أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - تاج السر عثمان - كتاب الرأسمالية السودانية : النشأة والتطور والخصائص















المزيد.....



كتاب الرأسمالية السودانية : النشأة والتطور والخصائص


تاج السر عثمان

الحوار المتمدن-العدد: 6115 - 2019 / 1 / 15 - 17:39
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


تاج السر عثمان الحاج


الرأسمالية السودانية:
النشأة والتطور و الخصائص .

الخرطوم : اغسطس 2014م



المحتويات

1- نشاة رأس المال التجاري في السلطنة الزرقاء

2- قترة الحكم التركي

3 – فترة المهدية

4 – فترة الحكم الثنائي

5 – فترة مابعد الاستقلال

6 – فترة انقلا ب مايو

7 – فترة الديمقراطية الثالثة

8- موقع الرأسمالية الاسلاموية في خريطة الرأسمالية السودانية

9 – المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية

خاتمة

المصادر والمراجع







تقديم:
تحاول هذه الدراسة متابعة التطور الباطني للرأسمالية السودانية من خلال رصد المحطات الأساسية للتراكم الرأسمالي البدائي منذ بزوغ فجر تراكم رأس المال التجاري الذي حدث في السلطنة الزرقاء وفي قترة الحكم التركي التي شهدت ارتباط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي من خلال تصدير سلعتي الصمغ والعاج ، كما شهدت فترة الحكم التركي بداية غرس نمط الإنتاج الرأسمالي في السودان والذي كان من مظاهره الارتباط بالتجارة العالمية ، تحول قوة العمل إلى بضاعة بعد اقتلاع الآلاف من المزارعين من أراضيهم بسبب السياسة الضريبية المجحفة التي مارسها الحكام الأتراك وأساليب القهر والقمع في جباية الضرائب .
أما القفزة الثانية في تعميق نمط الإنتاج الرأسمالي في السودان ، فقد كانت بعد الاحتلال البريطاني للسودان عام 1898 ، والذي كرس التطور غير المتكافئ بين السودان والبلدان الرأسمالية ، والذي تمثل في تحويل السودان إلى بلد منتج للمواد الأولية ( وأهمها القطن ) ، ومستوردا للسلع الرأسمالية ، مما أدى إلى تخلف الصناعة الوطنية وتخلف إنتاج الغذاء بعد أن أصبح القطن هو السلعة النقدية الأساسية . كما تابعت الدراسة الجذور التاريخية للتخلف في السودان والتي تتلخص في أن التنمية الاقتصادية التي تمت في فترة الاحتلال التركي والبريطاني للسودان لم تلبي الاحتياجات الداخلية للبلاد، بل كانت تلبية لاحتياجات خارجية.
كما لايفوتنا الاشارة للدراسة الميدانية التي قامت بها د . فاطمة بابكر عن الرأسمالية السودانية من خلال دراسة حالة 100 من أفراد الرأسمالية السودانية ، وتوصلت من خلال تلك الدراسة العينية أن السودان دخل مرحلة التقسيم الطبقي ، وهو جهد مقدر في متابعة التطور الملموس والمحدد للرأسمالية السودانية .
ولكن الهدف من هذه الدراسة هوتسليط الضوء علي النشأة والتطور والخصائص وفي العوامل التي أدت الي فشل الرأسمالية السودانية في قيادة النهضة الوطنية الديمقراطية ، وقيام دولة المؤسسات وحكم القانون وتحسين احوال الناس المعيشية وتوفير خدمات التعليم والصحة وغيرها من الخدمات ، رغم ما توفرت لها من ميزات تفضيلية ، مع التركيز علي التطور التاريخي والباطني للرأسمالية السودانية .
تناولت الدراسة نشأة وتطور الرأسمالية في فترة سلطنة الفونج أو السلطنة الزرقاء ، وفترة الحكم التركي ، وفترة المهدية ، وفترة الحكم الانجليزي ، وفترات مابعد الاستقلال .
وكنت قد نشرت هذه الدراسة في حلقات في صحيفة الرأي الأخر في العام 1999، واتصل بي العديد من الأصدقاء واقترحوا نشرها في كتاب لتعميم الفائدة ولصعوبة متابعة الحلقات في صحيفة سيارة كما أبدوا بعض الملاحظات المفيدة.
كما تمت اضافة دراسة عن المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية في الفترة(1967- 2007).
وأخيرا يأمل الكاتب أن تثير هذه الدراسة المزيد من المناقشات والكتابات حول هذا الموضوع الهام ، كما أشرنا في نهاية البحث للمصادر والمراجع للراغبين في تطوير وتعميق دراسة هذا الموضوع ومتابعة الجذور التاريخية للتخلف في السودان ، وبهدف شق طريق جديد للتنمية المتوازنة والديمقراطية والنهضة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد .
تاج السر عثمان
18/8/2014م




1
نشأة رأس المال التجاري في السلطنة الزرقاء
عند دراسة نشأة وتطور الرأسمالية السودانية تواجهنا عدة إشكاليات أو أسئلة منها: ما هو أصل رأس المال التجاري ؟ وما هي مصادر تراكم الغنى والثروة منذ الحضارات القديمة وحتى العصر الحديث ؟ وما هي خصائص وسمات تطور الرأسمالية السودانية ؟
- أصل رأس المال التجاري:-
معلوم انه منذ بزوغ فجر حضارة سودان وادي النيل ،كانت القبائل المجاورة لمصر ( النوبة والبجة )، كانت تجلب المواشي ، الخشب، السنط ، الفحم ، الصمغ ، الرقيق ،جلود الحيوانات ، والحجارة الكريمة .. كانت تجلبها الي مصر ويقايضون المصريين بالقوت والأنسجة ،ونعلم أنة منذ دولة مروى _ بل قبلها بكثير _ أن دولة مروى تمتعت بمركز تجارى ممتاز،لأنهاكانت تتحكم الطرق التجارية المؤدية إلى مصر في الشمال عن طريق النيل وتجارة وسط إفريقيا المتجهة إلى البحر الأحمر؛ وكان لها علاقات تجارية مع دولة مروى ومع وسط إفريقيا، وكانت وارداتهم من وسط إفريقيا: الرقيق، العاج، ريش النعام، والأبنوس عن طريق النيل .
ومعلوم أيضاً أن السلالة الحاكمة في مروى هي التي كانت تتحكم في التجارة والتي كانت اغلبها في تجارة السلع الكمالية التي كانت تهم السلالة الحاكمة والكهنة والموظفين..
وعندما قامت ممالك النوبة المسيحية كانت لها تجارة متطورة مع البلدان الإسلامية ،وكانت تجارة العرب مع مملكتي المقرة وعلوة تتمثل في أن العرب يجلبون الحبوب والخرز والأمشاط مقابل الرقيق وريش النعام والعاج والذهب والمواشي ،وكانت تجارة الرقيق تمثل مركز الثقل في هذا النشاط التجاري .

كما عرف النوبة التجارة الصامتة (( التبادل الصامت )) مع قبائل الاستوائية، حيث كانوا يحملون إليهم الملح وقطعا من المنسوجات وبعض الحديد مقابل الذهب والبخور وسن الفيل والزراف والطيور النادرة والقرود وبعض السموم القوية.
وكان الدافع التجاري من الأسباب التي عجلت بانتشار الإسلام والقبائل العربية في السودان، إضافة لدخول العرب السودان طلبا للكلأ والماء وفرارا من الاضطهاد السياسي في حكم السلالات غير العربية . وبالتالي جاء التجار الأجانب ( العرب ) إلي بلاد النوبة وانتشروا فيها بخبرتهم السابقة، وهكذا بدأت بذور وجذور رأس المال التجاري والطبقة التجارية في السودان الشرقي،وبدأ اقتصاد السلعة _النقد يظهر جزئيا في بلاد النوبة ، إضافة للمقايضة .

وعندما قامت دولة الفونج (4 0 5 1 م _ 21 8 1 م ) ، كانت الديانة الإسلامية قد انتشرت وانتشر العرب في السودان ، واند مجوا عن طريق المصاهرة بالسكان الوطنيين وظهرت ظروف جديدة مهدت لانطلاق رأس المال التجاري.
_ مصادر تراكم رأس المال التجاري.
يمكن تحديد بعض مصادر تراكم راس المال التجاري في النقاط الآتية :

أ_ الأرباح الكبيرة التي كان يحققها التجار العرب من مقايضة الذهب والمعادن الثمينة مع القبائل الأكثر تخلفا بسلع مثل : الملح والحديد والخرز وغير ذلك مما تحتاج إلية تلك القبائل ، أي عن طريق التبادل غير المتكافئ.
ب_ الحملات والغزوات على القبائل المجاورة لقبائل النوبة والبجة بهد ف البحث عن الرقيق ،إضافة لسلب ممتلكات تلك القبائل من مواشي ومحا صيل زراعية .
ج_ الاستيلاء على أراضى النوبة الخصبة بأشكال مختلفة مثل : النهب والسلب أو بالمصاهرة حيث كانت الوراثة من جهة الام .
د_الحملات على القوافل التجارية وعمليات الفوضى والسلب والنهب التي كانت تتم في الأيام الأخيرة لمملكتي المقرة وعلوة التي شهدت تفككاً شديداً والتي اتسمت بالصراعات القبلية وسلب الممتلكات والغنائم كما هو معروف ،كالحال الذي كان سائداً قبل دولة الفونج .
ومعلوم أن اصل رأس المال التجاري بدأ اساسأ بالقرصنة وعمليات السلب والنهب ،كما تشيرالمصادرالتاريخية في بلاد فارس واليونان ،وحملات القراصنة والتجارالاوربيين على السكان الوطنيين في الأراضي الجديدة مثل: أمريكا الشمالية والجنوبية وإبادتهم والاستيلاء على اراضيهم وعلى مناجم الذهب والفضة وعمليات صيد الرقيق الواسعة في أفريقيا.
هكذا بدا تراكم رأس المال التجاري في الحضارات القديمة ،وهكذا بشكل من الأشكال،كانت بذور تراكم رأس المال التجاري في سودان وادي النيل عشية قيام دولة الفونج .
تطور التجارة بعد قيام سلطنة الفونج

عندما قامت سلطنة الفونج ، كانت الطبقة التجارية أو الرأسمالية التجارية قد غرست جذورها ، ولكنها لم تصبح قوية بعد ، ويتجلى ذلك في أن الحكام كانوا يقومون اكثر من الطبقة التجارية بتنظيم العمليات التجارية والسيطرة عليها ، وهذا امتداد لهيمنة السلالات الحاكمة قبل سلالة الفونج على التجارة . ولكن الجديد هنا أن سلاطين الفونج لم تكن هيمنتهم كاملة على مجمل النشاط التجاري الخارجي ، وانما كان في سلع أساسية مثل الرقيق والذهب ( اوفاهى واسبولدنق : ممالك السودان ، لندن 4 7 9 1 ، ص 55 _ 6 5 ) وهذا ربما يرجع إلى أن سلاطين الفونج تمركزت عندهم ثروات كبيرة بعد استيلاءهم على أراضي النوبة الزراعية والرعوية الخصبة ، وبداوا يقطعونها لشيوخ القبائل ومشايخ الطرق الصوفية وللا قطاعيين مقابل خراج معين ، هذا إضافة للمصادر الأخرى مثل : الزكاة التي كانت تصلهم ، والضرائب التي من الممالك والمشيحات التابعة ، إضافة لعائد اراضيهم الخاصة ، وعندما قامت الشبكات التجارية في بداية حكم الفونج ، وارتبط السودان بالعالم الخارجي ، ونشأت الطبقة التجارية ،كان لحكام الفونج نصيب الأسد من هذه العمليات التجارية ، والتي كانت تتطلب تجهيزات كبيرة ( قوافل ، سفن شراعية ، جيوش لحملات صيد الرقيق..) ولم تكن للطبقة التجارية إمكانات مثل هذه ، ولذلك كان للسلاطين الهيمنة في النشاط التجاري .
كما هو الحال ، شان كل النظم الإقطاعية السابقة ، كان أهداف الحكام في هذا النظام يتمثل في الحصول على السلع والموارد الأجنبية من البلدان الأخرى ، وذلك للاستهلاك الشخصي أو لتقديمها كهدايا بغرض كسب التأييد وتوسيع النفوذ أو لاعادة بيعها في الأسواق بهدف
تحقيق الربح. وشأن كل النظم الإقطاعية السابقة، كانت القوافل التجارية تستورد السلع الكمالية أو السلع التي كانت تهم السلاطين والطبقة التجارية والطبقات الغنية في المجتمع من البلدان الأخرى .
هكذا كان الحال في القرن السادس والسابع عشر ، وكان السلطان يتحكم في الجزء الرئيسي من المعروض من سلعتي الذهب والرقيق ، وهما أهم سلعتين من صادرات دولة الفونج . وتشير دراسات اوفاهى وسبولدنق أن الكميات الكبيرة كانت تؤول تلقائيا إلى ملكية السلطان ،بينما الكميات الصغيرة إلى ملكية الدولة، وبالنسبة للرقيق فالسلطان له وحدة الحق في إدارة ورعاية حملات الرقيق السنوية في مناطق جبال النوبا والنيل الأبيض وجنوب الفونج ، وبعد نهاية الحملة يستحوذ السلطان على نصف مجموعات الرقيق التي تم الحصول عليها، أما النصف الباقي فيقسم على المشاركين في الحملة وبذلك يتضح أن السلطان كان يتحكم في سلع التصدير الرئيسية وعلى رأسها الذهب ولرقيق. وكان لسلاطين سنار الحق المطلق في رعاية وتنظيم القوافل التجارية وإرسالها للبلدان الأخرى وخاصة مصر ، وكان وكلاء السلطان في مصر وغيرها ، وهم غالبا من الأقرباء يرسلون إلى سنار العديد من الأفراد المحملين بالتحف النادرة والسلع الغالية ، وهؤلاء يلتحقون بالقوافل التجارية السلطانية في رحلة عودتها للسودان ، وعندما تصل هذه القوافل إلى العاصمة سنار تعرض أولا سلع السلطان قبل غيرها وتباع بأعلى الأسعار ( اوفاهى وسبولدنق : ممالك السودان ، ص 56 )
هكذا كانت هيمنة الدولة أو البلاط السنارى على التجارة الخارجية ، وهذه الهيمنة كانت سمة من سمات النظم الشرقية الاستبدادية القديمة في الصين ، مصر ، الهند .. الخ ، وبأشكال متفاوتة ، ولكنها كانت من معوقات انطلاق الطبقة التجارية أو الرأسمالية التجارية المستقلة عن سيطرة الطبقة الإقطاعية الحاكمة .
يقول نعوم شقير : (( اشتهرت سنار بالغنى والثروة وكان التجار يأتونها بالبضائع من مصر والحجاز والهند عن طريق النيل والبحر الأحمر ، وكان يرد إليها من دنقلا التمر ، ومن كردفان التبر والحديد والعبيد ، ومن فاز وغلى والصعيد الذهب والعسل والجلود والبغال والسياط والريش والسمسم ، ومن سوق رأس الفيل من بلاد الحبشة على أربعة أيام من سنار الذهب والخيل والعبيد والبن والعسل وأساور العاج وغيرها من حلى النساء ، وكان أهم صادراتها التجارية الذهب والعبيد وسن الفيل والخرتيت والزباد والسياط والجلود والإبل )) ( شقير : تاريخ السودان ، تحقيق د. محمد إبراهيم أبو سليم ص 127 )
وكانت الواردات أيضا تشمل : البهارات ، الصابون ، الروائح ، السكر والمنسوجات القطنية الفاخرة ، وكانت التجارة تتم عن طريق ميناء سواكن على البحر الأحمر إلى الجزيرة العربية والهند وشرق الهند ، وعن طريق القوافل التجارية عبر الصحراء إلى مصر ، وكانت هناك مراكز تجارية هامة مثل : بربر ، شندى ، سواكن ، فازو غلى ...الخ .
_ أسباب تطور وانتعاش النشاط التجاري :
بقيام دولة الفونج حدث انتعاش كبير في النشاط التجاري الداخلي والخارجي ، وسنحاول هنا تحليل أسباب ذلك التطور والانتعاش والذي يمكن إرجاعه إلى الآتي : _
أ _ النظام السياسي اللامركزى الذي نشأ بعد قيام دولة الفونج والتي شملت مساحة ورقعة واسعة ضمن حدود مملكتي المقرة وعلوة سابقا ، وهذا أدى إلى اتساع السوق الداخلية ، والى اتساع التباين بين المناطق المختلفة التي كان يضمها ذلك الاتحاد السياسي ، وتخصص كل منطقة في إنتاج سلعة معينة ، وهذا من الشروط لانتعاش وازدهار التجارة ، أي وجود مناطق متفاوتة ومتباينة في التطور وأنماط الإنتاج .
ب_ الشكل الجديد لملكية الأرض والذي كان متطورا على الشكل السابق الذي كان سائدا أيام مملكة النوبة ، والذي كان فيه ملك النوبة المالك الوحيد لكل الأراضي الزراعية والعاملين فيها يعملون كعبيد أو عمل السخرة ، وكل الفائض يذهب للملوك والبلاط الحاكم ، وهذا النظام كان من أسباب تدنى الإنتاج الزراعي . وبقيام الشكل الجديد للتملك ( ظهور الملكية الخاصة لللاراضى ) التي كان يقطعها سلاطين الفونج ، اصبح لكل من مالك الأرض والفلاح مصلحة في زيادة الإنتاج الزراعي ، وبالتالي تطور الإنتاج الزراعي ، وظهرت فوائض كثيرة من إنتاج الحبوب والماشية ..
ومعلوم إن اتساع ذلك الفائض يؤدى إلى انتعاش الصناعة الحرفية لا للاستعمال الشخصي بل للسوق ، وبالتالي ازدهرت الصناعة الحرفية والمدن التجارية . هذا إضافة إلى ظهور طبقة تجارية والتي تلعب دورا كبيرا في تسويق الإنتاج الزراعة والحيواني والحرفي . صحيح أن التجار يشترون بأثمان اقل ليبيعون بأثمان أعلى، والفرق هو مصدر الربح التجاري، وبالتالي يتنازل المزارعون والحرفيون عن جزء من أرباحهم وجهدهم مقابل توفير وقت أكبر للمزيد من انتعاش التجارة والمزيد من تراكم أس المال التجاري.
ج_ اتساع دائرة التعامل بالنقد، معلوم أنة في مملكة النوبة المسيحية ، كان التعامل النقدي محدودا ، ولكن مع قيام دولة الفونج ، اتسع التعامل بالنقد أو تم التوسع في اقتصاد السلعة _ النقد ، وهذا بدورة أدى إلى نمو وازدهار التجارة ، بعد ظهور النقد أو المعادل العام ( ذهب ، فضة ، دمور ، ...الخ )
د _ استقرار الأمن والحماية بالنسبة للقوافل التجارية الشيء الذي أدى إلي ازدهار وانتعاش التجارة .
ه _ظهور فئات وطبقات جديدة ، تمركزت في أيديها ثروات وفوائض إنتاج زراعي ورعوي مثل : السلاطين والملوك ومشايخ القبائل وكبار ملاك الأراضي الزراعية والماشية، وبعض الأغنياء من مشايخ الطرق الصوفية والتجار. وبالتالي زاد استهلاكها للسلع الكمالية والسلع الفاخرة والمعيشة الرغدة ، مما أدى إلى المزيد من انتعاش التجارة بتطور الاستهلاك من الضروري إلى الكمالي ، وهذا يفسر طبيعة الواردات التي كان لها النصيب الأكبر في واردات دولة الفونج .

نماذج من تراكم رأس المال التجاري
في سلطنة الفونج تميزت الطبقة التجارية والطبقة الحاكمة وبعض مشايخ الطرق الصوفية بالثروة والغنى والذي تمثل في اكتناز وتركيز الأموال في شكل نقد أو معادن ثمينة أو حلى أو مباني فاخرة أو في شكل عيني ( رقيق ، ماشية ، حبوب ، أراضى ، سواقي ... الخ ) ، وكدليل على زعمنا هذا نقدم النماذج التالية كما وردت في طبقات ود ضيف الله : _
أ _ جاء في الطبقات أن حامد اللين بن الفقيه سليمان بن الشيخ حامد ، كان له مع والدي _ والد صاحب الطبقات _ صحبة قال : قلت له الناس قالوا عند الفقيه أربعة ويبات محلقات ، قال حقيقة المال عندي ، أولادي أخذوا النساء وشالوة منى .
والويبة هي كيل ، والمراد أن ماله يكال ولا يعد من كثرته ، والمحلقات عملة من الفضة كانت سائدة أيام الفونج .
ب _ ويرد في الطبقات ، أن أحمد بن زيادة بن النور ، زاد على أبية في الحظ والهيبة والغنى فهو أكثر من الملوك والدنيا وعنده سفينه قدر سفا ين الحجاز ( إشارة إلى سفن البحر الأحمر ) من السنة إلى السنة يوديها للسافل ( الطبقات : تحقيق د. يوسف فضل ، ط3 ، 1985 ص 217 ) .
ج _ كما يرد في الطبقات عن عمارة عبد الحفيظ ( الخطيب ) الذي من ورعة أنة تزوج فاطمة بنت سالم ، وكانت صاحبة دنيا عريضة ، عيلتها تجار الهند والريف مكث معها سبعة ( سبع ) وعشرين سنة ما أكل طعاما ولاإستصبح بمصباح ، وقال أصل مالها فيه حق الوراثة ، وأنا أخذت ذاتها فقط ) .
ويوضح د. يوسف فضل المقصود بالعيله : أن عبيدها يتاجرون نيابة عنها مع الهند ومصر ، وقد اعتاد كثير من التجار ، أن يعهدوا إلى مواليهم القيام برحلات نيابة عنهم ، وكان هؤلاء الرقيق موضع ثقة كبيرة منهم .
د _ كما يرد في الطبقات أن الشيخ حسن ود حسونة كان صاحب غنى وثروات ، وكان يمتلك الذهب والفضة والماشية والعبيد والأراضي الزراعية الواسعة ...الخ .
ه _ويرد في الطبقات مثال لبناء من حجر ضخم وفخم يقول عنة صاحب الطبقات ، أن جاد الله حوار الفقيه حمد ولد أم مريوم كان مؤمنا قويا ممتثلا لأمر شيخة ، بنى لشيخة بيتا من الحجارة الموخابره ( الما عازفه ) يقول هو من بناء الكفار ، بعض حجارته عشرة أنفس ما يقدروا يحملوها إلى سقف البيت وقالوا يقع هو والحجر من السقف ما يحصل له ضرر ( الطبقات ص 132 ) .
والمقصود بالكفار سكان السودان السابقين من النوبة المسيحية، ومن سبقوهم من سكان مملكتي نبتة ومروى ممن خلفوا آثارا عظيمة.
و _ جاء في الطبقات أن الشيخ المضوى ( محمد بن محمد الكداوى ) دخل سنار ونزل عند الفقيه عمار وأدخلهم مع الفقيه أرباب والشيخ دفع الله على الملك أونسه بن ناصر وهو في الديوان لأجله فقام له وعاينه وقال تقعد إلى أن حتى تجينى قالوا ما بيكرم العلماء أداه مائة محبوب ( عملة ذهبيه ) ، ثم دخل عليه ثانية وثالثة كل يوم يعطيه مائة محبوب ، ودخل عليه مرة رابعة أعطاه جملين صهب وفرختين وأوعده بالرجوع بسيره إلى الحج ويعطيه الوقف والجواهر آلفي بيت الملك ( نفسه ص 102 )
هكذا نرى من الأمثلة السابقة تركز الغنى والثروة، وهو يعبر بشكل من لأشكال عن تركز
رأس المال التجاري لأن الملوك وبعض مشايخ الطرق الصوفية أنفسهم كانوا يعملون في التجارة، ويمكن أن نقدم صورة عن نمط حياة الطبقات والفئات الغنية التجارية: _
أ _ من ناحية السكن وفى المراكز التجارية مثل ( شندى _ وأربجى ) كانت طبقة التجار
تسكن في منازل مستطيلة المباني مخروطية الشكل ، وكانت منازل الأغنياء تتميز بأسقفها الجميلة ووجود حمام خاص وفى بعض الحالات يوجد أكثر من طابق ( اوفاهى وسبولدنق : ممالك السودان ص 80 ) ، كما يذكر نعوم شقير : أن قصر السلطان في سنار كان يتكون من خمسة طوابق .
ب _ من حيث الملبس : الثياب الفاخرة من نسيج مصر مثل المنير والبصراوى الأخضر والصرموجة ( نوع خاص من الأحذية ) وعمم الشيشان الفاخرة والكوفية ( المنديل المربع المصنوع من الفضة أو الحرير أو من الحرير المذهب ) التي توضع على الرأس بطريقة تجعل جزءا منها يسقط على الظهر والثوب المنيرى للرجال والثوب الأبيض وثياب الدنقس والقرن للنساء .
ج _ من السلع الاستهلاكية الكمالية في ذلك الوقت التي كانت تستخدمها الفئات الغنية كما وردت في الطبقات : البندق ( الأسلحة النارية ) ، البن ، التنباك ، التبغ ، البهارات ( الفلفل ، الشمار ، والكزبرة ) ، العطور ، ( عطر الزباد ، المسك ، والعنبر ، الصابون ...الخ )
، والطعام الفاخر: لحوم الدجاج والطيور، الفطائر، اللحوم ( الضان... ).
وإذا قارنا ذلك بأفراد عامة الشعب ، نجد أنهم كانوا يسكنون في منازل مبنية بالجالوص والقش ، وملابس العامة من الرجال كانت تتكون من قميص الدمور وفردة الدمور والفركة والرحط لغير المتزوجات وطعام بائس ، وفقراء الصوفية يلبسون الجبة المرقعة ..الخ.
_ ازدياد نفوذ الطبقة التجارية:
مع تطور الإنتاج الزراعي والإنتاج الحرفي ازدهرت التجارة ، وازداد تركز رأس المال التجاري بالأشكال التقليدية منها :
أ _ الشراء بأثمان بخسة والتخزين ثم بيعها بأثمان باهظة وتحقيق أرباح طائلة من تلك العملية .
ب _ انتشار الربا العيني والنقدي أيام الفونج وبالتالي شكل الربا أحد مصادر أرباح رأس المال التجاري . والربا العيني ( الشيل ) كان منتشرا في تلك الفترة ، وكانت نتائجه مدمرة للمزارعين وملاك الأراضي . ويشير صاحب الطبقات إلى انتشار الربا بقوله (( إن حمد ود أم مريوم كان يأمر كل من تاب على يدية ألا يزوج ابنته أو وليته للفاسق كالحلاف بالطلاق واكل الربا أيضا ))
وبالتالي ، ومع الإنتاج البضاعى الصغير ، ومع بروز رأس المال التجاري وتركزه في يد بعض التجار والأفراد يظهر الربا كنتيجة من نتائج دلك التطور البدائي لرأس المال التجاري ، ظهور اقتصاد النقد في مجتمع غالبيته يعيش على اقتصاد معيشي ،وتظهر حاجة الناس للنقد في مجتمع غالبيته يعيش على اقتصاد معيشي . وتظهر حاجة الناس للنقد أو المخزون من السلع أيام الجفاف والأيام الأخيرة قبل الحصاد ، وبالتالي يستغل التجار هذه الحاجة ويفرضون شروطا مجحفة على الناس ، وعلى الدائنين ، ويحققون أرباحا فاحشة من هذه العملية .
ومع ازدياد نفوذ الطبقة التجارية وازدياد تراكم رأس المال التجاري دخلت الطبقة التجارية في صراع لكسر احتكار السلطان للتجارة مما أدى إلى إضعاف قبضته في

