أوحت له العمة كارولين بتكوين اسرة وإنجاب اولاد يحملون إسمه، لأن هذا ما سيدوم له بعد نهاية رعاية إخوته ولن يبقى شيء سوى التفرغ لحل مشاكلهم الجديدة بصفته عميد الاسرة الذي تعودوا على وجوده بجوارهم.
كانت دائما توحي له بأن العمر يمضي أسرع مما يتصور، وإذا كان المتزوج لا يبقى سوى الفراغ له بعد زواج اولاده، فكم سيكون حال الاعزب. وكان مايكل يستمع إليها وهو يبتسم ولا يرد، خصوصاً عندما تكرر عبارتها الازلية عن كونه في عمر يمّكنه من الاختيار، وسينتقل إلى عمر ستختار الظروف له فيه، فقد كان يشعر بما يشبه اليقين الذاتي، ولا يدري لماذا، بأنه لن يتزوج أبداً، ولابد من حدوث أمر خارق للعادة لكي تتغير أموره التي تشبه تدفق مياه نهر هدسون، الذي يتأمله من الطابق الرابع بعد المائة، وهو ينساب بين ضفتيه منذ وُجد.
من الطابق نفسه، كان مايكل يتأمل أحياناً نيويورك وهي تخلع رداء النهار، لترتدي ثوب الليل المرصع بالاضواء الهائلة المنتشرة التي تبدو أكثر بريقاً من النجوم المحلّقة في قبة السماء. وكانت رؤية سدول الليل من مكتبه لا تشبه مشاهدتها من أي مكان آخر أو توازي جمالها، لأن عتمة الليل كانت تصبغ الافق من بعيد قبل حلولها على نيويورك، بينما الليل يغلف المكان نفسه من أي بقعة على مستوى سطح البحر. أما البدر فقد كان متعة فريدة للعين لو كانت الليلة صافية. كان مايكل يتأمل هذه اللوحة السماوية التي تحيط بالمدينة المتلألئة بالأنوار مختلفة الألوان، ويحيط بها سكون مطبق من ذلك الطابق، رغم الحركة في الشوارع واضواء مصابيح السيارات التي كانت تتحرك في ما يشبه خريطة من ذلك الارتفاع الشاهق. وكان يعود بعد تأمله خلف الزجاج ليتابع قراءاته في الانترنت أو يغوص في أوراقه أو يرد على تلفونات العملاء حتى منتصف الليل، عندما يأتي الموظف التالي لتسلّم العمل، ثم ينزل هو بالمصعد ويستقل سيارته المنتظرة في أحد مواقف برج التجارة العالمي الجنوبي تحت الارض، ليعود إلى بيته ويستيقظ صباح اليوم التالي ويبدأ حياته الخاصة حتى الرابعة مساءً، بعد الذهاب باكراً ثلاثة ايام في الاسبوع للممارسة رياضة المشي، وزيارة أمه غالباً اثناء فترة الغذاء ليأكل عندها ويعرف ما يستجد من أخبار اخوته، أو يغيّر برنامجه ويذهب إلى مطعم كائن في البرج الشمالي، ويعرج على خديجة ليأخذ مجلاته ويتجاذب معها اطراف احاديث مختلفة.
كان مايكل يعتقد إنه وجد الاسلوب الأمثل الذي يجعله بعيدا عن مشاكل الدنيا المزعجة، بسبب نظام معيشته الذي يعتبره درعه الذي يحميه أمام الكثير من الأسهم الطائشة، فيكفيه سهام البورصة، كما لم تستطع الظروف نزع أيقونته الثمينة عن صدره، المحفور على أحد جانبيها أن والده رحل وفي المنزل ألف وثمانين دولار، وعلى الجانب الآخر ان مصائب الحياة مهما كانت تحلها النقود، حتى الذي يموت يُدفن بكرامة لو كان ميسوراً.
كان يعتقد رغم تأثره بوفاة والده صغيراً، إنه توفى محبوباً قبل بدء الصراعات التي تنشب بين الاخوة عادة، وقبل أن يصبح هو أيضاً طرف فيها. تحوّل الوالد الى ذكرى جميلة لا خدش عليها، ولعب مايكل الدور الأصعب الذي لم يلعبه فينسنت وودز، علاوة على إسلوب العيش المرّكب في مدينة مثل نيويورك، وعمل لا يتوقف فيه التحدي اليومي، ويقف فيه صاحبه في مهب تغيرات السوق بإستمرار وفي اليوم الواحد عدة مرات احياناً، وبين عدد كبير من إخوة أصحاب عقليات متباينة تعودت على وجود أب متفرغ بديل. كل هذه الامور لم تجعل مايكل في منأى عن الاحتكاكات التي كانت تستنزف أعصابه احيانا رغم ابتسامته، وقد تعود على تدوين مشاكله ومحاولة حلها كتابة ورسماً.
كان يكتب مشاكله ويرسم أشخاصها ليصل إلى رؤية تساعده على تفكيك عناصرها، فلم يكن من الاشخاص الذين تحتل مشاغلهم عقولهم وتبدأ في الطنين المتواصل، أو تهاجمهم ككتلة كبيرة تقع فوق رؤسهم. كما كان يصعد أحياناً إلى سطح البرج الجنوبي لمجمّع التجارة العالمي، ويفكر بينما يتمشى والهواء البارد يلفحه من جميع الزوايا. وكثيرا ما كان يهتدي إلى حلول وسطى لمشاكل عائلته وعمله، وكان يودع السطح والمشهد غير المألوف فوقه بإبتسامة إمتنان.
- متى تستطيع مرافقتي إلى منتجعنا المفضل؟ سأل مايكل طوني براون صديق عمره، وهو يتحدث معه هاتفياً.
- ليومي سبت وأحد؟
- نعم.
- الاسبوع القادم. هل أصابت الارقام والروتين وزلازل السوق عقلك بالصدأ؟
- سأنفجر غيظا فقط!
- أنت تنصحني دائما بالابتعاد عن الإبر في هذه الحالة.
- انا بعيد عنها تماما.
- على الأقل حتى لا تنفجر قبل رحلتنا.
- ما هي أخبار زوجتك وإبنتك؟
- بخير. مازلت ادفع فواتيري وضرائبي لجميع الجهات.
- كل الازواج والمواطنين الصالحين يفعلون ذلك.
لم يكن طوني يستطيع رفض طلب كهذا لمايكل، بل كان ينتهز فرصة الذهاب إلى ذلك المنتجع البعيد عن نيويورك ليعيش أعزباً لمدة يومين، يعود بعدهما وهو أكثر قدرة ونشاطا على مواصلة حياته. تعودا اختيار منتجع بعيد لا يتغير أبداً ليتآمرا على صخب الحياة وتعقيداتها وضجيجها وسخافة بعض البشر، ولا يتحدثان في أي شيء يعكر صفو وجودهما بين الطبيعة والبحيرة الاصطناعية الجميلة وأشجار المنتجع أمامهما. كانا يعيشان يومي الاجازة وهما يتحدثان ويتذكران تفاصيل بعض أفضل أيامهما اثناء الدراسة ولعب كرة القدم، ومن يقابلان من رفاق هذه المرحلة وأين اصبح كل منهم، ويخبران بعضهما النكات الفاضحة والمستورة، خصوصاً ما يجمع التناقضات الحادة. كانا يعشقان تلك النوعية من النكات ويجمعانها ويحتفظان بها مثل هواة جمع الطوابع.
- تذكّر دائما أن رقبتك يمكن أن تعلق بمصيدة، وفجأة تجد أحدهم قد جاء وأنت في ورطتك غير المتوقعة تلك، فتستبشر خيرا بالنجاة، لكنه ربما يستغل محنتك فيسرقك أو يغتصبك، وانت في هذه الحالة المزرية. قال طوني لمايكل الذي ضحك كثيراً وبدون انقطاع، لأن صديقه قال هذه العبارة بمنتهى الجدية وبعيداً عن سياق حديثهما، وهما جالسان تحت الشمس يشربان العصير صباحاً، بينما طوني ينظر أمامه ولا يوّجه عينيه إلى مايكل.
- لماذا لا تحوّل هذه الفكرة إلى كاريكاتور وترسلها لي بالبريد الالكتروني؟
- هل تعتقد انها ستكون إباحية أو مقبولة؟
- إباحية مقبولة لأنها ذات مغزى. تماما كبعض أغاني ليلة الزواج في الريف الاسكتلندي.
- لكنها لا يمكن ان تُنفذ سوى على رسمين، أولهما يصور المنحوس وهو يصارع المصيدة حول رقبته، والاخرى للشرير وهو يمارس الفعل الشنيع معه. ما رأيك الفعل الشنيع أو السرقة؟
- الفعل الشنيع. ولماذا لا ترسم مستغل الظرف السيء وهو في لذة قصوى غير مبال بمصيبة المفجوع بما حول رقبته؟ قال مايكل وهما مستغرقان سوياً هذه المرة تماماً في الضحك.
- فكرة صائبة. سأرسمها كحيوانين خرافيين، حتى لا تسبب حساسية للسياسيين!
- واجعل ملامح المستغِل تشبه الثعالب. قال مايكل وقد بدأت الدموع تظهر في عينيه من شدة الضحك.
- هل لديك نكتة عن السياسيين؟ سأل طوني بعد لحظات.
- لديّ واحدة عن الاسواق المالية.
- لماذا؟ نحن هنا لنهرب منها!
- سأقولها لأبكي على خفض سعر الفائدة بينما الاسعار ترتفع.
- ولماذا لا ترفع رأسك فخراً معها، ما زالت كل الامور متضخمة؟
- رفعتها.
- وماذا حدث؟
- إرتطمت بسقف الضرائب.
































الفصل السادس





صبغت الألفة أحاديث العمل الهاتفية بين مايكل ومنى بعد تعارفهما صدفة في بيت خديجة، وتحولت إلى مودة بين صديقين يتعاونان في عمل مشترك يربطهما، ولم تعد تلك المكالمات الهاتفية رسمية كما كانت في السابق، وكانت هي تنتظر هاتفه بعد ظهر يومي الاثنين والجمعة، وتأتنس بسؤاله عنها وعن إبنها، وكان يدهشها تحفظه وعدم مخاطبته لها كأنثى بكلمات تعتبر عادية في المجتمع الاميركي مثل: ياحلوتي أو ياعزيزتي أو حتى يا "مو". كان يناديها سيدة بريدا. وطلبت منه ذات مرة ما بين الهزل والجد رؤية نيويورك من مكتبه الشاهق، فدعاها للزيارة متى شاءت، وانفعل قلبها بشدة وهي تسمع دعوته، وكأنها تسمع صوت رجل يغازلها لأول مرة في حياتها. وذهبت بعد عدة أيام أثناء ساعة الراحة ظهراً، ودعاها مايكل إلى طعام الغذاء في البرج التوأم لتكون رؤيتها كاملة لناطحتي السحاب، وتمنت لو يقف الوقت وهما يتناولان وجبتهما.
- لقد إندهشت تماما عندما عرفت من خديجة إنك أعزب. قالت له أثناء الاكل.
- وخالتي أكثر دهشة منكٍ، وتتهم فتيات مانهاتن بالعمى.
- وأتهمك أنتَ باللامبالاة.
- بماذا؟ّ!
- لانك لا توحي بأنك متهتك أو بخيل.
- لم أفهم العلاقة بين البخل والزواج.
- بعضهم لا يتزوج بخلا.
- هل تمزحين؟
- لا. هذه حقيقة.
- انا لم اتزوج لسبب لا أعرفه.
- هل تبحث عن الحب؟
- قال كثيرون من أصدقائي انهم شعروا بفكرة الزواج تراودهم بعد عدة لقاءات مع الفتيات اللاتي خرجن معهم وأصبحن زوجاتهم في ما بعد. يمكنك القول ببساطة إنني لم اشعر بذلك مع من واعدتهن.
- مطلقا؟
- ولا مرة.
- يسرني أن تشعر به قريباً. لكن هل أنت من محبي تكوين اسرة؟
- نعم.
حتى لو لم يكن الرجل مغرماً بإمرأة، فإن صوتها ولغة جسدها وهي تتحدث معه لابد أن تبوحا له بمشاعرها نحوه، وقد تساءل مايكل في ما بينه وبين نفسه عن سر نظرة منى الدائمة في عينيه مباشرة وهي تتحدث معه، وتغيّر وتيرة تنفسها وهي ترافقه نزولاً وصعوداً بالمصعد، ونبرة الصوت التي لم يعهدها فيها من قبل وهي تتحدث معه هاتفياً، وراحة يدها التي تأخرت في يده وهي تسلّم عليه قبل العودة لعملها مرة اخرى، ولم يستطع منع نفسه من الابتسام، لأن هذه الاشارات صدرت عن إمرأة محتشمة، من المفترض أن تتعامل مع الغريب بتحفظ حتى لو كانت تعيش في نيويورك. فقد تصادف وهو ينتظر المصعد ذات مرة، ان جاءت إمرأة محجبة من مكتب آخر في اللحظة نفسها، ولم تدخل معه بحجة إنتظار شخص آخر عندما وجدت المصعد خالياً.
- هل تنوي فعلا ان تطلّق زوجتك يا دون؟ سأل مايكل اخاه.
- لقد وصلنا إلى طريق مغلق.
- هل فكرت في عواقب الطلاق؟
- لقد تزوجنا مدنياً، ولا أطفال لدينا كما تعلم.
- وماذا عن حقوقها القانونية؟
- ...........
- من الممكن أن تكون شريكتنا في مكتب التأمين. هل فكرت في هذا الامر؟
- هل تعتقد ذلك؟
- يمكن لمحاميها خوض هذه اللعبة.
- انا شريك إداري فقط.
- انا لست رجل قانون. أقول احتمالاً فقط، يمكن استخدامه لمضايقتنا.
- هي لا تحتاج للمال، وعقلها لا يصل لهذه الامور. إنها تافهة.
- وهل يمكنك دفع مصاريف فسخ عقد الزواج وما يتوجب عليه كلها؟
- ............
- ستأخذ خمسين بالمائة من كل ما تمكله.
- ...........
- يا دون! أنت تعلم أنني فتحت هذا المكتب تحسباً للرمال المتحركة التي أعمل فوقها. شيء للمستقبل. لمستقبلنا سوياً.
- انا مستعد للتنازل عن الشراكة صورياً.
- ومحاميها مستعد اثبات أن الامر شكلي بيننا نسبة إلى تاريخ تنازلك.
- انا شريك إداري وانت صاحب المكتب. هذا هو القانون.
- دخول أي نزاع قضائي شيء والخروج منه حكاية اخرى.
- .........
- لقد حاربت الجميع يارجل من أجل سواد عينيها.
- .................
- يجب التفاهم معها أولاً.
- لا تفاهم فقد إنتهى ما بيننا.
- انا الذي سيتفاهم معها وليس انت، ما زالت الامور وصلت الى هذه النقطة بينكما.
- أنتْ؟ وهل انا نكرة؟
- لا انا أو أنت! محام شركتنا سيتفاهم معها.
- تكلم معها أنت حتى لا يسبب الطلاق مشكلة لمكتبك. إنها مشكلتي وقد أوقعتك فيها.
- مشكلتنا نحن الاثنان يارجل.
كان دون الاخ الأكبر لمايكل، ونمى مشاكساً منذ نعومة اظافره، ولم يعترض فينسنت وودز ولا حتى مرة على إسلوبه، بل كان يحميه من غضب أمه وأخوته عندما يثورون على فوضويته الزائدة، وعلاقاته العنيفة معهم ومع أصدقائه في المدرسة أو شكوى الاساتذة منه، فقد كان والده يعتقد أن الحياة بحاجة لمثل هذه الشخصيات لذلك أوجدتها، وكان في قلبه ينظر إلى دون بإعتباره الوجه المختلف عنه تماما، الذي يحبه ولا يستطيع أن يكون مثله، لأن الحياة خلقته على صورة الانسان الودود المسالم ، الذي لم تفلح قسوة الظروف في تغيير سلوكه، أو حتى إضافة الحدة إلى بعض مواقفه. كان فينسنت رجلا صاحب قلب صاف ومزاج حنون ومشاعر دافئة، حتى تجاه منافسيه ومن لا يحبونه.
هدد دون بقطع علاقاته مع أسرته لو رفضوا زواجه من الفتاة التي احبها، وقد عُرفت بإستهتارها وعدم جديتها. كانت مجرد فاتنة شقراء ذات قلب متحجر أناني لا يعرف الاخلاص سوى لمصلحتها ومتعتها ورفاهيتها، تصحو من نومها متأخرة حتى لا تصاب بأوجاع صداعها النصفي، كما كانت تزعم، ولم تقبل ولا مؤسسة بشروط نومها، فبقيت عاطلة عن العمل معظم حياتها، مدللة من أهلها الاغنياء، تصب غضب فشلها وغيرتها على من تعملن من قريباتها، وكان هو يعلم ذلك تماماً لكنه إعتقد أن الزواج سيغيرها إلى الأفضل.
لكن منذ زواجه قصير الامد بها، الذي عارضته أمه دائماً وحثت مايكل بدون جدوى على التأثير عليه لمنع حدوثه، لم يزر بيت أهله سوى مرات قليلة، وكانت علاقاته بأفراد اسرته جميعا لا تتعدى كلمات المجاملة على الهاتف في الاعياد والمناسبات، ورغم ذلك إختاره مايكل ليكون شريكه الاداري والمدير التنفيذي لشركة التأمين الصغيرة التي أسسها لتصبح مصدر رزقه، لو تحركت الرمال في السوق المالية تحت قدميه مرة أخرى، او إستبدلوه بشاب معاشه أقل عندما يتجاوز الخامسة والاربعين. إختاره مايكل ليحسّن علاقته بأسرته، ولموهبته الفذة في مجال التأمين والعلاقات العامة المتينة مع بعض المتمولين أصحاب المشاريع. ورغم ذلك لم يطرأ على علاقته بعائلته تغيير، وكادت مشاكله المزمنة مع زوجته أن تحطم نبوغه في مجال عمله، وتصيب حياته بصدع خطير هو إنعدام الثقة بنفسه واحتقار البشر، عندما إكتشف أدرك أنها تتناول حبوباً ضد الحمل سرا، لأنها لا تريد تشويه جسمها ولا ترغب في إرهاق نفسها، أو ضياع وقتها في سخافة تربية الاولاد، التي قالت عنها بعدما عرف زوجها بالأمر، بأنها أقذر مهنة في التاريخ.
إستطاع مايكل حث زوجة أخيه على فسخ عقد زواجهما بأقل خسائر وفضائح ممكنة، ولم تكن لياقته هي سبب ذلك النجاح الوحيد، بل تصرفاتها الطائشة التي قد تجعلها تقبل في لحظة ما ترفضه دائماً، علاوة على عدم إحتياجها للمال كونها من عائلة غنية هي وارثتها الوحيدة، وإعجابها بمايكل نفسه وإعتباره شخصاً جذاباً، فوقعّت على عقد فسخ الزواج وهي تبتسم لمايكل، وكأن ما حدث إنها دخلت مطعما وطلبت صحناً لم يعجبها، فردته ودفعت ثمنه وخرجت لتجرب صنفاً مختلفاً في مكان آخر.
- هل أنت مرتاح في حياتك بدون زوجتك؟ سأل مايكل دون مساء سبت وهما يشربان كأساً في منزل الاول.
- تقصد زوجتي السابقة؟ نعم... إلى حد ما.
- هل ما زلت تتذكرها؟
- مشكلة الانسان هي قدرته على التذكر.
