أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة عرابي - فن الكوميكس..وتعميق الوعي بالمصير المشترك















المزيد.....

فن الكوميكس..وتعميق الوعي بالمصير المشترك


أسامة عرابي
(Osama Shehata Orabi Mahmoud )


الحوار المتمدن-العدد: 6121 - 2019 / 1 / 21 - 10:17
المحور: الادب والفن
    




من الأعمال اللافتة التي يضمها ديوان"فن الكوميكس"،قصة"جن الحافي"المُصوَّرة،لكاتب الرسوم المتحركة الياباني"ناكازاوا كيجي"(1939-2012)،وصدرت بترجمةٍ للدكتورماهر الشربيني أستاذ اللغة اليابانية وآدابها،بكلية الآداب- جامعة القاهرة،بالتعاون بين دار سنابل للكتاب ومؤسسة اليابان الثقافية،في إطار إحياء ذكري مرور سبعين عامًا على إلقاء القنبلتيْن النوويتيْن الأمريكيتيْن على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتيْن،وانتهاء الحرب العالمية الثانية بقبول اليابان"إعلان مؤتمر بوتسدام"الذي نصَّ على استسلامها الكامل غير المشروط لقوات الحلفاء، في الثاني من سبتمبر عام 1945،على الرغم من أن استسلام آخر جندي ياباني"هيرو أونودا" جاء في عام 1974.وقد صدرت قصة"جن الحافي"المصوَّرة في مبتدأ أمرهاعام 1973،وذاعت شهرتها؛فترجمت إلى لغات عالمية شتى،وتحوَّلت إلى فيلم روائي طويل أُنتجَ عام 1983،من إخراج"ماساكي نوري"،وبطولة:إيسي ميازاكي وتاكيشي أونو وكاتسوجي موري.وتكمن أهمية هذه القصة في نظري،في شهادة مؤلفها الحيَّة الذي كانت سنه تبلغ حينذاك ستة أعوام،ورأى بعينيْه موت والده وشقيقه واثنتيْن من شقيقاته غداة إلقاء القنبلة النووية الأمريكية على هيروشيما في 6/8/1945،بالإضافة إلى تأثره ووالدته بالإشعاع النووي؛مما أدى إلى إصابته بسرطان الرئة الذي شُفيَ منه عام 2010،قبل وفاته بعاميْن في 2012،وموت والدته بعد عشرين عامًا من الحرب.فأوقف"ناكازاوا كيجي"حياته وقلمه على الدعوة إلى السلام العالمي،والتحذير من مخاطر استخدام القنبلة النووية على مستقبل الجنس البشري على سطح هذا الكوكب،على نحو ما تجلى في حملتيْه الشهيرتيْن إبَّان كارثة انفجار"مفاعل تشرنوبل الروسي"في 26من إبريل عام 1986،والتي تُصنَّف بوصفها أسوأ كارثة للتسرب الإشعاعي والتلوث البيئي في العالم،وانفجار المحطة النووية الأولى في فوكوشيما شمال شرق اليابان؛مما خلَّف جرحى بين العاملين،وانهيار قسم من المبنى الموجود فيه المفاعل،وذلك في 11من مارس عام 2011.ومن ثَمَّ تأتي شهادة المؤلف معاصرة من قلب الأحداث،لاسيما أن والده الرسَّام الياباني الأشهر،كان أحدَ معارضي الحرب ومناهضيها؛فأُوذيَ في أمنه النفسي والاجتماعي،وأضحت عائلته عُرضة للاضطهاد والملاحقات الأمنية،ونُظر إليهم بحسبانهم أعداء خطرين على الأمن القومي الياباني!لذلك تُوجد أوجه شبه كثيرة بين شخصية والده في الواقع،وشخصية"رب الأسرة"ناكاؤكا"في القصة،تجمع بينهما وحدة الموقف،وردود الأفعال السياسية حيال الحرب،كما أن كليْهما عاش مُناخًا عامًّا اتسم بالعسف ومصادرة الرأي الآخر.