السنوات الأخيرة من القرن الخامس عشر والسنوات الأولى من القرن التاسع عشر وزادت قوة التجار ووزن الباحثين عن زيادة أرباحهم وزاد نفوذ التجار الأجانب ( هنود ، إثيوبين ، بريطانيين ، يونانيين ، أرمن ، عرب من الجزيرة العربية ... الخ ) . وكان هذا نتاجا لتوسع النشاط التجاري ، وما عاد النظام الإقطاعي يستوعب هذا الأتساع ، ودخل في تناقض معه مما أدى إلى خلخلته وإضعاف نظام الفونج الإقطاعي . ( د . محمد سعيد القدال : السياسة الاقتصادية للدولة المهدية (1985 ) ص 25 _26 ) .
هذا إضافة إلى ظهور عملات جديدة فى نهاية القرن الثامن عشر داخل سلطنة سنار مثل الدولار الأسباني ، مما قوض طريقة التحكم في كمية الذهب التي تصل الأسواق .
وفى نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر واجهت الحركة التجارية متاعب ومصاعب لخصها د. القدال في الآتي : _
أ _ انعدام الأمن والحماية بالنسبة للقوافل التجارية مما يهزم الفكرة الأساسية لاتحاد ممالك الفونج .
ب _ فرض ضرائب عينية ونقدية على كل قافلة مقابل إعطاء حق المرور فى أرض كل قبيلة إن استعمال النقود كان يواجه حواجز طبقية وجغرافية ، فالعملات المتداولة بين العامة كانت لها قيمة معينة وسط طبقة التجار والنبلاء مما حد من صيرورتها، كما اختلفت أنواع العملات ووسائل مقايضة الأخرى بين منطقة والثانية ، فمثلا في بربر وشندى استعمل الدولار الأسباني والذرة والدمور ، بينما في كردفان الدخن ، ونجد الأبقار في المعاملات الكبيرة ، وانتشرت الخواتم وقطع الصفيح في دار فور ، وفى كثير من الأحيان ، كان سعر تلك العملات غير مستقر وقيمتها حدسية . ( د. القدال : المرجع السابق ص 24 )
ومن مظاهر هذا الصراع وازدياد نفوذ التجار، أنهم استطاعوا أن ينظموا أنفسهم في
المراكز التجارية تحت قيادة (( سر التجار )) للدفاع عن مصالح طبقة التجار.
وعموما ، فان هذا الصراع بين التجار والسلاطين ، كان من عوامل تحلل وتفكك دولة الفونج .
لم يواكب تطور الرأسمالية التجارية في عهد الفونج تطور الحياة العقلية والثقافية ، ولم تتطور علوم الرياضيات والفلك والطبيعة والفلسفة ، وبالتالي كان لذلك انعكاسه على تخلف القوى المنتجة في ميادين الزراعة والصناعة ، وكان لذلك أيضا انعكاسه على الحالة العقلية لإنسان الفونج الذي كان عاجزا عن السيطرة على الطبيعة حيث باستمرار مهددا بكوارث مثل المجاعات والأوبئة والجفاف والفيضانات ، وعليه شكلت الكرامات المصدر الأساسي لاتقاء تلك الكوارث .وبالتالي ظلت القوى المنتجة في الزراعة والإنتاج المادي ، كما كانت عليه ، وكما وصلت إلى الفونج من الحضارات القديمة . وعندما كان العالم الإسلامي ومن ضمنه دولة الفونج في القرن السادس عشر ، في حالة جمود وانحطاط ، كانت أوربا قد تجاوزت جمودها وانحطاطها الطويل الذي سادها فترة القرون الوسطى ، وعرفت عصر النهضة الذي اتسم بالانفتاح على الحضارات القديمة وترجمة ونشر منجزاتها العلمية والفلسفية والأدبية والفنية ، والانفتاح على الحضارة العربية الإسلامية . إن الانفتاح على العالم الخارجي كان من الشروط الهامة لانطلاق وتطور الحضارة الغربية فيما بعد.

تحدث د . سبولدنق في مؤلفة (( عصر البطولة في سنار )) عن نشؤ الطبقة البورجوازية في عهد الفونج الزاهر . وهنا لابد أن نشير إلى الفرق بين مصطلح البورجوازية كما نشأ في أوربا ، وبالمفهوم الذي تطور به في أوربا ، والذي يختلف عن الحالة التي كانت عليه في دولة الفونج .
فمعلوم أن تراكم الرأسمال النقدي , الرأسمال المرابي والبضاعى والتجاري في أوربا الغربية بين القرن العاشر والقرن الثامن عشر تم على يد طبقة بورجوازية كانت تتحرر تدريجيا من وصاية الطبقات الإقطاعية والدولة ، واستطاعت في النهاية الانتصار في أن تخضع الدولة نفسها لبسط سيطرتها . وجعلت منها أداة للتعجيل يتراكم راس المال لصالحها ، وهذا هو المفهوم الواسع للبورجوازية كما نشأ في أوربا ، ومعلوم أيضا أن الطبقة التجارية التي نشأت في أحشاء النظام الإقطاعي في سلطنة سنار والتي كانت ضعيفة فى البداية ، ثم تطورت وإتسع نفوذها فيما بعد ، وبدأت تدخل في تناقض وصراع مع الطبقة الإقطاعية الحاكمة ( السلاطين الملوك ) لكسر احتكارها للتجارة ، وهذه العملية لم تحقق فيها الطبقة التجارية انتصارها الكامل بحكم قوة واستبداد سلاطين الفونج .
ورغم أن نفوذها اتسع ودخلت عناصر من تجار أجانب لها خبرة أوسع في التجارة ( هنود، مصريين، سوريين.... ) ادخلوا الوعي في صفوف الطبقة التجارية السودانية ، الآ أن العملية لم تصل إلى مستوى الاستيلاء على السلطة كما حدث في أوربا والاستحواذ على فائض القيمة من العمال . وبالتالي ، نشير إلى المحاذير في استخدام مصطلح البورجوازية الذي لايعبر تعبيرا دقيقا وشاملا عما كان عليه الحال في أوربا ، رغم أن الفروق في التطورالتقنى والثقافي والاجتماعي لم يكن كبيرا حتى بعد بدايات الثورة الصناعية .
وعليه نرى أن مصطلح الطبقة التجارية أو الرأسمالية التجارية أو الرأسمالية الربوية أقرب إلى الحالة التي نحن بصددها أيام الفونج . كما نشير إلى أن التطور الباطني للصراع بين الرأسمالية التجارية والطبقة الإقطاعية فىدولة الفونج لم يصل بشكل طبيعي إلى نهايته المنطقية ، بل انقطع هذا التطور بعد احتلال محمد على باشا للسودان ، وارتبط السودان بالعالم الخارجي وبالسوق الرأسمالي العالمي ليدخل مرحلة جديدة من تطوره ومن تطور الرأسمالية التجارية .

أولا : العملة ودلالاتها في سلطنة الفونج :
في ممالك النوبة المسيحية كان التعامل النقدي يتم بالدينار في منطقة مريس ، أما خارجها فقد كان التبادل يتم بالمقايضة ، هكذا تعايش النظامان في مملكة المقرة ، ولكن الغلبة والهيمنة كانت للتبادل العيني والمقايضة .
وتعتبر دولة الفونج خطوة كبيرة في انتشار واتساع التعامل بالنقد أو المعادل العام ( ذهب ، فضة ، ...الخ )
أشار اوفاهى وسبولدنق إلى أن النظام التجاري في سلطنة الفونج كان يستند إلى أوقية الذهب كعملة لتسهيل التبادل ، وقيمة أوقية الذهب يمكن التحكم فيها بواسطة السلطان ، وذلك لأنه كان يسيطر على إنتاج الذهب في البلاد ، ولذلك ، فان التحكم في تدفق كميات الذهب من الخزينة السلطانية حسب طلب السوق يمكن السلطان من التحكم بكفاءة في قيمة أوقية الذهب . فقيمة الأوقية تظل مرتفعة بالمقارنة مع معظم السلع التجارية في سنار ، والتداول الفعلي للذهب ينحصر في المبادلات الكبيرة نسبيا .
وبالنسبة للوضع الاقتصادي العام ، فان الوظيفة الأكثر أهمية للذهب تتمثل تقريبا في اعتباره عملة وهمية أو كمقياس لتقييم السلع المختلفة أثناء عملية التبادل ( اوفاهى وسبولدنق : المرجع السابق ص 255 )
إضافة إلى العملة الذهبية ورد في كتاب الطبقات أنواع أخرى من العملات ( ذهبية ، فضية ) كانت متداولة في سلطنة الفونج نذكر منها :
1 _ محلقات الفضة : وهى عملة كانت متداولة في السلطنة ، وما زالت تحمل معنى نقود في اللغة التبداوية ( لغة البجة )) وتنطق مهلقات .
2 _ الريال : ورد في أكثر من موضع في كتاب الطبقات .
3 _ ألحدا يد : وهى أنواع من العملة الرخيصة .
4 _ الإشرفى : أو ( الأشرفية ) ، والأشرفى دينار من الذهب ضرب في مصر المملوكية في عهد السلطان الملك الأشرف بارسباى (( 1422 _ 1438 )) وهو دينار من عيار مرتفع وزنه درهم وثمن درهم وهو من عملة ذهبية اشتهرت في العالم الإسلامي ، وعرفت بأسماء تختلف من مكان لاخر . ( الطبقات ، هامش ص 102 )
5 _ كما ورد في الطبقات الدينار والدرهم والقرش .
هكذا وردت هذه الأنواع المختلفة في كتاب الطبقات والتي كانت سائدة أيام الفونج ، هذا إضافة لاستخدام عملات محلية مثل الدمور في بعض المناطق .
وفى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ظهرت عملات جديدة داخل السلطنة مثل: الدولار الأسباني.
ويمكن تحليل أسباب هذا التنوع في العملة في النقاط الآتية: _
أ _ الفترة الأولى : التي كان يتحكم فيها سلطان دولة الفونج في الذهب وتجارة الذهب ، وبالتالي كان السلطان يصدر العملة الذهبية ، وهذه الفترة عكست تحكم سلطان الفونج كما أوضحنا سابقا في التجارة وضعف الطبقة التجارية .
ب _ الفترة الثانية : التي ازدادت فيها العملات الوافدة من العالم الإسلامي (( الدينار ، الدرهم ، المحبوب ، الأشرفى )) وهذه الفترة عكست اتساع النشاط التجاري مع العالم الإسلامي ، وهذا الاتساع نتج من ازدياد وتوسع نفوذ الطبقة التجارية ، وبالتالي زيادة تركز رأس المال التجاري ، وظهور عملات أجنبية مرتفعة الثمن (( ذهبية ، فضية ، )) ويمكن اكتنازها .
ج _ الفترة الثالثة : وتعكس ارتباط العالم الإسلامي بالعالم الأوربي اقتصاديا وتجاريا وماليا ، وبالتالي بداية ارتباط سلطنة الفونج بالعالم الأوربي عن طريق التجار الأجانب الذين بدأوا يتغلغلون داخل دولة الفونج بحثا عن الذهب والعاج وتجارة الرقيق .أشار الرحالة بونسية (poncet ) ، الذي زار سنار في الفترة (( 1698 _ 1699 )) إلى أن العملة التي كانت متداولة في سنار فرنسية وتركية وأسبانية .
المراحل الثلاث أعلاه هي مراحل تطور، ولكن لم تكن بذلك الترتيب، بل كانت متداخلة ومترابطة ومتشابكة، فالأمور لم تسر بذلك المخطط الهندسي، ولكن قصدنا منه توضيح تلك المراحل ودلالاتها من حيث الارتباط بالعالم الإسلامي والأوربي.
ثانيا: تطور نظام التعليم : _
أسهم انتعاش التجارة وبروز الطبقة التجارية في تطور نظام التعليم ،فقد بدأ التعليم في عهد الفونج كما هو معلوم بالخلوة باعتبارها الوحدة التعليمية الأساسية أو الخلية التعليمية الأولية التي تطور منها نظام التعليم قيما بعد .
وكانت الخلوة تلبى حاجة مجتمع الفونج في بداية تكوينه والذي كان بسيطا (( اقتصاديا وسياسيا )) ، فاقتصاد الفونج كان أغلبه اقتصادا معيشيا ، ولم يكن ذلك الاقتصاد يتطلب اكثر من المعلومات الأولية في القراءة والكتابة ، ولكن تطور النظام الاقتصادي والسياسي فيما بعد بفضل اتصال الفونج بالعالم الخارجي بشكل أوسع من البداية وتطور اقتصاد السلعة _ النقد وازدياد حاجة النظام على كتبة وموظفين وعمال وقضاة لمواجهة الاحتياجات الجديدة التي نشأت بفضل تطور التجارة وتمليك الأرض وتوثيق العقود وقياس الأرض والفصل في قضايا الميراث وجمع الضرائب وتحديد مقدارها (( زكاة ، مكوس )) ، وازدياد هذه الحاجات أدت إلى تطور نظام التعليم عند الفونج .
ولتلبية هذا الغرض ازدادت البعثات التعليمية إلى الأزهر والحجاز ولتأهيل الفقهاء والقضاة والمعلمين والشيوخ الذين بدورهم فتحوا مراكز لنيل العلم في مواقع السودان المختلفة (( سنار ، الحلفايا ، شندى ، الدامر ، بلاد الشايقية ( نورى ) ، كترانج ، بربر ، .... الخ )) لتلبية هذه الحاجات.
2
فترة الحكم التركي _ المصري (( 1821 _ 1885 ))
جاء احتلال محمد على باشا للسودان عام 1821 م في إطار إستراتيجيته لنهب ثروات السودان المادية والبشرية باعتباره أحد مصادر التراكم لتحقيق النهضة الصناعية والزراعية وبناء الجيش العصري في مصر، أما عن طبيعة الاحتلال فهو استعمار تركي _ مصري قام على القهر والقمع.
عرف السودانيون خلال فترة الحكم التركي الملكية الخاصة للأرض وبيع الأراضي ورهنها وتوريثها حسب الشريعة الإسلامية ، وكان ذلك من التطورات التي شهدها السودان في نظام ملكية الأرض ، أو تعبيرا عن ارتباط السودان بالنظام الرأسمالي العالمي نتيجة لإدخال المحاصيل النقدية (( قطن ، صمغ ، نيلة ، قصب السكر ، ... الخ ))
شهدت فترة الحكم التركي توسعا في زيادة مساحات الأراضي الصالحة للزراعة مما أدى إلى زيادة المحاصيل الزراعية في الأسواق ، فنجد الحكومة في هذه تجلب عددا من خولية الزراعة وتعمل على تطوير زراعة القطن وتشق القنوات للتوسع في زراعة الأحواض وتشجيع تعمير السواقي ، وترسل الطلاب إلي مصر للتعليم والتدريب الزراعي ، وتجلب المحاريث لحراثة الأرض ، وتعمل على بناء المخازن في المراكز الرئيسية على طول الطريق إلى مصر لتوفير مياه الشرب لتسهيل الحركة التجارية وتصدير الماشية بشكل خاص ، كما اهتمت الحكومة بإدخال محاصيل نقدية جديدة مثل الصمغ ، السنامكى ، النيلة ، ... الخ ، واهتمت بالتقاوي المحسنة والأشجار المثمرة واهتمت بمكافحة الجراد .
ولكن رغم التحسينات التي أدخلتها الحكومة بهدف تطوير القوى المنتجة في الزراعة والإنتاج الحيواني ، إلا أن الضرائب الباهظة التي كانت تفرضها الحكومة على المزارعين والرعاة أدت إلى هزيمة هذا الهدف ، فقد هجر آلاف المزارعين سواقيهم في الشمالية ، كما
هرب آلاف الرعاة بمواشيهم إلى تخوم البلاد ، وهكذا نجد أن سياسة الحكومة التي كانت تعتمد على القهر والضرائب الباهظة أدت إلى انخفاض الإنتاج الزراعي والحيواني ، وبالتالي أدى ذلك إلى تدهور الأحوال المعيشية والمجاعات والأمراض والخراب الاقتصادي ، وغير ذلك مما شهده السودان في السنوات الأخيرة للحكم التركي _ المصري .
توسع السوق الداخلي :
بعد ضم دار فور والمديريات الجنوبية توسع السوق الداخلي ونشا في السودان مثال نموذجي لوجود مناطق متفاوتة في التطور ، وبالتالي توسعت التجارة الداخلية والأسواق في المدن الرئيسية مثل : الأبيض ، بربر ، سواكن ، القضارف ، القلابات ..الخ ، ومن الأسواق الرئيسية كان سوق الخرطوم الذي كان يعرض فيه الاحذيه ، الملابس ، الجواهر وبعض السلع المعدنية ، بالإضافة إلى مجموعة من السلع الغذائية ، كما قامت أماكن مخصصة (( أسواق )) لبائعي الملابس ، صيدليات ، خضر وات ، أملاح ، لحوم ، ذهب ، وفضة وحدادين ، نجارين ، ترزية ، حلاقين ، مقاهي ، مطاعم ، صانعي الأحذية ( تيم نبلوك : صراع السلطة والثروة في السودان ص 17 )
أدى ذلك إلى تطور الطبقة التجارية ، واصبح التجار يشكلون طبقة مرموقة في المجتمع .وفى عام 1863 أسست شركة تجارية سميت باسم (( شركة السودان التجارية )) برأسمال مليون من الجنيهات لتنمية موارد السودان ، وإدخال التجارة المشروعة في مختلف أنحائه ، وكان عقد الشركة يبيح لها مد الخطوط الحديدية ، وتسيير البواخر النيلية لنقل الغلات التجارية التي راجت في السودان (( القطن ، الصمغ ، الجلود ، الأخشاب ، ريش النعام ، البن ، الحبوب )) . أسهمت في شركة السودان التجارية البيوت التجارية في الإسكندرية وبعض المصارف الأوربية ، وكان للشركة توكيلات في سواكن والخرطوم (( د .شوقي الجمل : تاريخ سودان وادي النيل ، الجزء الثاني ، القاهرة 1969 ، ص 130 _ 131 ) )
يقول كاتب وثيقة ( على تخوم العالم الإسلامي ) : بدأ احتكار الدولة للتجارة عام 1824 م ، وكان ينحصر في بدايته على الصمغ العربي وسن الفيل وريش النعام ، ثم أضيف إليه مؤخراً منتجات البلاد الأخرى : السنامكه ،الجلود الخام ، الماشية والإبل .
وكانت تجارة السودان الخارجية محتكرة بواسطة الدولة المصرية التي تحصلت على أرباح ضخمه ، إضافة لأرباح التجار الأجانب ( مصريون وغيرهم ) والتجار المحليين الذين حصلوا على بعض الأرباح ، وبعد عام 1838 م تخلت الدولة تدريجياً عن احتكارها لعمليات التجارة ، فظهر تجار من بريطانيا والنمسا وإيطاليا واستوطنوا في الخرطوم وعملوا في تصدير سلع : العاج ، الصمغ العربي ، ريش النعام ، كما ازداد نفوذ التجار الأجانب بعد قيام القنصليات الحكومية الأوربية في الخرطوم ، وهذه القنصليات لم يقف نشاطها التجاري قي حدود مصالح التجار الأجانب ، فقط ،بل كانت تمارس النشاط التجاري في بعض الأحيان ، وكانت تجارة العاج تمثل السبب الرئيسي الذي جذب هؤلاء التجار للسودان (( تيم نبلوك : المرجع السابق ، ص 15 ))
وفى البداية احتكر محمد على باشا تجارة الرقيق بمنع الجلابة اخذ الأرقاء إلى مصر أو الاتجار بهم في السودان ، ولكن بعد مطالبة حكومة بريطانيا وافقت الحكومة المصرية على إلغاء احتكار التجارة ، كما ألغي عباس باشا في عام 1849 م احتكار الحكومة لتجارة الصمغ في السودان ، أدى ذلك إلى تعاظم نفوذ الأوربيين في السودان وتكونت الغرفة التجارية (( التجار الأجانب )) في الخرطوم بهدف حماية مصالحهم ، كما حاولوا أيضا إنشاء مصرف تجارى تحت اسم بنك السودان ( Banquet du Sudan ) ، وفى سبعينيات القرن التاسع عشر تكررت المحاولة مرة أخرى ولم تنجح (( تيم نبلوك : ص 15 )).
كما ظهرت أيضا فئة التجار المحليين التي استفادت من تجارب التجار الأجانب ، وكانت لهم مراكز تجارية مثل الزبير باشا رحمة منصور ، وقد اسهم هؤلاء التجار في إضعاف سلطنة دارفور حتى تم إسقاطها عام 1874 تحت قبضة قوات الحكم التركي .
ومن المشاكل التي عاقت التجارة ارتفاع (( النولون )) أو أجرة النقل والرسوم الأخرى على الواردات خلاف الرسوم الجمركية مثل (( عوائد الرحول )) وهى ضريبة كانت تؤخذ عن كل جمل يخرج ببضاعة من ثغر سواكن إلى أسواق السودان ، أي أن التاجر كان يدفع عوائد ورسوم متنوعة في مكان واحد (( بشير كوكو حميدة : ملامح من تاريخ السودان فى عهد الخديوي إسماعيل ، ص 111 _ 112 )) .
العملة:
كانت العملة المتداولة في ذلك العهد مختلفة من شتى أقطار العالم مثل الدولار النمساوي (( ماريا تريزا )) والريال المجيدى والدولار الأسباني وبعض العملات المصرية مثل (( الفرج الله ، الجنية ، الجنية البنت ، البندق ، المحمودى ، المجرى ، السعدية ، البرغوتة ، الظرفية ، ربع المصري ، الخيرية ، العين المصرية ، الفرينى ،الطير الإسماعيلي ، الريال أبو نقطة ، الشينكو المصري ، القرش ،جرقندى ، ...الخ ))
وهكذا يتضح لنا ارتباط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي وعن طريق تصدير سلع هامة مثل الصمغ والعاج .