- ماذا تعني؟
- أسمى ما أرغب فيه يامايكل هو حياة الحيوان. لا تاريخ أو ذاكرة او تمسّك بمقتنيات. مجرد حياة يعيشها حتى تنطفىء. إنها حياة عظيمة كحياة الكون.
- هل تتكلم جدياً؟
- أكيد. حاول الانسان إنكار أصله ومصيره ففشل وأراد تغطية فشله بالكذب لأنه يتكلم.
- ويفكر.
- فخلق كل الترهات التي نسمعها.
- ها..ها..ها.
- وحياته جشعة وسلسلة أكاذيب ونفاق بدون أدنى نوع من انواع الخجل.
- بل هو يبرر ما يفعله دائما.
- هل تعتقد يا مايكل أن الانسان كان يمكن أن يكون أرقى مما هو عليه؟
- لو كان قد خُلق بدون جهاز هضمي. قال مايكل وهو يضحك.
- ربما ما تقوله صحيحاً، لكن المشكلة هي الشفرة الجينية التي لم تفلح الحضارة في جعلها أرقى.
- هل تعني أنك نسيت تلك الشقراء نهائيا؟
- اشعر يامايكل إنني تخلصت من عبء رهيب. هل تتخيّل أن حتى رؤية جمالها أصبحت عبئاً؟
- حاول تخطّي تأثيرها المُدمر عليك.
- هل تعتقد أنني كنت أفضل قبل الزواج؟
- بكثير. كنت أروع.
- هل تعلم أنني احبك فعلا؟
- لماذا؟
- لأنك صبور وتحبنا كثيرا.
- انا سعيد بهذه المحبة.
- لكن مشاكلنا ترهقك أحيانا.
- الدنيا لها طريقة خاصة في إلقاء المشاكل على هذه الاسرة. تُلقي المشكلة المناسبة لكل واحد، لكنني احاول البحث عن حلول دائما حتى لنفسي. قال مايكل وهو يبتسم.
- علينا كلنا أو عليك انت؟
- كلنا .. كأسرة. على سبيل المثال، ما فعلته أنت مع هذه المرأة كان يجب أن يجعلها إنسانة، لكنها وقعّت على عقد فسخ زواجها وهي تلوك العلكة غير مبالية.
- هل كانت تلوك علكة؟!
- نعم. قال مايكل وهو يضحك، ما جعل دون يبتسم ثم تتحول ابتسامته الى ضحكة عالية.
- حمقاء!
دعا مايكل منى وخديجة وعلى ماكهيل لحضور حفل زواج أخته سارة، وهي الاخت الوحيدة في الاسرة، وكان شرب نخب العروسين وحفل الكوكتيل في الصالة الملحقة بالكنيسة التي تزوجا فيها، وبدا حضور دون مؤثراً على الجميع بعد غيابه الطويل، ورأت منى لأول مرة الاخوة السبعة وأمهم، ولم تتمالك نفسها وابتسمت وهي تصافح سابع أخ، وعندما وصلت إلى أمهم عانقتها وهي تتمنى لها الصحة والعافية وطول العمر، وابتسمت آني لها ايضاً.
- هل اخطأتِ مرة في مناداة احدهم؟ سألتها منى اثناء الحفل الصغير عقب مراسم الزواج.
- حدث ذلك كثيراً. عندما يكون بالي مشغولاً بأحدهم، أنادي الموجود أمامي باسم الغائب.
- اخبرني مايكل عدد اخوته، لكن رؤية الفريق كاملا غير سماع الخبر. قالت خديجة التي كانت واقفة مع السيدتين.
- هو فريق فعلا. لم أكن أشعر كيف يمضي نهاري وهم صغار. كانت السنة نفسها تطير ولا أعرف كيف.
- هل كنتِ سعيدة فعلا؟ سألتها منى.
- عندما أقف بين هذا العدد بكامله، كما هو الحال اليوم، أشعر بالامان والسعادة معا.
تحدث الجميع مع دون، بناء على تمن حار من مايكل، وكأنه لم يغب هذه السنين، وكان أكثرهم سعادة به أمه وأخته سارة، اما هو فبدا منكس الرأس في أحيان كثيرة أثناء مراسم الزواج، وكأنه يفكر في الايام التي اضاعها بلا جدوى، وعلاقة لم تثمر سوى المتاعب بعد بداية نارية شهوانية من الطرفين، إضافة إلى عداوة غير مبررة تمادى فيها ضد أهله وبعض الاخرين، لمجرد نزوة وقعت فيها إمرأة مزاجية وورطته فيها بعد ان أطلقت عليها إسم "الحب الجارف". ولأول مرة شعر دون إنه مختلف تماما عن الشخصية الاولى التي كان يعيش بها بين أهله. أحسّ انه منكسر مهموم بين اناس يضحكون، خصوصاً عندما ذهب الجميع إلى منزل العائلة لتناول الغذاء، بعد شرب نخب العروسين في الكنيسة.
- هذه المرأة تعشقك. همس دون لأخيه مايكل وهما جالسان في إحدى زوايا غرفة الجلوس يتحدثان.
- من؟
- "مو"! كل ما فيها يقول ذلك.
- دعنا نتحدث في ذلك الامر في منزلنا ليلا.
- إذاً هناك أمرٌ.
- إنتبه لأن فيليب يصورنا من بعيد.
- "مو"! لماذا لا تقتربين مع إبنك ليصورنا فيليب بكاميرا الفيديو سوياً للذكرى. قال دون بصوت عال وكأنه وجد مناسبة يخرج من خلالها من دائرة ضيقه النفساني.
- هل تعلم لماذا ستكون عزيزاً عندي بدءا من اليوم؟ سألته منى وهي تقترب مع إبنها.
- ربما لأنني احب المزاح.
- مايكل يحبه أيضا. لكن هناك سبب آخر.
- ما هو؟
- إنك تحمل إسم أبي نفسه.
- هل إسمه دون؟
- نعم.
- صدفة جميلة.
وقفت منى مع إبنها بين الاخوين وهي تبتسم إبتسامة كبيرة جدا لدون، لأنه جعلها تقترب من مايكل الذي كان يشّع وسامة في ذلك اليوم بشكل لافت للنظر، لدرجة جعلتها لا تنظر إليه مباشرة حتى لا تفصح ملامحها عن مكنون قلبها. كانت تحاول إن تبدو سعيدة ومبتسمة لحدث الزواج نفسه، وليس لشخص محدد، رغم إنها ذهبت إلى خمس محلات لتختار فستان هذه المناسبة، وقصدت محلين لإختيار غطاء رأس يلائمه، ووقفت أمام المرآة طويلا لتضعه حتى يُظهر غرة شعرها والحلق الجديد في أذنيها. وقد تعمد دون أن يجعلها تقف بجوار مايكل ووقف أحمد بجواره، وإبتسم الجميع لفيليب وهو يصور، لكن الاخير طلب منهم التحدث مع بعضهم بعضاً، لأنه يصور فيلماً وليس صورة، وبدأ دون حديثاً طويلاً متشعبا مع منى، لأنه أحس انها تريد الوقوف معهما فترة طويلة، وكان طبيعيا أن يشاركهما مايكل، وأتت خديجة بعد ذلك وزوجها للمشاركة في الحديث الضاحك الذي إستقطب إنتباه الموجودين كافة. وطلبت منى نسخة عن الفيلم من فيليب لتحتفظ به للذكرى قبل مغادرة منزل عائلة وودز.
لم تر منى سبباً معقولاً لرجفة يديها ليلا وهي تتذكر العبارات التي تبادلتها مع مايكل في منزل العائلة. كما لم تدر أين تذهب خبرتها الطويلة السابقة في عالم الرجال عندما يتحدث. كانت تقف أمامه كمراهقة في الخامسة عشرة لا تعرف من أين تبدأ، ولا ترى سواه أمام عينها، وتزعجها نظرته المحايدة لها التي تجعلها تشك في شعوره بعاطفتها نحوه، وتتمنى أحيانا أن ينظر إليها حتى مثل بعض الرجال كإمرأة جميلة. وكانت تسأل نفسها إذا كانت ملابسها المحتشمة لا تمنع نظرات الرجال المتفحصة إليها، فأين هذه النظرة في عينيه حتى تشعر أنها موجودة على لائحة صفات المرأة التي يراها جميلة. وكادت أن تجزم بوجود إمرأة اخرى في حياته، تجعله غير محتاج لأي أنثى غيرها، وتمنت من كل قلبها مقابلة هذه المرأة لتهنئها على ذوقها الرفيع.
- منى امرأة صاحبة خبرة في الرجال. قال دون لمايكل وهما يشاهدان نشرة اخبار التلفزيون ليلاً.
- ولماذا تبدو واثقا إلى هذا الحد؟
- تجاهل غطاء الرأس والفستان الطويل حتى الحذاء. هل لاحظت عينيها وسجل الخبرات المكتوبة فيهما.
- ولا مرة رأيتها بهذه الطريقة. لكن لماذا أنت مصمم على وجود علاقة بيننا؟
- على الأقل من ناحيتها هي.
- ............
- هل تريد اقناعي أنك لا تشعر بعاطفتها نحوك؟
- أشك بوجود شيء. ربما إعجاب. هي ارملة وانت تعلم ان الارمل والارملة ضعيفان وبحاجة إلى لمسة حانية، ليس من المفترض أن تكون حبا. مجرد إهتمام .
- إذاً لديك بعض المعلومات عنها. لماذا تحولت إلى الاسلام؟ لا يُعقل أن يكون أباها اسمه دون بريدا وهو مسلم.
- ربما اشهرت إسلامها بسبب زواجها.
- ربما؟ هل هذه المرأة لم ترو لك قصة حياتها؟
- لا.
- ستقولها قريبا جدا. إنها تعشقك وتخشى الاقتراب وانت السبب! تذّكر هذه المعلومة في المستقبل، وسوف تبرهن لك الايام صحة تكهناتي.
لم يكن مايكل مراهقاً صغيراً ليندهش بكل كلام أخيه دون عن منى. كان يشعر بوجود شيء ما في قلبها تجاهه، لكن يقينه الثابت بأن الدنيا تعرف كيف تلقي المشاكل عليه، لتزيد أعبائه حفزّه دائما على عدم التفكير فيها، أو حتى الاقتراب بخياله منها. كان يشعر بأنها ستفتح باباً عليه، هو في غنى عن ما سيأتيه منه، لذلك استخدم معها اسلوبه القديم وهو يلعب كرة القدم، عندما كان لا يكتفي بمراقبة اللاعب الذي طلب منه المدرب مراقبته، بل كان يمنع وصول الكرة إليه، ليلغي خطورته وفاعليته تماما. لكن هذا الاسلوب وإن أبعده عن التفكير فيها، لم يفلح في منعها من الامساك بتلفونها ذات مساء وطلبه على هاتفه الخلوي.
- هل ما زلت في الطابق الرابع بعد المائة؟ قالت منى.
- مساء الخير يا منى. من أين تتحدثين؟ ردّ مايكل عليها.
- هذا رقم هاتف منزلي، إحتفظ به لو شئت.
- هل تحتاجين لشيء؟
- ينام إبني مبكراً بسبب نشاط الاولاد الذي يمارسه ولكي يذهب إلى مدرسته صباحاً، وأكون أحياناً بحاجة إلى صوت يؤنس وحدتي. مجرد صوت إنسان طيب مثلك.
- هل هذا هو كل شيء؟ لقد إنشغل بالي عندما سمعت صوتكِ.
- هذا كل شيء. هل أنت في عملك؟
- أنا في مطعم.
- هل معك صديقة؟
- لا. أشرب عصيرا وأتأمل الوجوه من حولي.
- وهل أنت من هواة قراءة الوجوه؟
- أحيانا.
- لن ازعجك أكثر من ذلك. شكرا على هذا الحديث اللطيف.
- لكن كيف عرفتي رقم هاتفي الخلوي؟
- هل نسيت أنك اعطيتني بطاقة عملك يوم عيد ميلاد إبن خديجة؟
- لقد تذكرت. أنت على الرحب والسعة دائما.
- مع السلامة. إستمتع بوقتك.
ندمت منى بعد الحديث إنها لم تسأله: هل قرأت وجهي؟ وكانت أول مرة تندم فيها على أمر لم تقله لرجل. وفوجىء مايكل فعلا بحديثها معه، وتعاطف مع العبارة التي قالتها عن بحثها عن مجرد صوت يؤنس وحدتها، وتعجب من الوحدة التي يشعر بها المرء، وهو يقود سيارته ويشاهد عمارات نيويورك المضاءة ليلا، وتذّكر وسائل الترفيه والانترنت وعدد قنوات التلفزيون الذي يبلغ نحو أربعمائة، ولم يدر لماذا شعر بقشعريرة، وهو يقارن بين وجود الانسان المديني وعدد وسائل الترفيه لديه وشعوره بالوحدة والسأم.
شخصان وحيدان فقط تجرأت منى على البوح لها بما في قلبها. فقد باحت لصديقتها ستيفاني لأنها كانت تريد التحدث مع أنثى عن حالتها، ولم تجد الشجاعة الكافية لتقول لماجدة ما يحدث في قلبها، كما لم تشأ الحديث مع خديجة في أمر كهذا، رغم يقينها بسعة قلبها ورجاحة عقلها. وكان تعليق ستيفاني بأن منى عاشت دائما مع المستحيل وشعرت بلذة مستحبة وهي تعيش مع الفوضى، وهي تضيف مستحيلا آخر بحبها هذا على مستحيلات حياتها وإسلامها وتبدّل شخصيتها تماما. ونصحتها بإعتبار الامر مجرد تجربة صعبة يجب أن تخوضها من أجل إيمانها الجديد الذي غيّر حياتها نحو الافضل. كما ذكّرتها بفعالية الصلاة في حياة الانسان التي إكتشفتها بعد دخولها دين محمد، ونصحتها باستعمال هذه القوة لعدم الانسياق وراء هذه "النزوة الوقورة" التي لم تعد تليق بها، مازال الدين الذي ُتخلص له يحرم عليها العبث، أو حتى الزواج من دين آخر حتى لو كان دينها السابق.
- أين المشكلة تحديداً؟ سألها خالها لوقا ريتشاردسون وهما يتمشيان في حديقة كنيسته، بعدما شرحت له حكاية حبها.
- الموضوع ليس نزوة مثل نزواتي القديمة. انا أعشقه فعلا لكن التغيير العميق الذي حدث في حياتي، يمنعني من إتخاذه خليلاً. ساعدني ياخالي بخبرتك مع الناس وبما تعرفه.
- لكن الرجل لم يبد أي عاطفة لك غير الصداقة البريئة. ويبدو لي أنك سعيت الى هذه الصداقة.
- هذا صحيح تماما.
- إذاً الامر لا يحتمل سوى تفسير واحد هو حبكِ أنتِ له.
- هذا مؤكد.
- وأنت إمرأة ما زلت في عمر تشتاقين فيه بقوة جامحة إلى رجل.
- وهذا صحيح أيضا.
- ألم يُعرض عليكِ مشروع زواج بعد إسلامكِ؟
- عُرض لكنني لم اتجاوب.
- أنت تبحثين عن الحب لا شك في ذلك. إجعلي هذا البحث وقود حياتك ولا تطلبين أكثر من ذلك، لأن أعظم قصص الحب هي التي ظلت بدون زواج.
- ولو تطور الامر من جانبه.
- هل أنت على إستعداد لتهبينه جسدكِ بدون زواج؟
- مطلقاً. كل شيء سيهتز بشدة في حياتي وقد يحتقرني إبني للأبد. لقد أصبح ناضجا ويفهم.
- الرجل لن يعبر الجسر ليصل إليكِ، وهو ممن يعتبرون العمل حياتهم نفسها. وصفك له يوحي بذلك. حاولي الإتناس بصداقته ولا تخسريها.
من المؤكد أن صوت مايكل في الهاتف وهو يسأل منى بشكل دوري عن بعض الامور المالية بين مؤسسته ومصرفها، لم يعد كما كان بالنسبة إليها في وقت سابق. كانت تشعر إنها تنتظر هذا الصوت، وتكاد تتصل تلفونياً إذا لم يبادر به حتى الثالثة بعد ظهر الاثنين أو الجمعة، لكنها كانت تتراجع في آخر لحظة. كما كانت تتحدث معه بشكل طبيعي للغاية، خشية أن تكون شركته تسجل المكالمات التي قد يحتاجها بعض المستشارين بسبب سهو ما، أو كنوع من الرقابة على تعامل الموظفين مع العملاء، أو حتى بسبب تكنولوجيا أصبحت رخيصة جدا، ويسأل مندوبو المبيعات بدهشة شديدة عنها إذا لم تكن أي مؤسسة كبيرة تستعملها. لم يكن صوت مايكل كأي صوت في حياتها من قبل، بل كان صوت أول رجل يؤثر فيها ويجعلها تسلم روحها له، وكانت تتعجب أحيانا من ظروف هذا العشق الذي تسلل إليها خلسة بدون تمهيد، أو إرادة في إصطياد رجل اُعجب بها أو اشتهته. كما كانت تقارن ما بين سخائها الجسدي مع عشاقها السابقين، وتغيّر أحوالها اليوم بحيث لم تستطع أن تعد نفسها حتى بقبلة من الرجل الذي أسر مشاعرها. كانت تتأمل احيانا جسدها وهي ترتدي ثيابها، وتتذكر ماضيها الشره وصيامها الحاضر، ولا تعلم ما ستنتهي إليه الامور التي تتطور داخل مشاعرها، ويؤجهها بعدها عن الرجل وحرمانها العاطفي.
بدا واضحا لمايكل أن منى تأتنس بصوته وأحاديثه، بعد تكرار إتصالاتها الهاتفية المسائية، وتمنّيها عليه أن يبقيها سراً بينهما، وتفهّم هو هذا الطلب رغم إنه لم يكن ينوي إخبار أي إنسان. وكان يتحدث معها بصيغة المذكر عندما يكون أخوه في المنزل، وكانت هي تفهم هذه الاشارة الغامضة، ولا تطيل حديثها كما يحدث في كل مرة عندما تسأله عن أحواله وأشغاله، وتشرح له ملخص ما حدث لها في الايام السابقة على إتصالها، وتسأله استشارة أحيانا في بعض أمور العمل. وقد شعرت منى بنوع من الرضا بسبب هذه الاحاديث، التي كانت تمدها بالراحة النفسانية وتروي ظمأها إلى إهتمام رجل حتى بصورة صديق مخلص يحترمها، ولم تجروء يوما على التلميح له بعاطفتها بشكل صريح، لأنه لم يبادر حتى بالاتصال بها مرة واحدة.
- هل يزعجك تلفوني؟ سألته ذات ليلة.
- مطلقاً. لماذا تسألين؟
- لأنك لم تتصل بي ولا مرة.
- أفهم أن السر الذي بيننا يجب أن يكون بعيدا حتى عن إبنك. ماذا اقول له لو أجاب على هاتفي؟
- ........
- هل مازلت على الخط؟
- نعم. أجابت منى وهي تفكر في هاتفها الخلوي الخاص الذي يتجاهل مايكل استعماله.
- أريد أن أسألك عن الذي تخافين منه.
- تمنّي أي شيء من كل قلبي. لأن الايام عودتني على عدم تحقيقه. أو التخطيط للحصول على أمر ما، لأنه لن يحدث لو خططت له!
- ما الذي تحبين مشاهدته في التلفزيون؟
- أتمنى أن تكون هناك قناة متخصصة تعرض ألعاب الخِفة التي يؤديها السحرة. على فكرة لماذا لم يفكر أحد في مثل هذه القناة؟ هناك أطنان من الافلام لها.