وبذلك عاش"ناكازاوا كيجي"أحداث هذه الفترة العصيبة من تاريخ بلاده،بوصفه "مراقبًا مشاهدًا"كما يقول علماء الأنثروبولوجيا؛فاختزنت ذاكرته مشاهدها،وصور ضحاياها،وحكايات أبطالها،وما خلَّفته من آثار على مناحي الحياة كافة؛حيث قُتل 140,000شخص في مدينته "هيروشيما"،و80,000 شخص في نجازاكي،ومات زهاء نصف هذا الرقم ذاته في اليوم عينه الذي جرى فيه تفجير قنبلتي"الولد الصغير"في هيروشيما في 6/8/1945،و"الرجل البدين"في نجازاكي في 9/8/1945،بموجب الأمر التنفيذي للرئيس الأمريكي.من هنا؛عمد"ناكازاوا كيجي"إلى إنقاذ الذاكرة من النسيان،والتذكير بدروس الحرب ونتائجها الكارثية،وتوعية الأجيال الجديدة بحقائق الماضي وتجاريبه،والإبانة عن ماهيَّة الحرب العالمية الثانية،وانغماسنا بطرائق مختلفة في تاريخها،وما تمخَّض عنها من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية متعاقبة أمست جزءًا لا يتجزأ من نسيج حياتنا المعاصرة..داعيًا إلى عالم جديد أفضل،خالٍ من أسلحة الدمار الشامل،ومن الحروب والنزاعات المسلحة،وتوظيف الحس المواطني في الضغط على الحكومات؛كي تسير على طريق السلام والتضامن وتعميق الوعي بالمصير المشترك؛وصولًا إلى خلق مجتمع عالمي على صورة الأرض/الوطن،ينتفي فيه الشرخ القائم بين الطبيعة وسكان الكرة الأرضية.لذلك حملت قصة"جن الحافي"المصوَّرة طابَعًا وثائقيًّا..تسجيليًّا؛نظرًا إلى طغيان حدث تاريخي كبير مثل الحرب اليابانية-الأمريكية عام 1945على مجرياتها،بَيْدَ أنها لم تأتِ عملًا تأريخيًّا محضًا للحرب ولملابساتها ولتطوُّر وقائعها،بل حَرَصَتْ على أن تضمَّ في إهابها هذه الثنائية المتوائمة والمتداخلة في بنيتها التعبيرية والجمالية،بين الواقعي والرمزي،بين الثابت والمتغير،متجسدة في حيوات أسرة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة،وما عاناه أفرادها من فقرٍ وسَغَبٍ،وافتقاد للأمن والأمان والاستقرار،وانخراطهم في معسكرات العمل بالريف،وإجبار أطفالها التلاميذ على الالتحاق بمصانع الجيش؛لتعويض النقص الفادح في عدد الجنود الذين ذهبوا إلى الخطوط الأمامية لجبهات القتال،والتدرُّب على استخدام الحربة وسواها من أدوات الدفاع عن النفس؛لكي تكون الجبهة الداخلية جاهزة للدفاع عن الإمبراطورية اليابانية العظمى،وعن معالي أو جلالة الإمبراطور الإله،إلَّا أن آراء ربِّ الأسرة"ناكاؤكا"،جاءت مناهضة ومحتجة على الموقف الرسمي الداعي إلى الحرب والتوسع على حساب أراضي الغير،بعد أن ترك انتصار"هتلر"في أوربا فراغًا إمبرياليًّا جزئيًّا،تحركت اليابان نحوه،فارضة الحماية على ماتبقى لفرنسا من مستعمرات في الهند الصينية.وهنا رفضت أمريكا تمدد قوات المحور في جنوب شرق آسيا،ومارست ضغوطًا اقتصادية كبيرة على اليابان التي كانت تجارتها ووارداتها من المؤن تعتمد كليًّا على خطوط مواصلاتها البحرية؛الأمر الذي أدى إلى نشوب الحرب بين الدولتيْن.