العمل المأجور
أدت الصناعات التي ادخلها نظام الحكم التركي في السودان مثل صناعة البارود والنيلة وحلج القطن والذخيرة وملابس وأحذية الجنود ، أدت إلى ظهور العمل المأجور في الصناعة والزراعة ، هذا إضافة إلى أن مرتبات العلماء والجنود وبقية العاملين في جهاز الدولة كانت تدفع نقدا ( في حالة عدم توفر النقد كانت تدفع عينا : أراضي ، رقيق ، ...الخ )
وساعد في اتساع دائرة العمل المأجور حاجة الناس للنقد لتسديد الضرائب الباهظة التي كان يفضل دفعها نقدا ، هذا إضافة إلى أن الضرائب الباهظة على المزارعين أدت إلى هجرة أعداد كبيرة من المزارعين لاراضيهم وسواقيهم ، وبالتالي تحولوا إما إلى العمل التجاري أو العمل في جيش الحكومة وغير ذلك .
ما يهمنا هنا تلك العملية التي تم فيها اقتلاع أعداد كبيرة من المزارعين من أراضيهم وسواقيهم وهروبهم إلى مناطق أخري ، تلك العملية أدت إلى اتساع العمل المأجور ، وساعدت في تخطى الانغلاق والارتباط بالأرض ، وأدت إلى اتساع السوق الداخلي والقومي ، كما ساعد إدخال بعض المحاصيل على اتساع دائرة التعامل بالنقد بشكل أوسع عما كان الحال في سلطنة الفونج ، وإذا أخذنا في الاعتبار ارتباط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي ، وظهور الطبقة التجارية المحلية واتساع التعامل بالنقد وظهور العمل المأجور ، أي أن قوة العمل نفسها تحولت إلى سلعة ، يمكن أن نقول : أن فترة الحكم التركي شهدت غرس البذور لأسلوب الإنتاج الرأسمالي في السودان ، وظهر جنين أسلوب الإنتاج الرأسمالي إلى جانب الأساليب الإنتاجية الأخرى .
صحيح أن ممالك السودان السابقة ( النوبة ، الفونج ، الفور .. ) عرفت اقتصاد السلعة _النقد والتجارة مع العالم الخارجي ، ولكن لايمكن أن نقول أنها عرفت أسلوب الإنتاج الرأسمالي ، لأنه في أسلوب الإنتاج الرأسمالي تتحول قوة العمل إلى بضاعة ، وهذا ما بدأ يحدث خلال فترة الحكم التركي .
مواقع تركز الغنى والثروة:
يمكن تحديد القوى الاجتماعية التي تركزت في أيديها الثروات في الآتي: _
_ الحكام وكبار موظفي الدولة:
وتضم هذه الفئة الحكام وكبار موظفي الدولة من عسكريين ومدنيين أجانب ومحليين ، وكانت وظيفتهم الأساسية إدارة الدولة والتي كانت أساسا قائمة على تحصيل الضرائب من المواطنين ، وتحقيق أهداف محمد على من احتلال السودان والسيطرة على التجارة وأخطارها وتحسين وتأمين الطرق التجارية ، وتأمين نجاح المشاريع الزراعية والصناعية والبحث عن الذهب والمعادن ، وقمع الانتفاضات المحلية . أي القيام بوظائف جيش احتلال مهامه الأساسية نهب وتدمير قدرات السودانيين الاقتصادية والبشرية ، وتنظيم عملية تصدير الفائض الاقتصادي للخارج . وهؤلاء الحكام كانوا نتاج دولة محمد على باشا والذين كانوا يجمعون بين الجندية والتجارة والمغامرة وامتلاك الأراضي الزراعية الواسعة والاستبداد والقهر وجباية الضرائب ، وينطبق عليهم وصف الأمام محمد عبده لمحمد على باشا الذي قال فيه : _ أي دين كان دعامة للسلطان محمد على ؟ دين التحصيل ؟ دين الكرباج ؟ ، دين من لادين له ، إلا ما يهواه ويريد ولا أظن أن أحدا يرتاب بعد تاريخ محمد على بصيرته ، أن هذا الرجل كان تاجرا زراعيا وجنديا باسلا ومستبدا قاهرا ، ولكنه كان لمصر قاهرا ، ولحياتها الحقيقية معدما .
وهذه الفئة جمعت ثروات ضخمة من وظائفها تلك ، فقد كان لها نصيبها من الضرائب غير الضرائب المقررة ، كما كانت تتقاضى مرتبات عالية ، وتمتلك أراضى زراعية واسعة ، ولا تدفع ضرائب عليها ، إضافة لفسادهم فقد كانوا يهربون بعض الواردات السودانية عن ميناء سواكن . وقد حققوا ثروات طائلة من عملهم في السودان ، وكمثال على ثروة أحد كبار الموظفين في جهاز دولة الحكم التركي ، ما أورده سلاطين باشا عن أن ثروة سعيد باشا بعد سقوط الأبيض والتي كان يكتنزها من الذهب كانت تقدر بسبعة آلاف جنية ، وكان على باشا سرى مثالا للرشوة والاختلاس ، ويقال انه بعث للخديوي ب 1625 قطعة من الذهب السنارى لارضاء الخديوي (د . مكي شبيكة : السودان عبر القرون ، ص 153 ) . ومثال آخر اختلاس خالد باشا لمال الحكومة ، استصفى منه ألف كيس ( الكيس 500 قرش ) ( المرجع السابق ص 147 ) ، وقيل أن المنكلى عاد من السودان بكمية كبيرة من العبيد والأموال والخيل مع ألفين أوقية ذهب ( د. حسن احمد إبراهيم : محمد على في السودان ، ص 70 )
_ زعماء العشائر والقبائل :
ونقصد بهم زعماء العشائر الذين ساندوا الحكم التركي _ المصري بعد أن فقدوا زعاماتهم واستقلالهم الذي كانوا يتمتعون به إبان سلطنة الفونج ، فقد ظل الحكم التركي _ المصري منذ مطلع الاحتلال يستعين بالشيوخ المحليين ، ومن اجل ذلك حاول محمد على باشا كسبهم بتشجيعهم لزيارة مصر واكرام مثواهم بالهدايا من الملابس والأموال وغيرها .
وكان الحكام الأتراك والمصريون يستفيدون من هؤلاء الشيوخ وخاصة شيوخ القبائل البدوية المتر حلة الذين لا يتحدثون بالعربية في جمع الضرائب. وكان لهؤلاء ثروات طائلة بحكم أراضى معفية الضرائب ، وإعفاء من الضرائب على القطعان الكبيرة من الماشية التي يمتلكونها في حالة القبائل الرعوية كما كان لهم نصيب من الضرائب التي كانوا يجبونها نيابة عن الحكومة
أي انهم جمعوا بين الثروة والنفوذ الاجتماعي في قبائلهم ، وازدادت ثروتهم نتيجة لارتباطهم بالحكومة والتسهيلات التي كانت تمنحها لهم
_ التجار:
ازداد نفوذ التجار الأجانب والمحليين في فترة الحكم التركي بعد توسع السوق الداخلية وخاصة بعد ضم المديريات الجنوبية ودار فور، واتساع تجارة الرقيق والعاج، والتوسع في إنتاج المحاصيل النقدية، وتحسن شبكة المواصلات.
ويتفاوت اصل وتركيب الطبقة التجارية في تلك الفترة ، فهناك التجار الأجانب من سوريين وأتراك وعرب ويونانيين وارمن ، ومصريين وأقباط وأوربيين وغيرهم .
وكان هؤلاء التجار يحققون أرباحا طائلة من تجارة الرقيق والعاج والصمغ ، وكانوا الوسطاء بين التجار المحليين والحكومة حيث يشترون المحاصيل النقدية مثل الصمغ والقطن والنيلة وغيرها بأثمان بخسة ويبيعونها للحكومة أو يصدرونها بأثمان باهظة .
وهذه الطبقة هي التي ربطت السودان بالسوق الرأسمالي العالمي ، وكان هناك التجار المحليون الذين حققوا أرباحا هائلة من خلال تعاونهم وارتباطهم بالحكومة . ومن الأمثلة لهؤلاء الأعيان وكبار التجار الياس امبرير سر تجار ورئيس مجلس مديرية كردفان .
وكان هناك كبار التجار الذين بنوا إمبراطوريات وجيوش وجمعوا ثروات ضخمة من تجارة الرقيق مثل الحبشي ، احمد العقاد ، وعلى أبو عمورى ، ومحجوب البصيلى ، وعطاس القبطي ، وكوشول على التركي ، وإدريس ابتر الدنقلاوى ، والزبير باشا رحمة ( نعوم شقير ، ص 249 ) .
_ مشايخ وزعماء الطرق الصوفية :
معلوم أن الطرق الصوفية نشأت وتبلورت قبل وبعد سلطنة الفونج ، وخلال فترة الحكم التركي شجعت الحكومة نشاط الطرق الصوفية ، ولكن حدث تغيير في تركيب هذه الطرق ونفوذها نتيجة للتحولات السياسية والاقتصادية والثقافية التي أحدثها الحكم التركي ، فنجد مثلا طرق صوفية كانت ذات نفوذ واثر كبير في فترة الفونج تنحسر أو يتقلص نفوذها مثل القادرية والشاذلية . وفى الوقت نفسه نرى بروز وصعود طرق جديدة مثل : الختمية التي ظهرت في سنوات سلطنة الفونج الأخيرة ، ولكن اتسع نفوذها خلال فترة الحكم التركي ، وكانت طائفة الختمية قريبة من النظام الحاكم ، وزاد اتباعها وتعاظم نفوذها وثروتها وخاصة في شمال وشرق السودان وإقليم كردفان ، وجمع قادتها بين النفوذ والثروة . وفى عهد الحكم التركي انتشرت طرق صوفية أخري اقل نفوذا من الختمية مثل الطريقة التيجانية ، وكذلك شجع محمد على طرقا صوفية أخرى للنزوح إلى السودان كالطريقة السعدية والطريقة الرحمانية والطريقة البدوية والطريقة البرهامية والطريقة الدسوقية . وبعض زعماء وخلفاء هذه الطرق بالإضافة لنفوذهم الديني كانت لهم أراضيهم الزراعية وسواقيهم وتجارتهم الرائجة وثرواتهم المتنامية نتيجة لتحالفاتهم وتعاونهم مع النظام الحاكم ، والتسهيلات التي كانت تقدم لهم مثل الإعفاء من الضرائب واقطاع الأراضي لهم . إضافة للثروات التي كانت تصلهم من اتباعهم في شكل هدايا أو زكاة ( ماشية ، محاصيل ، زراعية ، رقيق ... ) أو نقدا في شكل عمل غير مدفوع الأجر ( سخرة ) وبالتالي كان لهم نفوذهم الاقتصادي فضلا عن نفوذهم الروحي والديني.
وزعماء الطرق والمشايخ الذين تضرروا من النظام الجديد أو تقلص نفوذهم كانوا ساخطين على ذلك الوضع ، وبالتالي شكل اغلبهم أرضية خصبة ، انطلق منها الإمام المهدى في ثورته الشعبية المسلحة ضد الحكم التركي .
ثانيا : تطور المدنية والفكر السوداني :
_ شهدت فترة الحكم التركي تطور قطاع الخدمات حيث تطورت المواصلات ( بواخر نهرية، إدخال التلغراف ). كما تم تحسين ميناء سواكن والمنافذ للاتصال بالعالم الخارجي وتم توصيل خط السكة الحديد إلى مدينة وادي حلفا ( الشلال ) ، وهكذا نلحظ الدخول المبكر لمنجزات الثورة الصناعية الأولى للسودان ، وهذا التطور في شبكة المواصلات والمواني أدى إلى انتعاش التجارة الداخلية والخارجية .
_ كما شهد السودان في هذه الفترة بدايات إدخال التعليم المدني الحديث وقامت سبع مدارس ابتدائية في عواصم المديريات : الخرطوم ، بربر ، دنقلا ، التاكا ، كردفان ، سواكن ، ... الخ. كما تم إرسال بعض الطلاب السودانيين للتدريب على فنون الزراعة والهندسة ، وقامت مدارس صناعية للتدريب على أعمال الخدمات وصيانة البواخر النيلية .. الخ . كما تم فتح الباب للنابغين ليذهبوا في بعثات دراسية إلى جامعات أوربا لنيل الشهادات العليا ودرجات الدكتوراه .
ولكن يجب ألا نبالغ في حجم التعليم، فقد كان ضئيلا بالنسبة لعدد السكان في السودان، حيث بلغ عدد سكان السودان 8,5 مليون نسمة ، بينما كان عدد المدارس سبع . هذا إضافة لانتشار التعليم التبشيرى في عواصم المديريات وجنوب السودان وجبال النوبة ( جنوب كردفان ) .
_ شهدت تلك الفترة غرس بذور الثقافة الحديثة : التعليم المدني ، القضاء المدني ، الطباعة ، الصحافة ، بدايات المسرح ، وبدايات استقلال فن الشعر الغنائي عن الدين وعن نمط غناء الدلوكة الذي سائدا أيام الفونج . كما تم إدخال نمط جديد من الدولة : هي الدولة المدنية ولو أن تلك الدولة كانت استبدادية وتقوم على القهر ، ولكنها على أي حال دولة مدنية ، تم زرعها من الخارج ، ولم تأت كنتاج لتطور داخلي باطني .
_ أثار الفقهاء والعلماء في تلك الفترة محاربة الخفاض الفرعوني ويروى أن عبد اللطيف باشا أحد ولاة ذلك العهد جد في إبطال عادة الخفاض الفرعوني ، وقاضى كثيرا من النساء اللواتي يتولين آمرها ولكنه لم يفلح .
_ شهد السودان خلال تلك الفترة سلسلة من الانتفاضات والثورات حتى تم تتويجها بالثورة المهدية كثورة شاملة أطاحت بذلك الوضع. وهكذا نجد جذور الثورة السودانية الحديثة التي تبدا بتراكم مقاومة النظم الاستبدادية بأشكال وصيغ مختلفة ، ويتم تتويجها بالانتفاضة الشعبية الشاملة التي تطيح بالنظام .
6 _ على انه يجب ألا نعطى صورة زاهية أو نبالغ في التحولات الاقتصادية والعمرانية والتعليمية والتحولات في البنية التحتية ( مواصلات ، تلغراف ) التي حدثت خلال فترة الحكم التركي ، فقد كانت تلك التحولات محدودة .
وصفوة القول ، ظل الجزء الأكبر من النشاط الاقتصادي في السودان خلال تلك الفترة حبيس القطاع التقليدي ( المعيشي ) ، وظلت قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج بدائية ومتخلفة ، ويمكن أن نضيف انه خلال فترة الحكم التركي تم تدمير القوى المنتجة الزراعية التي كانت تشكل عصب النشاط الاقتصادي في السودان من جراء الضرائب الباهظة ، مما أدى لهجرة السكان لسواقيهم ، وطرق ميادين جديدة لنشاط يعتبر بعضها طفيلي ( إذا جاز التعبير ) مثل الاتجاه للعمل في تجارة الرقيق التي كانت السمة الأساسية للنشاط التجاري في تلك الفترة .
ويمكن القول ، أن السودان في تلك شهد تدميرا أو خسارة البنية الاقتصادية _ الاجتماعية القديمة التي كانت سائدة خلال فترة الفونج والفور ، دون كسب بنية جديدة ، بل كان نصيبها التدمير ونهب قدراتها البشرية والمادية ، وتلك العملية شبيهة بتدمير الاستعماريين البريطانيين لنمط الحياة القبلي القديم في الهند التي وصفها ماركس بقوله : (( أن سكان الهند خسروا عالمهم القديم دون كسب لعالم جديد )) .


3
فترة المهدية ( 1885 _ 1898 )
جاءت فترة المهدية لتمثل حلقة أرقى في هذا التطور من خلال سعيها لتنظيم السوق وادارته وإصدار عملة محلية موحدة وسودنة التجارة ، فمعلوم أن هيمنة التجار الأجانب على التجارة في السودان كانت منذ أواخر سنوات سلطنة الفونج واتسعت بشكل كبير فى فترة الحكم التركي ، فالمهدية كانت أول في تاريخ السودان الحديث لتحرير التجارة من السيطرة الأجنبية ، والظاهرة الإيجابية الثانية كما لاحظ د . محمد سعيد القدال في هذا التطور هو تحول (الأسواق الموسمية إلي أسواق مستديمة ) ( د . القدال : السياسة الاقتصادية للدولة المهدية ، ص 76 ) . فمعلوم أن أسواق الدامر ، شندى ، وغيرهما في فترة الفونج والحكم كانت أسواقا موسمية ، أي أسواق أسبوعية أو في أيام الأعياد على نمط الأسواق التي كانت سائدة في العصور الوسطى والتي تعكس سمات الإنتاج البضاعى الصغير وضعف نمو الطبقة التجارية .
وكان هذا تعبيرا عن اتساع الطبقة التجارية ، ولكن من جانب آخر فقد أدت الحر وبات والاضطرابات والفوضى التي سادت إلى إحجام التجار الأجانب عن ممارسة نشاطهم ، كما اضطرب تداول العملة وغيرها من النشاطات التي تهتز في حالة الحروبات مما اضعف فعالية النشاط التجاري في المهدية . العامل الآخر الذي قلل من النشاط التجاري هو تقلص الفائض من الإنتاج الزراعي للسوق بسبب اضطراب الأحوال ، ومعلوم أن الزراعة وتطورها هو المفتاح لتطور النشاط الصناعي والتجاري ، فكلما كان هناك فائض كبير في الإنتاج الزراعي ، زاد الميل إلى التخصص في النشاط التجاري والصناعي ، وبالتالي تقل الأيدي العاملة في الزراعة ، وتهاجر إلى المدن ، أي تزداد نسبة التحضر ، لأن مركز النشاط التجاري والصناعي هو في المدن ، ونلحظ أيضا في فترة المهدية هيمنة الدولة نسبيا على التجارة ، ويعتبر ذلك امتدادا بشكل جديد لهيمنة سلطان الفونج والفور على التجارة ( الذهب والرقيق ) ، وامتدادا لاحتكار دولة الحكم التركي على كل السلع عدا الرقيق . كما نلاحظ ظاهرة جديدة في فترة المهدية وهى وجود مصدر جديد من مصادر تراكم رأس المال التجاري للدولة ، يختلف عما كان عليه الحال أيام الفونج والحكم التركي ،وهو ملكية الدولة مثل الدكاكين والوكالات والعصارات والطواحين والبنوك أو الدكاكين الحرفية التجارية والمشاريع ، وبالتالي دخلت الدولة كمستثمر تجارى في تلك المشاريع التي أممتها وصادرتها من التجار الأجانب والمحليين مما زاد من هيمنة الدولة على التجارة ، سواء كان ذلك لأغراض عسكرية أو اقتصادية .
يمكن القول ، أن جذور ملكية الدولة في تاريخ السودان الحديث يجب أن نبحث عنها في ذلك الواقع الذي أحدثته المهدية ..


ثانيا: الأسواق
مع تراكم راس المال التجاري ونمو الرأسمالية التجارية وتدخل الدولة في التجارة عن طريق بيت المال ، استمرت الأسواق في الانتشار مثل سوق أمد رمان ود نقلا والأبيض وبربر وسواكن ، وهى تقريبا المدن التجارية نفسها السابقة ، ولكن الجديد هنا أن امدرمان حلت محل الخرطوم في فترة الحكم التركي ، كما ظهرت أسواق جديدة مثل سوق كورتى ، تنقسى ، ... الخ كما اتخذ الخليفة إجراءات إدارية لتنظيم سوق امدرمان مثل تعيين شيخ السوق ، وجود أماكن خاصة للنساء ، وتخصيص أماكن معينة لكل سلعة ، ومنع محاولات الغش ومحاكم للسوق وتوفير الأمن ومراقبة الأسواق ( د . القدال : المرجع السابق ص 79 _ 82 ) ، والظاهرة الأخرى الجديدة في فترة المهدية والمرتبطة بتطور التجارة والتعامل التجاري مثل شراء بعض التجار بضاعة في سواكن ودفع قيمتها في امدرمان ( بابكر بدري : تاريخ حياتي ، الجزء الثاني ، ص 126 _ 129 ) والتي ساعدت كما لاحظ د . القدال على ارتفاع نسبة الربح ، كما ازداد عدد التجار السودانيين من دنا قلة وجعليين ونوبيين واحترف بعض البقارة التجارة ، أي زاد حجم الرأسمالية التجارية ، ومن أهم البضائع التي كانت تعرض في الأسواق هي : الذرة ، البلح ، والمواشي والصمغ وسن الفيل وريش النعام والرقيق .
ثالثا: التجارة الخارجية:
كانت التجارة الخارجية في المهدية مع أسوان وسواكن ومصوع والحبشة ووداى ، وكان أهم الصادرات : الصمغ ، والريش والسن كما احتكر الخليفة السن لنفسه ، أما الصمغ فقد اخذ التجار ثلثه واعطاهم الثلثين ( شقير : المرجع السابق ) ، ويلاحظ سلاطين باشا ضعف القدرة لغالبية السودانيين من خلال تراكم وتكدس البضائع الغالية الثمن في المحلات التجارية ، أي عدم رواج البضائع الواردة الغالية الثمن بين السودانيين ، ومن جانب آخر كانت هذه البضائع المستوردة مثل الروائح العطرية من جميع الأصناف كزيت حب الصندل والقرنفل والحبوب ذات الرائحة الطيبة والسكر والمربى والأرز تجد رواجا بين الأكثر ثراءا ، أي أن التجارة الخارجية حافظت على سمتها الأساسية منذ أيام الفونج والحكم التركي من زاوية أنها كانت تجارة كمالية ، والواردات فيها تهم الحكام والطبقات الغنية . ومن الظواهر الملفتة للنظر في السنوات الأخيرة للمهدية هي نزوح كثير من التجار الأغنياء ألي مصر ، وكانت التجارة هي الوسيلة وجواز للهروب من ظلم الخليفة ( سلاطين باشا : السيف والنار في السودان ) ، واضح أن التجارة الخارجية وخاصة مع مصر تعرضت لاضطراب نتيجة لسياسة الدولة المهدية التي كان عنها الخليفة والتي كانت مزيجا من التشدد والتسامح ( د . القدال : المرجع السابق ص 111 _ 117 ) ، ورغم محاولات الخليفة لوضع قيود لمنع التهريب وتسرب العملاء والجواسيس ومحاولاته لإيقاف التجارة ، إلا انه فشل في ذلك وكمثال لحجم التجارة الخارجية يقول شقير : بلغت قيمة البضائع الصادرة بطريق أسوان وسواكن في سنة 1892 _ 1898 م نحو 477896 جنيها ، وقيمة البضائع الواردة نحو 397451 جنيها . ( شقير المرجع السابق ) .
رابعا: العملة:
في فبراير 1885 صدرت أول عملة للمهدية ، وصدرت في عهد الأمام المهدى ثلاث عملات (( جنية ذهب ، ريال فضة ، ونصف ريال )) . واجهت عملة الأمام المهدى مشاكل مثل التزوير والتهريب إلى مصر ، هذا إضافة للفوضى التي سادت تداول العملة وتعدد أنواعها وانعدامها أحيانا .. كما اصدر الخليفة عملة محلية أخرى ( فضية ) صدرت عام 1887 وهى فئة 20 قرشا ، 10 قروش ، وخمسة قروش ، وقرش واحد ، وذلك بعد إنشاء دار سك العملة بامدرمان ، وظلت هذه العملة مستعملة حتى 1309 ه (( 1892 م )) ، ولكنها كانت تستبدل كلما دعت الحاجة لذلك ، ثم بعد ذلك صدرت عملات عام 1892 م في عهد النور الجريفاوى عامل بيت المال وبكمية اقل وصدرت أخرى في عام 1893 م (( أبو كبس )) وفى عام 1894 م (( عملة وقيع الله )) ، وفى عام 1897 صدرت عملة شبيهه (( بأبي كبس )) وكانت من نحاس احمر ، وكانت هذه آخر عملة صدرت في عهد الخليفة . ( د . قدال المرجع السابق ص 87 _ 89 ) ، ويعكس لنا هذا العرض المتسلسل اضطراب الحالة الاقتصادية والسياسية والتجارية ، ويبدوا من إصدار أول عملة ذهبية في فترة المهدى أن النشاط التجاري كان منتعشا إضافة لوجود العملات الأجنبية ، ومنذ بداية عهد الخليفة الذي اصدر أول عملة فضية بدأت العملة تنخفض ، وبالتالي ترتفع الأسعار حتى أرغم الناس على قبول العملة النحاسية ، وكذلك انتشرت عمليات التزوير التي تلازم إصدار العملات في كل العالم ، وبالتالي تقلل من قيمتها أو تطرح فائض منها يؤدى إلى ارتفاع الأسعار ، وهذا التدهور كان من مظاهر اضمحلال دولة المهدية حتى زوالها على يد قوات كتشنر .
خامسا : مواقع تركز السلطة والثروة :
يمكن تحديد المواقع التي تركزت في أيديها السلطة والثروة في الآتي :
_ الحكام والأمراء والمشايخ:
وتشمل هذه الفئة الحكام : الخليفة وحكام الأقاليم (( العمال )) وكبار موظفي الدولة من عسكريين ومدنيين وامراء كما تشمل زعماء ومشايخ القبائل ، هذا إضافة للفئات العليا والمميزة من زعماء وكبار قبيلة التعايشة والخلفاء والملازمين والجهادية ، وقد جمع هؤلاء بين السلطة والثروة من مواقعهم ومناصبهم ومن حيازتهم للأراضي التي تمت غنيمتها
وعلى سبيل المثال منحت أطيان ولد الفحل بجزيرة الحلفايا للأمير عبد المولى صابون ، وهناك عدة سواقي ومساحات من أراضى بيت المال أعطيت للأنصار بمنطقة دنقلا ودارشايقية ، ومثال آخر طين احمد باشا بالكاملين التي صادرها المهدى بحكم أنها من أملاك الترك أعطاها إلى الطيب نور الدائم ، ويبدوا أن العطاء بهذا الوجه كان كثيرا ، وقد تضايق إبراهيم عدلان أمين بيت المال من كثرة المستفيدين منه فقيده في حدود من يحملون أوامر مكتوبة بها من المهدى أو الخليفة ، كما نسمع عن عزل واعتقال احمد سليمان (( أول آمين لبيت المال )) بتهمة الثراء ولذلك تم تفتيش منزله ، ووجد به حسب رواية اهر ولدر : خمسة آلاف جرام من الذهب الصافي ، ويمكن أن نلاحظ التفاوت الكبير في المرتبات الشهرية ، فقد كان على سبيل المثال مرتب آمين بيت المال (( 50 ريالا )) ومرتب قاضى الإسلام (( 40 ريالا )) ، بينما كان مرتب الجندي الأنصاري يساوى خمسة قروش (( نصف ريال )) ( د .القدال : المرجع السابق ص 175 )
_ التجار:
اتسعت الرأسمالية السودانية التجارية في فترة المهدية ، وبالتالي زاد أفراد هذه الفئة ، وهذه الفئة التي ازداد ثراؤها لها علاقة وارتباطات بالحكام بينما تقلص نفوذ التجار الأجانب والتجار المعارضين للمهدية ، وقد اصبح كثير من البقارة تجارا أثرياء ومن أصحاب الريالات اللامعة كما تشير وثائق المهدية التي تحدثت عن (أهل الثروة والاقتدار ) ، وظهر ذلك في وجود ثروات طائلة لدى بعض التجار فمثلا بلغت تبرعات تجار بربر في عام واحد خمسة وسبعون ألف ريال وخمسة عشر ألف إردب ذرة ودفع أحد التجار غرامة بلغت ستة آلاف ريال و أخر خمسة آلاف ريال وعندما صادر الخليفة أموال التاجر عمر كشة بلغت قيمتها في المرة الأولى والثانية ثلاثون آلف ريال على التوالي ( د . القدال : المرجع السابق ص 106 ) هذا وقد حقق التجار أرباحا في مجاعة سنة 1306 ه عندما ارتفعت أسعار الذرة وغيرها من الأسعار بشكل جنوني . كما بلغت الأموال التي تمت مصادرتها من الياس أم برير ( 1761 ريالا ) . وتفيد وثائق المهدية بمعلومات كثيرة عن ثراء التجار فمثلا بلغ إيجار مصنع الصابون الذي كان يؤجره بعض التجار في شهر محرم 1315 ه ( 7071 ريال ) ، إذا كان هذا هو الإيجار ، فيمكن تصور الأرباح الكبيرة التي كان يحققها هؤلاء التجار من إدارة هذا المصنع .. كما تفيدنا الوثائق أيضا عن مشاريع الحكومة الأخرى كانت تؤجرها للتجار مثل مشارع امدرمان ( 4 مشارع ) التي كان يبلغ إيجارها السنوي ( 13500 ريال ) كان يدفعها سنويا هؤلاء التجار ( د . القدال : المرجع السابق ، ص 156 ) ورغم عزلة المهدية بشكل جزئي عن السوق العالمي ومحاصرتها تجاريا على النطاق العالمي ، إلا أن الرأسمالية التجارية واصلت نموها وازدهارها واستمرت التجارة مع العالم الخارجي ، وان كان بشكل اقل من فترة الحكم التركي ، وبالتالي تغلبت المصالح التجارية والمادية على الحواجز الأيديولوجية .