- هل مارست الرياضة بشكل احترافي أو شبه احترافي يوما؟
- ظليت سنوات طويلة ألعب كرة السلة في كل المدارس التي إلتحقت بها.
- .......
- انا التي تسأل هذه المرة: هل مازلت على الخط؟
- أظن.
- لماذا سألتني هذه الاسئلة؟
- فضول الاصدقاء.
لم يكن فضول الاصدقاء وحده هو سبب اسئلة مايكل لمنى، بل محاولة منه لكشف الستار عن ما يربط بينهما، لأنه لم يستطع أن يستوعب اتصال إمرأة به بهذا الاسلوب بدون وجود رابط خفي بينهما، خصوصاً في طريقة التعامل مع الامور والاشياء المفضلة في الحياة. ورغم تأثره بردودها للغاية، لأنها جاوبت وكأنه هو الذي يتكلم، إستمر على عادته في عدم الاتصال بها، والحديث المحايد معها حتى لا يفتح أبواباً بينهما ستنتهي كما يتخيل إلى أمر مزعج.
لم يستطع التخلص من هذه المعادلة ابدا، رغم إنه بدأ يشعر بإنه ينتظر هاتفها الشخصي لو تأخرت أكثر من إسبوع. وقد أدهشه اخوه فيليب ذات يوم أحد بسؤاله عما إذا كان يعرف رقم هاتف المرأة ذات غطاء الرأس التي حضرت زواج أخته، وعرف مايكل أنها قد طلبت من أخيه نسخة عن شريط فيديو العرس، ولم تتصل به لتأخذه، وقد نسى عدة مرات أن يسأل مايكل عنها. وأخذ مايكل الفيلم منه وتركه عند خديجة، وطلب منها أن تعطيه لمنى عندما تراها.
غادر دون منزل مايكل بعد الفترة العصيبة الاولى التي تلت طلاقه، رغم أن اخاه طلب منه عدة مرات البقاء والعيش معه، لكنه أكد له انه إستعاد توازنه النفسي ويستطيع الوقوف على قدميه، وستتيح إستمراية نجاح الشركة له بداية حياة جديدة من الأفضل ان تكون مستقلة، لأنه أصبح قادراً على دفع ايجار منزل وشراء عفشه أيضا. وعندما أغلق دون بابه عليه بعد رحيل أخيه الذي ساعده في نقل الاشياء الخاصة به إلى منزله، لم يستطع أن ينكر الورطة التي وقع فيها بسبب إمرأة مستهترة أنانية، تسببت في هدرعدة سنوات من عمره وجعلته يبدأ من نقطة الصفر بعد سنوات من حياته العملية والاسرية. شعر دون بصداع هائل عندما تذكر كيف انقاد وراء المظهر الخارجي الجذاب لزوجته السابقة، وتأكيدها له بأنها وجدت "الحب الجارف"، ما دفعه دفعاً إلى التعامي وصّم أذنيه عن كل التحذيرات التي سمعها عن سلوكها، وعدم مبالاتها بشيء سوى متعتها الشخصية وثيابها وذاتيتها المفرطة. أحسّ بأنه وقع ضحية ساذجة لشهوته لها، التي جعلته أصماً وضريراً عن كل ما عدا تلك الشهوة العارمة، التي تبخرت مخلّفة ألما في القلب وفراغا اجتماعيا لا يطاق.
وكدأب آل وودز قرر بداية جديدة ومقاومة كل هواجسه وذكرياته المؤلمة، التي اعتبرها مثل بقايا الطعام والزجاجات والزينة المتناثرة هنا وهناك بعد إنتهاء أي احتفال، يجب ازالتها كلها أولا ليعود للمكان رونقه، ليستطيع اصحاب المكان إقامة حفلة أخرى في المكان نفسه، وتعجب من سلوك مايكل بالغ الحذر من تكوين اسرة، وتساءل عما إذا كان أخوه يبحث عن إمرأة قادرة على التعامل مع اسرة مثل أمه، وليس رفيقة سهرات وحفلات وفراش. ووجد أنه محق لو كان فعلا يبحث عن هذا النوع حتى لو طال إنتظاره ولم يتزوج، فالزواج أمر في غاية الخطورة في حياة الانسان، ولا يعرف خطورته أكثر سوى من فشل. وفي أقل من لحظة استوعب دون ما يقوله أخوه من وقت لآخر عن إحساسه بأنه متزوج بشكل ما، الامر الذي يعني أنه عرف مسؤولية ما بعد انقضاء رومانسية التعارف بين رجل وإمرأة، ثم زوال الجاذبية التي لا تقاوم في بداية علاقتهما الجنسية، ووضوح مشوار الحياة المشتركة نفسها.
أخفقت منى في تسمية الاحساس الذي سيطر عليها عندما اعطتها خديجة شريط فيديو حفل زواج أخت مايكل، رغم شعورها بوجه عام بالرضا الانثوي لأول مرة منذ دخول مايكل إلى قلبها بدون استئذان، فقد كان يمكنه أن يطلب منها على التلفون أن تلقاه في محل خديجة ليعطيها الفيلم لو كانت لا تعني شيئا له. تجنبها بهذه الطريقة يعني أمر تفهمه أي امراة.
لكنها مثل فتاة مراهقة أخفت الفيلم في شنطتها، وبدأت تشاهده بأقل صوت يمّكنها من سماع الحوارات، بعدما تأكدت من نوم ابنها تماما، وأعادت المشاهد التي اقتربت الكاميرا فيها من مايكل، خصوصا التي جمعتها به، وشاهدتها عدة مرات وأوقفت اللقطات التي كانت فيها قريبة منه لتقرأ ملامحه بهدوء لعلها تستشف شيئا عن شخصيته، لم تستطع معرفته اثناء اللقاءات القليلة التي جمعتهما سويا، والأهم انها كانت تبحث عن لغز إنجذابها نحوه، رغم عدم وجود شيء ملموس أو كلام له دلالته الخاصة بينهما. ولم تجد بداً من مبادرته بدعوة على الغذاء في مطعمه المفضل أثناء اتصالها الهاتفي الاسبوعي، من باب فضولها الشديد للإقتراب من إنسان تعتقد بأنه يستحق رؤية قريبة كلما سنحت الفرصة، وقد تعيش مائة عام ولا تجد مثله مرة أخرى.
- هل هذا هو طعامك المعتاد؟ سألت منى مايكل بعدما طلب غذاءه من الغرسون.
- عن طريق الصدفة، دعاني عميل على الغذاء اليوم، وهو ممن يحبون الحديث أثناء الاكل وليس في المكاتب، وسيأتي في الثانية والنصف هنا، لذلك يجب ترك مساحة لغذاء آخر.
- رغم اننا التقينا أكثر من مرة، لأول مرة اراك بوضوح عن قرب.
- هذا غريب.
- كنت متوترة في المرات السابقة.
- وكيف وجدتيني وانت مسترخية اليوم؟
- لا تعطي انطباعا إنك تعمل في المجال المالي.
- هل تعتقدين أن العمل يؤثر على ملامح الانسان ؟
- إلى حد ما.
- .........
- اتمنى ألاّ تكون إتصالاتي مزعجة بالنسبة لك. قالت له وهما يتناولان طعام الغذاء الذي أصبح على الطاولة.
- بالعكس. أجدها شيئاً طريفاً. نوع من الصداقة لم أصادفه من قبل. مثل صداقة الانترنت.
- اما انا فأجدها شيئا حيويا لي، فربما لم تجرب الوحدة.
- لم اجربها بالصورة التي تعيشينها أنت.
- مايكل! هل انت مؤمن؟ سألته بعد لحظات.
- لماذا تسألين هذا السؤال؟
- انه سؤال من صديق يحب معرفة أفكارك.
- حسنا. أعتقد أنه لا شيء خارج هذا الكوكب. فهو وجودنا وحياتنا.
- سؤالي عن إيمانك بالله.
- أتعجب من وقوفه على الحياد بشكل يثير الدهشة أحيانا، إذا كان موجودا كما يقول المؤمنون.
- مثل ماذا؟
- التطهير العرقي بشكل عام، خصوصاً ما تم باسم الدين. وعلى فكرة هذا الموضوع المقرف قديم جدا في تاريخ البشرية.
- ماذا يمكن أن يفعل؟ الانسان سيُحاسبنا في الحياة الأخرى على كل شيء.
- يجب أن يفعل شيئا للاحياء مثلي وليس للاموات. شيء يثبت انه ليس بحاجة إلى هذه الدماء والاساليب المتوحشة.
- لقد ضرب سدوم وعمورة بالنار والكبريت بسبب اللواط، لكنه مستمر حتى هذه اللحظة. لم يبال البشر بما حدث.
- اللواط شيء والقتل باسمه امر آخر، لأن الذي يعرف الله لا يمكنه أن يقتل. ومن يقتل باسمه سفاح يُفقد الناس حريتهم وحياتهم من أجل مصلحته لا من أجل الله.
- من المؤكد إنك تجيب على قد معرفتك. يبدو أنك قارىء. انا تحولت إلى الاسلام بسبب أمر مسّ قلبي، وليس بعد قراءات وتأمل.
- ولا حتى تبشير؟
- مطلقاً. بدأ كل شيء عندما سمعت رجع الصلاة من حيطان مسجد بلغة لا أفهمها. كان الامر وقوراً جداً، خصوصاً مع سجود وقيام المصلين بهدوء تام.
- هل هذا ما حدث فعلا؟
- لم يصدق أحد ذلك، بل سخر منه خالي القسيس نفسه.
- هل خالك قسيس؟!
- راع الكنيسة المنهجية في سان بيدرو في كاليفورنيا.
- ما هذه المفارقة بالغة الغرابة؟ وماذا وجدتِ في الاسلام ليس موجوداً في المسيحية ما زلت لم تقرأين أو تُبشرين؟
- وجدت راحتي أولاً. ثم وجدت من يتحنن عليّ وعلى إبني ويساعدني لكي أعيش وابدأ صفحة جديدة. ربما يكون ذلك الامر صدفة، لكنها كانت سعيدة جداً.
- وماذا وجدت قبل إسلامك؟
- من يلومني ويسخر مني ويعنفني. كنت ضائعة بسبب اللامبالاة من حولي.
- هذه مجرد حجة.
- ربما.
- هذا أكيد.
- دعنا من هذا. هل أنت مؤمن؟
- غريب أن تكوني في نيويورك ويكون الايمان محور إهتمامك.
- انا حاليا معك وقد نسيت أين نحن!
- أتمنى فعلا أن أكون مؤمناً بشكل نهائي. انا أحاول وسعيد من اجلك لأنك وجدت راحتك.
تركت منى مايكل بعد الغذاء على طاولة الطعام ينتظر عميله، وجلس بعدما صافحها بمودة واضحة وهو يتأملها وهي تسير نحو الباب، بطولها الفارع ومشيتها الانثوية الواضحة رغم فستانها المحتشم وغطاء الرأس على رأسها، اللذين لم يفلحا في إخفاء تضاريس جسدها ورجرجة نهديها وهي تتنفس أثناء الحديث معه. كان تنفسها متوترا، لكنه يزداد عمقاً قبل أن تبدأ الاجابة عن سؤال يمّس حياتها الشخصية. تأمل مايكل أقدار الناس المدهشة أحيانا وحكاية صراع منى مع ظروفها التي روت جزءا يسيرا له منها، بطريقة لا تحطم صورتها الحالية أمام نفسها والاخرين، ولأول مرة يستعيد ما قاله أخوه دون عنها كونها إمرأة صاحبة خبرة في الحياة والرجال، ويجدها قوية إستطاعت أن تفعل شيئا بدأت به صفحة جديدة، كما أحسّ بإنها يمكن أن تعاند المستحيل لكي لا تكون على هامش إنسان تشعر نحوه بالارتياح أو الحب، مثلما باحت عيناها ونظراتهما وطريقة كلامها معه. كان كل شيء فيها يشي بأنها تتمنى أن تطول جلستهما وتخرج من حسابات الساعات والدقائق وتتكرر بعد ذلك. تركته وكل ما فيها جسداً وصوتاً وبريق عينين يقول إنها تحبه ولا تجد غير طريق الصداقة، لكي تراه من وقت لآخر، لأنه يلائم ظروف حياتها وربما حياته هو أيضا. وقد جعلته هذه الامور يتعجب من إمرأة إتخذت قرارها بتغيير دينها ودين ابنها، ثم جعلها قلبها وظروف حياتها تلتفت إلى الوراء بإتجاه رجل من دينها نفسه الذي تركته.
- لكنني لم اسألها ماذا يعني إسم منى. قال لنفسه وهو يبتسم وينهض ليصافح الرجل الذي ينتظره، وقطع بحضوره إسترساله في افكاره.
أما هي فلم تستطع في تلك الامسية وليلتها تناسيه لحظة بعيداً عن تفكيرها. تعاملت مع كل أمر وتحدثت مع أي إنسان حتى ابنها، وكأنها تنتزع نفسها من أقصى اعماق ذاتها لبضع ثوان فقط لتعود إليها.
أحسّت بأن مايكل الأمر الوحيد الراسخ الموجود بين كل ما حولها. الصورة الشفافة التي تسكن كيانها والصوت المسموع في عقلها، والطاقة التي تنشّط حواسها وقلبها بقوة، رغم إنها تعمدت الذهاب مع ابنها إلى مطعم وجبات سريعة فيه مكان مخصص للعب الاولاد، ثم إلى السوبرماركت نحو السادسة مساء. وبعد عودتهما ونوم ابنها شاهدت فيلما من أحبّ الافلام على قلبها بين الافلام الموجودة في منزلها، وكانت على وشك أن تتصل بمايكل هاتفيا، وامسكت فعلا بجهاز التلفون بضع مرات وأرجعته في كل مرة إلى مكانه، أثناء عرض الفيلم الذي لم تكن تتابعه بإهتمامها السابق نفسه، لأنها لم تجد مجرد كلمة لديها تقولها عبر التلفون غير الحقيقة التي لا تستطيع البوح بها، وتخاف منها على فقدان العلاقة التي تشعر بعذوبتها وتؤنسها.
لم تتخيل ظهور رجلها المنتظر بعد التغيير الشامل في حياتها بهذه الطريقة، وبعد إختبارها أحوال العشق والجنس بكامل طاقتها ونشوتها.. بكامل وعيها ومخمورة وبعد تدخين المارينغوانا.. مع رجال من أشكال وأمزجة مختلفة.. بدافع الشهوة البحتة وبتحريض ملّح من نزوة عابرة أو لمجرد إغاظة إمرأة اخرى.. حتى خُيّل لها أنها تستطيع تأليف كتاب شامل عن فنون الجنس، وتحل ضيفة متميزة على برامج "تلفزيون الواقع" لتروي تجاربها المثيرة المختلفة، لكنها رأت أن ما اختبرته كان سخفا وطيشا، وتمنت رجلا يؤمن بها كما هي الان، وتحبه حتى نهاية عمرها وتخلص له وتشاركه تفاصيل العيش كافة بين رجل وإمرأة، لكن الحياة قذفت به أمامها أملاً يصعب الوصول إليه، ومجرد كائن في ذهنها لا تستطيع الاندماج معه بكل عنفوانها وشبابها وعواطفها الملتهبة.
لم تخش ولا لحظة منذ أن تركته بعد الظهر نظرته الحيادية لها، لأنها كانت على ثقة من إمكانية الوصول إلى قلبه لو صممت، فهما يتشابهان في عدة أمور اساسية في علاقة ناجحة بين رجل وامرأة. وقد راقت لها كثيرا عبارة قالها عن حاجة الانسان الملّحة أحيانا عندما يريد معرفة الحقيقة عن أمر ما، ولا يجد سوى الشك والالتباس بدلا من الجواب النهائي الذي يبحث عنه. ارادت من كل قلبها أن تتصل وتقول له إنها تحبه، لكنها لم تستطع سوى الصمت والنوم المتقطع.
زار دون بريدا إبنته في نيويورك بعد إلحاح عدة مرات منها في الفترة الاخيرة ولم تقدر أمها أن تصطحبه، لأن منى أحبت أن يشاهدا كيف تعيش والمدرسة التي يذهب ابنها إليها، وتأخذهما لزيارة عدة اماكن جميلة في المدينة وضواحيها، يرفهان بها عن نفسيهما، ولاحظت منى تأثير التقاعد الطويل على والدها في المنزل، عندما سألها عن الكيفية التي حفظت بها كل تلك الشوارع في نيويورك، وعدد المرات التي فقدت فيها طريقها على الطرق السريعة الكثيرة المتشعبة التي تربط المدينة القائمة على عدة جزر، علاوة على الدوخة البسيطة التي كانت تنتابه عندما تمشيا في مانهاتن، وكانا يجلسان في مقهى ويتسليان بمشاهدة الشوارع التي تضج بالحركة، ريثما يستعيد ابوها نشاطه مرة اخرى. وقد دعتهم خديجة إلى غذاء في منزلها يوم أحد، عندما علمت بحضور دون إلى نيويورك. ولأول مرة تعرف منى ان أبا خديجة كان قنصلاً في اليونان، لكنها لا تذكر شيئا عن أثينا لأنها كانت صغيرة جدا.
- إذن كان ابوك قنصلا. سألت منى خديجة.
- نعم. وهو عمل أجمل ما فيه التنقل من بلد لآخر.
- لقد سألت نفسي عدة مرات عن سبب دقة لكنتك البريطانية، ويبدو أنك تعلمت في مدارس بريطانية.
- الأهم أن أبي إنتقل للعمل في بريطانيا بعد اليونان مباشرة، وكنت في الثالثة من عمري، وظليت فيها حتى عمر الثامنة عشرة، لذلك إكتسبت اللكنة.
- وظلت محتفظة بلكنتها حتى في نيويورك. قال علي ماكهيل ضاحكا.
- هذا واضح جداً. قالت منى.
- ما الذي إستفدتِ منه في حياة التنقل بين البلدان؟ إنها صعبة على ما يبدو لي. سألها دون بريدا.
- تفتحت آفاق عقلي ونمت قدرتي على التأقلم وعدم الشعور بالاغتراب.
- لدرجة إنني اسألها كل بضع سنوات: متى ستزورين اهلك؟ قال ماكهيل.
- كان أبي يشجعنا على عدم الخوف من المجتمع الجديد الذي نذهب إليه، ويحثنا على إقامة الصداقات مع من هم في مثل أعمارنا.
- كان الرجل قنصلا ناجحا داخل بيته ايضا. قال علي ماكهيل.
- انا واثقة أن عمل والدكِ هو السبب في حياتك هنا، وكانت هذه أجمل فرصة لك ياعلي. قالت منى.
- لا شك في ذلك. وأعتبر زواجي من خديجة من أفضل الامور التي فعلتها في حياتي. قال علي.
- على فكرة، رغم انفتاح والديّ فكّر بشكل مختلف تماما عندما حصلت على المنحة الدراسية. فكّر فيّ كفتاة ستعيش وحدها في نيويورك. ولم تقتنع أمي إنني سأتحمل مسؤولية الدراسة وحياتي معاً.
- وكيف جئتِ إلى هنا؟ سألها دون.
- زارنا في منزلنا رئيس تحرير جريدة وسألته عن رأيه في سفري، واقتنع أبي وأمي بكلامه. وهكذا جئت إلى هنا.















الفصل السابع



- ألم تزل فتيات نيويورك ضريرات وأنت مضرب عن الزواج؟ سألت العمة كارولين مايكل.
- جعلت الظروف إحداهن تبصر منذ فترة، لكن ظروفها غير مواتية للحب او الزواج.