لذلك راح"ناكاؤكا"يتهكم على جدوى محاربة الجيش الأمريكي بهذه الحِراب،في مواجهة مدافعه الرشاشة،فضلًا عن ضآلة موارد اليابان الطبيعية مقارنةً بأمريكا،مؤكدًا بحسم:"لكي تعيش دولة صغيرة لا تملك موارد طبيعية مثل اليابان،فليس أمامها من خيار إلَّا أن تُقيم علاقات جيدة مع دول العالم على أساس سلمي،وتُصدِّر لهم منتجاتها"..داعيًا الإمبراطور وجنرالات الجيش والأغنياء إلى عدم توريط البلاد في حرب غير متكافئة،مسوِّغًا رأيه هذا بأن"الأغنياء استغلوا رجال الجيش؛لكي يحصلوا على الموارد الطبيعية بالقوة من الدول الأخرى"،مُضيفًا:"بدأ رجال الجيش الحرب،ونحن مَنْ ندفع الثمن"،ناعتًا هذه الحرب ب"الحرب الخطأ"،مُبرِّرًا دعواه هذه بقوله:"أنا أُحبُّ اليابان جدًّا؛ولذلك أُعارض الحرب التي تقضي على حياة البشر،وتُدمِّر كل شيء"،رافضًا التدرُّب على استخدام الحربة؛فرموْه بتهمة الخيانة العظمى للوطن،وجرى استدعاؤه إلى قسم الشرطة بوشاية من رئيس مجلس الحي،الذي استخدم ابنه"ريو"في الإبلاغ عنه؛بعد أن وصفه ب"الخائن".وهناك أصبح عُرْضة للضرب المُبرِّح حتى كُسرت أسنانه.كذلك لم يَسلمْ أبناؤه الستة وزوجه"كيمي"من المُطاردة والملاحقة والمضايقات ومقاطعة الناس لهم،والاعتداء عليهم،ورفض منحهم أرزًا يَسدون به رمقهم؛فاضطروا إلى اصطياد الجراد وطبخه وتناوله،واغتيلت سمعة ابنته التلميذة"إيكو"بادعاء أنها لصة سرقت نقودًا من الفصل،ولم يتورع مدرس فصلها"نوماتا"عن تجريدها من ملابسها لتفتيشها؛بعد أن قام بتكييف التهمة لها على النحو التالي:"إن أباها خائن يعارض الحرب ودخل السجن،وأكيد أنه لص؛لذلك لن يكون لديه أبناء أسوياء"!وهي قضية أشبه بقضايا المنطق الصوري،تعتمد فيها النتيجة على المقدمات وإن جاءت مجافية للواقع الحي.مستخدمًا في ذلك أيضًا"ريو"ابن رئيس مجلس الحي،مستثمرًا كراهيته لعائلة"ناكاؤكا"،ورغبته في إثارة المتاعب لها؛فكذب في شهادته ضدها،زاعمًا أنه رآها تسرق،وما كان ذلك كذلك.كما اتُهم شقيقها"كوجي"بالتفجير العمدي لأحد مصانع إنتاج الأسلحة الحربية،وعامله ضابط أمن الدولة بقسوة شديدة،قبل أن يكتشف أن ماسًا كهربائيًّا هو المسئول عن انفجاره؛لذلك تطوَّع"كوجي"في وحدة الطيران البحري في سلاح البحرية؛ليثبت للجميع أنه ليس خائنًا!على الرغم من أن مستوى الدراسة في مدرسة الطيران سيئ ،ولم يكن هناك إعداد جِديّ للمتطوعين قبل الدفع بهم إلى ميادين القتال،وعلى الرغم أيضًا من أن والده كان يُعِدُّه ليكون رسامًا ماهرًا مثله .الأمر الذي حَدا بوالده المعارِض للحرب إلى إعلان استيائه من تصرفه هذا،ورفض توديعه رغمًا عن توسلات والدته،قائلًا له بوضوح وحِدَّة:افعلْ ما شئت؛فلستَ ابني،ولتذهبْ إلى الحرب لتموت بسرعة.وهو ما حدث له.