أولا : سمات البنية الاجتماعية :
أ _ من أهم سمات البنية الاقتصادية _ الاجتماعية للمهدية أنها كانت مستقلة عن السيطرة الأجنبية ، وهى امتداد للممالك السودانية المستقلة . ويمكن القول ، أن تاريخ سودان وادي النيل عبر تلك الممالك والد ويلات هو تاريخ الاستقلال والسيادة الوطنية ، فمنذ تأسيس أول حضارة سودانية قبل 3000 سنة ق . م ، لم يتعرض السودان لاحتلال مصري إلا بعد فترة حضارة كرمة الذي استمر خمسمائة عام وخلال فترة الحكم التركي المصري الذي استمر 64 عاما . أي أن فترة الاحتلال مقارنة بطول هذه الفترة التاريخية كانت ضئيلة ، وبالتالي يمكن القول ، أن الثورة المهدية جاءت امتدادا وتطورا للتشكيلات الاقتصادية _ الاجتماعية السودانية المستقلة ، وكان الدفاع عن الوطن دائما مرتبطا بالدفاع عن العقيدة الدينية ، وفى هذا الإطار نفهم ارتباط الدفاع عن الوطن واستقلاله في المهدية بالدفاع عن الدين .
وهذه واحدة من خصوصيات وسمات ممالك السودان القديم والوسيط المستقلة والتي جاءت دولة المهدية امتدادا لها .
ب _ في فترة الحكم التركي كان كل الفائض الاقتصادي يذهب إلى الخارج، وفى فترة المهدية توقف هذا الاستنزاف لفترة 13 عاما.. قبل الاحتلال الإنجليزي المصري الذي واصل استنزاف وتدفق الفائض الاقتصادي للخارج، وكان هذا جذرا أساسيا من جذور تخلف السودان الاقتصادي والاجتماعي.
ج _ لأول مرة في تاريخ السودان الحديث ، تطرح المهدية مسألة الأرض أو الإصلاح الزراعي ( إذا جاز استخدام هذا المصطلح ) حيث لاحظنا إن الأمام المهدى في أول منشور له في غرب السودان ألغى الملكية الخاصة للأرضي وطرح شعار الأرض لمن يفلحها من منظور أيديولوجية المهدى وهى أن الأرض لله .. كان هذا في القترة ( 1881 _ 1884 ) وعندما كان غالبية الثوار من الفقراء المعدمين من الرعاة والمزارعين ولكن في الفترة ( 1884 _ 1885 م ) تراجع المهدى واقر الملكية الفردية للأرض (( د . محمد إبراهيم أبو سليم : الأرض في المهدية 1970 )) ، كما قامت ملكية الدولة للأرض بعد مصادرة أراضى الأجانب والتي كانت علاقات التوزيع فيها تتم بين الدولة والمزارعين ، أما بالريع أو الثلث أو النصف ، أما علاقات الإنتاج العبودية فقد بقيت كما هي ، ويمكن القول أن المهدية أحدثت تغييرا جزئيا جديدا في علاقات الإنتاج
د _ أنشأت المهدية نظاما للضرائب استند إلى الشريعة الإسلامية وهو في جملته كان مبررا ، ولكن مع اتجاه الدولة إلى الاستبداد في السنوات الأخيرة ، ومع تضخم جهاز الدولة وحروباتها الكثيرة ، أي تضخم الجيش والصرف عليه ، زادت الأعباء الضريبية على الناس وأرهقت كاهلهم مم أدى لتذمر الناس منها
و _ ألغت المهدية التعليم المدني الذي ادخله الحكم التركي بهدف تخريج كتبة وموظفين ومحاسبين لمد احتياجات جهاز الدولة بهم ، فلأول مرة شهد السودان تدريس علوم مثل الرياضيات والموسيقى واللغة التركية والعلوم (( كيمياء ، فيزياء )) ، كما ألغت مدارس التدريب المهني (( مدرسة التلغراف والنقل النهري )) ، واقتصر التعليم على الخلاوى فقط ، أي حدث تراجع إلى بداية التعليم الذي كان سائدا أيام الفونج بدلا من الانطلاق منه لتطوير التعليم ، وكان هذا جانبا سلبيا ، ولكن نلاحظ أن إدارة الدولة المهدية استفادت من خريجي هذه المدارس فى إدارة مؤسسات الدولة الاقتصادية (( بيت المال )) ومؤسساتها الصناعية ( صناعة البارود والذخيرة )) ، ويبدو أنها استطاعت أدرتها بكفاءة ويتضح ذلك من الحسابات الدقيقة للدخل والمنصرف (( ميزانية بيت المال )) بعد الاستفادة من خبرات الخريجين (( كما أشار د . القدال )) ، أي أن المهدية أدخلت منجزات العلم والتقنية الحديثة في جهاز دولتها ، ولكن التناقض في أنها قفلت منابع خريجي تلك المدارس بعد إغلاق مدارس التعليم المدني والتبشيرى .
ز _ أدخلت المهدية نظاما اقتصاديا جديدا جدير بالدراسة من جانب المتخصصين والاقتصاديين ، وهو أن المهدية أممت ترسانة الخرطوم (( المشارع )) أو مؤسسة النقل النهري ، كما أممت العصاصير والطواحين ومصنع الصابون ومصنع الذخيرة ، أي كل المؤسسات الاقتصادية الهامة والاستراتيجية التي كانت موجودة في فترة الحكم التركي ، هذا جانب ، أما الجانب الآخر الذي يجب أن نلاحظه أن الدولة (( فيما عدا مصنع الذخيرة )) لم تدر هذه المؤسسات الاقتصادية إدارة مباشرة ، بل كانت تؤجرها للتجار الذين كانوا بدورهم يقومون بتشغيلها مقابل أيجار شهري أو سنوى ، وكان عائد الدولة كبيرا من تلك العملية ، كما أن أرباح التجار كانت كبيرة ، وهذا مثال من التجربة التاريخية حول كيفية التعامل مع مؤسسات قطاع الدولة ..
ح _ تطورت التجارة الداخلية واستمرت التجارة الخارجية والارتباط بالسوق الرأسمالي العالمي رغم الحواجز الأيديولوجية، ورغم محاصرة المهدية تجاريا، ولكن بدرجة اقل عما كان عليه الحال أيام الحكم التركي _ المصري.
كما شهد السودان في تلك الفترة تطور النظام التجاري واتساع الطبقة التجارية ، وتزايد الإنتاج من اجل السوق ، وظهرت الأسواق المستديمة ، إضافة للأسواق الموسمية كما تطورت الصناعة الحرفية وجمعت الطبقة التجارية ثروات طائلة ، أي حققت تراكما كبيرا فى راس المال التجاري ، ولولا تخلف الزراعة الذي كان بسبب حروب المهدية وإهمالها للزراعة ، ولولا الحصار العالمي ، كان من الممكن أن تلج الطبقة التجارية ميدان الصناعة ، وخاصة أن بعضها كان ناجحا في إدارة مصنع الصابون ومشاريع الدولة التجارية الأخرى مثل المشارع والطواحين والعصاصير ، ولكن الاستعمار الإنجليزي _ المصري قضى على الصناعات الحرفية التي كانت مزدهرة أيام المهدية (( نسيج ، أحذية ، حدادة ، .. الخ )) كما توضح خريطة سوق أمد رمان أيام المهدية .
وبدخول البضائع الإنجليزية الجيدة الصنع، وبكميات كبيرة وبدون جمارك من أقمشة وأحذية وأدوات منزلية وبأسعار رخيصة، تم القضاء على الصناعات الحرفية..
وعليه ومنذ تلك اللحظة استمر التخلف الاقتصادي والاجتماعي من خلال تخصص السودان في إنتاج محصول نقدي (( القطن )) ، وبالمقابل اصبح السودان مستهلكا للبضائع الأوربية ، وتم تدمير الصناعة الوطنية وتوقف التنوع في زراعة المحاصيل الغذائية الأخرى .
ك _ عرفت التشكيلة الاقتصادية _ الاجتماعية المؤشرات العامة للتخلف مثل انتشار الأوبئة والأمراض والمجاعات التي فتكت بالناس وتخلف المواصلات وضعف القوى المنتجة في الزراعة التي بسببها لم تستطع المهدية تامين فائض كافي من الغذاء تواجه به المجاعات والكوارث الطبيعية ، كما تراجعت البدايات والأسس العلمية التي أدخلتها الحكومة في مكافحة الجراد الذي كان من الآفات التي تهدد الإنتاج والمحاصيل الزراعية ، إضافة للضرائب الباهظة ، وتموين الجيوش غير المنتجة ، كل ذلك قلل من الإنتاج الزراعي ، والذي يعتبر هاما لانطلاق الصناعة والتجارة ولكن المهدية لم تعرف مشكلة أو مؤشر الانفجار السكاني ، وبالعكس ، فان السودان في نهاية دولة المهدية كان يعانى من مشكلة نقص سكاني ، حيث قضت حروب المهدية على ثلاثة أخماس سكان السودان حسب تقدير نعوم شقير ، والذي يقدر عددهم في السنوات الأخيرة لفترة الحكم التركي (( 9 ملايين نسمة )) أي تقلص إلى حوالي سبعة مليون .
كما عرفت فترة المهدية هجرات واسعة من الريف إلى المدن لأغراض اقتصادية وحربية ، أي زادت نسبة التحضر ، ولكن ظلت الغالبية العظمى من السكان تعيش على الزراعة والرعى واكثر من 90 % من السكان كانوا يعيشون في القطاع التقليدي (( المعيشي )) ، أي أن الاقتصاد في ، ورغم دخول اقتصاد السلعة _ النقد وبروز الرأسمالية التجارية والصناعية ، ظل في غالبيته العظمى اقتصادا تقليديا عندما غزت قوات كتشنر السودان عام 1898 م .
ثانيا : الدولة وحالة الفكر والثقافة :
_ رغم أن دولة المهدية كانت دولة دينية ، إلا أنها شكلت حلقة أوسع في مسار تطور الدولة السودانية المستقلة ، من زاوية أنها نشأت نتيجة لثورة شعبية مسلحة ، وضمت قيادات من أصول قبلية واجتماعية متباينة ، ويمكن القول أن تاريخ الدولة السودانية المستقلة الحديثة يبدأ بقيام دولة المهدية ، كما أنها شكلت رقعة جغرافية أوسع من الممالك السودانية السابقة المستقلة ، كما استنبطت المهدية النظم المناسبة لجهاز دولتها والتي استمدت من تجربة وتاريخ الدولة الإسلامية ومن جهاز دولة الحكم التركي السابق
لم تعرف المهدية مفهوم الكتلة الصماء من الانسجام والوحدة ، فقد عرفت المهدية المعارضة من المنطلقات الدينية والقبلية والطبقية كما عرفت الصراع على السلطة ، وكان من نتائج ذلك الصراع أن فقدت المهدية اغلب قياداتها التاريخية ، نظرا لأن الصراع كان يدار بالقمع و الاستبعاد والسجن والإعدام ، مما أدي في النهاية إلى تآكل دولة المهدية من الداخل الأمر الذي كان من أسباب هزيمتها أمام قوات كتشنر .
_ النظام الاقتصادي _ الاجتماعي الذي نشأ بعد الثورة المهدية ، وما نتج عنه من حروبات وفوارق اجتماعية فرض على المرأة الخروج بشكل واسع في المدن بهدف العمل التجاري ، وانتاج المنتجات المنزلية من اجل السوق ، وهذا هو التطور الذي شهدته المرأة في المهدية ، ولكن تشريعات الأمام المهدى لم تأخذ في الاعتبار واقع المرأة في المجتمع السوداني يومئذ ، والتي كان لها دور كبير في النشاط الاقتصادي ، والتقسيم الاجتماعي للعمل بين الرجال والنساء ، ولاسيما في مجتمع تعيش غالبيته العظمى في القطاع المعيشي حيث كانت المرأة تعمل بالزراعة ، وبناء المساكن والتجارة ، أي أن خروج المرأة كانت تفرضه الضرورة الاقتصادية ، وبالتالي واجهت المهدية صعوبة في حجر النساء وحجابهن
واخيرا كان الإمام المهدى ومن بعده الخليفة مرنا حين سمح للنساء في العمل التجاري في أسواق المدن ، ولكن كانت هناك جوانب إيجابية في تشريعات الإمام المهدى مثل : منع الزواج بالإكراه . ولكن من زاوية أخرى كانت هناك تشريعات مجحفة في حق المرأة مثل : جلد المرأة التي تخرج للسوق ، وفى الطرقات أو التي تقف كاشفة الرأس تتحدث بصوت عال ، وغير ذلك من العقوبات التي كانت تجلد فيها المرأة . فجلد المرأة كان لا يتناسب مع دورها في التقسيم الاجتماعي للعمل ولا يتناسب مع دورها البطولى الذي لعبته في الثورة المهدية وفى استنفار المقاتلين للصمود ، وفى إتقان العمل السري ، والاهتمام بالمعلومات ونقلها للقيادة في الوقت المناسب والتي كانت هامة وحاسمة في كثير من معارك المهدية .وكان ذلك من المفارقات والتناقض في سياسة المهدية تجاه المرأة .
_ الثورة المهدية كحركة تحرر وطني لم تكن نشازا ، وانما كانت جزءا من الثورات الوطنية والشعبية والعمالية التي شهدها العالم في القرن التاسع عشر .
_ أما عن حالة الفكر والثقافة في المهدية ، فقد كانت بائسة وفقيرة من جراء حروب المهدية المتواصلة ، وأيديولوجية المهدية نفسها التي لم تكن متسامحة مع الآراء الاجتماعية والدينية الأخرى لكونها الإسلام الصحيح الوحيد .
وعليه كما يشير د . محمد إبراهيم أبو سليم في مؤلفه (( الحركة الفكرية في المهدية )) ، أن اغلب مؤلفات المهدية كانت عبارة عن التعريف بالمهدى والمهدية أو المديح والتطبيل للنظام شعرا ونثرا ، كما عكست الكتابات أيضا واقع المجتمع الحربي الذي عاشته المهدية ، وما يعنى ذلك من فراق الأهل والأوطان والحنين إلى الوطن والأوطان .
ومن المحن التي شهدتها الثقافة في المهدية هي حرق الكتب الذي كان قرارا خاطئا ، وجاء إغلاق مدارس التعليم المدني ليسد كوة كان ينفذ منها شعاع من نور العلوم الحديثة التي كانت تدرس في تلك المدارس .
_ كما إن المهدية اتخذت قرارات تتعلق بالبنية العلوية الثقافية والاجتماعية للقبائل وذات جذور راسخة في حياة وتقاليد الناس مثل منع الغناء والرقص والدلاليك والنحاس وضرب المزامير ومنع الألعاب مثل :لطاولة والطاب ، هذا إضافة لمنع التمباك والتبغ ، ورغم الجلد والقمع ، إلا أن الواضح أن تلك العادات كانت مستمرة ، مما يشير إلى أن القضايا التي تتعلق بالبنية الثقافية من المستحيل إزالتها بقرارات أو قوانين عقوبات ، وانما تحتاج مواجهتها لتنمية وتطوير عادات ثقافية بديلة .
_ شهدت المهدية نشاطا ثقافيا وفكريا معارضا تمثل في كتابات العلماء والفقهاء حول المهدية، كما تمثل في الشعر والنثر والغناء الشعبي الذي كان معارضا للمهدية.
وصفوة القول، إن حالة الفكر والثقافة كانت في قحط وجدب خلال فترة المهدية.