- هذا الرد يعني إنك تحبها فعلا.
- بل هي التي تحبني حبا كبيراً، يصعب على أي رجل تجاهله.
- هل هي متزوجة؟
- لا.
- مخطوبة؟
- لا.
- وأين هي المشكلة؟
- لقد طلبت مني ألاّ ابوح بسرها لإنسان.
- وهل انا إنسان؟ انا عمتك وأصون السر. أنت تعلم ذلك.
- .............
- تكلم يا إبني.
- هل ما قلتينه وعد منكِ؟
- حديث سيذهب معي إلى القبر ولن يعرفه أي مخلوق.
- إنها مسلمة.
- أول مرة أعلم أنك متعصب لطائفتك.
- يا عمتي.. إنها مسلمة!
- هل تعني إنها ليست كاثوليكية؟
- الاسلام دين آخر غير المسيحية تماما.
- أول مرة أسمع بهذا الدين.
- ألم تسمعي بالاسلام من قبل؟!
- ولا مرة!
- كيف يمكن أن تكوني اخت فينسنت وودز؟!
- هل هم قوم طيبون؟
- لا أعلم.
- ولماذا لا تتزوجها؟
- هذه قصة أخرى.
- هل تحبها من كل قلبك؟
- لم اصادف من يحبني مثلها. وهذا الامر بحد ذاته قيمة غير موجودة كثيرا اليوم.
- أمر غريب.
شيء ما كان لا يعرفه مايكل عن نفسه بدقة، وحاول فهمه ولم يستطع إدراك ما الذي يمنعه من التجاوب مع منى، رغم إنها حاولت فتح سبل حوار معه وقبلت بالصداقة كحد ادنى لاستمرار العلاقة الهاتفية بينهما، بينما كانت عيناها تبوح له بأمر مختلف تماما، في المرات التي رأته فيها. وسأل نفسه عدة مرات عن إمكانية صحة رأي عمته في تعصبه دينيا، لأن ثياب منى جعله لا ينسى أبداً اختلاف دينها عنه، ومنعه حتى من الكلام معها بحرية كما يفعل مع خديجة، التي يتحدث معها ببساطة وهذر، بينما كانت حواراته مع منى أشبه بحديث تلفزيوني يتكون من سؤال وردّ عليه بين مقدم برامج يريد جعل مضيفه يعطي أقصى ما عنده، بينما الضيف يرد على قدّ السؤال.
- هل يستطيع أحد الحديث مع راهبة سوى بجدية؟ سأل مايكل نفسه وهو يبتسم.
لكن المؤكد أن سؤاله كان فيه من التناقض الضاحك، أكثر ما تحمل كلماته، لأن منى وإن لائمت بصدق وإخلاص بعد إسلامها بين إسلوب حديثها وزيها، وبين داخلها الذي إتخذ طريق البعد عن ماضيها العابث، وخارجها الذي سلك طريق الإحتشام قولا وفعلا، فإنها لم تستطع امام مايكل إخفاء حركة لا إرادية من شفتيها وعينيها، تبوح بإشتياقها لمن تعشقه وتهمس له بشهوة التعلق به وتمنيه. فعلتها عدة مرات في مطعم البرج الشمالي، وكانت أبلغ من قصائد غزل مكشوف كُتبت بالرمز وليس بكلمات عارية. وقد ذّكرته هذه اللازمة الجسدية فيها مرة أخرى بحديث أخيه الذي قال عنها انها إمرأة ذات خبرة. وكان مايكل يسأل أحيانا نفسه عن جدوى كل ذلك، ولم يشأ البحث عن سبيل لكسر هذا الحاجز، لأنه كان لا يجد نهاية مقبولة لعلاقتهما لو بدأت.
رأت منى في ما يرى النائم طائرتي هليكوبتر أميركيتين تحترقتان في الجو ثم تهويان من مستوى الارتفاع الذي تطيران به وتقعان على الارض، وبمجرد إرتطامهما خرج من إحداهما الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش وتبعه نائبه ديك تشيني وبعده وزير الدفاع دونالد رامسفيلد فوزير خارجيته كولن باول ثم مستشارته كوندوليزا رايس ثم باقي اعضاء الوزارة ورجال الكونغرس فجنود المارينز الذين بدأو الخروج أيضا، ولم تصدق منى عدد الجنود الكبير الذين يخرجون من الهليكوبتر، ولمّا توالى خروج جنود آخرين بشكل كبير حتى من الهليكوبتر الثانية ضحكت لدرجة أنها إستيقظت من النوم.
لم تكن منى ممن يحلمون كثيراً حسب ظنها، ولو بصرت حلماً فهي نادراً ما كانت تتذكره بكامله وتفاصيله الدقيقة، مثلما حدث مع هذا الحلم العجيب، الذي رأته بالالوان والابعاد الثلاثة، ورغم نوبة الضحك التي انتابتها في حلمها، فقد سيطر عليها شعور كئيب للغاية بعد لحظات من استيقاظها، جعلها تغادر فراشها وتذهب إلى غرفة إبنها لتطمئن عليه، ثم جلست بعد ذلك أمام شاشة التلفزيون لتتابع المحطة نفسها التي أطفأت التلفزيون وهي تشاهدها قبل نومها، وحاولت متابعة ما يُعرض لكن الكآبة الفظيعة التي سيطرت على قلبها تماما منعتها من ذلك. ولأن الوقت كان يقترب من نهاية الليل، ذهبت إلى الحمام وتوضأت، ثم شرعت في صلاة الفجر علّها تتخلص من الهواجس التي انتابتها بسبب حلمها الغريب، ثم تبعت صلاتها بتضرعات إلى الله، مطبوعة على أوراق كانت ماجدة قد اعطتها لها بناء على طلبها، وطالما قرأتها وشعرت بعد ذلك بالاستبشار وإنفراج قلبها المأزوم، لكن ذلك لم يحدث هذه المرة، ما جعلها تسأل بعد عدة ايام أحد ائمة المساجد في نيويورك عن مغزى ما رأته، وقال لها بأن الشر سمة حلمها بشكل عام، لكنه لا يعرف تفسيره أو معناه.
- لابد أن مكيّف منزلكِ كان معطلا وقد أثرّ عليكِ طقس منتصف آب. قالت لها ماجدة وهي تضحك على الهاتف.
- لماذا؟
- والمرجح انك لا تحبين بوش الابن ولا الجمهوريين أيضاً.
- لكن لماذا؟ سألتها منى بجدية لا تتناسب مع تبرير صديقتها الضاحك لحلمها، ومحاولتها الترفيه عنها من خوف لا مبرر له.
- منى! من يستطيع حرق هذا الطاقم بكامله؟ ثم انهم لا يستقلون كلهم طائرة واحدة لدواع أمنية. أضغاث أحلام ليس إلاّ.
- هل كان منامي مجرد اضغاث احلام؟
- لا شك في ذلك. قالت ماجدة وهي تضحك.
- وما الذي يؤكد لك؟
- عدم معقولية ما رأيتينه. هل أنت مقتنعة بغير ذلك يا منى؟
- انا متوجسة فقط.
- لا تتوجسين الشر فالامر قد لا يتعدى صدى لمشاهدتك نشرة أخبار قبل نومك، فكلها لم تعد تهتم سوى بالامور الكارثية في العالم. انا شخصياً لا اشاهد أو أسمع نشرة اخبار بعد الخامسة مساءً.
بادر مايكل أثناء إتصال تلفوني مع منى ليلا بدعوتها مع إبنها على الغذاء في الرابع من ايلول 2001، وهو مناسبة "يوم العمال" في الولايات المتحدة الاميركية، وفي مطعمه المفضل الذي تعرفه، وقبلت هي الدعوة لكنها قالت له ان أحمد سيكون في مخيّم كشفي حتى مساء اليوم التالي للمناسبة ولذلك ستأتي بمفردها.
أسعدتها دعوته وشعرت بأنه اصبح يأتنس بها ايضاً، وذهبت بكامل أناقتها نفسها التي حضرت بها زفاف أخته، علاوة على عطر رائع كان أريجه يسبقها بمترين على الأقل، ولم يهدأ خفقان قلبها أو اندفاع أفكارها سوى عند جلوسها إلى طاولته بجوار الحائط الزجاجي مباشرة، التي تجعل الجالس يرى معظم نيويورك بوضوح. ولأول مرة ترى مايكل بثياب عادية بدون سترة وربطة عنق، جعلته يبدو وكأنه أصغر عمراً وأكثر وسامة وجاذبية وعفوية.
- أين ستذهب بعد تناول الطعام؟ سألته منى وهما ينتظران طعام الغذاء.
- عند أمي لأن معظم أخوتي سيكونون هناك اليوم. والمرجح أن تكون سارة وزوجها أيضاً.
- جمعة عائلية؟
- تحدث في المناسبات.
- لكنك معي هنا!
- هذا صحيح.
- تجعلني كل مرة أراك فيها أتأكد من كونك رجلا تقليديا يحب الاسرة.
- وأنتِ؟
- ربما كنت في ايامي السابقة أبدو ...
- لماذا توقفت عن الحديث؟
- مايكل! لقد عشت حياتي بالطول والعرض من قبل.
- وكيف تغيرتِ؟
- يبدو إنني داخلياً تقليدية أيضاً، لكن سلوكي الذي رآه الناس كان عكس ذلك.
- كيف؟
- رغم إنني كنت أسمع الاغاني الصاخبة في المراقص، لم أقتن سوى الاعمال الفنية التقليدية لغرفتي. هذا على سبيل المثال.
- وتزوجتِ أيضاً.
- انا لم أتزوج يا مايكل.
- وكيف كانت ملابسك؟ سألها مايكل متجاهلا الدخول في تفاصيل حياتها، رغم أن ردها أثار إنتباهه.
- عكس ما أرتديه الان تماما. قالت وهي تضحك.
- مكشوفة؟ سألها مايكل.
- مثيرة. لكنها كانت متناسقة الالوان وتناسب جسدي. قالت ذلك وهي تبتسم وتتذكر بعض صور ماضيها.
- ..........
- لقد سكت.
- لأن ملابسك الحالية تناسب بيئتها الأصلية ولا تناسب الايمان.
- كيف؟
- تناسب بيئة صحراوية حيث لا منازل، بل خيام يمكن أن يدخلها أي متطفل بدون إستئذان، علاوة على قضاء الحاجة في مكان بعيد عن الخيمة.
- هل تعتقد ذلك؟
- قلت لي إنك كنت مسيحية، وخالك راع كنيسة. أليس كذلك؟
- وما علاقة ذلك بملابسي؟
- لأن المُصطفى أوصى في رسائله أن ترتدي النساء ما ترتدينه أنت تماماً، وأن يغطين شعور رؤسهن مثلما تفعلين. كان صارماً في تلك الامور ايضاً.
- ومن هو المُصطفى؟
- بولس الرسول. ألم يُسمّى "الاناء المصطفى" لأنه حمل رسالة المسيح وتعاليمه إلى الامم، كما جاء في سفر " أعمال الرسل "؟ وهو رسول بلاد العرب أيضاً. أليس كذلك؟
- لقد تذكرت.
- والراهبات الكاثوليكيات يرتدين الملابس نفسها تقريبا.
- من أجل الحشمة.
- هل تعلمين أن رجال قبائل الطوارق يرتدون ثيابا تشبه التشادور ويغطون وجوههم ايضا؟
- الرجال؟ لماذا؟
- لأنهم يعيشون في بيئة صحراوية ويتقون بهذه الملابس الرمال الطائرة والشمس.
- هل تتحدث مع خديجة كثيرا؟
- لأنها تقول أن الحشمة لا تعني تحجّب المرأة؟
- وتعتقد بالحشمة في السلوك والكلمات والفستان المعقول.
- ورأيها صحيح حسب ما أرى، لأن الدعارة موجودة حتى وقت ما كان هذا الزي هو المتفق عليه في المجتمع.
جاء النادل وقطع حديث مايكل ومنى، وبدأ في وضع الطعام على الطاولة بينما مايكل يمازحه سائلا إياه عما إذا كان اللحم من البقرات المجنونات أو العاقلات، أما منى فقد كانت تسمع وتضحك وتتابع الصحون لتتأكد أن الطعام جاء حسب ما طلبا.
- أتمنى أحياناً رواية كل ما حدث في حياتي إليك. بكل تفاصيله كافة. قالت منى وهما يتناولان غذاءهما.
- لماذا؟ سألها مايكل وقد اقتحمت صورة أخيه ذاكرته فجأة.
- لأنك إنسان عزيز جدا عليًّ، ولا انتظر أن تشعر تجاهي بمثل ما أكنّه لك.
- لم أسمع في حياتي إمرأة تقول لي ما تقولينه.
- عندي أكثر منه لكن أمورا كثيرة تجعلني أفكر فيه فقط ولا أبوح به.
- هل أنتِ خيالية؟
- بالعكس. عشت واقعية ولم أعرف الخيال أو الكبت والتهرب من مشاعري وغرائزي. فعلت كل ما أرى إنه صواب ويناسبني حتى لو وقف العالم ضدي.
- لكن..
- أول مرة في حياتي أشعر بشيء إسمه رومانسية. سمعت تلك الكلمة لكنني لم أفهمها سوى معك. علاقة رومانسية بعيدة عن الجنس.
- انا مذهول من صراحتك.
- أما انا فأتمنى دوام ما بيننا ألف شهر. أحب هذه العلاقة كثيرا.
- حوالي ثلاث وثمانين سنة. أليس هذا عدد كبير؟ قال مايكل بعد لحظات.
- وأنت؟
- أتمنى ألاّ تزعج صداقتنا أي منّا مستقبلا.
- لماذا تقول ذلك؟
- كل الوقائع تقول وليس انا.
- ولماذا لا تأكل؟
- لأنني شبعت.
- في المرة السابقة لم تأكل لأنك كنت مدعواً على غذاء في النهار نفسه. واليوم؟
- لأنني لم أتوقع سماع تلك الكلمات في نيويورك.
- وهل تتوقع سماعها في الساحل الغربي مثلا؟ أصبح معظم الناس ككلاب مسعورة تسعى وراء الاذى وتنهش الطعام ولا تأكله.
- ولا يشعر أحد بالشبع مهما نهش. ثم سألها وهو يبتسم: لكن هل نحن من هذا القطيع أيضاً؟
- أنت لست من هذا القطيع. عرفت ذلك بعد دقائق من رؤيتك أول مرة.
- .......
- لم اتوقع قول تلك الكلمات.اعتقدت إنها موجودة في الروايات فقط. لكن الألم والحرمان ضروريان للإنسان على ما يبدو لكي يرى بوضوح.
- هل الذي يجرب محروم؟
- هل تقصد حياتي السابقة؟ نعم، قد يكون محروماً من الإنسان الذي يتخيله. محروم من الاحساس بانسانيته، وكل تجربة تؤكد له مدى تفاهة ما يعيشه، لكنه مرغم على الاستمرار، فالغرور يمنع قول الحق أحياناً.
غادرت منى مائدة الطعام لتذهب إلى منزلها ويزور مايكل "البيت القديم" حيث الجميع هناك، وبعدما سارت تقريباً نصف المسافة نحو الباب الخارجي، استجمعت كل جرأتها وحبها وظروف حياتها ولحظتها الراهنة والشعور الطاغي الذي يسيطر عليها، وعادت ادراجها وانحنت لتهمس لمايكل الذي لم يستطع الوقوف مرة أخرى بعد مصافحتها والجلوس على كرسيه بسبب السرعة التي تصرفت بها.
- انا في المنزل وحدي اليوم.
همست له ثم كتبت عنوانها بالقلم، الذي أحضره الغارسون مع الفاتورة، على احدى المحارم الورقية الموجودة على الطاولة، واستدارت ومشت بإتجاه باب الخروج، وهي تشعر بأن خطواتها أصبحت خفيفة جداً، وإنها تكاد تلمس الارض ولا تمشي عليها لأنها قالت هذه العبارة. ولم يدر مايكل لماذا تبخر فجأة كل ما في دماغه وما سيفعله بعد قليل، وبالكاد رفع يده للغارسون ليأتي ويأخذ البطاقة الإئتمانية مع الفاتورة.
شعر معظم سكان مانهاتن بهزة تشبه الزلزال، كما سمع الموظفون في مكاتبهم صوت إرتطام رهيب للغاية يمزق الهدوء خلف الزجاج العازل للضوضاء، ولم يدرك أحد الموجودين في العمل والبيوت ما حدث في اللحظات الاولى، لكن المارة في الشوارع القريبة والمحيطة ببرجي مجمّع التجارة العالمي شاهدوا طائرة ركاب مدنية تقتحم القسم الأعلى من ناطحة السحاب الشمالية ذات المائة وعشر طابقا، التي شعر العاملون والزائرون في طوابقها السفلى بأنها تكاد أن تُقتلع من أساسها ولم يجدوا ما يقولونه لبعضهم بعضاً سوى كلمة: اهرب. اما الموجودون في الطوابق العُليا والبنايات المجاروة فقد أدركوا المصيبة التي حدثت. ولم يشك أحد مطلقاً في أن طائرة أخطأت طريقها لسبب او آخر وارتطمت بناطحة السحاب، رغم الطقس الرائع والرؤية الممتازة المنتشرة على طول الساحل الاميركي الشرقي صباح الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001.
- أين أنت يا مايكل؟ سألته منى على تلفونه الخلوي.
- أشاهد ما يحدث من خلف الزجاج. إنها كارثة.
- ماذا؟ غادر مكتبك فوراً.
- لقد طمأننا رجال الامن. لا شيء خطيراً يمكن أن يحدث لبرجنا.
- مايكل. الزجاج والحديد والحجارة المتناثرة من البرج أذت بعض المارة في الشوارع المحيطة. هل تعلم ما سيحدث لو إحترقت ناطحة السحاب؟
- هذا شيء أكبر من المستحيل. وصل رجال الاطفاء بعد دقائق، ونظام الاطفاء الآلي بدأ العمل في معظم الطوابق.
- مايكل. لو إشتعل البرج بسبب كميات غاز التدفئة التي فيه ستؤذي ناره البناية التي أنت فيها، وستحدث فوضى عارمة في الشوارع، لن يستطيع أحد العودة إلى منزله بسببها.
- هذا بالضبط ما قاله بعض رجال الأمن. يجب أن تظل الشوارع خالية لعربات الاطفاء والاسعاف.
- مايكل. غادر فوراً. انا سأغادر عملي الآن. بل إنني أغادره فعلا.
بينما كانت منى في سيارتها بإتجاه مدرسة إبنها لتأخذه معها إلى المنزل، إتصلت بمايكل مرة ثانية من هاتفها الخلوي، لكن هاتفه كان مشغولا، فقدرت إنه ربما يكون في طوابق مواقف السيارات تحت الارض ليستقل سيارته، أو يقودها فعلاً ويتحدث مع أمه أو شخص آخر أراد أن يطمئنه عليه. ورغم إنها كانت تقود سيارتها بنصف وعيها، لاحظت المارة وقد تصلبوا في أماكنهم وهم يشيرون بأصابعهم وأياديهم إلى السماء، فأوقفت سيارتها على جانب الطريق ونزلت منها ووقفت بجوار بابها المفتوح، ورأت طائرة مدنية على إرتفاع منخفض تتجه نحو البرج الجنوبي، وخُيل إليها أن البناية إبتلعت الطائرة، ثم تحوّل جزء منها إلى فم مفتوح يقذف النار والزجاج والتراب والاوراق وخشب المكاتب وبقايا أجساد الناس منه، ووجدت نفسها بشكل آلي تحسب المسافة بين الطابق الرابع بعد المائة ومكان اقتحام الطائرة، وقدرت انها لم تصب الطابق الذي يعمل مايكل فيه، وأحسّت إنها على وشك فقدان وعيها لكنها تماسكت ومسحت الدموع من عينيها، ودخلت سيارتها واتصلت بمايكل بعد ثوان معدودات، لكن خطه كان مشغولاً أيضاً، ثم أكملت قيادتها نحو مدرسة إبنها وهي في ذهول تام من الذي رأته وعدم إدراك لما يحدث، وتذكر عقلها أثناء عودة جسمها للبيت أن تتصل بأرقام هواتف مكتب مايكل الأرضية فوجدتها معطلّة. واتصلت بعد ذلك بخديجة في محلها لتتأكد من رجوعها إلى منزلها، وردت خديجة التي كانت في المحل الكائن بالقرب من كنيسة ترينتي على بعد شارعين فقط من برجي التجارة، وبدت منفعلة ومتوترة للغاية وهي تنتظر زوجها، فنصحتها منى بمحاولة الذهاب فوراً والاتصال بعلي لكي لا يأتي لاستحالة وصوله بعد الذي حدث.