وبذلك قدَّم لنا"ناكازاوا كيجي"جدارية فنية تتوسل ديناميكية التصوير السريع،والحوار المكثف،واللقطة الصارخة،والنقلات السلسة،والتنوع النفسي والفكري للشخصيات في بحثها عن مكانها في الحياة،متجاوزة صعوبات مادية وروحية جمَّة،والبراعة في وصف الحياة اليومية وصفًا دقيقًا،وما شابها من قلق وتمزق وخوف وانهيار.. بلغة بسيطة موحية،قريبة من لغة الحوار اليومي،من دون أن تفقد فصاحتها،وقدرتها على الوفاء بمقتضيات التطور الدرامي للأحداث،معبرة بذلك عن تشابك الوقائع الموضوعية،مرتقية بها من حيز الجزئيات المتناثرة إلى أفق الدلالة العامة..وهو ما انعكس جليًّا في ذلك الربط الجدلي بين الإنسان والتاريخ،بين المصائر البشرية ومستقبل البلاد؛بما حقَّق مستوى عاليًا من البوليفوني أي تعدد الأصوات..مستخدمًا الكورس والأغنيَّات تعليقًا على موقف،أو تشديدًا على فكرة،أو صهرًا لشعورعام؛يوقظ الأرواح المتصدعة من وطأة المأساة التي تُخيِّم على الجميع.وبذلك جسَّدت شخصية"ناكاؤكا"صرخة الاحتجاج الجسورة ضد مَنْ نَعَتهم الشعب الياباني ب"العسكريين الدكتاتوريين الذين بدءوا الحرب"من موقع إمبريالي توسعي عدواني،يرمي إلى تأسيس إمبراطورية اقتصادية قوية،وُصفت مجازًا ب"فلك الازدهار الآسيوي الأعظم"الذي كان جوهر سياستهم؛مما جعل اليابان هدفًا لحظر أمريكي على تجارتها،وتجميد لودائعها،وإصابة اقتصادها القائم كليَّةً على الواردات القادمة عبر المحيط الهادئ بالشلل.وبذلك أضحت مقامرتها بالقضاء على البحرية الأمريكية ضربًا من العبث والجنون؛نظرًا إلى الفارق الهائل في القدرات والإمكانات بين القوتيْن.فهبَّ"ناكاؤكا"محذِّرًا من عواقب الحرب الوخيمة،ومن مخاطر القضاء على مفاعيل تجربتها النهضوية الأولى في القرن التاسع عشر التي أفضت إلى بزوغ حركة فكرية شهيرة عُرفت باسم"الحضارة والتنوير"بلغت ذروتها عام 1878،ودفعت الإمبراطور"موتسوهيتو"إلى طرح مشروع مستنير للتحديث يقوم على تشكيل برلمان لتمثيل الشعب،وعلى الفصل بين السلطات الثلاث:التشريعية والقضائية والتنفيذية،وتشجيع الترجمة لنقل ثمار المعرفة الإنسانية أنَّى كانت.لذلك سعِدَ"ناكاؤكا"بزيارة صديقه الكوري"باكو"الذي هُرِعَ لتهنئته بالإفراج عنه،وأحضر له أرزًا بهذه المناسبة؛مُعربًا له عن تقديره لآرائه ومواقفه المناوئة للحرب،غير حافل بما يُشاع عنه من قِبل الدوائر الرسمية من اتهامات بالخيانة؛فقد كان يعلم كذبها،وما تُخفيه وراءها من دوافع أسهمت في تنمية النزعة التوسعية الإمبريالية لدى العسكريتاريا اليابانية.وقد عانى"باكو"، من احتلال اليابان لبلده،وتجنيد شعبه بالقوة في صفوف الجيش الياباني ليحارب أعداءها،وينهض بحفر الأنفاق في مناجم الفحم،وإجباره على العمل في الشمال في جزيرة"هوكيدو"إلى أن يموت من البرد والجوع،مروجة عنه وعن بلاد أخرى احتلتها كالصين وروسيا وسواهم أنهم أغبياء،كما روَّجت من قبلُ عن الأجانب أنهم برابرة وسيئون وأشرار مثل الشياطين،وأن رياح الإمبراطور الإلهية ستهب عليهم لتقتلهم.