4
فترة الحكم الثنائي ( 1898 _- 1956 )
كان من ضمن أهداف الاستعمار الإنجليزي تحويل السودان إلى مزرعة قطن كبيرة تشكل مصدرا دائما ومستمرا لمصانع لانكشير من خامة القطن السوداني ، أي مصدر رخيص للمواد الخام وسوق لمنتجاتها الصناعية حسب قوانين التبادل غير المتكافئ ، ولتحقيق ذلك كان لابد من إلغاء نظام الرق وتنظيم ملكية الأرض .
_ تعميم العمل المأجور وإلغاء نظام الرق:
ترجع جذور إدخال العمل المأجور في الزراعة (( المقصود هنا العمل مقابل أجر نقدي )) إلى فترة الحكم التركي، وخاصة بعد إدخال المحاصيل النقدية (( القطن، النيلة، قصب السكر.. الخ ))، إضافة للتوسع في عمليات زراعة الصمغ.
وكانت من الصعوبات التي عاقت انطلاق هذا العمل هو نظام الرق ، فقد كان الأرقاء مرتبطين بأسيادهم وبالأرض إذ كانوا يعملون في الزراعة والرعى . وخلال فترة المهدية لم تتطور الزراعة بسبب الحروبات والضرائب الباهظة على المزارعين ونهب الجهادية لمحاصيل المزارعين رغم المحاولات المختلفة من الخليفة عبد الله لتشجيع الزراعة وخاصة بعد مجاعة سنة 1306 ه .
وبعد احتلال قوات كتشنر للسودان عام 1898 م كان من ضمن بنود اتفاقية الحكم الثنائي هي إلغاء نظام الرق ، فقد كان من مبررات احتلال السودان القضاء على الرق ومحاربة الاتجار بالرقيق ، وهذا ما تم تصويره للعالم الخارجي ، فقد شرعت حكومة السودان في معالجة بعض المشاكل بشأنه .
ورغم الجانب الإيجابي في قرار مؤتمر بر وكسل 1891 الذي ألغى نظام الرق وتجارة الرقيق عالميا ، وباعتباره قرار إنساني ومثل درجة أرقى في سلم التقدم البشرى ، ولكن كان من ضمن أهداف الإنجليز إدخال شكل جديد من الاستغلال الرأسمالي الذي يشكل مرحلة أرقى من علاقات الإنتاج العبودية .
ولتحقيق هذا الهدف كان من ضمن الخطوات لإنجازه هي فك ارتباط الآلاف من الرقيق الذين كانوا في الزراعة والرعى على شريط النيل حسب علاقات الإنتاج العبودية ، فكان لابد من تحرير هؤلاء الرقيق للاستفادة منهم عن طريق العمل المأجور في مشاريع الاستعمار الزراعية ، وفى البنية التحتية كعمال زراعيين ، وعمال خدمات وعمال صناعيين ، وغير ذلك ، ولاشك أن تلك خطوة تقدمية فيما يختص بتحرير هؤلاء الرقيق من علاقات الإنتاج الرأسمالية التي لاتخلوا من استغلال . فقد كان اغلب الرقيق عندما دخلت قوات كتشنر السودان يعمل في الزراعة أو الرعي أو خدما في المنازل ، ولذلك واجهت الإدارة البريطانية صعوبات عدة وصفها أحد الإداريين البريطانيين فيما يلي (( كان على الحكومة الخيار بين أمرين أحلاهما مر ، فإما الاعتراف المؤقت بالرق السائد أو التحرير الفوري للرقيق ، الأمر الذي كان يؤدى إلى تقويض الاقتصاد في البلاد ، وذلك لان التحرير الفوري كان يؤدى إلى هجر اكثر المزارع الكائنة على ضفاف النيل والى فقدان قطعان كثيرة من الماشية التي يملكها البدو ، والى موت آلاف من الأبرياء الذين اجبروا على العيش دون خطأ من جانبهم على العيش في ظلال نظام اجتماعي معاد لللافكار الغربية التي قبلوها باعتبارها أمرا ضروريا لاغنى عنه لممارسة الحياة اليومية والتحرير الفوري للرقيق كان يعنى إطلاق سراح آلاف الرجال والنساء دون تحمل للمسئولية في مواجهتهم والذين كادوا يصبحون مصدرا للشغب )) ( محمد عمر بشير : مشكلة جنوب السودان ، ص 58 _ 59 )
ولحل مشكلة الرق كانت السياسة الحكومية تقوم على المبادئ والإجراءات التالية : _
ا _ العمل على تخديم الأفراد ، وتطوير نظام العمل بالاجر كبديل عن العمل عن طريق السخرة ، وذلك عن طريق تطوير الاقتصاد .
ب _ اتخاذ إجراءات مضادة ومعادية لتجارة الرقيق مماثلة لتلك السياسة التي اتبعت في بلدان إفريقية أخرى خضعت للسيادة الأوربية .
ج _ السماح لكل رقيق يترك سيده إذا قرر ذلك طائعا مختارا لنفسه .
د _ حرمان السيد من ممارسة حقوقه القانونية لاسترداد الرقيق الذي اثر الحرية ( المرجع السابق ص 59 _ 60 )
لقد كان تحرير الرقيق أو إلغاء نظام الرق خطوة تقدمية في سلم التحرر الاجتماعي ونقطة تحول هامة في استبدال علاقات الإنتاج العبودية بعلاقات إنتاج رأسمالية قائمة على العمل المأجور ، وان كانت هذه العملية لم تكن سهلة ، فقد واجهتها مشاكل وصعوبات معقدة تتعلق بإلغاء نظام الرق الذي كان موجودا منذ آلاف السنين وتعمقت جذوره في اقتصاد المجتمع السوداني ، وفى بنيته الفوقية ، ومن هذا المنطلق واجهت الإدارة البريطانية فى السنوات الأولي مصاعب جمة في القضاء النهائي على نظام وتجارة الرقيق (( للمزيد من التفاصيل راجع : محمد عمر بشير المرجع السابق ، ومحمد إبراهيم نقد : علاقات الرق في المجتمع السوداني ))
ما يهمنا هنا هو البند الأول من المبادئ والإجراءات التي اتخذتها الحكومة وهو العمل على تخديم الأفراد وإدخال العمل بالأجر كبديل عن العمل عن طريق السخرة ، وذلك عن طريق تطوير الاقتصاد .
ومعلوم أن عمل الرقيق أو عمل السخرة كان يقوم على استحواذ مالكي الرقيق على كل إنتاج عملهم مقابل معيشتهم ومعيشة أولادهم. وبإدخال نظام العمل المأجور حدث في قوانين العمل في السودان ، فاصبح العامل الزراعي أو الصناعي يعمل لساعات محددة مقابل أجر محدد .
ونشير هنا إلى أن هذه الخطوة تمت بأثر خارجي ، أي لم تتم نتيجة لتطور باطني ، وساعد فيها ارتباط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي ، وهدف الإنجليز لإيجاد عمال أحرار أو أيدي عاملة رخيصة متحررة من عبودية الأرض لمشاريعهم الكبيرة للقطن التي كانوا يخططون لها ، والتي كانت من أهداف احتلالهم الأساسي للسودان .
وفى تقرير للكونيل جاكسون مدير مديرية بربر حيث جرت العادة على استخدام الرقيق في الزراعة بأنها شرعت في الاندثار والزوال تدريجيا نتيجة المجهودات التي اتبعتها الإدارة الجديدة ، وذكر أيضا في عام 1932 م أن الزراعة أصبحت تقوم دون الاعتماد على أعمال الرقيق ، وإذا أخذنا بما أورده جاكسون في تقريره ذلك ، يمكن القول أن العمل المأجور حل محل العمل العبودى (( أو عمل السخرة )) نهائيا منذ عام 1932 م .
_ ملكية الأرض:
عندما احتلت قوات كتشنر السودان عام 1898 م كانت أشكال ملكية الأرض التي كانت في المهدية على النحو الآتي :
أ _ الملكية الخاصة لللاراضى :
ب _ ملكية الدولة أو بيت المال ، وتشمل أراضى الترك والنصارى التي صادرها الأمام وضمها لبيت المال إضافة للغنائم وغير ذلك ..
ج _ الملكية الجماعية لللاراضى أو ملكية القبائل .
هكذا كان الحال من ناحية ملكية الأرض قبل الحكم الثنائي، وكان لابد للاستعمار كي يحقق أهداف احتلاله للسودان أو تحويله لمزرعة قطن كبيرة من مواجهة مسألة الأرض باعتبارها مسألة أساسية في مجتمع زراعي رعوي كالسودان، وتشكل ركيزة العمل الأساسي.
وبدأت الإدارة البريطانية في عمل مسح شامل لم يخلو من مشاكل تتعلق بدعاوى الملاك القدامى الذين صادرت المهدية أملاكهم وغيرهم، ولكن الحكومة أصرت على مبدأ أن جميع البور غير المأهولة تعتبر ملكا لها. لإنجاز عملية المسح استخدمت الحكومة فرق كاملة من المساحين في كل أنحاء المديريات فقاموا باستخراج خرائط محددة لكل المعلومات المطلوبة كموارد الماء والمراعى والغابات والجبال والمناطق الصحراوية والمدن الرئيسية وفروع النيل مما ساعد على إنجاز التخطيط للمشروعات الزراعية الكبرى في السودان ، وبعد ذلك أصدرت الحكومة قوانين تنظيم الملكية وتسوية النزاع حول الأراضي والتي كان أهمها : _
قانون الحقوق على الأرض 1899 م، قانون الغابات 1901 م ، قانون نزع الأراضي 1903 م ، قانون تحديد الأراضي ومساحتها 1905 م قانون تقييد تصرف السودانيين في الأراضي 1918 م .
وكان الهدف من صدور القوانين المقيدة لبيع الأراضي هو منع المضاربات وانتقال الأراضي لللاجانب والمصريين ، ورغم صدور هذه القوانين ، فان عملية المسح والتسوية لللاراضى لم تكن قد تمت نهائيا في أنحاء السودان .
ومن أهم القوانين التي أصدرتها إدارة الحكم الثنائي فيما يتعلق بالأراضي كان قانون تسوية الأراضي وتسجيلها عام 1925، والذي وضع القواعد الأساسية لتسوية وتسجيل الأراضي إذ ضم وجود صاحب الأرض والمستند الدال على ملكيته، واعتبر الأراضي غير المشغولة ملكا للحكومة.
ونص على انه في حالة الأراضي التي لاتزرع بشكل منتظم ، فأن مجرد زراعتها بواسطة أي شخص لمدة معينة لا يعطيه الحق في ملكيتها ملكية مطلقة ، كما نص القانون على أن يكون التصرف في الأراضي من خلال وثائق معتمدة ، كما تم إدخال نظام الحكر .
وفى عام 1930 م صدر قانون ملكية الأراضي الذي منح الحاكم العام السلطة للحصول على أي مساحة للاستخدام العام وذلك بنزع ملكيتها.
وهكذا نلاحظ تطورا آخر حدث مع بداية الحكم الثنائي ، وهو تطور حق الملكية الخاصة لللاراضى الذي يعنى الاستعمال والاستغلال والتصرف ، فحسب ما ورد في قانون الأراضي وتسجيلها 1925 م عن التصرف في الأرض بأنه كل ما يرهن أو ينقل من شخص لاخر بفعل الأطراف ، أو بأمر محكمة ، وان أيلولة الأرض أو الرهن تعنى نقلها من شخص لاخر بالميراث أو أي طريقة قانونية أخرى (( د . سعيد محمد احمد المهدى : قوانين السودان _ المجلد الأول _ 1901 م _ 1925 م ، 1975 م ، ص 6 ))
وبصدور هذا قانون 1930 م الخاص بقانون ملكية الأراضي الذي منح الحاكم العام السلطة للحصول على أي مساحة للاستخدام العام ، وذلك بنزع ملكيتها ، تكون الإدارة الاستعمارية قد استكملت قبضتها على ملكية الأرض ، وقننت كل الخطوات التي اتخذتها منذ بداية حكمها والتي مهدت بشكل أساسي لإدخال زراعة القطن والذي كان من أهداف احتلالها للسودان .
حصاد التنمية الاستعمارية ( 1898 _ 1956 م )
بعد إلغاء نظام الرق وإدخال العمل المأجور وصدور قوانين ملكية الأرض ، تم تمهيد الطريق لقيام تشكيلة اقتصادية _ اجتماعية تابعة ، أي خاضعة لاحتياجات بريطانيا ومد مصانعها بالقطن الذي كان المحصول النقدي الرئيسي في تلك الفترة .. وقامت مشاريع زراعة القطن في السودان لتلبية ذلك الاحتياج الخارجي ، ونجحت زراعة القطن في الجزيرة والقاش وطوكر والنيل الأبيض وشمال الخرطوم وجبال النوبا ومنطقة الزاندى بجنوب السودان . ومن ثم زاد حجم الأقطان المصدرة إلى إنجلترا ، وبهذا الشكل تحول السودان إلى مزرعة قطن كبيرة ..
ودارت كل عجلة التنمية الاستعمارية حول القطن ، فقام خزان سنار وحفرت الترع الرئيسية والفرعية ، وقامت شبكة متكاملة من مناطق الإنتاج في الجزيرة وغيرها إلى الخرطوم وبور تسودان ، كما قامت المحالج اللازمة ، حتى يتم تصدير القطن خاليا من البذرة . وفى مشروع الجزيرة كانت الإدارة والحكومة تستحوذ على 60 % من عائد القطن ، وفى مشاريع القاش وطوكر كانت الحكومة تستحوذ على 50 % ، أما في جبال النوبا فقد كانت الحكومة على 80 % من عائد القطن .. وفى المشاريع الخاصة كانت أدوات الإنتاج : طوريه ، منجل ، نجامة ، ملود ، محراث ، .. الخ ، وهى أدوات الإنتاج نفسها التي استخدمها المزارع السوداني منذ آلاف السنين ..
لم تكن التنمية الاستعمارية متوازنة ، فنرى شمال السودان ووسطه هو الذي نال نصيب الأسد من تلك المشاريع (( مشروع الجزيرة ، مشاريع الإعاشة ، مشاريع الطلمبات في الشمالية )) كما نلاحظ مشروعين فقط في الشرق هما مشروعا القاش وطوكر .. وفى إقليم كردفان مشروع واحد هو مشروع جبال النوبا .. أما الجنوب فلم يحظ ألا بمشروع واحد هو مشروع الزاندى والذي توقف بعد أحداث التمرد 1955 م .
أحكمت بريطانيا سيطرتها على تجارة السودان الخارجية من خلال سيطرة البنوك الأجنبية التي كانت تتحكم في راس المال في اتساعها وانكماشها .. كما كانت الشركات البريطانية تسيطر على معظم تجارة الصادر والوارد ، أما ما تبقى فقد سيطرت عليه الشركات الأجنبية الأخرى (( الأجانب المتسودنين )) من يونانيين وشوام ، والجزء الضئيل المتبقي للنشاط التجاري فقد عملت فيه الرأسمالية السودانية المحلية ..
ولقد سيطرت بريطانيا على المواد الخام التي يصدرها السودان خاصة القطن حيث بلغ نصيبها منه في السنوات 1926، 1927، 1929، 1930، 1932، 1940، 1946، 1952 م ( د. زكى البحيري : التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان ، ص 520 ) وكان نصيبها في باقي السنوات كبيرا يزيد عن 60 % ولكنه قل قرب نهاية الحكم الاستعماري ، وكان القطن يشكل 63 % عام 1955م ، وكان 72 % من عائد صادرات السودان عام 1956 تتجه إلى أوربا الغربية وأمريكا الشمالية و50 % من الواردات تأتينا منها ، وباقي الصادرات والواردات تستولي عليها الهند مصر .
أي أن الاقتصاد السوداني ، كان في ارتباط وثيق مع النظام الرأسمالي العالمي ، كما أن مجموع الصادرات والواردات يعادل حوالي 40 % من أجمالي الناتج المحلى .
كان المستعمر البريطاني ينهب الاقتصاد نهبا كبيرا من خلال حصوله على الأقطان السودانية اللازمة لمصانع لانكشير بأسعار متواضعة اقل من أسعار السوق العالمية . فخلال الحرب العالمية الثانية مثلا عقدت بريطانيا صفقة مع حكومة السودان حصلت بمقتضاها على كل الأقطان المنتجة بسعر 4.5 جنية في المتوسط للقنطار في الوقت الذي كان فيه سعر السوق مضاعفا ، واشترت بريطانيا خلال هذه الفترة 7 مليون قنطار وبذلك نهبت السودان نصف ثمن أقطانه قدرها بعض الباحثين بثلاثة مليون من الجنيهات ، هذا إضافة لنهب آخر مقداره 25 مليون الجنيهات نتيجة شراء الماشة بأسعار مخفضة خلال الحرب العالمية الثانية ( د . زكى البحيري : المرجع السابق ، ص ، 521 ) ، هذا إضافة للأرباح الهائلة التي كانت تحققها الشركة والحكومة في مشروع الجزيرة ، مثلا فقد بلغ نصيب الشركة في الفترة ( 1946 _ 1950 م ) 26.90 مليون جنية مصري ، بينما بلغ نصيب المزارعين خلال الفترة نفسها 16.57 مليون مصري ( جيتسكل : مشروع الجزيرة ) .
هذا إضافة إلى أن معظم الأرباح التي حققتها شركة السودان الزراعية تم تحويلها إلى خارج البلاد في شكل عائدات لاصحاب الأسهم ، ويلاحظ أن أجمالي أرباح الشركة في السنوات الأربع الأخيرة ( 1947 _ 1950 م ) من في السودان كانت اكثر من 9.500.000 جنية إسترليني ( تيم نبلوك : صراع السلطة والثروة في السودان ، ص ، 29 _30 ) ، أي أن الاستعمار كان ينهب ويستنزف قدرات البلاد الاقتصادية ، ويصدر الفائض الاقتصادي اللازم لتنمية البلاد إلى الخارج ، وفى النهب أيضا ترد مرتبات كبار الموظفين والإداريين الإنجليز ، ففي عام 1945 م بلغ نصيب 771 موظفا إنجليزيا 61.3 %من إجمالي المرتبات في الميزانية، وعندما أحيل هؤلاء الموظفين للمعاش عام 1954 م تقاضوا تعويضا مقداره 1.590.00 جنية مصري ، وهذا النهب الاستعماري ، ومن كل النواحي ، يجعلنا نؤكد أن المستعمر جاء لينهب الشعب السوداني ، وبالتالي كان ذلك من أسباب تخلف السودان الاقتصادي والاجتماعي .
ترتب على نمط التنمية التي فرضها المستعمر على السودان وهو التخصص في زراعة محصول نقدي واحد (( القطن )) أن تخلفت الصناعة ، وتم إجهاض أي محاولة من جانب الرأسمالية السودانية الناشئة لاقامة صناعة وطنية ، وذلك لان المستعمر كان يريد السودان سوقا لتصريف منتجاته الصناعية ، وفى هذا الخصوص كانت الضرائب الجمركية متدنية تماما ، كما هو الحال في البلدان الأخرى ، ولم ترفع نسبتها الابعد الحرب العالمية الثانية ، ومع ذلك فقد كانت النسبة العامة لرسوم الواردات حتى عام 1950 م في حدود 15 % فقط ، أي أن الصناعة المحلية لم تحظ بأي حماية جمركية ، وفى عام 1956 م ، كانت الصناعة الحديثة تساهم بأقل من 1 % من إجمالي الناتج المحلى ، وتستخدم حوالي 3 % من عموم القوى العاملة في البلاد ، لما أن نصيب الصناعة في عام 1956 م من إجمالي الناتج المحلى الإجمالي لا يتعدى مليونين و762 ألفا من الجنيهات مقابل 9.9 ملايين للقطاع الحرفي ، وكان نصيبها من القوى العاملة 12.257 ( الماركسية وقضايا الثورة السودانية، دار الوسيلة، 1987، ص، 70 )، أي نصيب الصناعة الحديثة اقل من ثلث نصيب الصناعة الحرفية التقليدية، ونشير هنا إلى أن نصيب الصناعة ( حديثة و حرفية ) كان 9 % من إجمالي الناتج المحلى.
في عهد الاستعمار البريطاني اتسع نمط الإنتاج الرأسمالي ، أي نشأ قطاع حديث وسط محيط متلاطم من القطاع التقليدي ، أي أن نمط التنمية المذكور لم يحدث تغييرا عميقا في القطاع التقليدي ، وتشير إحصائيات عام 55 / 1956 م أن القطاع التقليدي كان يساهم ب 43.4 % ، وبالتالي ، فان حوالي 90 % من سكان البلاد كانوا مرتبطين بالقطاع التقليدي (( كرعاة ومزارعين بسطاء )) ، وحتى في القطاع الحديث ، فقد كانت دخول العمال والعمال غير المهرة متدنية ، كما أن عائدات المزارعين من القطن تكاد تكون صفرا ، أي أن دخولهم كانت في حد الكفاف .
صحيح انه قامت المدن التجارية والصناعية والتي كان سكانها عام 1956 م حوالي 10 % من سكان السودان ، كما شهدت البلاد توسعا في الزراعة المروية والآلية والمواصلات والتعليم والخدمات الصحية ، ولكن رغم ذلك ظل حوالي 90 % من السكان مسجونا في القطاع التقليدي الذي يعتمد على أساليب الزراعة التقليدية وتربية الماشية .
ورغم تدفق دخول كبيرة للحكومة من مؤسسات القطاع العام من مشروع الجزيرة ومشاريع القطن الأخرى والمحالج والسكك الحديدية والخطوط الجوية...الخ من الدخول إلا أن الضرائب كانت تمثل 64 % من الإيرادات الحكومية في عام 55 / 1956 م.
ورغم ذلك ، فأن معظم هذا العائد كان يذهب 40 % منه في شكل أجور للموظفين ( يستحوذ 61 % منها الموظفون البريطانيون ) .
كما كان يذهب اكثر من 20 % من الإيرادات في سداد الديون مع فوائدها ، أما ميزانية التعليم فقد كانت متواضعة لا تتعدى 2 % من الميزانية عام 1938 م ، وميزانية الصحة بلغت 4 % ، أما نفقات قوة دفاع السودان فقد كانت 8.9 % في إجمالي ميزانية الحكومة .
ورغم وجود فوائض والاحتياطيات العامة التي بلغت حوالي 7 مليون جنية عام 1947 م ، إلا أن الحكومة لم تعد استثمارها في مشاريع اقتصادية واجتماعية ، ولم يعرف السودان برنامج التنمية إلا في أعوام 1946 ، 1951 ، 1953 ، 1956 م ، بعد ضغط الحركة الجماهيرية ، وازدياد نمو الوعي الوطني الذي كان يطالب بزيادة ميزانية التعليم والخدمات الصحية وغير ذلك.


5

حصاد التنمية الرأسمالية بعد الاستقلال
بعد استقلال السودان عام 1956 م، لم تكن لدى الأحزاب التي حكمت منفردة أو مؤتلفة برامج مفصلة للتطور الاقتصادي والاجتماعي من أجل تغيير الواقع البائس والمتخلف الذي تركه الاستعمار. كما تفاقم الصراع حول السلطة وحدث التحالف غير المقدس بين طائفتي الحتمية والأنصار من اجل إبعاد الرئيس إسماعيل الأزهري من رئاسة البلاد ، واشق الصف الوطني بعد خروج حزب الشعب الديمقراطي من الحزب الوطني الاتحادي وتفاقم الصراع حول المعونة الأمريكية : حزب الأمة وافق على المعونة الأمريكية ، وحزب الشعب الديمقراطي والحزب الشيوعي والنقابات والاتحادات والحركة الجماهيرية وقفت ضد المعونة الأمريكية التىتفقد البلاد سيادتها الوطنية وتربطها بالأحلاف العسكرية أو المساعدات المشروطة .
وتفاقم الصراع الذي كان من نتائجه تسليم رئيس الوزراء يومئذ عبد الله خليل للجيش برئاسة الفريق إبراهيم عبود ، لتبدأ مرحلة جديدة امتدت لفترة ست سنوات ، ارتبط فيها الاقتصاد السوداني بمشاريع المعونة الأمريكية وبقية الدول الرأسمالية الغربية

الفترة ( 1958 _ 1969 )
في هذه الفترة حدث الدفع الرأسمالي الذي بدأ بعد انقلاب الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958 م ، وتحت مظلة المعونة الأمريكية والقروض من الدول الغربية ، وتم وضع خطة العشر سنوات ( 1961 _ 1970 م ) ، ولم يحدث تغيير يذكر في الفترة ( 1965 _ 1969 م ) : فترة الديمقراطية الثانية في التوجه التنموي للبلاد ، ويمكن تلخيص سمات التشكيلة الاقتصادية _ الاجتماعية في هذه الفترة على النحو التالي :
_ ظل الحال كما هو ، اقتصاد جامد يعتمد على وجه واحد من اوجه النشاط ، ويبدو هذا واضحا من دور الزراعة الزئيسى في مجموع النشاط الاقتصادي ومن اعتماد الاقتصاد السوداني على محصول نقدي واحد ، كما كان الإنتاج الزراعي يستخدم 86 % من مجموع القوى العاملة ، وكان القطن يمثل 60 % من حصيلة الصادرات . وفى عام 1968 م على سبيل المثال كانت الزراعة تعطى 37,9 % من الناتج القومي الإجمالي والصناعة 11,5 % ، أما دخل الفرد فقد بلغ 33.8 جنية سوداني عام 67 / 1968 م ، وكانت نسبة الأمية 82.9 % من عدد السكان ونسبة الاستيعاب في المدارس الأولية 48.5 % ، كما ظلت 52 % من صادراتنا تتجه إلى البلدان الغربية والرأسمالية و56 % من وارداتنا في تلك البلدان وظلت صادراتنا عبارة عن مواد زراعية اولية ( قطن ، فول سوداني ، سمسم ، ماشية ، ..الخ ) مقابل سلع رأسمالية واستهلاكية ، وكانت أسعار صادراتنا في تناقص بينما أسعار الواردات في تزايد مما نتج عنه عجز في الميزان التجاري وبالتالي عجز في ميزان المدفوعات ، فعلى سبيل المثال في الفترة ( 1965 _ 1969 م ) سجل الميزان التجاري عجزا تراوح بين 5 مليون جنية إلى 9 مليون جنية سوداني ، ولجأت الحكومة الى الاستدانة من النظام المصرفي لسد العجز في الموازنة الداخلية ، كما لجأت الحكومة الى القروض لمعالجة العجز في ميزان المدفوعات والاحتياجات للتنمية ودخلت في مشاريع صناعية وزراعية فاشلة .
وفى عام 1970 م كانت ديون السودان 110.5 مليون جنية ( بنك السودان ) كما تدهورت الأحوال المعيشية للعاملين وتفاقمت مشكلة البطالة.
_ تدهور القطاع الصناعي وكانت المصانع تعمل بأقل من طاقتها فعلى سبيل المثال : كانت فى مصانع الملابس الجاهزة ، الأحذية ، الحلويات ، المطاحن ، مصانع الغزل والنسيج ، مصانع التبغ كانت تعمل بنسبة : 75 % ، 60 % ، 40 %، 46 % ، 50 % ، 53 % على التوالي . وكانت المشاكل التي تعانى منها مؤسسات القطاع العام الصناعية تتلخص في الآتي : أ _ النقص في المواد الخام ب _ عدم حماية الصناعة المحلية ج _ سؤ استخدام الموارد الإنتاجية د _ عدم الاستخدام الكفء للموارد الإنتاجية والمادية والقوى العاملة ه _ مشاكل إدارية ..
_ ازدادت تكلفة إنتاج الطاقة الكهربائية بالإضافة لتركزها في وسط البلاد ، كما ازداد العجز في القوى الكهربائية وعدم الاستغلال للطاقات الموجودة بدرجة كاملة .
_ بدأ قطاع النقل في الانهيار فعلى سبيل المثال ، فأن المبالغ الكبيرة التي وجهت لاعادة بناء وتحسين مواصلات السكة الحديد قد استعملت بطريقة سيئة ولم ينتج عنها أي أثر اقتصادي أو تحسين في العمليات ، ولم تحسن أحوال المنشآت الثابتة مما نتج عنه عدم زيادة عدد القطاعات بلغ 80 % للركاب ، أما استخدام الطاقة الرئيسية للحركة فلم يتجاوز 35 _ 40 % كما تدهور موقف استخدام العربات ولم يساعد تجديد القاطرات بقاطرات ديزل قوية على زيادة حجم النقل بالقطارات .. هذا وقد تناقصت أرباح السكة الحديد فقد كانت الأرباح 1.9 مليون جنية سوداني عام 69 / 1970 م مقابل 4.4 مليون جنية عام 64 / 1965 م ( خطة الخمس سنوات، المجلد الأول، وزارة التخطيط، الخرطوم 1970 م )
أما البواخر النهرية والطائرات فكانت تعمل بالخسارة ولم تتخذ أي إجراءات فعالة لتحسين عملياتها ، وقد بلغت الخسارة عام 69 / 1970 م ، 400 ألف جنية سوداني ، و730 ألف جنية سوداني للطائرات بالقياس إلى 300 ألف جنية سوداني و100 ألف جنية سوداني على التوالي في عام 64 / 1965 م ( خطة الخمس سنوات )
_ كانت الخدمات الصحية ضعيفة: 7 أطباء مقابل كل مائة ألف مواطن، ونسبة الأسرة 8 لكل ألف من السكان ( 64 / 1965 م )، 8 لكل عشرة ألف من السكان عام ( 69 / 1970 م ).
_ ظل التركيب الطبقي الذي نشأ بعد نهاية الحكم الاستعماري في عام 1956 م كما هو ولم يحدث تغيير فيه يذكر .. كما ظلت الشركات الرأسمالية الأجنبية تحتل الصدارة في اقتصادنا وتجارتنا الخارجية . فعلى سبيل المثال كان أغلبية الوكلاء العاملين في تسويق القطن أجانب ( حتى عام 1969 م ) ماعدا شركة سودانية واحدة ، كما كان أغلب وكلاء الاستيراد العام أجانب ، ووكلاء العربات والماكينات والآلات أجانب ، ووكلاء شركات البترول أجانب بل الشركات كانت أجنبية وليس بها سوداني واحد .
وكانت هذه الشركات ( مثل البترول ) تصدر الأرباح ( الفائض الاقتصادي ) بالملايين للخارج.. كما كانت الشركات الو كيلة للبواخر أجنبية ، أما وكلاء شركات التأمين فقد توجد 57 شركة منها 3 شركات سودانية فقط . كما كان أهم وكلاء التخليص هم للشركات الأجنبية الكبرى .. وظلت البنوك العاملة في السودان اغلبها أجنبية ( عدا بنل النيلين والبنك التجاري الذان تأسسا برأسمال سوداني )
بهذا الشكل وعن طريق تلك الشركات والبنوك الأجنبية ، كان يتم تصدير الفائض للخارج والتحكم في مفاتيح اقتصادنا الوطني وشده بالتبعية للعالم الرأسمالي ..
ويمكن تصنيف هذه الشركات الرأسمالية على النحو التالي :
أ _ الشركات الأجنبية مثل شركة ميتشل كوتس ، سودان مركنتايل ، جلاتلى هانكى ، الصناعات الكيماوية ، أسمنت بورتلاند ، ... الخ .
ب _ الشركات الرأسمالية للأجانب المتسودنين ( شوام ، أقباط ، يونانيين ، أرمن ، ...الخ )
ج _ الشركات الرأسمالية السودانية مثل شركات عثمان صالح، أبو العلا، صادق أبو عاقلة، حافظ البربري، آل عبد المنعم... الخ.