لم يشك إنسان بعد إرتطام الطائرة الثانية بالبرج الجنوبي لمجمّع التجارة العالمي أن الولايات المتحدة تتعرض لمسلسل من هجوم خاطفي طائرات إنتحاريين، خصوصاً بعدما تناقلت وكالات الانباء أخبار طائرة هوت بالقرب من مبنى وزارة الدفاع الاميركية وأخرى سقطت في حقل في بنسلفانيا، لكن الارهاب الدموي كان بلا إسم أو وجه في الساعات الاولى التي اُغلقت فيها مطارات البلاد كافة وكل الاماكن السياحية والترفيهية الكبرى وأسواق المال في نيويورك، ثم شاهد العالم سقوط برجي مجمّع التجارة العالمي واحداً بعد الآخر على الشاشات بالنقل المباشر، أمّا منى فشعرت بأنها في كابوس رهيب لا يريد أن ينتهي، وهي تشاهد مع إبنها في المنزل شاشة التلفزيون والغيمة السوداء الترابية تلف مانهاتن وقلبها معا.
جلست منى تشاهد الاخبار والتحليلات والتعليقات عبر الشاشات المحلية والعالمية، على الكارثة التي أصابت الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر 2001، بعد نوم إبنها احمد، وعرفت أن أحياء مانهاتن القريبة من نهر هدسون قد أغلقت بالكامل بسبب اعمال الانقاذ والنظافة، لأن الحطام والاوراق والزجاج المتناثر من البرجين طار على مسافة ستة كيلومترات بشكل شبه دائري، ما جعل كل شوارع تلك المنطقة مغطاة بالرماد الاسود والاشياء المتفحمة، وأدخلها في اجازة قصرية حتى تنتهي أعمال التنظيفات في هذه المنطقة المنكوبة.
لم يبرح مايكل كيانها في تلك الامسية، وحاولت الاتصال عدة مرات على هاتفه الخلوي، لكنه كان دائما خارج الخدمة، بينما هي ترفض حتى مجرد فكرة إصابته بمكروه، وتبرر لنفسها هاجسها بعدم رده بفكرتين أولهما أنه ربما انحشر تحت ركام البرج الجنوبي، مع عدد كبير من الذين أرادوا مغادرة المنطقة، لكنهم فوجئوا بما حدث وعدم تمكنهم من الخروج للشوارع بسبب ركام البرجين الهائل الذي غطى مداخل ومخارج مواقف السيارات كافة، مثلهم مثل ركاب محطة المترو الكائنة تحت مجمّع مركز التجارة العالمي تماماً، وأن عمال الانقاذ في طريقهم إلى ذلك الحصن الامين تحت الارض لإنقاذ من فيه. ووجود مايكل في هذا المكان يمنع وصول ذبذبات شبكة الهاتف الخلوي له. وكانت فكرتها الثانية أن مايكل قد غادر ناطحة السحاب ونسى جهاز هاتفه الذي طُحن مع البرج الجنوبي.
- كان حلمكٍ مثل نبوءة لما حدث. قالت ماجدة لمنى على الهاتف وهي تطمئن عليها ليلا.
- أي حلم؟ سألتها منى وهي مشتتة الانتباه.
- حلم طائرتي الهليكوبتر.
- لقد تذكرت. لكن ما العلاقة بين الطائرتين والبرجين؟
- هل تعتقدين أن هذه الادراة ستسكت عما حدث؟ سيخرج الجيش الاميركي للإنتقام من الفاعلين وتأديبهم، تماما مثلما خرج المارينز في حلمك من طائرتي الهليكوبتر.
- كان الامر رهيباً فعلا. أنت شاهدت الامر على شاشة أمّا انا فلا يمكنني نسيان مشهد الطائرة وهي ترتطم بالبرج الجنوبي فقد رأيتها وانا أقف في الشارع.
- لقد إتصلنا بخديجة وهي بخير.
- نصحتها بغلق المحل والعودة لمنزلها وعدم انتظار علي. كانت تعتقد مثل الجميع ان تصميم البرجين يصمد حتى أمام مثل هذه الحوادث.
- هذا صحيح. لكن بالنسبة لإرتطام جناح طائرة يحاول قائدها الإبتعاد، وليس لطائرة تعّمد قائدها إقتحام البرج.
- وماذا يقول دكتور أولمان؟
- في حالة صمت مطبق لدرجة انه لم يفتح فاه ليأكل. لقد ألصقوا هذه المصيبة بالمسلمين وليس تسعة عشر شابا مسلماً كما تعلمين. متى سأراك في لوس آنجليس؟
- قريبا إن شاء الله.
باتت منى ليلتها وهي تعاني أرقاً متواصلا، وقامت عدة مرات لتشرب مشروباً ساخنا علّه يساعدها على النوم، لكن الامور كانت تسير على الوتيرة نفسها، وتبدأ من سماع صوت مايكل في داخلها وهما يتحدثان في "يوم العمال"، حتى حديثهما بعد اقتحام الطائرة الاولى. شريط سينمائي غير مرئي يدور من مكان ما داخلها، وتتلقاه بحواسها الخمس وليس بعينيها فقط. وهي لا تعلم كيف تشم شيئا غير موجود، أو ترى إنساناً ليس امامها، أو تلمس شخصاً لا وجود حقيقيا له وتسمعه في اللحظة نفسها بكل وضوح. ومن خلال صمت ذاتها التام وقلقها المذهل وتساؤلاتها عن معرفة مصيره في الكارثة المشؤومة الفظيعة التي حدثت امام عينيها، لم تصل غير للأمنيات.
دخل مايكل بيتها في أمسية "يوم العمال" مرتبكاً، وكأنه يذهب لأول موعد غرامي في حياته، وقد استغرق الامر عدة دقائق ليعود إلى طبيعته ويتحدث باسلوبه المعتاد معها، بعد دخوله من الباب، واستقبلته بلهفة المنتظر الذي صرّح بإشارة لا يمكن تجاهلها، بعد تضخم شكها بنسبة كبيرة أوحت لها بعدم إستجابة الشخص الآخر لنيتها، وكانت بدون غطاء الرأس بفستان منزلي والعطر نفسه الذي أبدى مايكل إعجابه به.
كان واضحا إنها قد حزمت أمرها وقررت الاستجابة لنداء انوثتها والجاذبية التي لا تُقاوم من الشخص الذي تعشقه. ودُهشت للمرة الثانية لأن مايكل لم يكن مرتبكا فقط عند وصوله، لكنه كان غير واثق من حضوره، علاوة على عدم تخيله ان الامور ستتطور في اللقاء الاول إلى الذهاب لفراشها، وربما إتخذ قراره النهائي أمام منزلها لأنه لم يحضر معه واق ذكري. ورغم ذلك لم يستطيعا تأجيل اللقاء أو التحكم في نفسيهما والابتعاد عن بعضهما بعضا عند بلوغ ذروتيهما معا.
كانت منى خائفة من نتائج تفاصيل تلك الليلة الفريدة في حياتها، وتنتظر موعدها الشهري بقلق، ولم تتخيل مطلقا أن يتعرض شريك مشاعرها وجسدها لهذه الطريقة الفظيعة في إقحام المدنيين داخل آتون الارهاب. التطهير العرقي والارهاب المديني نفسه الذي دانه شخصياً وهو جالس معها في مطعم البرج الشمالي، وكان لا يجد مبررا لسكوت الله عليه، ومن المؤكد إنه لم يخطر على باله أن يكون هو أحد الذين يتعرضون لأحدهما في قلب نيويورك، ويشاهد الحدث معظم سكان الكوكب على الهواء مباشرة. وعندما اعياها التفكير في تنسم مصيره ولو بحدسها، قامت وتوضأت وصلت فرض الفجر وهي تبكي.
- هل عرفتم أي خبر عن مايكل؟ سألت منى اخاه دون هاتفيا في مكتبه صباح اليوم التالي.
- أبداً يامنى.
- لقد نصحته بالمغادرة فور ارتطام الطائرة الاولى بالبرج الشمالي.
- ماذا تقولين؟
- كما اقول لك. والمرجح إنه لو سمع النصيحة فسيكون الآن بين الناس المحاصرين تحت الانقاض في مواقف السيارات.
- لو صح ما تقولين يبقى الامل في نجاته موجودا.
- أتمنى ذلك.
- هل يمكن أن يكون قد تحدث مع عمته بعد هاتفك مباشرة؟
- لماذا؟
- لأنها قالت إنه تحدث معها ونصحته أيضا بالهروب من المكان.
- هل تحدث معها قبل إقتحام الطائرة للبرج الذي يعمل فيه؟
- نعم. لأنها كانت تشاهد التلفزيون وأكدت أن حديثهما كان قبل ذلك.
- أتمنى أن يكون محاصرا في طوابق مواقف السيارات تحت الارض.
- سأقيم حفلة على شرفكِ وشرف عمتي لو حدث ذلك.
تبخر الامل الاخير بمرور إسبوع على أعمال الاغاثة، لأن عمال الانقاذ لم يذكروا مايكل على لائحة المتوفين أو في ما ندر من الناجين، ما جعل آل وودز يشعرون ببداية المصيبة التي حلت بأكثر من ثلاثة الاف عائلة فقدت شخصاُ أو شخصين في الحادث المروع غير المسبوق في التاريخ، وكان المصير المرجح لأولئك التعساء هو الانسحاق مع مكونات ناطحتي السحاب بسبب حريق وقود الطائرتين الهائل وانفجار خزانّي الوقود في الطائرتين، الذي أدى إلى إنصهار حديد البناء نفسه في الطوابق التي إقتحمتها الطائرتان، ما جعل البرجين يتهاويان تحت ثقل الطوابق العليا وينهاران ويسقطان فوق طوابق مواقف السيارات تحت الارض، التي تداعت ايضا بفعل ثقل البرجين العظيم.
كان وقع المصيبة على عائلة وودز متساوياً، لأن إخوة مايكل أحسوا انهم فقدوا العائل والصدر الكبير الذي يستوعب كل الامور، أما أمه فقد شعرت إنها فقدت شريك عمرها الثاني وكفاحها الذي لم يقل عطاء عن زوجها نفسه. لم يصدقوا وفاة مايكل، وكانوا يميلون إلى الايمان بأنه سيخرج من تحت الركام بجسمه الرياضي المتناسق وقامته المشدودة وكتفيه العريضتين ووجه النابض بالحيوية، نافضاً التراب عن ثيابه، ساخراً مما حدث، ضاحكاً لأنه فقد عمله ولم يبق له سوى الضحك كما هي عادته بعد الخسائر الكبيرة، فلا يُعقل حسب رأيهم أن ينسحق مايكل تحت أي مشكلة.
ذهبت منى بين النظرات المتوجسة بسبب زيها، إلى أقصى مكان يمكنها الذهاب إليه على مسرح الاحداث المحاصر برجال مكتب التحقيقات الفيدرالي والشرطة ورجال الاعلام الذين يصورون ويكتبون عن الوقائع التي تستجد، والزوار الذين يأتون لمواساة اهل نيويورك، وجمعت حفنة من الركام الترابي المتناثر على الارض، ولفته في منديل واحتفظت به لسبب لم تدركه في لحظتها، لكنها فعلت الامر وكأنها تشتري قطعة أثرية كُتبت بدماء أبرياء، لعلها تخفف عنها آلامها النفسية بسبب المشاركة في المصيبة.
أكدّ طبيب نسائي لمنى إنها ليست حاملا بعد الفحص الذي اجراه لها، وفسر لها تأخر موعدها الشهري بحالة التوتر البالغة التي أصابتها، بعدما عرف موقع عملها وما شاهدته بأم عينيها، وطمأنها بأن ذلك التأخير مرتبط بسبب آخر غير الحمل. ولم تدرِ هل تفرح أو تحزن أو تطمئن بعد زيارة الطبيب، فقد كانت مشاعرها رمادية، ونفسها في حالة إكتئاب شديد، ولأول مرة تشعر بالخوف والفراغ الكبير داخلها منذ وصولها إلى نيويورك، بعدما إعتقدت إنها ودعت تلك الاحاسيس البغيضة للابد، ولم يبق لها سوى إحساس الامان مالياً بسبب عدم فقدانها لوظيفتها، لأن فرع البنك الذي تعمل فيه، القريب من مجمّع التجارة العالمي لم يصب بسوء.
امتد التأثر بالواقع شبه المؤكد بوفاة مايكل إلى دائرة لم تتوقعها أسرته بسبب عدد الاتصالات الهاتفية التي إستفسرت عنه، ورغم تفاوت ردة الفعل لدى المتصلين فقد عكس إهتمام ومحبة الكثيرين له. أمّا اصدقاؤه وزملاء الدراسة المقربين فقد تأثروا كثيرا، وقال طوني براون إنه خسر الصديق الذي لا ينحني أمام اعباء حياته، وُمعّلم السخرية في مواجهة قسوة بعض وقائع الحياة. وكانت خديجة من الذين تأثروا بشدة بعد سماع الخبر لأنها رأت وعرفت الجوانب الانسانية في شخصيته، وإندهشت عندما عرفت إنه لم يتصل مثل الكثيرين بأهله ليودعهم في اللحظات الحرجة، وفضّل كما يبدو إغلاق خط هاتفه الخلوي ومواجهة مصيره بشجاعة نادرة.
- لماذا لا تعود إلى منزلك فورا؟ سألته العمة كارولين بعد إصطدام الطائرة بناطحة السحاب الاولى.
- لأن أي ضرر سيحدث لن يبلغ برجنا، هذا ما أكده رجال الامن.
- دعك من هذا الهراء. اهرب لأن هؤلاء يتكلون على الكمبيوتر في كل ما يقولونه.
وعدها مايكل بأنه سيغادر عمله في التو وهو يبتسم من عدائيتها مع الكمبيوتر، ولم تشك هي في أنه لن يغادر البرج، ولذلك شعرت بالارتياح لأنها أنقذت حياته وهي ترى طائرة سمير الجرّاح تقتحم البرج الذي يعمل فيه بعد دقائق من حديثهما على الهاتف، بعدما نفذت طائرة محمد عطا في البرج الاول. لكن ذلك الارتياح والامل من الاتصالين بمنى والعمة كارولين اللذين أوحيا إلى آل وودز أن مايكل محاصر في مواقف سيارات البرج تحت الارض تبدد تماما بعد ثمانية أيام، وكان عليهم تصديق وفاة مايكل، الذي لم يغادر عمله كما وعد خالته إنما ظل في مكتبه حتى إقتحام الطائرة الثانية للبرج الذي يعمل فيه، وقد منعت الطائرة الرابضة في المكان الذي نفذت فيه نزول العاملين في الطوابق الأعلى للأسفل، بسبب التعطل التام للمصاعد كافة، ودرجة الحرارة الهائلة التي سببها حريق وقودها، لدرجة أنه جعل بعض ضعاف القلوب يقفزون من الارتفاع الهائل من النوافذ، بسبب حالة الجنون التي إنتابتهم من ألسنة اللهب الرهيب المشتعل، وجعلت استخدام درج الطوارىء أمراً مستحيلا.
والمرجح أن مايكل وبعض العاملين قد ظلوا في اماكنهم على أمل إخماد الحريق بواسطة رجال الاطفاء، لكن ذلك لم يحدث بسبب إنشغال هؤلاء بعمليات الاخلاء والإغاثة في الطوابق تحت الطائرة الجاثمة في البرج، وتأثير الوسائل المستخدمة في الحرائق ضئيل الحجم على هكذا آتون كان يُسمع هدير سعيره في الشوارع القريبة، ثم انهيار البرج نفسه كقلعة رملية أمام الموج، بسبب حديد الخرسانة المسلحة الذي تهاوى بفعل درجة الحرارة بالغة الارتفاع.
حاول آل وودز نقل موعد القداس التذكاري لمايكل من الخامس والعشرين من أيلول 2001 إلى أي يوم قريب آخر قبله أو بعده، لكن راعي الكنيسة أبدى إصراره لأنه مشغول بعد ذلك التاريخ بمواعيد اخرى، ومساعده يقضي فترة نقاهة بعد جراحة في المعدة، ما جعل آل وودز يقبلون تأجيل الموعد بعد إسبوعين. وكانت اقامة تلك الصلاة التذكارية، التي قبلوا بتأجيلها تقع في اليوم نفسه للذكرى السنوية لزواج والديه، لكن أمه لم تشأ تأجيلها وحضرت الصلاة على روح إبنها وفي قلبها أحاسيس لا يمكن وصفها.
إتصلت منى بدون وسألته إذا كان بإمكانها أن تشارك في القداس التذكاري، ورحّب بها قائلا أن قلوب العشاق لا شأن لها بملابسهم. وذهبت منى رغم وطأة دورتها الشهرية التي فجأتها كنزيف فجر يوم الصلاة التذكارية، التي لم تكن جنازة بالمعنى المُتعارف عليه، بل مجرد طقوس كنسية حول صورة كبيرة لمايكل أمام المذبح، وهي آخر صورة أُخذت له في مناسبة "يوم العمال" قبل الحادث مباشرة، وقراءات من الكاهن لبعض مقاطع الانجيل التي تتحدث عن القيامة وانتصار المسيح على فعل الموت السلبي في حياة البشر، ما جعل فكرة البعث واقعاً لأول مرة في تاريخ الانسانية، وكان في القداس قراءات من رسالة بولس الرسول الاولى إلى تلميذه تيموثاوس، تلاها أخوه دون الذي بكى أثناء قراءتها فأدمع جميع المشاركين في الصلاة التذكارية. وكعادة الاسكتلنديين في الحفلات والدفن، عُزفت موسيقى القِرب مباشرة بعد هذه الصلوات في الكنيسة، التي اخذ المشاركون يغادرونها، ثم اجتمعوا في احدى القاعات المجاورة، وبدأوا في تذّكر الاشياء الجميلة التي صنعها مايكل وحكاية كفاحه مع الحياة، وتحدث رفاق مدرسته وملعب كرة القدم وزملاء العمل في شركته وشركات أخرى عن ذكرياتهم معه، وذكر طوني أن شخصا مثله لا يمكن أن يغيّبه الموت في ذاكرة محبيه، وتلك قيامته الارضية الاولى في ذاكرة محبيه، أثناء إنتظاره في رحم الارض حتى القيامة الاخيرة. وبكت أم مايكل كثيرا وهي تستمع لبراون وكانت تهز رأسها إيماناً بما يقوله. اما أغرب ما ذُكر فكان تلقي جميع الاصدقاء المقربين منه، صورة برجي التجارة مضائين ليلا، كبطاقة عيد الكريسماس الذي سبق الحادث الفظيع مباشرة، كصورة لم يجد أفضل منها لآخر كريسماس في الألفية الثانية، حسب ما كتب لهم عليها.