وبذلك نجح"ناكازاوا كيجي"في فضح ماهيَّة الحلف غير المقدس الذي يضمُّ الإمبراطور ورجال الأعمال والمؤسسة العسكرية؛لتبرير الحرب واستمرارها،بعد أن بيعت مصانع الدولة للقطاع الخاص،ونشأت الشركات الاحتكارية العملاقة المعروفة باسم"زايباتسو"في الربع الأخير من القرن التاسع عشر،ووقوفها وراء الإمبراطور في حروبه الاستعمارية،مُسخِّرين ترسانة الدولة الإيديولوجية في خداع الجماهير وتضليلها بأشكال سياسية رجعية تدفعهم إلى "القتال حتي آخر ياباني"،وإيهامها بأن "اليابان ستنتصر"،وأن"الموت من أجل الإمبراطور كرامة"على نحو ما كان التلاميذ يدرسون في مناهجهم التعليمية،وأجبروا طلبة الجامعات على الانضمام إلى القوات الخاصة،ووضعهم في طائرات،بعد ربط أجسادهم بأحزمة قنابل؛لتفجيرسفن الأعداء المرابطة في بحر أكيناوا.وهنا يبرع"ناكازاوا كيجي"في استخدام السخرية والتهكم سبيلًا لتحرير الواقع من أساطيره،ومواجهة الحصار والموت والتراجيديا الإنسانية،وتأسيس رؤية عقلانية"تتولد من اليقين بأنْ لا يقين"كما يذهب"ميلان كونديرا"،على نحو ما نلمسه في حرصه على كشف الخرافات التي كانت تُرسِّخها النخبة الحاكمة؛لتصبح جزءًا من القيم الثقافية التي تؤطر الجماعة،كما في خرافة أنه لو قام ألف شخص بعمل ألف غرزة في حزام قماش،ووضعه امرؤ ما على بطنه،لمنع اختراق الرصاص لجسده!كما يُميط الكاتب اللثام عن ميتافيزيقا السلطة وارتباطها بأشكال الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية التي تبزغ داخلها الحقيقة المطلقة التي يُمثلها الإمبراطور الياباني الإله،الذي يُقدَّم بوصفه حاملًا لقيم شمولية تستقطب الفعالية الاجتماعية باتجاه تكريس عبادة الفرد،على نحو ما نستخلصه من الحوار التالي:"- يا تامورا،لماذا يجب أن نُحيي جلالة الإمبراطور كل صباح برغم أننا لا نراه أبدًا؟ - لأن جلالة الإمبراطور هو الإله الذي يحمي اليابان.- شيء غريب،إذا كان يحمي اليابان،فلماذا تسقط قنابل الأمريكان على اليابان؟- أنت أحمق.طبعًا أنا لا أعرف إجابة هذا السؤال،لكن المهم أن نؤمن بجلالة الإمبراطور!".ويمضي الكاتب بعد ذلك؛ليُزيح النقاب عن آليات عسكرة جهاز السلطة الإعلامي،وممارساته في الدعاية وتزييف الحقائق والتلاعب بالأخبار وقولبة المفاهيم؛من أجل ضمان رص الصفوف وراء الموقف الرسمي،من دون تعامل نقدي مع ادعاءاته وتبسيطه لمعطيات الحرب،مثل تقديم شخصيتي"روزفلت"و"تشرشل"في صورتي الأمريكي والإنجليزي الشريريْن،وتذكير المواطنين دومًا "بأنْ لا ينسوا توجيه مشاعر الكراهية تُجاههما"،"وأن يدوسوا بأحذيتهم على صورتيْهما"،كما كانت تأمرهم الشرطة العسكرية،وإلَّا فهم خونة!لهذا كان"ناكاؤكا"يسخر قائلًا:"يعتقدون أنهم سينتصرون في الحرب بالسير على صورتيْهما!شيء سخيف".أو في تغذية مشاعر العداء والفصل الجهوي بين سكان المدينة وسكان الريف،ونعت المدينيين بالمهاجرين والاعتداء عليهم،على نحو ما بدر من الشقيقيْن"جن"و"شن"تُجاه غريبيْن قَدِما من المدينة؛ليعسكرا في قريتهما؛كاشفيْن بذلك عن أنماط من العنف تعبر عن أشكال رمزية من السيطرة الاجتماعية المرئية وغير المرئية،يجري الإفصاح عنها في المعتقدات والمواقف والتوجهات الثقافية.