وكما هو معلوم ، فأن مصادر التراكم الرأسمالي المحلى كانت من المشاريع الخاصة للقطن ، الزراعة الآلية ومشاريع الطلمبات الخاصة في المديرية الشمالية .
وكانت الرأسمالية المحلية والوطنية موزعة في الأحزاب وبشكل رئيسي في الحزبين الكبيرين: حزب الأمة، والحزب الاتحادي الديمقراطي، وفى مشاريع الزراعة الحديثة كان هناك التفاوت بين المزارعين: أغنياء، متوسطين، فقراء، عمال زراعيين... ووسط الرعاة أيضا كان هناك في امتلاك الثروة: أغنياء الرعاة، المتوسطين، الفقراء..
وفيما يختص بالطبقة العاملة في المدن الكبرى والصغرى فقد كان العاملون في الصناعة والتشييد يشكلون نسبة 6 % من جملة العمالة ، وكان عدد العمال في عام 69 / 1970 م ، 980 ألف .. ويلاحظ أن اغلب القوى العاملة في الصناعة كانت تتركز في الخرطوم التي كانت توجد بها مؤسسات صناعية مختلفة في المدن الثلاث تسهم بمعدل 90 % من مجموع الإنتاج الصناعي في السودان . كما يلاحظ أن الجزء الأكبر من القوى العاملة موظف في قطاعات الإنتاج المختلفة والخدمات بنسبة 75 % ، أما الباقي من ال25 % فهو موظف في الأعمال المنزلية ويكتسب دخلا معنويا ، كما يلاحظ أن 53 % يعملون في الإنتاج .
أما القوى العاملة بالريف ( مزارعين، رعاة، عاملين بالغابات... الخ ) فقد بلغ عددها عام 69 / 1970 م 7.640.000 ، ويلاحظ أن 77 % في الريف يعملون في الإنتاج ( خطة الخمس سنوات ) .
وتميزت فترة ديكتاتورية عبود ( 58 _ 1964 م ) بمصادرة الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية ، وانتشار الفساد والرشوة ، وصعود فئات جديدة من مدنيين وعسكريين إلى صفوف الرأسمالية السودانية ، وتميزت أيضا بالتفريط في السيادة الوطنية وتدخل الخبراء الأجانب في الشئون الداخلية ، كما اصبح السودان قاعدة لضرب حركات التحرر الوطني في إفريقيا والعالم العربي ، كما شهدت تلك الفترة اتفاقية مياه النيل عام 1959 م ، وتهجير أبناء حلفا إلى خشم القربة وما صاحب ذلك من فساد وتعويض غير مجزى .. كما حاول نظام الفريق عبود بناء هياكل ومؤسسات دستورية صورية مثل المجلس المركزي كغطاء للديكتاتورية العسكرية ، وتفاقمت مشكلة الجنوب من جراء إصرار الحكومة على الحل العسكري .. كما ازدادت المعارضة المدنية والعسكرية حتى تم الإطاحة بالديكتاتورية العسكرية في اكتو بر 1964 م بالإضراب السياسي العام والعصيان المدني.
وبعد اكتو بر 1964 م ، شهد السودان فترة الديمقراطية الثانية التي انعقد فيها مؤتمر المائدة المستديرة عام 1965 م حول مشكلة الجنوب كتعبير عن ضرورة الحل السلمي ، ورغم فشل المؤتمر الاانه شكل خطوة أو بداية جادة للحوار ، كما شهدت تلك الفترة خرق الدستور بتعديل الدستور الذي تم في المادة ( 5 / 2 ) التي عدلت عام 1965 م لحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان وتنص تلك المادة على الآتي (( لجميع الأشخاص الحق في حرية التعبير عن آرائهم و الحق في تأليف الجمعيات والاتحادات في حدود القانون )) . ورفضت المحكمة العليا تعديل الدستور مما أدى إلى أزمة دستورية حادة ، وتم انتهاك استقلال القضاء .. كما تمت مصادرة حرية الفكر مثل ما تم في محكمة الردة التي عقدت للأستاذ محمود محمد طه عام 1968 م ، كما شهدت تلك الفترة إلغاء دوائر الخريجين ، كما دار الصراع حول دستور إسلامي أم دستور ديمقراطي علماني ؟ وحول جمهورية رئاسية أم برلمانية ؟
كما تفاقمت مشكلة الجنوب وازدادت الأزمة الاقتصادية عمقا ..
هكذا كان السودان يحمل كل مؤشرات التخلف وخصائصه البنيوية ، كما شهد عدم الاستقرار السياسي من جراء مصادرة الديمقراطية وخرق الدستور وانتهاك استقلال القضاء .. أي تم هدم أهم ركن في النظام الديمقراطي التعددى .. وتفاقمت الحرب الأهلية في الجنوب وتم التفريط في السيادة الوطنية .. هكذا كانت الصورة عندما وقع انقلاب مايو 1969.


6
حصاد فترة انقلاب مايو ( 1969 _- 1985 م )
تميزت هذه الفترة بكونها طويلة ( استمرت 16 عاما ) ومتصلة فيما يتعلق بتطبيق نظريات التنمية الغربية وخاصة بعد عام 1971 م، تحت إشراف الدول الغربية ومؤسساتها المالية ( صندوق النقد الدولي، البنك الدولي.. الخ ) ، وبالتالي فأنها تشكل نموذجا فريدا فيما يتعلق بنتائج ومحصول التنمية الرأسمالية التي قادتها فئات جديدة من المتعلمين والتكنوقراط والبيروقراطية العسكرية .. كما نشأت فئات رأسمالية جديدة من مدنيين وعسكريين . وعندما سقط نظام مايو في مارس _ أبريل 1985 م ، كانت التشكيلة الاقتصادية _ الاجتماعية للسودان تتميز بالآتي :
_ القطاع الزراعي:
ظلت صادرات السودان الأساسية مواد زراعية أولية ( قطن، سمسم، فول سوداني، ذرة، جلود، ماشية.... ) وكان 75 % من السكان يعملون بالزراعة وكانت مساهمة القطاع الزراعي بحوالي 40 % من إجمالي الناتج القومي، وظل القطن يمثل حوالي 60 % من قيمة الصادرات والحبوب الزيتية حوالي 20 % منها..
كان القطاع الزراعي متدهورا نتيجة للنقص في الوقود وعدم توفر مدخلات الإنتاج ( سماد ، مبيدات ، ... الخ ) ، انعدام الصيانة ، النقص في قطع الغيار ، والتطبيق الأعمى لتوصيات البنك الدولي في مشروع الجزيرة لنظام الحساب الفردي مما أدى إلى انهيار المشروع وعدم تحوط الحكومة للكوارث الطبيعية بالاستعداد الكافي لها ، هذا إضافة إلى إهمال الحكومة للقطاع الزراعي رغم انه المصدر الأساسي للفائض الاقتصادي اللازم للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ، فقد كان الصرف على التنمية في القطاع الزراعي لا يتجاوز 22 % من جملة الصرف ، هذا فضلا عن الطابع الغالب للسلفيات قصيرة الأجل للبنك الزراعي ، والسياسات التي اتبعها نظام مايو بفتح الباب على مصراعيه أمام الشركات الأجنبية وشركات الدول البترولية للاستثمار في القطاع التقليدي المطري وبشكل عشوائي أدى إلى تدمير البيئة وانهاك التربة والجفاف والتصحر من جراء القطع العشوائي للغابات .. هذا إضافة للاستثمارات الواسعة للفئات المحلية من مدنيين وعسكريين وتهريب الفائض الاقتصادي للخارج ، إضافة لتخلف القوى المنتجة وعلائق الإنتاج في القطاع الزراعي والتخلف العلمي والتقني ، واعتماد الثروة الحيوانية في نموها على الطبيعة ، وعجم توفر المخازن اللازمة لتخزين الغذاء الأساسي للمواطنين ( الذرة ) كما كشفت مجاعة 83 / 1984 م . ونتيجة للفساد وسوء الإدارة والنهب تدهورت المؤسسات الزراعية وانهارت واصبحت تعمل بالخسارة وارتفعت ديونها من النظام المصرفي وبدلا من أن يتحول السودان إلى سلة غذاء العالم اجتاحته مجاعة 83 / 84 واصبح يطلب الغذاء من العالم !! .
_ القطاع الصناعي:
ظل القطاع الصناعي كما كان الحال عليه عام 1956 م يساهم بحوالي 9 % من إجمالي الناتج القومي ، كما ظلت الصناعة في مراحلها البدائية وهى أساسا بدائل للسلع الاستهلاكية المستوردة وتحتل الصناعات الغذائية المرتبة في تركيب القطاع الصناعي ( حوالي 50 % من جملة الإنتاج ) . وفى نهاية هذه الفترة كانت الصناعة تعانى من المشاكل الآتية : _
أ _ صناعة السكر: مشاكل إمداد مياه الري، انتشار مرض السويد، نقص العمالة المدربة، القصور في الإدارة.
ب _ صناعة الأسمنت : نقص المواد البترولية ، مشكلة الطاقة الكهربائية ، اختنا قات النقل والتي تؤثر على ترحيل الجبص من بور تسودان لعطبرة وتأخر وصول أكياس التعبئة في الوقت المناسب ، وعدم ورود العربات في الوقت المناسب لنقل الأسمنت المنتج ( مصنع عطبرة ، أما مصنع ربك فأن طاقته القصوى تبلغ 100.000 طن غير أنه كان يعمل عام 1979 ب 50 % من هذه الطاقة فقط لان المصنع واجه بعض المشاكل أهمها : عدم توفر السيولة النقدية اللازمة في بداية كل موسم إنتاج الشيء الذي لا يمكن من توفير واعداد مستلزمات التشغيل بالصورة التي تكفل استمرارية الإنتاج _ التكلفة العالية بالنسة لترحيل وتحضير المواد الخام والمواد المساعدة التي تدخل في عملية الإنتاج ، فالجبص مثلا يصل من بور تسودان . هذا إضافة إلى أن أسعار البيع تقل كثيرا عن أسعار التكلفة ، وعدم وصول المواد البترولية بصورة منتظمة ، بعد المحجر عن المصنع ، عدم عمل المصنع فى فترة الخريف ، عدم توفر قطع الغيار اللازمة .
ج _ صناعة الغزل والنسيج : كانت صناعة الغزل والنسيج تعانى من المشاكل الآتية : انقطاع التيار الكهربائي ، عدم وجود ورشة كهربائية لتقوم بأعمال الصيانة ، نقص الأيدي العاملة المدربة ، عدم توفر المواد المساعدة ( مصنع الكناف ) ، القصور في التخطيط ، سؤ الإدارة .
د _ صناعة الجلود : كانت مدبغة الخرطوم تواجه المشاكل الآتية بالنسبة للإنتاج : عدم توفر المواد الكيميائية بالنسبة لجلود النعل وعدم توفر الزيوت ومواد إعادة الدباغة بالنسبة لجلود الوجه ، انقطاع التيار الكهربائي ، عدم توفر الجلود الخام وهناك شح فى وارد الزواحف ، اعطاب الماكينات المتكررة وانعدام الاسبيرات .
أما مدبغة النيل الأبيض فقد كانت تعانى من المشاكل الآتية: عدم توفر المواد بالكمية والنوعية المطلوبة بالنسبة لجلود البقر والضان، انقطاع التيار الكهربائي المتكرر، عدم توفر زيت الوقود بطريقة منتظمة، عدم توفر السيولة بالحجم المطلوب..
ه _ صناعة الزيوت : كانت صناعة الزيوت تعانى من مشاكل الإنتاج الآتية : قدم الماكينات واحتياجها المتزايد لقطع الغيار ، قلة كميات البذرة المخصصة للعصر ، صعوبة الحصول على التمويل اللازم من البنوك التجارية وعدم وجود رأس مال عامل للمصانع ، تضخم حجم العمالة خاصة في وسط العمال غير المهرة مما يؤدى إلى زيادة تكلفة الإنتاج .
و _ الصناعات الغذائية: كانت المصانع الغذائية تعانى من بعض المشاكل مثل مشكلة الوقود وموسمية الإنتاج بالنسبة لمعظم المواد الخام..
هذا إضافة لتركز هذه الصناعات في الخرطوم والإقليم الأوسط ( مثلث الخرطوم ، سنار ، كوستى ) كما أوضح المسح الصناعي للعام 81 / 1982 م فقد كانت 56.4 % من الصناعات بها 79 % من العاملين تبلغ مرتباتهم 80.9 % توجد في الخرطوم والإقليم الأوسط .. كما نلاحظ ضعف التعليم الفني اللازم للتنمية الصناعية والزراعية فقد كانت نسبة الطلاب في المدارس الفنية لا تتجاوز 20 % من مجموع الطلاب في التعليم العام، كما أنها لا تتجاوز أيضا 21 % في التعليم العالي.. هذا إضافة لوجود 60 % من هذه المدارس في الخرطوم والإقليم الأوسط ، 75.3 % من الطلاب في الخرطوم والإقليم الأوسط ..
وعموما ونتيجة للأسباب أعلاه ولسوء الإدارة والفساد والنهب في مؤسسات القطاع العام الصناعية كانت الصناعة هي أسوأ القطاعات الاقتصادية في السودان من حيث معدل الإنتاج / الطاقة الإنتاجية حيث بلغ هذا المعدل على سبيل المثال 20 _ 30 % بالنسبة لقطاع النسيج ( د. منصور خالد : السودان والنفق المظلم ، 1985 ، ص 393 )
_ من حيث تركيب القوى العاملة كان 71.6 % يعملون في القطاع الزراعي ، والعاملون في مجالات الإنتاج غير الزراعي 12.6% ، والعاملون في الخدمات 7.6 % ، والعاملون في البيع 4.5% ( العرض الاقتصادي 76 / 1977 م )
وفى هذه الفترة شهدت البلاد هجرة داخلية إلى المدن وهجرة إلى خارج السودان، كما تفاقمت مشكلة البطالة، وهذا يتضح من نسبة التعيين إلى التسجيل في الفترة ( 1 / 7 / 1975 م _ 30 / 6 / 1976 ) 13.6 % وشملت البطالة خريجي الجامعات والمعاهد العليا وعلى سبيل المثال كان المعينين من خريجي الجامعات والمعاهد في الفترة ( 77 / 78 _ 84 / 85 ) 32.2 % ، هذا إضافة إلى هجرة الباحثين والمتخصصين ، والإحصاءات تشير إلى أن اكثر من 40 ألف باحث ومتخصص قد هجر السودان وفقا لإحصاء أجري عام 1984 م . وبالتالي حدث استنزاف للعقول السودانية من جراء هجرة العلماء والأطباء والمهندسين والمعلمين وغيرهم ..
كما ارتفعت تكاليف المعيشة بشكل كبير في هذه الفترة بشكل لا يتناسب مع الأجور فعلى سبيل المثال في عام 1973 م كان الحد الأدنى الرسمي للأجور 13.900 جنية، بينما كان الحد الأدنى لتكاليف المعيشة حسب دراسة قام بها اتحاد العمال 52 جنيها.
وفى عام 1985 م كان الحد الأدنى الرسمي للأجور 60 جنيها بينما كان الحد الأدنى لتكاليف المعيشة 536.326 جنية حسب دراسة قامت الجبهة النقابية.