- من المؤكد إنكِ الشخص الآخر الذي إتصل به مايكل يوم 11 أيلول. همست العمة كارولين في أذن منى عندما وجدت فرصة متاحة لها.
- بل انا التي إتصلت به. همست منى.
- لقد عرفت الان المرأة التي كانت تعشق مايكل، وهذا سر كبير لم أبح به لأحد.
- هل أخبره لك؟
- انا التي رجوته أن يبوح لي بما يشغله، لكنه أشار إلى بعض الامور بشكل غامض، وإستشفيت من ملابسك سر علاقة مستحيلة بينه وبين إمرأة تحبه. أنت مسلمة أليس كذلك؟
- نعم انا مسلمة. لكن هل قال لك عن إمرأة تحبه؟
- نعم.
- وهل ذكر إنه كان يحبها؟
- لم يقل. لكنه كان يحبها.
- وهل أحب احداً غيرها؟
- لا معلومات لديّ عن حب سابق في حياته سوى أسرته.
- هل يمكنني الحصول على رقم هاتفك؟
- بكل تأكيد.
ذهبت منى مع عمة مايكل إلى شقته السكنية لدفع آخر إيجار شهري واستلام فواتير الخدمات الخاصة بالشقة من مدير المجمّع، بناء على طلب من دون الذي لم يستطع الذهاب مع العمة كارولين، التي طلبت من منى مرافقتها فوافقت وهي ممتنة للمحة كارولين فائقة الحساسية، لترى للمرة الاولى والاخيرة المكان الذي كان يعيش فيه حبيبها، وتلمس الاثاث الذي كان يجلس وينام عليه، وتقف أمام المرآة نفسها التي طالما وقف أمامها ليحلق ذقنه. وكانت أم مايكل واخوته قد قرروا اخذ حاجياته الشخصية للإحتفاظ بها كذكريات منه، والتبرع بالأغراض المتبقية للكنيسة لتهبها للمحتاجين، وكان مشهد الشقة مؤثراً لأنها كانت على الصورة نفسها التي تركها مايكل صباح 11 أيلول وهو لا يدري إنه لن يعود إليها مطلقا.
ولاحظت العمة كارولين أن جهاز الفيديو والتلفزيون مضاءان، ما يعني إنه كان يشاهد شيئا قبل خروجه لعمله أو ليلا ونسى إطفاء الجهازين، وضغطت كارولين على زر تشغيل الفيديو ورأت السيدتان الفيلم الذي صوره أخوه الصغير في إجازة "يوم العمال"، وكأنه كان يلقي نظرة أخيرة على الجميع بدون أن يدري في ليلة الحادث. وحثت منى العمة كارولين على سماع الرسائل على المجيب الصوتي فلعل إحداها تفيد العائلة. وكانت دهشة السيدتين كبيرة عندما سمعتا في جملة هذه الرسائل، رسالة من مايكل نفسه يقول فيها إنه لن يموت رغم إقتحام الطائرة للبرج الذي يعمل فيه، وإنه سيستمع إلى صوته في منزله مساءً ليتذكّر هو ما يشاهده، ويتذكر كيف رأى الموت وجها لوجه. كان واضحاً أن مايكل إتصل بهاتف منزله وأغلق خط هاتفه الخلوي مباشرة، بعد إستعمال روح الدعابة السوداء وهو ينتظر قدره وسط سحابة الدخان السوداء التي غطّت نيويورك.
عادت منى إلى عملها بعد إزالة الركام الهائل وتنظيف الطرق في محيط المجمّع الذي هوي، لكن بروح منكسرة وقلب متوجس، وحولها نظرات الغل الواضح في عيون الناس الذين لا يعرفونها إلى ثيابها، لأن المسلمين قد إتهموا بذلك العمل الوحشي بدون تمييز، وبدأت ما أسمته الجهات الاعلامية "جرائم الثأر العنصري" ضد عدد محدود من أميركيين من أصول إسلامية، وطالت الجرائم مسيحيين من أصول شرق أوسطية، فقد ُقتل صاحب محل مسيحي من أصول مصرية في لوس آنجليس وإعتُدي على يمنيّ في محله في نيويورك. ونصح المقربون منى تغيير شكل ثيابها بثياب اخرى، أو عدم وضع غطاء على الرأس على الأقل، حتى تختفي الاجواء النفسانية المحتقنة وتعود إلى ما كانت عليه.
- هل يُعقل ان تسيرين في مانهاتن بهذه الهيئة الان ؟ كان الناصحون يقولون لها.
- لا ترتدي هذه الملابس لمدة شهرين على الأقل. قال لها مدير المصرف.
- شجاعتكِ مفترض أن يبديها بن لادن نفسه، عوضاً عن الاحاديث الملتبسة التي يرسلها لشبكات التلفزة من جحره. ليقل صراحة هل هو بريء أو المحرض على هذه الجريمة. قالت خديجة لها.
- وما هي الجدوى بعد المصيبة التي حدثت؟
- قيمة مليار مسلم قد اهتزت بسبب هذا العمل الاجرامي، والامر يستحق الجرأة. قالت خديجة.
- على فكرة، يُقال أن هذه الافلام مصنوعة في هوليوود! قالت منى.
- هوليوود؟ هوليوود أو غيرها، لماذا لا يرسل هذا المجاهد شريطا تلفزيونياً غير مصنوع في هوليوود من كهفه يقول فيه الحقيقة؟
رفضت منى نصائح التخلي عن زيها لأنها أميركية لا شأن لها بما حدث، ورغم ذلك خافت وتوجست شرا عندما سمعت ابنها يقول أن رفاق صفه الدراسي قد سألوه عن ثيابها ومدى معرفتها بإبن لادن، وهل يضعون صورته في منزلهم، وتمنى أحمد عليها ارتداء ملابس عادية، ما جعلها تفكر بعدم مقدرتها على مواجهة خطف أو قتل إبنها بيد إنسان موتور، لكنها قررت الاستمرار على ما هي عليه لأن احدا في نيويورك لن يقتل طفلا مسلماً ثأرا من الهول الذي ضرب المدينة.
كانت منى تنسى أحياناً وبشكل تام ما حدث في 11 أيلول، وتسأل نفسها ليلا لماذا نسوا إضاءة مجمّع التجارة العالمي، عندما تنظر من نافذتها بإتجاه البرجين وتفتقد تلك الاضاءة البديعة لهما. كما كانت أحياناً وبدون وعي تتساءل وهي في البنك عن سبب عدم إتصال مايكل بها ليأخذ بعض المعلومات المصرفية، وتمسك دموعها في آخر لحظة وهي تحك خدها من الضيق الذي يخيم عليها ويجعلها على وشك مغادرة عملها لتتنفس، وتنفّس عن وجعها الذي لا تستطيع ان تبوح به حتى لماجدة أو خديجة. ولأول مرة منذ وصولها إلى نيويورك بدأت تشعر بأنها بحاجة إلى أمها قريبة منها لتتحدث معها وتسمع صوتها، بدلا من طنين هواجسها المزمنة الليلية، وطلبت من أمها بحرارة أن تزورها مع أبيها لعدة ايام، كما انها كانت تزور العمة كارولين من وقت لآخر لتستمع منها إلى حكاياتها عن مايكل، وكانت كارولين تأتنس بها وتشعر عندما تنظر في عينيها انها تشاهد صورة ابن اخيها فيهما.
ترك مايكل فراغا هائلا في عائلته ولدى كل من يعرفه، خصوصا امه التي تأثرت صحتها سلبياً بشكل كبير متسارع بعد رحليه بهذه الطريقة المفجعة، لدرجة أن قامتها تقوصت، وقد استغرقت وقتا طويلا لتستوعب فكرة عدم رجوعه للأبد، وكانت دائماً تتذكره منذ أيام طفولته المبكرة، حتى آخر مرة رأته فيها في منزلها عندما جاء ليتناول الغذاء، ويتحدث معها كعادته في زيارته اثناء أيام الاسبوع، وقد غادر البيت وهو يودعها بصوت مرتفع بينما كانت تقف في المطبخ تتكلم مع جارتها هاتفيا وتلوح له مودعة بيدها اليسرى، وطالما تمنت من صميم روحها عودة هذه اللحظة بالذات لتقبّله لآخر مرة وتضمه لصدرها، أو تعلّق حديثها وتذهب لتصطحبه حتى باب المنزل، وشعرت بندم مؤلم لأنها لم تفعل ذلك، وطالما اندهشت من عمى بصيرتها التي لم تتوقع ذلك الشر العظيم لابنها.
كانت أم مايكل هي الوحيدة التي لم تستطع مشاهدة اشرطة الفيديو العائلية، التي كانت في منزلها أو منزله بعد رحيله، وكان إخوته يشاهدونها أحيانا لتذّكره بعد ظهر يوم الاحد، ويعيدون المشاهد التي يلقي فيها النكات والنوادر في الجلسات الاسرية أو ايام الاعياد وهم مجتمعون، أو تلك التي قلّد فيها مادلين أولبرايت وهي تتحدث ذات مرة في برنامج تلفزيوني، ومارلون براندو في فيلم "الاب الروحي"، و كلينت إيستوود وهو يتوعد المجرمين والسفلة بأنه سيبيدهم مع عائلاتهم وأصدقائهم في المشهد الاخير من فيلم "غير المتسامح"، إذا فكروا حتى بإطلاق الرصاص عليه وهو ينسحب من القرية على صهوة جواده، بعدما أخذ بثأر المومسات من الاشرار الذين اعتدوا عليهن وشوهوا وجه إحداهن، وقتل رئيس المخفر الحقود القاسي المتآمر.
كانت تلك الامسيات تشتعل فيها الذكريات بشكل حاد لو كان بينهم طوني براون وأسرته، وهو يروي أخباره عن افكار رسوم كاريكاتورية أوحى له بها مايكل، وكان يرسمها ويرسلها إلى الاصدقاء عبر شبكة الانترنت، او أفكار لملصقات دعائية تنفذها الشركة التي يملكها براون.
- كان مايكل بالنسبة لي مقطوعة موسيقية كلاسيكية موّزعة على الطريقة الحديثة. قال براون عنه وهو شارد بعد أن روى إحدى المواقف.
- كان مايكل يتحول الى بطل أسطوري عند مواجهة المشاكل. كان رجلا فريدا بشكل عام في الحياة. قال طوني براون عنه في جلسة أخرى.
- إحك لهم عن ذلك اليوم في ملعب الكرة. قال أخو مايكل الأصغر فيليب.
- ألم أقلها من قبل؟ سأله براون.
- إروها للمرة العشرين ولا تخشى التكرار. قال دون.
- طلب منه المدرب مراقبة صانع ألعاب كظله، فأصيب ذلك اللاعب وخرج من الملعب مع المسعفين بينما مايكل يسير معهم، فصرخ المدرب فيه متسائلا: إلى أين تذهب؟ ألم تقل لي راقبه كظله أينما ذهب؟! رّد مايكل عليه.
- وماذا عن نجاح بوش الابن في الانتخابات؟ سألته سارة ذات مرة.
- قال بعضهم: لقد حكمنا الأب منذ عقد ويحكمنا الإبن الآن فمتى سيحكمنا الروح القدس؟ لا تسألوني بعد ذلك لأنني سأذهب إلى جهنم بسببكم.
- طوني.. قل لنا لماذا توفي فرانك سيناترا، حسب ما قال مايكل لك؟
- سمع الله مَنْ حوله في السماء يشيد بجمال صوته، فأراد سماعه. أنا ذاهب إلى بيتي فوراً يا شياطين. هيا بنا يا آنسة أولبرايت فقد تأخر الوقت على وصولك للوزارة (قال وهو ينظر إلى زوجته)
رحل مايكل وترك جميع أفراد أسرته يبحثون عن نقطة جديدة تكون مرتكز حياتهم الوجدانية، ولم يجدوا سوى ذكراه وأفعاله نفسها لتكون هي البداية الثانية لأن احدا من اخوته لا يستطيع الحلول محله، أو المبادرة بأخذ مكانته، حتى دون الذي ورث عملياً الشركة وأخذ على عاتقه تسديد بقية ديونها التي بدأا بها المشروع، فلم يكن هو أو مايكل يملكان رأس مال كافيا لإقامة المؤسسة التي ظهرت للوجود بفضل طموح مايكل وإيمانه بالنجاح لها. شعر دون بأن روح مايكل نفسه ستتألم لو أغلق الشركة، فإستلهم صفاته ووعد شقيقه الغائب بمواصلة ما أسساه سوياً، وكانت إرادته هي الامل بالبقاء والعيش وتسديد الفواتير المختلفة، بالنسبة لبعض افراد الاسرة الذين ما زالوا يتعيشون من إيرادها، خصوصا الاخ الأصغر الذي ما يزال في آخر سنة جامعية من دراسته.








الفصل الثامن



خفف حضور والدّي منى إلى بيتها في نيويورك وطأة الفراغ الهائل الذي إبتلعها بعد وفاة مايكل، والحزن المقيم داخل روحها والهواجس التي تقتحم مخيلتها ليلا وترفض مغادرتها، بعدما اعتقدت لفترة طويلة إنها اصبحت أقدر على مواجهة أي أمر في الحياة بأحاسيس متزنة لا مبالغة فيها، وإنها قد نسيت الدموع لأن شيئا لا يستحق البكاء عليه، فالدنيا نفسها بحاجة إلى نظرة حيادية، وتعامل هادىء لا يتلف شبكة الاعصاب ليستمر المرء فيها بصحة جيدة لأطول فترة ممكنة، ويواجه تفاصيل حياته اليومية والاعباء الموجودة فوق كاهله، قبل أن تتقاذفه رياح الشيخوخة وتتلاعب بمصير صحته وحيوية علاقته مع الدنيا والناس كما حدث لأبيها.
لم تقدّر منى أن ضعفها لم يزل فيها وأن دموعها قريبة على من يستحقها. وحاولت الاقتداء بما قاله طوني براون عن عدم إنحناء مايكل أمام شراسة ظروف الحياة، ولم تفلح لأن ما حدث لم يكن ظروفاً بل جحيماً.
أشاع ابواها في بيتها جواً من الراحة النفسية، واكتشفت لأول مرة في حياتها أن صوت امها يوحي لها بالطمأنينة، خصوصاً عندما تتسامران لأوقات متأخرة ليلا، بعد نوم أحمد ووالدها، في مواضيع كثيرة وذكريات مشتركة بين أهل منزلها. كانت أمها ممن يستيقظن مبكرا، وتذكرت بسبب صلوات إبنتها فجرا جارها السابق الكويتي، ولأول مرة بعد كل هذه السنين تتساءل في ما بينها وبين نفسها عن مصيره وما فعلت الظروف به.
- لقد جعلتني صلاتك اتذكر شابا كويتيا كان يسكن في المجمّع السكني نفسه عندما كنت في التاسعة عشرة من عمري. قالت امها.
- وما الذي تذكرتينه؟
- كان يدرس في أميركا ويزورنا أحياناً وعرفنا لأول مرة عن الاسلام بسببه.
- ولماذا كان يزوركم؟
- ربما كان يفتقد الروح الاسرية التي وجدها بين أسرتنا.
- وماذا ايضا؟
- كان يشرب الويسكي ولا يأكل لحم الخنزير بأشكاله كافة.
- رغم أن الاسلام يحرّمهما معا.
- كان يعتبر شرب الويسكي معصية يغفرها الله، لا توازي مطلقاً أكل لحم الحيوان النافق والخنزير المحرميّن تحريماً قطعياً في الشريعة الاسلامية. تماما مثل اليهودية.
- كيف إنقلب حلفاء الامس إلى أعداء اليوم؟ سألت ماجدة زوجها أحمد أولمان وهي تقصد النظام الاميركي وطالبان.
- هناك إحتمالان. أولهما دخول طرف ثالث أفسد هذا التحالف لأنه يضر بمصالحه الخاصة، اما الثاني فهو خروج الحليف الأضعف عن السيناريو المرسوم له من الأقوى.
- لقد إستبعدت مقولة الجهاد تماماً.
- لأنها لو كانت صحيحة لما تحالف أسامة بن لادن وطالبان مع الذين يعتبرونهم كفاراً، أثناء الاحتلال السوفياتي لأفغانستان.
- ربما بسبب مصالحهما المشتركة آنذاك.
- إذاً دخلنا مجال السياسة والمناورة، وهو أمر بعيد تماما عن الدين.
- لكن الدين الاسلامي يجمع الامرين.
- هذا خطأ. لا سياسة في الدين الاسلامي، بل إرساء قواعد اخلاقية في التعامل في الحياة بشكل عام، وفي جملة هذه الامور السياسة.
- كيف؟
- هل إذا قال الله "وأمرهم شورى بينهم" يعنى ذلك نظرية سياسية؟ من جهة أخرى، الاسلام ينظم العلاقات القانونية والاخلاقية بين الناس، لكنني لا أرى فيه نظريات قانونية متكاملة.
- وكيف اُشيع ذلك الامر حتى عند العلماء؟
- لقد تم تسييس الدين الاسلامي نفسه، وتلك قصة اخرى.
جرّبت منى نوعا من الشهرة والاهتمام وإن كانا سلبيين، في الشهور التي تلت احداث الحادي عشر من أيلول الرهيبة، لم تحظ بهما عندما كانت نجمة حفلات اللهو والتعامل مع الدنيا باستخفاف، وكانت فساتينها تثير شهقة النساء وتضرم أقسى قوة للتركيز في عيون الرجال، بينما هي تسعي وراء رحيق المتعة مازال الانسان قادرا على نيلها، لأن سجن المحظورات الاخلاقية يضر النفس ويدفع بالمرء لسلوك طرق جانبية مرهِقة لإرضاء غرائزه الانسانية التي لا يستطيع الهرب منها.
كانت منى كلما ذهبت للتسوّق في المجمّعات التجارية أو تجولت في الاماكن العامة، وقعت تحت مطارق النظرات الفضولية والمستهجنة والغاضبة بسبب زيها الذي جعلها محط الانظار حتى بين الناس في طوابق المجمعات العُليا لو كانت تمشي في الطابق الارضي، وأطرف مرة ذهبت فيها للتسوق كانت مع خديجة التي جعلت تذّكرها بنصائحها في التخلي عن زيّها موقتا حتى ينسى الناس، بدلا من مظاهر الحقد التي تحيط بها أين ما ذهبت، ورغم تمّسك منى العنيد بزيها وثقتها بكلام خديجة، كانت داخليا تبحث عن يقينها الشخصي في براءة الاسلام نفسه مما حدث، بسبب كثرة ما قيل عن موضوع الحادي عشر من أيلول، وما قرأته في المجلات الكبرى وحتى على مواقع الانترنت، وإحساسها الخاص بإنها قد تكون وقعت فريسة لخداع حواسها، أو تحت وطأة ظروف قاسية جعلتها تهرب من اللحظة التي تعيشها بما فيها دينها المسيحي نفسه. وكانت تتحين فرصة زيارتها إلى لوس آنجليس لتسأل أحمد أولمان وخالها لوقا، فلعلها تصل إلى تكوين رؤية تريحها من حصيلة أقوالهما، وقد جعلها التفكير المستمر تهتدي إلى فكرة عجيبة رأت انها قد تشفي أوجاعها النفسية، وهي أن تسافر للقدس وتلقي بجزء من الركام الذي جمعته في كنيسة القيامة وجزء أمام حائط المبكى وجزء أمام مسجد قبة الصخرة، وستفعل ذلك كشهادة حب على تساؤل مايكل نفسه عن الله، وتساؤلاتها هي بعد مشهد طائرة الركاب المدنية، التي إبتلعتها ناطحة السحاب في صباح الحادي عشر من ايلول الذي لا يُنسى.