وبذلك استطاع"ناكازاوا كيجي"في قصة"جن الحافي"المُصوَّرة تقديم بانوراما الحياة اليابانية إبَّان الحرب بدقة واقتدار،وتصوير الأحداث في مستوى زماني وقيمي واحد،من خلال تجربته الشخصية وتجارب الآخرين،في علاقتهم النشطة مع الواقع،واستخدام المونولوج في السرد للتعبير عن تقاطع صور الأزمنة والأمكنة المختلفة،مزاوجًا بين السردي والتسجيلي،كما طالعناه في وصفه"القوة التفجيرية لكرة البلوتونيوم"،وتعريجه على"إعلان بوتسدام"،واستعراض بعض مشاهد الحرب وما دار فيها؛من أجل إيقاظ الروح الإنسانية،وإقامة علاقات جديدة تُصالح المرء مع الحياة،وتُنظّم دوافعه فيها؛صوب خلاص جماعي للبشرية،وتأسيس عالم مسئول..تعددي،ومتضامن،يحترم كرامة الأفراد وحقوقهم،ويسعى إلى السلام والتنمية،رافضًا اللجوء إلى القوة لحل مشكلات العالم،عاملًا على احترام الآخر ومساواته،على أساس من حوار ديمقراطي متكافئ؛ينشد التعايش السلمي والعدل،وتنظيم آليات السوق بحيث تُوضع في خدمة جميع سكان المعمورة وتنميتهم،لا في خدمة النيوليبرالية المتوحشة،مرددين مع"ناكاؤكا"بطل قصة"جن الحافي"المُصوَّرة قولته التي غدت مثلًا يُروى:"تعالَ بسرعة..بسرعة..أيها العصر الذي نُصبح فيه أحرارًا،ونعيش فيه بشرًا".راجيًا صدور طبعة جديدة من هذه الرواية المهمة خالية من الخطايا النحوية واللغوية التي حفلت بها،وأضجرتني،كما أضجرت كل عاشق للغتنا الجميلة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,361,336,645
- المثقف بين الوعي التاريخي ويقين السلطة
- شخصيات على مسيرتي..وتكوين المثقف الليبرالي
- رواية-أنا قط-والتعبير عن التجربة الإنسانية ومستوياتها المُرك ...
- د.علياء رافع ورسالتها في الوحدة الإنسانية
- جون برجر..دراما الحياة الإنسانية
- د.صادق جلال العظم..وتقاليد العقل النقدي
- نبيل شعث بين السياسة والإدارة والفن
- تأملات في الثقافة الشعبية
- جدلية الخفاء والتجلي في-مكتوب على الجبين-
- الفن التشكيلي المصري وجماليات اللوحة
- د.مصطفى سويف..تاريخ من العلم والوطنية
- ذكريات المستقبل وتفكيك شبكات الوجود
- ثلاثية جلبيري..سؤال التاريخ والذات الكاتبة
- البطالة وسياسات الصندوق والبنك الدوليين


المزيد.....




- الخلفي..إحباط أزيد من 30 ألف محاولة للهجرة السرية خلال السنة ...
- أزمة -البام-: مجرد نموذج للتيه الحزبي المشترك !
- في بلاد النوافذ المحطمة.. كيف يتواصل شعراء اليمن بزمن الحرب؟ ...
- بالصور.. 9 تنبؤات من أفلام الخيال العلمي القديمة التي تحققت ...
- في ضرورة الثورة الفكرية / بقلم حمّه الهمامي
- إنفانتينو يشكر بوتين باللغة الروسية بعد تقليده وسام الصداقة ...
- الخارجية الروسية: موسكو تعتبر منظمة التحرير الممثل الوحيد لل ...
- التطريز اليدوي التونسي.. لوحات فنية تبدأ -بغرزة-
- حقيقة وفاة الفنان المصري محمد نجم
- صابرين: أنا لست محجبة! (فيديو)


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أسامة عرابي - فن الكوميكس..وتعميق الوعي بالمصير المشترك