_ الأداء المالي:
أما عن الموازنة الداخلية ، فقد كانت الإيرادات تتكون بشكل أساسي من الضرائب المباشرة وغير المباشرة ، وشكلت غير المباشرة حوالي 65 % من جملة الإيرادات ، أما المباشرة فقد تراوحت بين ( 5 % __ 15 % ) ، كما شملت النفقات الإنفاق على الدفاع والأمن ، الخدمات الاجتماعية ، الخدمات الاقتصادية ، سداد الديون ، ومدفوعات التنمية ونفقات أخرى ، ونلاحظ أن نفقات الأمن والدفاع كانت 21 % رغم توقف الحرب بعد اتفاقية أديس أبابا في مارس 1972 م ، أما نفقات التنمية فلم تتجاوز أل 25 % رغم الضجيج حول التنمية .
وكان الجزء الأكبر من هذه النفقات تستوعبها المرتبات والامتيازات النقدية العديدة لشاغلي المناصب العليا ، إضافة للصرف البذخى على جهاز الدولة ومنظمات السلطة الفوقية ( اتحاد اشتراكي ، منظمات الشباب والنساء ، السلام ، مجالس الشعب ، ... الخ )
أما الإنفاق الاستثماري للقطاع العام فقد تمركز فى مشاريع بنية أساسية باهظة التكاليف وفاشلة ولاعائد لها ( كالطرق الطويلة ، خطوط الأنابيب ، شبكة الأقمار الصناعية ، ... الخ ) والجزء القليل من الإنفاق الذي اتجه إلى مشاريع الإنتاج المباشر استوعبته مشاريع قليلة غير مدروسة ولازم إنشاءها كثير من الفساد كمصانع السكر والنسيج ، فلم يكن العائد منها ( حين كان هناك عائد ) متناسبا مع ما انفق عليها من أموال ..
أما المكون الثاني للإنفاق الإجمالي فهو الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري للقطاع الخاص، نشير إلى أن نسبة هذا الاستهلاك للناتج القومي قد بلغت حوالي 82 % خلال الفترة: 70 / 76 ___ 84 / 1985 م ( د . عبد المحسن مصطفى صالح ، صندوق النقد الدولي في السودان ، الكويت ، فبراير 1988 م ص 9 )
كما أن القطاع الخاص ركز استثماراته بصورة شبه كاملة في مجالات التجارة والتوزيع والعقارات والخدمات حيث الربح مضمون وسريع وعالي المعدل، ولم يوجه إلا النذر اليسير من أنفاقه الاستثماري إلى مجالات الإنتاج السلعي ( الزراعي، الصناعي ) .
وفى الفترة 78 / 79 __ 84 / 1985 م خضعت الحكومة تماما لتوصيات أو روشتة صندوق النقد الدولي ، وتم إجراء خمسة تخفيضات في قيمة الجنية السوداني ، ورغم ذلك فقد تدهور الميزان التجاري ، كما زادت حدة التضخم ( بلغ المتوسط 37 % فى الفترة 78 / 79 __ 84 / 1985 م ، بينما كان المتوسط 22 % في الفترة 70 / 71 __ 77 / 78 ) ( المصدر السابق )
وارتفعت الأسعار وزاد الإنفاق الحكومي، وبالتالي زادت الاستدانة من النظام المصرفي وترتب على ذلك إفراط نقدي أفضى إلى المزيد من الارتفاع في مستوى الأسعار.
كما شهدت الفترة ( 78 / 79 __ 84 / 1985 م ) اكبر عملية تهريب لرؤس الأموال السودانية الى الخارج ، وتم تقدير رأس المال الهارب بحسابات مختلفة : 19 مليار دولار ، 16 مليار دولار ، 11 مليار دولار .. ومهما يكن من امر ، إذا أخذنا المتوسط حوالي 15 مليار دولار ، نلاحظ من ذلك ان الفائض الاقتصادي اللازم لاستثماره في السودان والذي تم تصديره للخارج كان ضخما ، وانطبق علينا المثل السوداني القائل (( ميتة وخراب ديار )) ، أي ديون بلغت 9 مليار دولار ورأس مال هارب بلغ في المتوسط 15 مليار دولار .
وحسب د . على عبد القادر على (( أن القطاع المصرفي السوداني يقف متهما بتمويل عملية تهريب رأس المال من خلال تمويله لعمليات السوق السوداء للنقد الأجنبي، ونلاحظ سريعا إن القطاع المصرفي مملوك للدولة بنسبة 60 % !! (( د . على عبد القادر على، حول سياسات التصحيح وهروب رأس المال، الكويت، فبراير 1988 )).
وفى نهاية هذه الفترة استفحلت الأزمة الاقتصادية وفقد السودان استقلاله الاقتصادي وسيادته الوطنية ، فنجده يشترك في قوات النجم الساطع ، ويشترك رموز النظام في جريمة ترحيل الفلاشا ، إضافة إلى دفن النفايات النووية مقابل ثمن بخس ( 4 مليون دولار ) وغير ذلك من الذل والهوان الذي الحقه حكم الفرد بالسودان .
_ التركيب الطبقي :
أ _ الرأسمالية المايوية الطفيلية :
في هذه الفترة تراجعت الرأسمالية السودانية التقليدية التي نشأت بفضل مشاريع الإدارة البريطانية في النصف الأول من القرن العشرين بأقسامها المختلفة وبدرجات متفاوتة والتي تتلخص في الشركات الأجنبية والرأسمالية المحلية من اصل أجنبي ، والرأسمالية السودانية ( آل أبو العلا ، البربري ، آل عبد المنعم ، ... الخ ) وخاصة بعد قرارات التأميم والمصادرة فى عام 1970 م ، ومن الجانب الآخر صعدت فئات جديدة من الرأسماليين من المدنيين والعسكريين المتعلمين واتسع حجم هذه الفئة فى تلك الفترة ، وكان من أهم مصادر تراكم هذه الفئة هي : _
_ الدخول العالية والعمولات التي كانت تستحوذ عليها من خلال إدارتها للدولة .
_ دخول أعداد كبيرة من قيادات الخدمة المدنية والعسكرية وخاصة الذين تم تسريحهم من الخدمة المدنية والجيش إلى ميدان الزراعة الآلية، وبالتالي حققوا أرباحا هائلة من هذه العملية..
_ التسهيلات التي كانت تتلقاها من البنوك التجارية لتمويل عملياتها التجارية ولتجارة السوق السوداء، والعملات، وبناء العقارات ودعم تجارة الصادر والوارد.
_ العائد السريع من النشاط الطفيلي ( تخزين ، سوق سوداء ، ... الخ ) .
ونلاحظ أن هذا النشاط أصبح هو الغالب في هذه الفترة ، وفى الوقت نفسه تراجعت الرأسمالية الوطنية التي كانت تعمل في ميدان الإنتاج الزراعي والصناعي نتيجة لارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج ، وأزمة الوقود والطاقة ، وانخفاض قيمة الجنية السوداني ، ....الخ. وبالتالي سيطر النشاط الطفيلي على مختلف أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، وظهرت فئات السماسرة التي تعيش على العمولات ووكلاء البنوك الأجنبية والإسلامية والشركات الأجنبية وروؤس الأموال البترولية وشركات النهب والفساد مثل شركة تراياد التي تحالفت مع مجموعة القصر ( نميرى ، وبهاء الدين .... الخ )
وفى عام 1971 م كان نصيب 1 % من السكان 8 % من الدخل القومي ، و10 % من السكان 23 % من الدخل القومي ، وفى عام 1985 م ارتفعت تلك النسبة حيث قدرت ان 1 % كان نصيبهم من الدخل القومي 16 % ، 10 % من السكان كان نصيبهم 44 % من الدخل القومي .
أي انه زاد تركز الثروة والغنى وتعمقت الفوارق الطبقية، كما ارتفع معدل الاستهلاك الخاص حيث بلغت هذه النسبة للاستهلاك من الناتج القومي حوالي 82 % خلال الفترة ( 75 / 76 __ 1985 م ) (( إحصاءات الدخل القومي )) .
كما ظهرت أنماط استهلاك وصرف بذخي استفزازي ، كان حديث الناس فى تلك الفترة : في الأفراح والاتراح وبناء غابات الأسمنت ... الخ
وفى إحصاء 1983 م كان 3.% من سكان السودان يعيشون في فيلات وعمارات ، بينما كان 36.6 % يعيشون في منازل عادية متفاوتة ، و61.4 % يعيشون في قطاطى من القش والطين والشعر ( إحصاء 1983 م ، ص 46 )
هكذا كانت الطبقة الرأسمالية الطفيلية تبدد الفائض الاقتصادي في صرف واستهلاك بذخي أو تهربه للخارج ..
وكمثال للرأسمالية المايوية والتي صعدت إلى القمة بمساعدة نظام نميرى : محمد عبده ربه ، مصطفى نميرى ( شقيق الرئيس نميرى ) ، وامثال هؤلاء كثير في تلك الفترة التي اتسعت فيها الرأسمالية المايوية الطفيلية .
وفى هذه الفترة اتسعت فئة أصحاب العمل التي بلغ عددها عام 1981 م 4847 ( دليل قسم إحصاءات العمل بإدارة القوى العاملة والاستخدام لعام 1981 م ).
وفى المشاريع الزراعية المروية زاد تركز الثروة والغنى والحواشات والتراكتورات وغير ذلك في أيدي أغنياء المزارعين وخاصة بعد إدخال نظام الحساب الفردي عام 1981 م في مشروع الجزيرة ( انظر : الحزب الشيوعي : أزمة مشروع الجزيرة ، دار الوسيلة ، 1988 م )
وفى الريف ازداد تركز الثروة في أيدي زعماء القبائل وكبار ملاك الأراضي نتيجة لارتباطهم بمؤسسات السلطة: اتحاد اشتراكي، لجان تطوير القرى، مجالس الشعب الإقليمية... الخ ، وسيطر هؤلاء على رخص الأراضي الزراعية والمحلات التجارية وحققوا ثروات واموال ضخمة من ذلك عن طريق العمولات والرشوة والفساد .. الخ، هذا إضافة لتزايد ثراء أغنياء المزارعين والرعاة أو ملاك الثروة الحيوانية نتيجة للتوسع في عملية تصدير الماشية خلال الفترة موضوع الدراسة.
ب _ الفئات الوسطى : وتتكون هذه الفئة من كبار ومتوسطي الموظفين والمهنيين والحرفيين وضباط الجيش والمعلمين والقضاء .. ونتيجة لتعاظم النشاط الطفيلي وتدهور الإنتاج الزراعي والصناعي وارتفاع تكاليف المعيشة ، تدهورت أوضاع هذه الفئة المعيشية والاجتماعية ، ويتجلى ذلك من موجة الإضرابات التي نفذتها تلك الفئات خلال تلك الفترة .
وحسب الدليل الذي أعده قسم إحصاءات العمل بإدارة القوى العاملة والاستخدام لعام 1981 م ، كان عدد الموظفين 135707 ، وكان عدد الضباط يتراوح بين ( 3500 _ 4000 ) ضابط ، وفى دليل النقابات الصادر عن مصلحة العمل بلغ عدد الموظفين والمعلمين والفنيين 123707 في 227 هيئة نقابية ، و35 نقابة عامة ، وبلغ عدد المهنيين 176817 في 104 هيئة نقابية و18 نقابة عامة ( دليل النقابات 1980 م )
ج _ الطبقة العاملة : جاء في دليل النقابات 1980 ، أن مجموع عمال السودان في النقابات 623792 في 501 هيئة نقابية تجمعها 39 نقابة .
__ عدد عمال القطاع العام 479225 بنسبة 77 % من مجموع العمال ، وعمال القطاع الخاص 144567 بنسبة 23 % ، وهذه سمة ثابتة فى تركيب الطبقة العاملة السودانية ( انظر مجلة الشيوعي ، العدد 151 ، ص 50 )
وحول تطور العمال الصناعيين نلاحظ الآتي : _ في العام 70 /1970 ، كان العدد 49216 ، وفى العام 81 1982 م ، كان العدد 144503 ، أي نلاحظ زيادة القوى العاملة فى الصناعات الصغيرة والكبيرة والتي بلغت زيادتها بنسبة 194 %
)See : -dir-k Hanshm : Small Industry (( lesson from Sudan )) ( Hamburg 1992 ) page 68 )
وتميز تطور الطبقة العاملة في تلك الفترة بتدهور أوضاعها المعيشية ، مما أدى إلى هجرة الآلاف من العمال المهرة إلى بلدان الخليج ، إضافة لتدهور الإنتاج الصناعي وإغلاق العديد من المصانع أو العمل بنصف طاقتها كما أو ضحنا سابقا .كما انضم إلى صفوفها آلاف المهاجرين من الريف من ذوى الوعي المنخفض ، هذا إضافة لتشريد وهجرة مئات النقابيين المتمرسين ، واصبح اتحاد العمال جزءا من الدولة أو رافدا من روافد الاتحاد الاشتراكي ، وتحول قادته إلى أغنياء وأثرياء ، أي انضموا إلى صفوف الرأسمالية المايوية ، كما تحول مركز ثقل الطبقة العاملة من الخرطوم إلى ( مثلث الخرطوم _ سنار _ كوستى ) كما أوضح المسح الصناعي للعام 81 / 1982 م فقد كانت 56.4 % من الصناعات بها 79 % من العاملين تبلغ مرتباتهم 80.9 % توجد في الخرطوم والإقليم الأوسط ( المسح الصناعي للعام 81 / 1982 م )
د _ العمال الزراعيون : بلغ عددهم في عام 75 / 1976 م في مشروع الجزيرة 542.000 من العمالة الموسمية في عملية لقيط القطن ، كما شكلت الهجرة السنوية إلى مناطق الزراعة الآلية بجبال النوبة جنوب كردفان حوالي 70.000 شخص ، أما عن المشاريع المشابهة في مديرية كسلا فقد استقطبت حوالي 100.000 مهاجر في مواسم الإنتاج ( العرض الاقتصادي 76 /1977 )
ه _ المزارعون: أوضح التعداد السكاني الثاني لعام 1973 م أن القطاع الأكبر من السودانيين يعيش في المناطق الريفية ( 71 % )، كما أوضح أن القوى العاملة تشكل حوالي 55 % من مجموع السكان، وان 71.6 % من هذه القوى تعمل في القطاع الزراعي ، وينقسم المزارعون في القطاع الزراعي إلى قسمين : قسم يعمل في المشاريع المروية والآلية ( القطاع الحديث ) ، واخر يعمل بالقطاع التقليدي ( زراعة مطرية تقليدية )
. وفى دليل إدارة القوى العاملة لعام 1981 م ، بلغ عدد المزارعين العاملين في القطاع الزراعي الحديث 1.54007 مزارع ، وتتفاوت أوضاع المزارعين : فهناك فئة أغنياء المزارعين ، ومتوسطي المزارعين ، وفقراء المزارعين .
و _ البدو : حسب إحصاء 1973 م بلغ عدد السكان البدو أو الرعاة الذين يعيشون في المناطق الرعوية 11 % من مجموع السكان ، وتتفاوت أوضاع الرعاة حسب ملكيتهم للماشية أو الضأن أو الجمال رمز الثروة والوجاهة الاجتماعية عندهم ، فهناك الأغنياء والمتوسطين والفقراء من الرعاة .
_ انقلاب 25 مايو 1969 م:
بعد انقلاب 25 مايو ، نشأ وضع ديكتاتوري عسكري ، صادر كل الحريات والحقوق الديمقراطية ، كما صدر في الأوامر الجمهورية الأولى ، وكان الانقلاب نفسه مركبا من انقلابين : انقلاب على تنظيم الضباط الأحرار ، عندما قررت الأقلية القيام بالانقلاب دون موافقة الأغلبية من الضباط الأحرار ، عندما قررت الأقلية القيام بالانقلاب دون موافقة الأغلبية من الضباط الشيوعيين والديمقراطيين ، مما يؤكد الطبيعة التامرية للانقلابيين من البداية ، كما انه كان انقلابا ضد نظام ديمقراطي ، صحيح أن النظام السابق خرق الدستور ، وحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان ، وكان يسير في اتجاه قيام ديكتاتورية مدنية باسم الإسلام ، ولكن كان من الممكن هزيمة هذا الاتجاه بالنضال السياسي الجماهيري الذي اجهضة الانقلاب .
رفع الانقلاب شعارات يسارية استخلصها من ميثاق اتحاد القوى الاشتراكية الذي كان بابكر عوض الله ( رئيس وزراء الانقلاب ) مرشحا باسمه لرئاسة الجمهورية .
أخطأ الحزب الشيوعي عندما أيد انقلاب 25 مايو ، استفاد النظام من تأييد الحزب الشيوعي ، ثم انقلب على الشيوعيين ، وكان النظام وراء انقسام الحزب الشيوعي ، كما استفاد النظام من الانقساميين في إضعاف الحزب الشيوعي مقابل مناصب ومكاسب وغنائم لبعض قادة الانقسام ، ثم لفظ النظام الانقساميين بعد أن أدوا مهمتهم .
كما استفاد النظام أيضا من دعم الناصريين والقوميين العرب ثم لفظهم في النهاية. استفاد نظام نميرى أيضا من التكنوقراط الذين نظّروا له في بناء الاتحاد الاشتراكي والمجالس المحلية والنظريات الطموحة للتنمية ، وغير ذلك من التنظيمات والنظريات التي ما كانت إلا واجهة لحكم الفرد وخالية من الحيوية السياسية ، كما عزفت عنها الجماهير لأنها لم تكن اصيله .
وفى النهاية لفظ نظام نميرى أبرز منظري الحزب الواحد وشهّر بهم من أمثال د . منصور خالد والمرحوم د . جعفر محمد على بخيت ، ود . إبراهيم منعم منصور ، ... الخ وحتى الذين كانوا يوجهون نظام نميرى في طريق التعاون عبر القنوات مع مؤسسات صندوق النقد الدولي والصناديق البترولية مثل د . منصور خالد شذ عنهم نميرى وفضل التعامل عير السماسرة مثل عدنان خاشوجى وشاهر عبد الحق ، ... ، كما فضل عليهم مجموعة بهاء الدين ودروبها السالكة نحو الفساد .
كما انقلب الرئيس نميرى على دستور 1973 م ، أي خرق دستوره بنفسه ، ومزق اتفاقية أديس أبابا ، مما أدى إلى اشتعال نيران التمرد من جديد ، وازدادت هذه النيران اشتعالا بعد إعلان قوانين سبتمبر 1983 م .
أما الجمهوريون الذين كانوا يؤيدون النظام باعتباره الحائل بين الشعب والطائفية ، فقد زج بهم النميرى في السجون والمعتقلات ، وتم إعدام الشهيد محمود محمد طه في يناير 1985 م ، عندما عارض قوانين سبتمبر التي أذلت الشعب السوداني على حد تعبير الأستاذ محمود محمد طه .
أما الصادق المهدى فلم يقبض غير الريح بدخوله في المصالحة الوطنية مع نظام نميرى الذي كان يستهدف تثبيت نفسه فى الحكم ، وتوسيع قاعدته وكسب الوقت ، وفى النهاية خرج الصادق المهدى من المصالحة بعد معارضته لتأييد نظام نميرى لاتفاقيات كامب ديفيد وزيارة الرئيس السادات لإسرائيل .
أما الإخوان المسلمون ( بقيادة د. الترابي ) فقد انخرطوا في مؤسسات النظام ( اتحاد اشتراكي، مجالس شعب، وزارات ) وكان د. الترابي مستشارا للرئيس نميرى ، وكان النائب العام ، انخرط الإخوان في النظام دفاعا عن مصالحهم ومؤسساتهم ، وفى محاولة للمناورة مع نظام نميرى الذي كان يناور أيضا ( لعبة القط والفأر ) من أجل توسيع قاعدتهم ، وباركوا خطوات نميرى في تطبيق قوانين سبتمبر 1983 م والتي كانت خاوية من الإسلام ، ولم ينتج عنها غير بتر أطراف الفقراء والبائسين والمحرومين ، كما باركوا وأيدوا وهللوا لإعدام الأستاذ محمود محمد طه ومارسوا شتى أنواع النفاق والخداع ، وكدسوا الثروات وانغمسوا في النشاط الطفيلي ( سوق سوداء ، تجارة عملات ، بنوك إسلامية ، ... الخ ) ، ولكن في النهاية ، كانت حساباتهم خاطئة ، فالنميرى كان اكثر مكرا من د . الترابي ، فلا استطاعوا إيقاف مد الحركة الجماهيرية والطلابية المتصاعد ضد نظام نميرى ، ولاتمكنوا من الهيمنة في الصراع على السلطة ، وفى النهاية كان مصيرهم العزل والاعتقال . وجدير بالذكر أن الإخوان المسلمين ارتبطوا مع النظام في أسوأ فترات تاريخ السودان المظلمة التي شهد ت فيها البلاد قمة القمع الوحشي لاهل السودان والتفريط في السيادة الوطنية .
كان نظام مايو وبالا على التطور الديمقراطي للحركة السياسية السودانية ، وفقدت البلاد خيرة قادتها من سياسيين ومفكرين مثل إسماعيل الأزهري ومحمد احمد المحجوب وعبد الخالق محجوب والشفيع احمد الشيخ وجو زيف قرنق ومحمود محمد طه و الإمام الهادي المهدى والشريف الهندي وغيرهم من العسكريين والمدنيين الذين استشهدوا أثناء المقاومة الباسلة لحكم الفرد .
كما واجه انقلاب مايو مقاومة عسكرية وجماهيرية واسعة عكست عمق وشمول الحركة الجماهيرية والسياسية السودانية المطالبة بالديمقراطية وإنهاء حكم الفرد ، وكان من عوامل ضعف الحركة السياسية والجماهيرية هو تشتتها ولم تتوحد إلا في أبريل 1985 م
كما أكدت تجربة مايو أن تكتيكات الانقلابات العسكرية أو الغزو من الخارج ليست الطريق السليم للتغيير ، واكدت أن الانتفاضة الشعبية هي سلاح الشعب المجرب لإنهاء الأنظمة الديكتاتورية وحكم الفرد ، كما حدث في اكتو بر 1964 م ، ومارس _ أبريل 1985 م ، كما أكدت أن الأنظمة الديكتاتورية مهما بنت من اجهرة أمن وقمع وقهر وترسانة من القوانين المقيدة للحريات كما هو الحال في عهد نميرى ( الأوامر الجمهورية ، قانون أمن الدولة ، قانون ممارسة الحقوق السياسية 1974 م ، تعديلات الدستور في 1975 م ، قوانين سبتمبر 1983 م ، بناء اضخم جهاز أمن على احدث الأسس في وسط وشرق إفريقيا ... الخ ) ، لقد كانت اكبر ترسانة من القوانين عرفتها البلاد في تاريخها الحديث منذ بداية الحكم الثنائي عام 1898 م ، ولكن كل تلك القوانين لم تحمى النظام ، وكان مصيره إلى زوال بعد أن تفسخ وتحلل داخليا في انتفاضة أبريل 1985 م .
أكدت تجربة مايو أن القوات المسلحة التي حاول النظام الديكتاتوري إفسادها بالاغراءات أو تشريد أفرادها ،ظل جسمها سليما رغم الضرر الذي ألحقه النظام بها وانحازت إلى الجماهير في الانتفاضة الشعبية ، كما أكدت التجربة أن الديمقراطية هي المفتاح للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وحل مشكلة القوميات والضمان لوحدة وسيادة البلاد .



7
فترة الديمقراطية الثالثة ( 1985 _ 1989 م )
تميزت هذه الفترة بالسمات الآتية :
أ _ انعقاد المؤتمر الاقتصادي في عام 1986 م والذي خرج بتوصيات تتلخص في : _ إعادة تعمير وتأهيل المؤسسات والمشاريع الإنتاجية والخدمية في القطاعين العام والخاص واعادة تعمير المناطق التي تأثرت بالجفاف والمجاعة .
_ إصلاح النظام المصرفي وتصفية النشاط الطفيلي.
_ إشاعة الديمقراطية واشراك العاملين فى المؤسسات الإنتاجية .
_ تحسين أجور ومرتبات العاملين والمنتجين على ان يرتبط ذلك بزيادة الإنتاجية وتوفير مدخلات الإنتاج بالنسبة لمؤسسات القطاع العام والخاص الإنتاجية .
_ إصلاح وتحسين خدمات التعليم والصحة.
_ لجم وسائل التضخم وتخفيض أسعار السلع الرئيسية واصلاح قنوات التوزيع .
_ وضع خطة اقتصادية لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي تخضع جميع السياسات الاقتصادية والمالية بهدف الاستغلال الكامل للطاقات الإنتاجية المتاحة واصلاح مسار الاقتصاد السوداني .
ب_ استمرت مظاهر الأزمة الاقتصادية والتي تتلخص فى الآتي :
_ ركود الإنتاج السلعي ( زراعة _ صناعة ) وتضخم قطاع خدمات المال والتجارة ، أي ان وزن الطبقات الطفيلية الإسلامية والمايوية كان مؤثرا في النشاط الاقتصادي الشيء الذي عرقل محاولة أي إصلاح وبالتالي انعكس ذلك على النشاط السياسي واخهاض الانتفاضة وتقويض الديمقراطية .
_ استفحال المديونية الخارجية التي بلغت 14 مليار دولار .
_ عجز مقيم في الموازنة الداخلية وميزان المدفوعات.
_ تزايد معدلات التضخم إذ بلغ اكثر من 45 % .
_ تدهور متواصل في سعر صرف الجنية السوداني .
_ تزايد معدلات استهلاك الفئات الطفيلية، وارتفاع معدلات الاستيراد وانكماش الصادرات وتزايد المنصرفات.
واستمرت حكومات ما بعد الانتفاضة في السياسة التقليدية التي تسببت في الأزمة الاقتصادية مثل: تقليص دور الدولة، إلغاء الضوابط على حركة المبالغ والسلع والتخلص غير المدروس والتدريجي من القطاع العام خاصة في مجال البنوك والتأمين والتجارة.
_ التشجيع المفرط للقطاع الخاص المحلى والمختلط والأجنبي دون اعتبار للأولويات والسيادة الوطنية وذلك بالإعفاءات والتغاضى عن التهرب الضريبي .
_ إطلاق العنان لقوى السوق بافتراض أن ذلك يساوى بين الأسعار وتكلفة الإنتاج ويقربها من مستويات الأسعار العالمية مما ادخل البلاد في حلقة تعديلات سعر الصرف دون تحقيق الأهداف المطلوبة.
ط _ التوجه الخارجي للاقتصاد السوداني والاعتماد شبه الكامل على العون الخارجي ، فعلى سبيل المثال في الفترة ( 1986 _ 1989 م ) تم تحقيق تمويل تنموي ( عن طريق العون الخارجي والاستجداء ) بلغ مجموعه 7 مليار دولار لتمويل التنمية والبترول والسلع التموينية والاستهلاكية ومعدات عسكرية كان تفاصيلها كالآتي : 3 مليار دولار للتمويل التنموي ، مليار دولار لسد العجز في كل سنة بعضه بترول وبعضه دعم سلعي ، 3 مليار دولار للمعدات العسكرية . ( الصادق المهدى : تحديات التسعينيات ، شركة النيل للطباعة والنشر 1990 م )
ج _ تفاقم حرب الجنوب التي كانت تكلف 3 ملايين من الجنيهات يوميا ، إضافة للخسائر في الأرواح والمعدات والمجاعات وتوقف عجلة التنمية فى الجنوب ، وبذلت محاولات كثيرة من قيادات الأحزاب والتجمع والنقابات والشخصيات الوطنية في مبادرات وندوات ، حتى كللت هذه المحاولات بتوقيع اتفاقية الميرغنى _ قر نق التي أجهضها انقلاب 30 يونيو 1989 م .
د _ ظلت مصادر الخطر على الديمقراطية موجودة ، والتي تتلخص في الآتي :
_ التخلي عن شعارات الانتفاضة بعدم تصفية آثار مايو .
_ الإبقاء على القوانين المقيدة للحريات ( قوانين سبتمبر 1983 م ، قوانين النقابات وغيرها من القوانين ) .
_ عدم الجدية منذ بداية الانتفاضة في الحل السلمي لمشكلة الجنوب.
_ مغازلة الحزبين الكبيرين ( الأمة والاتحادي الديمقراطي ) لسدنة النظام المباد وعلى رأسهم الجبهة القومية الإسلامية.
_ القانون الهزيل للانتخابات الذي حرم القوى الحديثة من التمثيل .
هذا إضافة لتدهور أحوال العاملين والموظفين والمهنيين المعيشية وعدم تجاوب الحكومة مع مطالبهم مما أدى لتواتر ظاهرة الإضرابات ، هذا إضافة للانفلات والفوضى في الصحف والإعلام واتى لعيت فيها الجبهة القومية الإسلامية دورا كبيرا .
ه _ كما صدر في هذه الفترة الدستور الانتقالي ، وقانون الصحافة والمطبوعات ، وقانون الجامعة ، وقامت انتخابات 1986 م بقانون انتخابي لم تشترك في إعداده كل القوى السياسية ، وتكونت حكومة ائتلافية بين الأمة والاتحادي الديمقراطي والأحزاب الجنوبية ولم تستمر طويلا .. وفشلت في حل قضايا الاقتصاد والجنوب وترسيخ الديمقراطية .. وتم تكوين حكومة ائتلافية أخري في مايو 1988 م من حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة القومية الإسلامية ، إلا أن تلك الحكومة أيضا فشلت في مشاكل البلاد الاقتصادية والسياسية ومشكلة الجنوب ..
وفى ديسمبر 1988 م حدث الإضراب السياسي العام ضد زيادة الأسعار ، وبعد الإضراب ومذكرة القوات المسلحة في فبراير 1989 م والتي أشاعت جوا انقلابيا تم تكوين حكومة واسعة التمثيل ، وبعد تكوين الحكومة الموسعة ونجاح مبادرة الميرغنى _ قر نق لحل مشكلة الجنوب انعزلت الجبهة الإسلامية التي كانت تسعى للحل العسكري .
وبعد تكوين الحكومة الموسعة كانت مواكب الجبهة الإسلامية تجوب الشوارع من اجل حكم الشريعة ، وقبل ذلك كانت مواكب أمان السودان وتحت ستار دعم القوات المسلحة ، وكان د . حسن الترابي في لقاءاته الجماهيرية بدعو علنا لقلب نظام الحكم ، وتواترت البلاغات لقيادات الأحزاب والحكومة عن تخطيط الجبهة الإسلامية لانقلاب عسكري ، وبسبب الغفلة والتهاون وقع انقلاب الجبهة الإسلامية القومية في 30 يونيو 1989 م ، لتبدأ مرحلة جديدة من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الشامل في البلاد .