كانت منى داخل أعماقها تريد التخلص من شعورها المزمن بأنها نذير شؤم على كل من أحبتهم، أو تمنت العيش مع أي منهم باقي عمرها. شعرت بعد المسافة الزمنية والخبرات المختلفة التي مرت بها بأنها مع عشاقها في لوس آنجلس، عاشت وكأنها في شوارع خانقة بعوادم السيارات وزحامها، داخل أحياء متدنية إجتماعياً، وأكلت في مطاعم وجبات سريعة متشابهة المذاق، لكنها تختلف من محل لآخر حسب الديكور العام. لم تبرىء نفسها بل رأت إنها كانت تستحق هذه العلاقات في وقتها ولا يمكنها الحصول على أروع منها. اما مع مايكل فقد شعرت وكأنها إنتقلت إلى محمية طبيعية نادرة يسير فيها هو بثقة وإقتدار، ويوحي لها بالافكار النبيلة والعواطف الرقيقة والثقة بالنفس والكفاح الشريف في الحياة، ويثير فيها الرغبة ويُشعل الشهوة بشكل أنيق متدفق، وليس بشكل بهيمي مرتبط بالتحدي والممارسة الجنسية تحت وطأة العوامل الاصطناعية، لكن ظروف الايام فرضت مساراتها العجيبة على حكايات حبها المختلفة، فخُطف الاول الذي جعلها أماً من على مسرح الحياة بعد إفراطه في شمّ "زهرة الآلهة". وهجرها الثاني بعد أن أفقدته ارملة غنية صوابه، ولم يساعدها بعدما تسبب في فقدانها لوظيفة محترمة، وتركها فريسة تنهشها الديون والصعلكة والغل. وابتعدت عن الثالث بإصرار مذهل لأنه اراد توريطها بتجارة "زهرة الآلهة"، بعدما عملت معه بنقلها وربحا مبلغاً معقولاً لبداية مختلفة نظيفة في حياتهما معا، لكن الظروف المُلتبسة وسوء الحظ كان لهذه الاموال بالمرصاد. ثم سحقت حادثة رهيبة لم تحدث من قبل في تاريخ الانسانية حبها الخالد وطحنت جسده مع ركام البرج الذي عشقه لدرجة إنه راهن على صموده أمام الضربة الهائلة التي تلقاها، بعد عمل قامت به مجموعة من الشباب تهتف "الله أكبر"، وخاطب محمد عطا أفرادها بصفته قائدهم، في رسالة قبل 11 أيلول 2001 نشرتها الوسائل الاعلامية كتب فيها بخط يده:
"طهروا قلوبكم ونظفوها من كل الامور الدنيوية. لقد مضى وقت اللهو، وحان وقت جنة الخلد. كونوا متفائلين."
- أي تفاؤل كان يتحدث عنه ويقصده هذا المهندس المعماري إبن الحضارة التي يبلغ عمرها المدوّن عشرة الاف سنة؟
كانت منى تهمس لنفسها في كل مرة تتذكر فيها هذه العبارة.
- وهل تنظيف القلوب من الامور الدنيوية بحاجة إلى هدم برجين فوق رؤوس المدنيين للدخول إلى الجنة؟
كانت تسأل نفسها عندما ترى بعين ذاكرتها الطائرة المدنية تختفي داخل البرج الجنوبي، وهي تتقلب أرقة في فراشها ليلا، أو وهي تسمع في وسائل الاعلام أن هناك من يمجدون ذلك العمل، بدون أن يوضحوا ما إذا كان هدفهم هو تبشير الناس بدين محمد، لأنهم أطلقوا على ما حدث "غزوتا نيويورك وبنسلفانيا"، وعلى من قاموا بها "سرايا نيويورك وبنسلفانيا"، أو الضغط على الولايات المتحدة لتجعل إسرائيل تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية في أرضه. لقد زلزلتها هذه المحنة وحثتها على القراءة بنهم لتفهم ما يحدث حولها وفي العالم، بعدما كانت مجلات الفن والفضائح وأخبار المجتمعات المخملية هي المادة المفضلة التي تقرأها.
- هل تتذكر رأيك الذي قلته لي ونحن على الحدود بين المكسيك واميركا؟ سألت منى إبنها أحمد.
- نعم.
- لقد احترمته وقتذاك، وأريد أن اسألك عن رأيك في ما حدث قريبا من منزلنا. هل فهمت قصدي؟
- هذا أمر لا يفهمه سوى الكبار.. صعب عليّ فهمه.
- أريد رأيك بشكل عام.
- إنه عمل مخيف. قال أحمد بعد لحظات.
- لماذا؟
- لو كان عملا بطوليا لاحترم الناس المسلمين.
- وانا لا أفهم لماذا يصفق بعض المسلمين لهذه البشاعة. قالت منى في قلبها.
رغم جمال مدينة نيويورك ووطأة فخامتها على زوارها وسكانها، لم تزل لوس آنجليس المكان الذي يهتز له وجدان منى بعمق كلما سافرت إليها، فهي تمثل بالنسبة لها بيت الاسرة الذي شهد جميع المناسبات السعيدة والحزينة في حياة أهله، وفي كل غرفة من غرفه كان هناك حوار لا يُنسى أو ذكرى ضيف عزيز، أو لوحة كانت هدية في مناسبة جميلة، لدرجة أن ذلك البيت تخطى المشاعرالانسانية كافة بالنسبة لها، وأصبح رمزاً بعيدا عن النقد ولا يخضع لمعايير الوقت والمكان، أو البعد والقرب منه. كائنٌ بنفسه في مكانة لا تتغير بمرور العمر. بعيدٌ عن مقاييس تقدم الانسان في الحياة أو تعثره في دروبها. وكانت مشاعر منى تتقلص مع كل عضلات جسمها، بسبب ذكرياتها والتأمل والترقب بينما الطائرة تهبط على مدرج مطار "أل. أيه. اكس" الدولي في لوس آنجليس ثم تنطلق عليه حتى تتهادى، ناقلة صوت سلامة الوصول في آذان ركابها بعد هزة ملامسة عجلاتها القوية للأرض.
لم يكن وصول منى هذه المرة إلى ولايتها يشبه من سبقها من زيارات تمتد من مساء الجمعة حتى ظهر الاحد، لأنها كانت زيارتها الاولى بعد أحداث 11 أيلول ونتائجها، بهدف رؤية اهلها وعائلة أولمان التي كانت صدفة اللقاء بأفرادها نقطة تحوّل كبير في حياتها. كانت تشتاق فعلا إلى معانقة ماجدة ورؤية وجهها الهادىء الودود، وإلى سماع رأي زوجها في ما حدث، وعلّقت الامل على كلمة منه تنهي بها تدافع افكارها المخيف داخل دماغها، وتعينها على صدّ النظرات الغاضبة، بعد أن أعانتها افكاره في ما سبق على التعامل بلباقة مع النظرات الساخرة من تحولها إلى الاسلام، وتحمّل التعليقات المزعجة من الذين حولها.
لم تستطع منى فهم ينبوع الحنين المفاجىء الذي تفجر داخلها ودفعها لزيارة بعض الاماكن التي كانت تحبها وتأتنس بها في طفولتها، ومنها مدرستها القديمة التي وقفت على الرصيف المقابل لها، وتأملت حياتها آنذاك وسمعت ورأت من خلال إستعادتها لأهم ذكرياتها صدى أصوات وملامح من كانت قريبة وتهتم بهم سواء من التلامذة أو المعلمين، ما جعلها تدمع وتشعر كأن دهر قد مر على آخر مرة كانت في هذا المكان العزيزعلى قلبها وروحها. وقفت تتذكر وتستمع إلى ذكريات وحوارات جرت منذ عقدين وأكثر، وهي تكاد تشعر مرة أخرى أن ما حدث لم يّمر عليه بضعة اسابيع فقط، بسبب شدّة حضوره بتفاصيله في عقلها.
سألت نفسها وهي شبه غائبة عن الوجود حولها أثناء وقفتها امام مدرستها، عما إذا كان الانسان نفسه سيتحول إلى ذكريات وصدى صوت يتردد في عقول من يعرفونه عندما يتذكرونه بعد موته، وينتهي أمر ومضة الحياة غير المفهومة في كون عظيم الاتساع مجهول بالنسبة للإنسان عند هذه الحدود، أو أنه في حياته الاخرى سينظر إلى وجوده الذي فنى كصور في الذاكرة الشخصية له. لقد رأت الموت من قبل، وطالما حضرت صلوات دفن بسبب عمل خالها، الذي سكنوا معه في منزله الملحق بالكنيسة لعدة سنوات، وسمعت الكلمات التي تُلقى على الرُضع والاطفال والمراهقين والشباب والكهول والشيوخ، كما سمعت آيات الانجيل نفسها التي تُقال، وتعاملت مع الموت كحقيقة كما هي لا تُناقش، لكنها منذ تُوفي مايكل بدأت تتأمل فكرة حياة الانسان برمتها التي تنتهي بهول فعل الطمر في حفرة مستطيلة، أو الاختفاء بشكل مخيف مثلما حدث لأكثر من ثلاثة آلاف شخص تحت البرجين.
هل كان الحنين إلى تلك الوقفات المتأنية في صباح ذلك السبت، وقطرات الدموع الساخنة التي انسابت على خديها، بسبب حبها الكبير لمايكل الذي علمها بشكل عميق وبسيط ألاّ تعيش بطريقة آلية، وتنظر إلى كل شيء من خلال انسانيتها.
مايكل الذي قال لها لا توجد حقائق مطلقة في الحياة، بل كل ما نراه نفهمه من خلال ذاتنا، حتى المرض والحب والموت تختلف معانيها والإحساس بها من شخص لآخر. أم كان حنينها بعد فترة غيابها الطويل نسبياً عن لوس آنجليس، هو السبب الكامن وراء تلك العواطف التي لم تبال بها أو تتوقف عندها كثيرا من قبل. أم مشهد الطائرة المشؤومة في ذلك الصباح الدامي، هو الذي جعلها تبحث عن صور ذاكرتها الحميمة في ألبوم سنين عمرها، فكل شيء يمكن أن يختفي في لحظة بدون مبرر منطقي لما يحدث. قوة غاشمة عمياء يمكنها اكتساح الانسان فجأة، وأرغامه بقوة عاتية على السير في تيار لا يستطيع تغيير إتجاهه.
انتابت منى في الفترة الاخيرة حمّى تقصّي خطوات الانسان الذي بدّل إتجاه بوصلة تفكيرها، فاستعارت بعض كاسيتات الفيديو العائلية التي كانت بحوزة عمة مايكل لفترة، وجعلت تشاهدها ليلا لترى بوضوح أكثر الشخص الذي لم تلتق به سوى بضع مرات، وأثّر فيها بهذه الطريقة المدهشة كما لم يؤثر عليها أحد من قبل، وجعلها بدون إثارتها بكلمة واحدة ذات مدلول جنسي أو نظرة شهوانية، لا تستطيع مقاومة غريزة انوثتها الجامحة تجاهه رغم الوعود التي قطعتها على نفسها أمام الله، خصوصا في صلوات الفجر، ألاّ تعود إلى سابق خبراتها المستهترة في الحياة، فرشفت معه كأس الشهوة المستعرة مرة واحدة، كانت بداية ونهاية تلاحم الجسدين معاً، وقد هيأت الظروف بشكل جذّاب مريب هذا اللقاء، وكأن القدر أراده لها ذكرى لا تمحى، في الوقت الذي اعتقدته هي بداية لعلاقة لن تعرف كيف تهرب منها بعدما خاضت تفاصيلها النفسية والجسدية كافة، وخضعت مرة اخرى لسلسلة المستحيلات التي أخبرتها يوماً لصديقتها ستيفاني.
بدا مايكل إنساناً نقي السريرة في تلك المشاهد لكنه يعرف قيمة نفسه، وكانت عيناه تشي بهذه المعرفة تماما. يهتم بأناقته بطريقة بسيطة تكاد تتهم ثيابه بالرخص رغم انها غالية، ويتكلم بإسلوب واضح ناظراً إلى عيني محدثه دائماً، ويحب سماع النكتة وقولها، ويضحك طويلا على النكات التي تحمل المتناقضات. كان واضحاً مدى تأثر اخوته به، وعمق محبة أمه له ونجاح الجميع في خلق أسرة متماسكة لا يربط بين افرادها حديث الصالونات والواجبات الاجتماعية فقط، بل المساعدات والتعاون والبحث عن حلول لمشاكلهم بالحوار. كان الحوار واضحا للغاية وبدون إفتعال وأحياناً ظهر المتكلمون وهم غير منتبهين تماما لوجود كاميرا الاخ الأصغر فيليب الذي يتعلم ليعمل مصوراً سينمائياً عندما يكبر، وصوّر الكثير من اللقطات بطريقة الكاميرا الخفية، لوجوده هو نفسه في الكادر أحياناً. وعندما رأت منى طوني براون أثناء زيارة لمنزل أم مايكل ثم في بعض مشاهد شريط فيديو، تيقنت إنه كان الصديق الأقرب له، لأن براون نسخة إنسانية اخرى من صديقه، لكن بمواهب مختلفة لم يكن يتمتع مايكل بها، ومجال عمل يختلف تماماً عنه لأنه كان صاحب شركة إنتاج افلام دعائية وإعلانات مضاءة.
سألت ماجدة منى عن الاسباب الفعلية لرفضها مشروعي الزواج المقبوليّن اللذين عُرضا عليها، وردت بأنها لم يكن لديها أي إحساس جسدي او عاطفي تجاههما، وتعجبت ماجدة في ما بينها وبين نفسها عن إهتمام صديقتها الدائم والمتجدد وإحتفالها بجسدها الذي تنطلق منه في كافة علاقاتها العاطفية، رغم أخلاقها التي تغيرت للأحسن، علاوة على حاجتها لزوج يعينها على ظروف حياتها مع إبنها.
لم تكن منى ممن يؤدين دوراً سلبياً في ممارستها الجنسية، أو أداة يهمها لذة رجلها أولاً، بل كانت تنشد المتعة القصوى المشتركة، ولذة إرضاء حواسها الخمس كافة، وتعتمد على الانجذاب العميق لتعطي أفضل ما عندها وتدفع نفسها إلى الذروة مع شريكها، ومثلها لا يمكنها الزواج بشكل تقليدي.
- لماذا تبتسمين وانا أعبّر لك عن وجهة نظري. سألتها منى.
- لأنني معجبة بكِ. ردّت ماجدة.
- انا؟
- نعم. وما الغريب في ذلك؟
- وما سبب هذا الاعجاب؟
- لأنك مازلت تركضين وراء قيمة معينة في الزواج. قيمة إحساس الانثى بأنوثتها.
- خلقني الله هكذا. وما كنت أطلبه في ايامي الخوالي، سأبحث عنه في زواجي المستقبلي، ولو إنني متأكدة من عدم الزواج مرة اخرى. لقد انتهيت وانا سعيدة فعلاً.
- رغم انك في ثلاثينات عمركِ؟
- إبني هو حياتي واهتمامي.
لاحظت منى أن شيئاً ما داخل ماجدة قد إنكسر، لأنها لم تكن كسابق معرفتها بها؛ قوية في كل شيء تفعله حتى وهي تسير في المنزل. ورجحت أن يكون ما حدث في نيويورك هو السبب، فقد ألمحت ماجدة بأنها لم تعد تستطيع الذهاب سوى إلى المحلات والسوبر ماركت حيث يعرفها البائعون، فنظرات الغضب والاحتقار الدفين تحيط بها في الاماكن التي يجهلها الناس فيها. ثم إنها قد شبهّت ما حدث بصفعة لم تزل اثارها واضحة على وجوه مسلمي اميركا، وتعجبت من احتفاظ منى بإسلوب ملابسها في نيويورك تحديداً، كما سألتها عدة مرات عن وصف مشاهد الشوارع القريبة من مجمّع التجارة العالمي في اليوم المشهود، وحالة أهل نيويورك المعنوية بعيداً عن الاعلام، واستفسرت عن خديجة وهل تأثرت مكتبتها بما حدث.
- هناك أمر ما انا لا أفهمه، وسأعيد التفكير في كل ما آمنت به حتى اليوم. قال لها أحمد أولمان ردا على سؤالها.
- وماذا بشأن التهمة التي إلتصقت بالمسلمين؟ سألت منى.
- بأفراد منهم هم التلاميذ القدامى لوكالة الإستخبارات المركزية الذين انقلبوا على معلميهم وحلفائهم لسبب غير مفهوم حتى الآن.
- وماذا يعني ذلك؟
- يعني أن ما حدث عمل عنيف. انا شخصياً أدينه. من المؤكد أن جذوره في مكان ما. سأصل إلى هذه الجذور.
- هل تعتقد حقيقة أن اسامة بن لادن وراء هذا العمل؟
- لم يصدر عنه أي رسالة تلفزيونية تنفي تورطه، مثلما تعود الناس منه. وصل على ما أعتقد فاكس الى شبكة تلفزيونية يقول ان "القاعدة" تبنت هذا العمل. مجرد فاكس من الممكن إنني شخصياً قد ارسلته. ما يعني قانوناً وبناء على سوابق تلفزيونية لبن لادن إنه مشتبه فيه. وما أخشاه حقيقة إسُتخدامه كدمية بلهاء لأجهزة أكبر منه بكثير، فلا يُعقل أن مثل هذا العمل لم تشمّه أنوف أجهزة المخابرات في العالم.
- وماذا بعد؟
- اعلم إنكِ في غاية التأثر. ربما فقدت اصدقاء بسبب هذه الجريمة.
- هل هذا فقط ما تقوله لي؟ سألت منى حائرة.
- أتكلم على مستوى شخصي. ربما بعد خمسين سنة سيعرف الناس بعض حقائق ما حدث.
- لماذا؟
- انا ضد العنف بالمطلق. لكن لو تم هذا العمل فوق الكنيست الاسرائيلي ووزارة الدفاع هناك، لبدأت أعتقد بجدية أن قضية فلسطين وحقوق العرب الضائعة أصبحت ضمن هموم "القاعدة". هذا العمل الكبير معقد جداً، وكما قلت لكِ سأعيد التفكير في كل مسلماتي.
لم تزل ماجدة وزوجها هما تعويذتا حظ منى دون بريدا ومنار هداية سفينتها في محيط الحياة. كان ذلك هو إحساسها وهي تغادر منزلهما سعيدة بعد الزيارة. بسبب ماجدة إنتقلت إلى دين آخر بدون مواعظ أو تبشير، وبمساعدة احمد أولمان إنتقلت من الساحل الغربي إلى نيويورك، وتحولت من عاطلة عن العمل معظم الوقت، إلى موظفة في قسم الاوراق المالية في أحد المصارف القريبة من "وول ستريت". علاة على محبة إبنها الفائقة لهذه الاسرة وتسميتها له بعد إسلامه أحمد تيمناً بالرجل صاحب التأثير على حياتهما معا.
رغم البساطة التي تكلم بها أولمان عن أمر هزها في الصميم، فقد أضاف على الحادث المشؤوم وتداعياته أسئلة أخرى، ولم تتخيل منى أن مسلمات الرجل الفكرية بدأت تهتز رغم إنها أوصلته إلى تلك المراحل المتقدمة من إثارة الغضب من حوله، وكانت سبب النظرات النارية لبعض النسوة إلى ماجدة في مسجد الملك فهد، عندما رأتها هناك بمناسبة العرس الاسلامي الذي دعتها إليه.
كان شيئا طبيعيا لإمرأة نشأت في أسرة محافظة فيها راع وعضوتا إدارة كنسية، أن تكون على علم مسبق بأراء خالها، لكنها قررت هذه المرة الاستماع إلى رأي لوقا ريتشارسون من خلال اليوم الاسود الذي مرّ على تاريخ اميركا. فقد سمعت خالها من قبل يقول عن الاسلام أنه دين تبشيري مثل المسيحية، ومع ذلك فإن أهله يشعرون بالخوف من الانفتاح أو الاندماج مع الاخرين. وهو لا يفهم سبب تحريم زيارة مدن الاسلام المقدسة على غير المسلمين، رغم أن ابواب كنيسة القيامة والفاتيكان ومكان إنتخاب البابا نفسه في "كابيلا سيستينا" مفتوحين حتى أمام الملحدين.
كما قرأت منذ زمان بعيد في إحدى الدوريات الكنسية مقالة كتبها خالها عن الاسلام، ولم تفهمها، جاء فيها أنه لا يختلف في عمقه عن المسيحية واليهودية، فكما تعتبر المسيحية الابن هو كلمة الله الازلية ومساوياً للآب في الجوهر، جعل المسلمون قرآنهم كلمة الله الازلية الموجودة قبل خلق الكون في اللوح المحفوظ. بدّلوا كلمة الله من إقنوم تجسد لحكمة إلهية كونية، إلى كتاب مقروء ومسموع. وفي الدينين لم يكن الله مطلقا بدون كلمة. وإذا كانت التوراة تقول أن الله خلق الانسان على صورته ومثاله، فالقرآن يقول أن الله قد خلق الانسان في أحسن تقويم.
سمعت منى اثناء زيارتها لخالها انه مع الرأي الذي يقول أن أميركا تخوض حربين، أولهما ضد مروجي الفقه الاسلامي المتشدد الذي بلغ ذروته بإسقاط البرجين وهدم جزء من وزارة الدفاع، والثانية ضد العلمانية المتطرفة التي بلغت أوجها بمحاولة فرض زواج المثليين كواقع ثقافي في المجتمع الاميركي. هذان العدوان يحاربان اميركا لأنهما ضد المبادىء التي قامت عليها، تماما كما كانت الشيوعية عدواً، وعلى الولايات المتحدة الوقوف بحزم تجاههما. ويعتقد لوقا ريتشاردسون بأن زواج المثليين لو أصبح حقيقة ثقافية، فستُقوض القيم التي قامت عليها الحضارة الاميركية من الداخل، بالسرعة نفسها التي إنهار بها برجا مجمّع التجارة العالمي.
- ولماذا تعتقد أن شرعنة زواج المثليين بهذه الخطورة ؟ سألت منى خالها.
- لأن شكل العائلة سيتغير، وأعداد الاسر التي تجعل الحياة تستمر ستتناقص. ثقافة مشوهة ستحكم هذه الامة بشكل قبيح للغاية، وتجعل رجلين متزوجين يتبنيان طفلا. ستصبح إمرأتان متزوجتين أمرا عادياً بعد عشرين سنة، ويمكن أن تتقدم مثلية بترشيح نفسها لرئاسة أميركا، التي تمسّك رئيسها كلينتون وزوجته بشكل العائلة حتى في قمة أزمة مونيكا لوينسكي. هل هناك أحد سيحترم دولة ترأسها سحاقية؟
- إذا كان هناك مثلي أو سحاقية يحكم بلداً آخر.
- هذه نهاية العالم الغربي!
- ما موقف المسلم نفسه من الفقه الاسلامي المتشدد المسيطر إعلامياً؟ سألته منى.
- أعتقد أن غالبيتهم ضده.
- لماذا؟
- بشكل عام لأن الانسان يفضل الحرية. آدم وحواء كانا يتميشان مع الله في الجنة، ورغم ذلك قررا تذوق ثمار الشجرة التي منعهما الله من اكلها.
- وبشكل خاص...
- الحرية أيضاً. وحسب رأيي الشخصي كان نفوذ فقه الاسلام المتشدد على المسلمين كافة أقل بكثير من سطوة ثقافة الوجبات السريعة والموضة العالمية وافلام هوليوود والفيديو كليب والمحطات التلفزيونية المتخصصة التي بدأت في الغرب.
- واليوم؟
- أصبح هو السائد مع الاسف.
- لكن الغرب نفسه أوى بعض فقهاء الاسلام المتشدد. من اين بدأ الخميني؟ وأين تعلمت الخلايا التي ضربت نيويورك نفسها؟
- لقد نضجتي وبدأت تدركين أكثر. حسناً، أظن أن الغرب سيدرك خطورة إيواء هذه العناصر، أو حتى التعامل معها الذي يشكل خطراً شديداً عليه.
- وأين يكمن الخطر؟
- في انتقال ميادين المعارك إلى الاماكن المدنية. هذا هو الارهاب. في القيادات المتشددة في الاديان. هذا هو التصادم المرعب. لا احد يقدر على إلغاء الاخر نهائياً. هل نرسل أكثر من مليار ونصف بوذي للقمر لكي تبقى الارض للمؤمنين؟!
- وكيف ترى الحل؟
- أن نكون متنورين أكثر.
تذكرت منى وهي عائدة إلى نيويورك حلاقها النسائي الذي قال لها وهما يثرثران اثناء قص شعرها ذات مرة، أن تعقيدات الحياة وتداخل مصالح الناس، جعلت إتخاذ أي قرار حاسم صعباً، وأن أي موقف واضح قد يؤذي الانسان، لأن العصر بات زمن السعي وراء لقمة الخبز، وفناء الانسان نفسه ركضاً من اجل تسديد فواتير تكاليف الحياة الباهظة. وقد نسيت تماما المناسبة التي بدأا منها الحديث ليصلا إلى هذه التفاصيل.
- منذ خمسة وعشرين عاما كنت اذهب للمدرسة بربع دولار هو مصروفي شبه اليومي ليومين أو أكثر. كم تعطين إبنك اليوم ؟ سأل الحلاق منى.
- أكثر بكثير.
- كان أبي يعمل فقط وإستطاع ان يعلّم اولاده الاربعة في مدارس خاصة. اليوم، انا وزوجتي نعمل، بينما اولادنا يتعلمون في مدارس حكومية.
- أصبح علاج ضرس مسوّس يوازي ثمن سيارة مستعملة. هل تعلم أن بعض الفقراء يخلعون ضروسهم لأن ذلك أقل تكلفة؟ قالت منى.
- هذا في أميركا. ماذا يحدث في الدول الفقيرة؟
كانت الحياة أقوى بكثير من الهول الذي ضرب نيويورك، فبعد بضعة شهور فقط رجعت كل الامور طبيعية مرة أخرى ما عدا إختفاء البرجين، ونسى سكان وموظفو الطبقات العليا هلعهم وإندمجوا في اعمالهم، وكانت منى تقف أحياناً مع خديجة في محلها أثناء ساعة الغذاء، وهي تلاحظ الشارع الذي يتحول بدءاً من الثامنة صباحا إلى خلية نحل بناسه وزواره وسواحه وتاكسياته، ولا يهدأ حتى ليلاً، لأن الاعمال في الشركات والمطاعم لا تتوقف لكن وتيرتها تخف فقط في نيويورك.
- يقولون في مصر: من مات فليرحمه الله. قالت خديجة لها ذات يوم وهي تلاحظ أن منى تطيل النظر بإتجاه البرجين المختفيين.
- ماذا يعنون بذلك؟
- يعنون ما ترينه. ينسى الناس وتعود الحياة إلى حالها مهما كانت أهمية المتوفي أو ضخامة المصيبة.
- وهل تعتقدين أن ما حدث سيُنسى؟
- يتناسى الناس حتى ينسوا فعلا لتستمر الحياة.
- هذا صحيح لكن ذكرى بعض الاحداث والناس لا تُنسى.
- بسبب الوفاء.
- ربما.
- وهذا الشعور النبيل موجود عند بعض الحيوانات أيضاً.
- كيف؟ سألتها منى وهي تبتسم.
- في بلادنا تعيش القطط والكلاب في الشوارع بشكل طبيعي، وقد تتخلصين من هرتكِ المنزلية لسبب أو آخر، وتعودين وتلتقين بها في شارع بعيد بعد عدة شهور، فتركض خلفك لأنها لم تنس عِشرتها معك. لم تنس إنك أطعمتيها.
- هل تعلمين أن بعض الناس أقل وفاءاً من تلك القطط ؟
- عبادة المال هي السبب ياعزيزتي.
- سأسافر إلى القدس قريباً.
- لماذا؟ سألتها خديجة بدهشة.
- لأرى المدينة التي تجمع الاديان الثلاثة في المكان نفسه.
- في أي مجمّع تجاري في أميركا تتجاور محلات المسلم واليهودي والمسيحي بدون مشاكل. قالت خديجة وهي تضحك.
- لا أعلم لماذا لا يتجاورون في الشرق الاوسط بالطريقة نفسها. قالت منى.
إجتازت منى وإبنها بوابة دخول مطار نيويورك الدولي، وهي تسير بقامتها المديدة وإمارات السكينة على ملامحها، وأنجزت الاجراءات الصارمة البشرية والالكترونية في دائرة تفتيش المسافرين، التي إستُحدثت عقب احداث الحادي عشر من أيلول، ومنعت المسافر المغادر والوافد إلى أميركا الاحساس وكأنه في بيته تماماً ينتقل من غرفة لأخرى، وجعلت بعض النساء وحتى الرجال يعتقدون انهم يخضعون لمذلة تهين حرمة أجسادهم، بل وتجعل حتى عربة الطفل الرضيع شيئاً مشتبه فيه، يخضع لاجراءات صارمة في التعامل معه، خوفاً من تفخيخها بواسطة أم أو أب انتحاري.
ثم توجهت نحو القسم المخصص لإنتظار طائرة "العال" التي ستُقلع إلى أمستردام، ومنها ستتوجه بطائرة اخرى إلى مطار بن غوريون، في مشوارها الذي تؤديه بتصميم غريب إيماناً منها بأنه سيزيح الكابوس المذهل داخل نفسها المنكسرة.
ذهب أحمد إلى محل بيع التذكارات في السوق الحرة بمطار أمستردام، ليشتري تذكاراً من هولندا، حسب ما قال لأمه.
- هل تتكلم لغة هذا البلد؟ سألته منى وهي تبتسم.
- ربما يتحدثون لغتي. قال لها وهو يذهب.
بينما كانت منى في الكافتيريا تجلس وحدها متهيبة فعلاً من زيارتها للقدس، ولا تدري سبب شعورها لأنه لو قيل لها منذ عشر سنوات إنها ستقوم بها لضحكت كثيراً على طريقتها في جامع الملك فهد قبل اسلامها. كانت تتأمل ما تأتي به ذاكرتها صدفة من صور حياتها في كل مراحلها، وتفيق منها أحياناً لتتابع رؤية نظام الامن الصارم الموجود حتى في مطارات أوروبا، وفجأة إقتحم مجال رؤيتها شيء يشبه سيلويت إنساني بلون الاظافر، وقد ظهر أمامها بوضوح ظاهر في الفراغ الذي لا لون له في صالة المطار، ولوهلة اعتقدت إنها ترى إنعكاس ظل أحدهم على الزجاج الذي أمامها، لكنها تنبهت أن زجاج صالة الانتظار خلفها، وأن السيلويت لمايكل نفسه يسير امامها بهدوء شديد بدون النظر إليها، فقامت كالمذهولة وقلبها يكاد أن يتوقف وهي تتعثر في امتعتها الشخصية، وسارت بسرعة وراءه لكي تلحق به، لكن السيلويت الانساني السائر على الارض وليس فوقها، بدأ يسرع خطواته ثم تلاشى في الفراغ، بالطريقة نفسها التي ظهر بها، بمجرد أن اقتربت منه كثيراً وأخذت تناديه.
وقفت منى حائرة بين بعض المسافرين الذين انتبهوا لحركتها المفاجئة وندائها المتكرر لإسم مايكل، ثم عادت إلى كرسيها والدموع تترقرق في عينيها، بعدما تأكدت إنها لم تعد ترى أمامها هذا الشكل الفريد الذي باغتها ثم اختفى وهي تقترب منه، وإنها تقف وحيدة بين مسافرين ينظرون إليها بفضول وتوجس، بينما موظفو الامن يراقبونها بعيون تتفحصها بدقة بعدما أثار صوتها وسيرها المتخبط بدون هدف، بالنسبة لهم، انتباههم وشكوكهم.
جلست منى على كرسيها بجوار أمتعتها الشخصية، وهي تشعر بدوار خفيف يصيب رأسها ويخفض ضغطها ويجعل حبات العرق البارد تترقرق على جبينها. وخُيل لها أن مايكل الذي إستمر متحفظا تجاه عواطفها نحوه لفترة طويلة، لدرجة مبادرتها بمواربة باب قلبها وشقتها له لكي يدخل، أراد إبداء رأيه في رسائلها ورحلتها، فظهر بطريقة غير مفسرة كطيف أمامها، ولم يشأ أن تذهب إلى القدس لتترك ركام ناطحتي السحاب الذي في حوذتها أمام المزارات الإبراهيمة الثلاثة، بدون تأكيد حضوره في روحها.
لكن بعد لحظات فسّرت منى أن ما رأته كان بسبب كثرة التفكير في مايكل، وإنها لم تستطع اللحاق به لأنها كانت تسرع وراء فكرة في دماغها تجسدت أمام عينيها. لكنها سرعان ما رفضت خدعة رؤيتها لفكرة في رأسها، لأن ما رأته لم يكن في مكان معتم، بل تام الاضاءة وعشرات من المسافرين يقفون ويجلسون فيه، وسارت خلفه وهي تراه بوضوح تام يسرّع خطواته إلى أن ابتلعه الفراغ.
أما كان مُفترضاً أن تحتفظ الحياة بمن هو مثل مايكل، أو إنها قد تختار لبعض الناس الخروج من على مسرحها في لحظة معينة، ليبقوا ذكرى بدون شائبة في عقول محبيهم، بغض النظر عن عمرهم والحاجة المّاسة إليهم، ووجع فراقهم في قلوب ذويهم ومن يعرفونهم بسبب رحيلهم بالطريقة التي توفوا بها ولا يستحقوها أحياناً، وكأنهم قد إستجابوا لإشارة خفية من الكون فانسحبوا بهدوء من الدنيا.
وبينما كانت منى تبكي بصمت ودموع ساخنة على خديها، تذكرت طوني براون وهو يروي إحدى حكاياته الأثيرة عن مايكل، عندما طلب مساعدته على إبتكار فكرة لرسم ملصق خاص بالبيئة، وبدا واضحاً أن أخوة مايكل المتحلقين حوله سمعوها من قبل لكنهم ما زالوا يستمعون إليها وكأن براون يقولها لأول مرة، وكان طوني نفسه يرويها وكأنه يتنصت في تلك اللحظات نفسها إلى مايكل، ولا يروي مجرد حكاية من الذاكرة.
- هل تريد وضع سلاحف على الملصق؟! سأله مايكل وهو يبتسم.
- نعم. الموضوع ليس مجرد مزاح. إنه بداية علاقة عمل جديد مع هذه المؤسسة البيئية التي حدثتك عنها.
- هل قلت مؤسسة بيئية؟
- الامر جدّي يا مايكل.
- إنني أفكر كما ترى بينما غيري يقبض النقود.
- وانا أنتظر. سأُوظف أخاك بمجرد تخرجه في الجامعة.
- هل قالوا لك لماذا إختاروا السلحفاة رمزاً للمُلصق؟ سأله مايكل بعد لحظات.
- المُلصق لمؤتمر. وأعتقد إنهم اختاروها لأنها كائن ضعيف يحتاج المساعدة والعيش في محميات طبيعية، لكي لا تنقرض مع زوال معظم المستنقعات والغابات الكبرى التي تأويها.
- وهي صغيرة الحجم وبعض أنواعها نادرة الوجود فعلا.
- هذا صحيح تماماً.
- والمستنقعات والغابات مهبط وحي الاساطير البشرية أيضاً. قال مايكل وهو يتأمل وقع كلماته على ملامح براون.
- ربما يكون ذلك سبباً آخر.
- والسلاحف أصغر وأضعف بكثير من الحمير البرية المخطَطَة، التي ستواجه المصير نفسه بعد عدة عقود.
- من قال لك أن الحمير العادية والمخطَطَة ستنقرض بوجود هذا العدد الهائل من البشر الذين يتصرفون مثلها؟ سأله طوني براون وهو يضحك.
- ربما ستنقرض شكلا لكن جوهر الحمرنة سيبقى، مع عدم إغفال البشر الذين لا خطوط على أجسادهم. هل تعتقد ياطوني أن هذه الخطوط تقي الحمير من أشعة الشمس؟ أو هي رمز كونهم أرقى طبقات هذه المخلوقات الصبورة؟ قال مايكل بمنتهى الجدية.
- هذه أفكار رائعة لملصقات أخرى. لكن ما هو تصوّرك الأولي لملصق السلاحف؟
- ما زلت أفكر.
- لمحة واحدة أيها الرجل ثم نطورها بأفكارنا في ما بعد.
- تقصد بنكاتنا؟
- ولما لا؟ فالنكتة أفضل معين للتفكير أحياناً.
- ما رأيك برسم الكرة الأرضية وفوقها إنسان، وسلحفاة تقف أمامه مشرئبة العنق بشكل كاريكاتوري مبالغ فيه وهي تسأله: انا هنا منذ أكثر من مائة وخمسين مليون سنة. منذ متى انت هنا؟!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,177,164
- كل سنة وأبطال العلمانية بخير
- القتيل الأغلى سنة 2018
- قتلنا الفرعون.. اهرب بارك الله فيك!
- التستر على القاتل نفاقاً
- حرب نصف الألفية الاولى
- رسالة إلى حامد عبد الصمد
- ما المانع أن يكون مسلماً كاهنا؟!
- الملاك الذي طار من البلكون
- كتاب -امام العرش مرة أخرى-
- الخطر ليس في تآكل الديموقراطية بل زوال التنوير
- نظرية الثقب الاسود الدينية
- مانديلا: وقائع وراء الاسطورة
- العقوبات بأثر رجعي ومفعول ابدي
- الدعوات لم تشفع لخير الفرق
- -عوالم خفية- وراء صناعة الفساد
- ولهم في علمانية أوروبا مآرب أخرى
- إقامة جهادي وترانزيت طفل
- دموع محي إسماعيل
- مطربة ورسالة وبتر ثقافي
- ساعة محمد رشدي وربابته


المزيد.....




- هذا جدول أعمال الاجتماع الثاني لحكومة العثماني المعدلة
- جبهة البوليساريو تصف السعداني بـ-العميل المغربي-!
- أمزازي لأحداث أنفو: 1? من الأقسام فقط يفوق عدد تلاميذها الـ4 ...
- الشبيبة الاستقلالية تنتخب كاتبا عاما جديدا
- حوار.. المالكي يكشف رؤيته للخطاب الملكي ومستقبل العلاقة بين ...
- بالفيديو... فتيات وموسيقى صاخبة في سجن يتحول إلى -ملهى ليلي- ...
- رحيل الفنان الكوميدي الليبي صالح الأبيض
- بالصور.. نجمة مصرية في ضيافة -الهضبة- والشربيني
- موسيقى الصحراء في موسكو
- أخنوش: لا حل لمعضلة تشغيل الشباب إلا بالرقي بمستوى المقاولة ...


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عادل صوما - رواية -عواصم السماء-