8
موقع الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية في خريطة الرأسمالية السودانية
قال المسيح عليه السلام يوما لتلاميذه :
(( احذروا الأنبياء الكذبة !! )) قالوا : (( كيف نعرفهم ؟؟ )) قال : (( بثمارهم تعرفونهم )) . بعد أربعة عشر عاما عرف الشعب السوداني ثمار سياسات الرأسمالية الطفيلية الإسلامية التي جردته من مكتسباته التاريخية في مجانية التعليم والخدمات الصحية وافقرته حتى اصبح حوالي 94 % من سكان السودان فقراء ( التقرير الإستراتيجي 1997 م )) .
نتابع في هذا الجزء التغييرات في خريطة الرأسمالية السودانية وموقع الرأسمالية الطفيلية الإسلامية التي مكن لها انقلاب الجبهة الإسلامية في 30 يونيو 1989 م في الأرض ، في هذه الخريطة وسماتها وخصائصها ، وكيف استغلت الشعارات الإسلامية كغطاء أيديولوجي وجواز مرور للدخول في نادى الرأسمالية السودانية .
من أين أتى هؤلاء ؟
تساءل الروائي السوداني الطيب صالح بعد الحصاد المر لسياسات الجبهة الإسلامية: من أين أتي هؤلاء ؟ ونحاول الإجابة على هذا السؤال في البحث عن البنية الاقتصادية _ الاجتماعية التي أفرزت هذا التنظيم.
معروف انه عندما استقل السودان في أول يناير 1956 م ورث بنية اقتصادية _ اجتماعية كانت تحمل كل مؤشرات التخلف مثل : اقتصاد متوجه خارجيا ، بمعنى كان يلبى حاجات بريطانيا من سلعة القطن الذي كان يشكل 60 % من عائد الصادر ، وسيطرة بريطانيا على التجارة الخارجية للسودان ، هذا إضافة لتصدير الفائض الاقتصادي اللازم لتنمية البلاد للخارج ، وكانت الصناعة تشكل 9 % من إجمالي الناتج القومي ، كما أجهض المستعمر أي محاولة من جانب الرأسمالية السودانية الناشئة لاقامة صناعة وطنية وذلك لان المستعمر كان يريد السودان سوقا لتصريف منتجاته الصناعية ، وكانت الصناعة تستوعب 3 % من القوى العاملة في البلاد .
كان القطاع التقليدي يساهم ب56.4 % من إجمالي الناتج القومي ، كما كان حوالي 90 % من سكان السودان مرتبطين بالقطاع التقليدي ( رعاة ، مزارعين ، .. )
وكانت نسبة الأمية 86.5 % ، كما كان هدف التعليم هو تلبية احتياجات المستعمر لتحريك دولاب الدولة من موظفين وفنيين وعمال .
هذا إضافة لنمط التنمية الاستعماري غير المتوازن بين أقاليم السودان المختلفة .
هذا إضافة إلى أن ظروف القمع التي كانت تعيشها الحركة الوطنية لم تساعد في بناء حياة حزبية ديمقراطية معافاة ، وحركة ثقافية تفجر مكنون الموروث المحلى وتتفاعل أخذا وعطاءا مع الثقافة العالمية .
وعندما نشأ تنظيم الأخوان المسلمين في السودان كان متأثرا بهذا الواقع والذي كانت الحركة الوطنية بتياراتها المختلفة تقاومه .
يقول د . الترابي عن عهد التكوين ( 1949 _ 1955 م ) : (( وفى ثنايا هذه الظروف وفى وسط الطلاب نشأت الحركة من عناصر تائبة إلى الدين من بعد ما غشت بعضهم غاشية الشيوعية ، واستفزت بعضهم أطروحتها السافرة في تحدى الدين عقيدة وخلقا ، واثارت آخرين غلبة التصورات والأنماط الحياتية التي فرضها التعليم النظامي الذي يسوسه الإنجليز ، فنبتت النواة الأولى في صميم البنية الطلابية بجامعة الخرطوم وفروعها في المدارس الثانوية ، ولم تتخرج تلك الثلة المسلمة من الطلاب إلا نحو 1955 م ))
( د . حسن الترابي : الحركة الإسلامية في السودان ، ص 26 )
واضح طفيلية النشأة ورد الفعل على الشيوعية ، هذا فضلا عن انه عندما نشأ ت الحركة السودانية للتحرر الوطني في أغسطس 1946 م ( الحزب الشيوعي فيما بعد ) لم تكن تحديا للدين عقيدة وخلقا ، ولكنها طرحت شعارات الجلاء وحق تقرير المصير للشعب السوداني ، واسهمت في إدخال الوعي ما استطاعت إلى ذلك سبيلا في بناء الحركة النقابية واتحادات الشباب والنساء وحركة المزارعين واتحادات الطلاب ، كما طرحت ضرورة تجديد البلاد بإنجاز النهضة الوطنية الديمقراطية بإنجاز الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي .
على أن البنية الاقتصادية _ الاجتماعية التي كان القطاع التقليدي يساهم فيها بنسبة 56.4 % ، وحوالي 90 % من سكان البلاد مرتبطين بالقطاع التقليدي ، وكل ما يعنى ذلك من تفاوت في التطور الاقتصادي والاجتماعي والنفسي بين أقاليم السودان المختلفة ، هي التي شكلت التربة الخصبة ولازالت لتوالد وتكاثر تنظيمات التطرف الديني .
العوامل المساعدة في التوالد والنمو :
كانت ديكتاتورية الفريق عبود ( 1958 _ 1964 م ) من العوامل المساعدة في نمو وانتشار حركة الأخوان المسلمين ، وقد استفادت الحركة إلى أقصى حد من القمع الذي وجهته الديكتاتورية للقوى الشيوعية والديمقراطية والمستنيرة ، وظلت حركة الأخوان المسلمين تعمل تحت اسم الواجهات الدينية ، إضافة للواجهات الثقافية في الأندية ، هذا إضافة لظروف الديكتاتورية وما يصاحبها من جدب في الفكر والثقافة من جراء مصادرة حق التعبير والنشر . وقد وصف د . الترابي هذه الفترة بأنها ( مرحلة بركة ونمو للحركة الطلابية حتى أصبحت من كبريات الاتجاهات الطلابية ) ( د . الترابي: المرجع السابق ص 30 )
فالأخوان كما أشار د. الترابي كانوا في حالة كمون في فترة ديكتاتورية عبود ، بل انهم أيدوا انقلاب 17 نوفمبر 1958 م ووصفوه بثورة الجيش كما جاء في كلمة صحيفة (( الأخوان المسلمين )) الصادرة بتاريخ أول ديسمبر 1958 م .
وبعد ثورة اكتو بر 1964 م تحالف الأخوان المسلمون مع حزبي الأمة والوطني الاتحادي ونفذوا مؤامرة حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان ، وبذلك تم تقويض الدستور والنظام الديمقراطي واستقلال القضاء ، كما كانوا وراء محكمة الردة للأستاذ محمود محمد طه ، ووراء الدستور الإسلامي الرئاسي الذي كان الهدف من ورائه إقامة ديكتاتورية مدنية باسم الإسلام مما يؤدى إلى تقويض الديمقراطية وينسف وحدة البلاد .
وكان هذا هو المناخ الذي كان سائدا والذي أدى لانقلاب 25 مايو 1969 م .
وبعد انقلاب 25 مايو، استفاد الأخوان المسلمون من تلك الفترة ولاسيما بعد ضرب وقمع الشيوعيين في يوليو 1971 م حيث سيطروا على اتحاد طلاب جامعة الخرطوم بعد إلغاء دستور التمثيل النسبي وإدخال دستور الحر المباشر.
كما استفاد الأخوان المسلمون من المصالحة الوطنية مع نظام نميرى في عام 1977 م وقامت منظمات مثل : منظمة الدعوة الإسلامية ، الوكالة الإسلامية للإغاثة ، جمعية رائدات النهضة ، جمعية شباب البناء ، جمعية الإصلاح والمواساة ، مؤسسة دان فوديو الخيرية ... الخ . كما أقاموا مؤسسات تعليمية مثل : إنشاء المركز الإسلامي الأفريقي ، وكلية القران الكريم ، عدد من المدارس الابتدائية ورياض الأطفال التابعة لمنظمة الدعوة الإسلامية ( لمواجهة التعليم الكنسي والتجاري ) .
ثم بعد ذلك اقتحموا السوق والتجارة ، وهاجروا لبلاد الخليج بعد انقلاب مايو 1969 م حتى توسعوا في العمل التجاري ، كما انشأوا المصارف الإسلامية ( بنك فيصل الإسلامي ، التضامن الإسلامي ) ، كما انشأوا عددا من شركات التأمين والمؤسسات التجارية والعقارية مما خلق بديلا للمصارف الربوية حسب ما كانوا يزعمون . ( انظر : الأمين محمد احمد : الحركة الإسلامية في السودان : السلبيات والإيجابيات ) .
وكما أشرنا سابقا أن النشاط الطفيلي اصبح هو الغالب في فترة مايو وتراجعت الرأسمالية الوطنية التي كانت تعمل في ميدان الإنتاج الصناعي والزراعي نتيجة لارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج ، وأزمة الوقود والطاقة وانخفاض قيمة الجنية السوداني .... الخ. ، وبالتالي سيطر النشاط الطفيلي على مختلف اوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية وظهرت فئات السماسرة التي تعيش على العمولات ، ووكلاء البنوك الأجنبية والشركات الأجنبية وروؤس الأموال البترولية وشركات النهب والفساد مثل شركة تراياد التي تحالفت مع مجموعة القصر ( نميرى ، بهاء الدين .... الخ )
وفى هذه البحيرة الراكدة ، وفى أحضان الرأسمالية الطفيلية المايوية نمت وتطورت الرأسمالية الطفيلية الإسلامية ، وكان التقدير أن للإخوان المسلمين حوالي 500 شركة من كبيرة وصغيرة في عام 1980 م ، وتصل حجم روؤس أموالهم لاكثر من 500 مليون دولار متداولة من بين هذه الشركات في الداخل . ( عصام الدين مرغني : الجيش السوداني والسياسة ، القاهرة 2002 م ، ص 225 )

الرأسمالية الطفيلية الإسلامية:
بعد انقلاب 30 يونيو 1989 م سيطرت الجبهة الإسلامية على الحكم ، وفى هذه الفترة هيمنت الفئات الغنية من عناصر الجبهة الإسلامية على مفاتيح الاقتصاد الوطني عن طريق البنوك الإسلامية وشركات التأمين والاستثمار الإسلامية وشركات الصادر والوارد والتوزيع والشركات المساهمة الكثيرة ، والمنظمات التي تلتحف ثوب الأعمال الخيرية مثل الشهيد ، السلام والتنمية ، .. الخ
وتجمعت لدى هذه الفئات ثروات ضخمة ، ومن المهم ونحن نحلل هذه الفئة أن نتناولها في تطورها التاريخي والتي أصبحت أحد روافد الرأسمالية السودانية التي تطورت خلال سنوات نميرى وترجع أصول اغلب قادتها أو أصحاب الثروات منها إلى خريجي الجامعات والمعاهد العليا والمدارس الثانوية والذين أسسوا تنظيم الأخوان المسلمين في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي في جامعة الخرطوم والمدارس الثانوية وبقية المعاهد التعليمية .
وبعد التخرج عملوا في جهاز الدولة والخدمة المدنية والجيش ، وتم تشريد بعض أفرادها بعد انقلاب 25 مايو 1969 م ، وهاجر بعضهم إلى دول الخليج وولجوا ميدان العمل الاستثماري في التجارة وتجارة العملات ، كما كدسوا الأموال التي كانت تصلهم وهم فى المعارضة ، كما اشتركوا في أحداث الجزيرة أبا في مارس 1970 م ، وأحداث 2 يوليو 1976 م . كما هاجر بعضهم إلى أمريكا وبعض الدول الرأسمالية الغربية وتأهل بعضهم علميا في تلك البلدان ( ماجستير ، دكتوراه ، ... ) ، وعمل بعضهم في النشاط التجاري في يوغندا ، وبعض بلدان شرق إفريقيا واكتسبوا خبرات وتجارب في المهجر والعمل المعارض في الخارج .
وبعد المصالحة الوطنية 1977 م عادوا إلى السودان وشاركوا في مؤسسات وحكومات نظام نميرى ( مجلس الوزراء ، الاتحاد الاشتراكي ، مجلس الشعب ، ... الخ ) . كما توسعوا في ميدان العمل التجاري والاستثماري واسهموا في إدارة البنوك الإسلامية ومؤسسات الاستثمار الإسلامية . وتطوروا بعد ذلك في أحضان الرأسمالية الطفيلية المايوية التي قامت على نهب القطاع العام والتسبيح بحمد حكم الفرد الذي صادر الحريات والديمقراطية .
كما تغيرت أسماء تنظيم الجبهة الإسلامية تبعا لتطور الحياة السياسية ، واتخذ اسم الأخوان المسلمين في الخمسينيات من القرن الماضي ، وجبهة الميثاق الإسلامي بعد ثورة اكتوبر 1964 م ، الجبهة القومية الإسلامية منذ أواخر النظام المايوى وبعد انتفاضة مارس _ أبريل 1985 م ، المؤتمر الوطني بعد انقلاب 30 يونيو 1989 م والذي انقسم بعد الصراع الى شعبي ووطني .
وتطور تنظيم الجبهة الإسلامية من تنظيم رومانسي سلفى الى تنظيم واقعي ، واصبح يضم النساء والجنوبيين ويسعى الى استيعاب كل المجتمع في داخله ! ( د . الترابي : الحركة الإسلامية في السودان ، المرجع السابق ) كما تحول في شعاراته طبقا لظروف كل مرحلة وبهدف التأقلم السياسي ( فقه الضرورة ) ، واصبح للتنظيم مصالح رأسمالية وتجارية وطبقية ومؤسسات وبنوك وشركات وعقارات تشكل قاعدته الضخمة والتي مولت كل نشاطات التنظيم وصرفه الكبير خلال فترة الديمقراطية الثالثة ( الانتخابات ، شراء الأصوات ، الإرهاب ، الابتزاز ، صحافة الإثارة ، .... الخ ).
وكانت تلك المؤسسات هي وراء تزوير الانتخابات في عام 1986 م عن طريق الفساد والرشوة ، وخلق الأزمات الاقتصادية والأزمات فى المواد التموينية من اجل نسف استقرار النظام الديمقراطي ، وكانت وراء تخزين قوت الناس في مجاعة 83 / 1984 م ، وكانت وراء حملات ومواكب أمان السودان ، حتى تغلغلوا وسط الجيش باسم الإسلام ودعم القوات المسلحة خلال فترة الديمقراطية الثالثة حتى نفذوا انقلاب 30 يونيو 1989 م بواسطة تنظيمهم العسكري داخل الجيش وبالتنسيق مع مليشيات الجبهة القومية الإسلامية ، بعد تكوين الحكومة الموسعة والاقتراب من الحل السلمي لمشكلة الجنوب دفاعا عن مصالحهم الطبقية والاقتصادية الأنانية الضيقة ومؤسساتهم المالية ، وهذه المصالح هي التي حركت هذا التنظيم لتقويض الديمقراطية ، وفرض نظام شمولي فاشى ظلامى دفاعا عن تلك المصالح ولتنمية وتراكم ثرواتها على حساب الشرائح الرأسمالية الأخرى .
مصادر تراكم الرأسمالية الطفيلية الإسلامية:
يمكن تحديد بعض مصادر تراكم الرأسمالية الطفيلية في الآتي:
- نهب أصول القطاع العام عن طريق البيع آو الإيجار أو المنح بأسعار بخسة لأغنياء الجبهة الإسلامية أو لمنظماتها.
- التسهيلات والرخص التجارية من وزارة التجارة والبنوك التجارية والإعفاء من الضرائب .
- الاعتداء على المال العام ، على سبيل المثال جاء في تقرير المراجع العام أن جملة حالات الاعتداء على المال العام في الأجهزة الاتحادية في الفترة من أول سبتمبر 2000 م الى نهاية أغسطس 2001 م ، بلغت 440 مليون دينار ( صحيفة الأيام 21 / 11 / 2001 م ) .
- المرتبات العالية لكادر الجبهة الإسلامية العسكري والمدني والذي يشغل وظائف قيادية في جهاز الدولة بعد اصبح التنظيم والدولة وجهين لعملة واحدة ، ذلك الكادر الذي يدير مصالح مؤسسات وشركات الجبهة الإسلامية ويوظف كل إمكانيات وقدرات الشعب السوداني وامواله لخدمة تلك المصالح ، والصرف المفتوح تحت البنود لهذا الكادر والإعفاء من الجمارك والصرف البذخى على مكاتب هذا الكادر .
- تكثيف جباية الضرائب والفساد ونهب موارد الدولة المالية والعائد من الضرائب والزكاة حتى اصبح ذلك حديث الناس .
- الأرباح الهائلة التي يحصل عليها تجار الجبهة الإسلامية من حرب الجنوب ( تجار الحرب ) : عطاءات ، أسلحة ، ملابس ، مواد تموينية ، .... الخ.
- بعد استخراج الذهب والبترول ، اصبح ذلك من أهم مصادر تراكم الرأسمالية الطفيلية الإسلامية .
_ تجارة العملة والسوق الأسود واحتكار قوت الناس والسلع الاستراتيجية .
_ الاستيلاء على شركات التوزيع الأساسية وتمليكها لتجار وشركات الجبهة الإسلامية .
_ الاستثمار في العقارات والمضاربة على الأراضي ، ومشاريع الزراعة الآلية والثروة الحيوانية والتوسع فى تصدير الثروة الحيوانية ، واستيلاء مؤسسات الجبهة الإسلامية على مؤسسات تسويق الماشية .
_ نهب أموال وعقارات المعارضين السياسيين ( الغنائم )
سمات وخصائص الرأسمالية الطفيلية الإسلامية:
يمكن تحديد ابرز السمات والخصائص في الآتي :
_ إنها فئة رأسمالية طفيلية ليس لها جذور عميقة في التربه السودانية .
_ لم تسهم في تطوير الاقتصاد السوداني وبرزت في فترة مايو وفى أحضان النظام الديكتاتوري الشمولي وتوسعت في ظل نظام الإنقاذ . وهذا يفسر لنا ضيق الرأسمالية الطفيلية الإسلامية بالديمقراطية وعدم ثقتها بنفسها وتكوين مؤسسات نيابية ونقابية بالتعيين والتزوير وقمع وتعذيب المعارضين السياسيين والتشريد للصالح العام ، وتأجيج نيران حرب الجنوب والتفريط في سيادة البلاد .
_ إنها فئة راكمت ثرواتها بالنهب اقتصاديا والقمع سياسيا وتكثيف جباية الضرائب حتى فاقوا حكام العهد التركي في ذلك . ويتحدث الناس في مجالسهم عن فساد هذه الفئة ، وحياة الترف والبذخ التي تعيش فيها ، بينما تعيش الأغلبية العظمى من الشعب السوداني تحت حزام الفقر ، كما يتحدثون عن الصرف البذخى في السكن والأثاثات المستوردة وفى الأفراح والاتراح .
ومن الجانب الأخر تدهورت أوضاع الفئات الشعبية نتيجة للفقر والبؤس ، وانتشرت الدعارة والرشوة والفساد ، وغير ذلك من آثار وسياسات الجبهة الإسلامية .



9
المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية
الفترة: 1967- 2007م
أشار مشروع التقرير السياسي المقدم للمؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني الي أن (سياسة التحرير الاقتصادي ونهج التبعية قاد لتدهور أوضاع الرأسمالية الوطنية المنتجة، وحلت محلها فئات جديدة من الرأسمالية الطفيلية الاسلامية والكمبرادورية(الرأسمالية التابعة)، ولكن الرأسمالية الوطنية المنتجة لم تختف من مسرح الاحداث كقوى اجتماعية لها دعاماتها القاعدية بين اثرياء ومتوسطي المزارعين وفي الصناعة والتجارة والخدمات. ومن ناحية اخري، فان الاصلاح الاقتصادي وترميم وعلاج التدهور في الاقتصاد سيساعد في استعادة مواقعها وتحفيزها لاستثمار اموالها في التنمية).
يواصل مشروع التقرير ويقول( صحيح ايضا ان مواقع الرأسمالية المرتبطة بالاستعمار قد تنامت باثر الدفع الرأسمالي في البلاد، ولكن تشابك المصالح الاقتصادية تحت مظلة العولمة لايعبر في اطلاقه عن ارتباطات عمالة وتبعية. كما أن للرأسمالية الوطنية في ضوء البرنامج الوطني الديمقراطي اسهاما في الانتاج حسب خطة التنمية مع مراعاة الضوابط الاقتصادية والقانونية).
ولما كانت قضية الرأسمالية السودانية من القضايا المهمة في الثورة الوطنية الديمقراطية ، فقد كان من المتوقع أن يتوقف عندها مشروع التقرير السياسي لمعالجة المتغيرات فيها انطلاقا مما توصلت اليه وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية. ولذلك لابد من استكمال ما ورد في مشروع التقرير السياسي بتسليط الضوء علي المتغيرات فيها وحصاد التنمية الرأسمالية التي سارت عليها البلاد والمتغيرات في مصادر التراكم، وذلك انطلاقا من الدراسة الباطنية لتطورها في هذه الفترة ، اضافة الي تسليط الضوء علي الجانب الفكري، انطلاقا من الواقع، علي امكانات وقدرات الرأسمالية الوطنية المنتجة وحدود نشاطها في خطة التنمية للبرنامج الوطني الديمقراطي.
وكانت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية(التقرير السياسي المجاز في المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي السوداني ، اكتوبر 1967) قد عرّفت الرأسمالية الوطنية بانها تلك التي لاتعمل وكيلة لرأس المال الاجنبي، وأشارت الوثيقة الي أن(الرأسمالية الوطنية ضعيفة التكوين في بلادنا وحتي اليوم لاتجد التعبير السياسي في حزب واحد ، فبحكم أن الاحزاب التقليدية القائمة في بلادنا ترتبط بعلاقات طائفية وقبلية ، فان هذه الطبقة موجودة باقدار متفاوتة بين هذه الاحزاب وتحاول أن تعمل لصالحها في اطار تلك التنظيمات).
تواصل وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية وتقول(لقد كان لتزايد حدة الصراع الاجتماعي اثره بالنسبة لاقسام من الرأسمالية وخاصة بعد اكتوبر اذ انها جنحت اكثر نحو التهادن مع الاستعمار ومع القوى والعناصر الرجعية في البلاد).
ورغم ذلك اشارت الوثيقة(ان هذا لايعني أن مصالح الرأسمالية الوطنية موضوعيا اصبحت خارج نطاق الثورة الوطنية الديمقراطية، بل أن هذه الطبقة واقسامها ذات الارتباطات الشعبية والاكثر صلابة في وجه التغول الاستعماري ستكشف قياداتها الحقيقية ، وستكشف ان مصالحها تكمن حقا في الاستكمال الناجز للثورة الوطنية الديمقراطية)( الماركسية وقضايا الثورة السودانية، طبعة دار عزة 2008، ص، 99).
وكانت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية قد اشارت للتحولات التي جرت بين قوى الرأسمالية في السودان، فقد كانت حتى عام 1956 تقتصر في اشكالها الرئيسية على رأس المال التجاري العامل في التجارة المحلية ولكن بالدفع الرأسمالي تداخلت هذه الفئة مع اقسام اخرى من القطاع الزراعي من بيروقراطية الدولة، ومن عناصر شبه اقطاعية الخ. كما أشارت الوثيقة الي أن الرأسمالية المحلية تختلط بينها قوى طبقية ومصالح اخرى ايضا، وهذا الاختلاط بين القطاع الذي لايرتبط مباشرة مع رأس المال الاجنبي يجعله ميالا للمصالحة السياسية مع قوى التخلف في البلاد( ص، 98- 99).
كما أشارت الوثيقة الي نتائج التطور الرأسمالي الذي سارت عليه البلاد في الفترة(1956- 1967)، كما أشارت الي مصادر التراكم الرأسمالي المحلي الذي شكل الاساس الثابت لهذه الدفعات الرأسمالية في الاقتصاد الوطني السوداني في تلك الفترة.
ولخصت الوثيقة مصادر التراكم الرأسمالي في : الزراعة الآلية، المشاريع الخاصة للقطن ، المشاريع الخاصة في المديرية الشمالية.
وخلصت الوثيقة الي أن طريق النمو الرأسمالي طريق مسدود: اذ أنه فتح الطريق لتوغل الاستعمار الحديث ، كما ادى الي تزايد للاستغلال وانسياب أجزاء من الدخل القومي لمراكز الاستغلال في الخارج والي هبوط الدخل القومي للفرد، كما ابقي البلاد سوقا للسلع الصناعية ومنتجة للسلع الاولية، اضافة الي الهبوط المستمر في التنمية وانخفاض مداخيل الجماهير الكادحة. كما برز ضعف الرأسمالية المحلية وفشلها في الاسهام في التنمية رغم التسهيلات التي قدمت لها، كما يوضح الدور الكبير الذي لعبه القطاع العام مقارنة بالرأسمالية المحلية.وطرحت الوثيقة البديل الذي يتمثل في برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية.
وبالتالي من المهم متابعة المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية ونتائج طريق التطور الرأسمالي ومصادر التراكم الرأسمالي في الفترة(1967- 2007) بهدف امتلاك الوضوح النظري الذي يغتني بالممارسة والذي يساعد الحزب الشيوعي السوداني في دفع الثورة الوطنية الديمقراطية بخطوات ثابتة الي الامام..
أولا: حصاد التنمية الرأسمالية الفترة(1967- 2007).
شهدت هذه الفترة: فترة مايو(1969- 1985)، وفترة الديمقراطية الثالثة(1985- 1989)، وفترة الانقاذ( 1989- 2007).
في هذه الفترات سارت البلاد علي طريق التطور الرأسمالي والذي كان حصاده يتلخص في الآتي:-
1- انهيار البنيات الأساسية والمشاريع التي خلفها الاستعمار مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والنقل النهري والخطوط الجوية السودانية والخدمة المدنية التي كانت تتميز بدرجة عالية من الكفاءة والانضباط..الخ.
2- انهيار القطاع الزراعي وعجز غذائي ومجاعات ونزوح لامثيل له منذ فترة المهدية من الارياف الي المدن بسبب انهيار الخدمات والحروب الاهلية والضرائب الباهظة علي المزارعين والرعاة وخاصة في فترة الانقاذ.
3- توسع وتعمق الحرب الاهلية بسبب التنمية غير المتوازنة وانتقلت الحرب من الجنوب لتشمل دارفور ومناطق الشرق وجنوب النيل الازرق وجبال النوبا حتى تم توقيع اتفاقية نيفاشا وبقية الاتفاقات والتي يجب تنفيذ استحقاقاتها التي تتمثل في التحول الديمقراطي والتنمية وتحسين احوال الناس المعيشية، ومازالت الحرب مستمرة في دارفور وتنتظر الحل الشامل.
4- ازدياد التبعية للعالم الخارجي حيث بلغت ديون السودان الخارجية 28 مليار دولار.
5- انهيار خدمات التعليم والصحة(بعد رفع الدولة يدها ) والانتاج الصناعي والزراعي.
6- عدم تحقيق الاهداف المباشرة المنشودة من التنمية الرأسمالية التي قادتها الانظمة العسكرية والمدنية في هذه الفترة، اضافة للاثار السلبية لتضخيم دور الاستثمار في التنمية، اضافة لعدم الثقة بالنفس وتزايد الاعتماد على الغير والهبات والمعونات.
7- علي أن الوضع تدهور بشكل مريع منذ انقلاب 25/مايو/1969 عندما تم تحجيم الرأسمالية الوطنية المنتجة التي بدأت تلج ميدان الانتاج الصناعي والزراعي بالتاميمات والمصادرة العشوائية ، ومنذ العام 1978 وبعد التخفيضات المتوالية للجنية السوداني انهار الانتاج الصناعي والزراعي وتزايد النشاط الطفيلي(تجارة عملة، تخزين، عمولات،.الخ) الذي دمر الاقتصاد السوداني بتهريب الفائض الاقتصادي للخارج.
8- وبعد انقلاب 30/يونيو/1989 ، تفاقم التدهور الاقتصادي بعد سياسات الخصخصة التي اعتمدتها الحكومة ورفع الدعم عن السلع الاساسية والتعليم وارهاق كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة، وتم افقار المواطنين حتى اصبحت نسبة الفقر 94% حسب الاحصاءات الرسمية. اصبحت الرأسمالية الطفيلية الاسلامية هي السائدة والتي تراكمت ثرواتها من نهب القطاع العام والمال العام(الفساد)، وتم تجميد اموال ضخمة في بناء العقارات وتعطل فائض اقتصادي كبير كان يمكن توجيهه في التنمية الزراعية والصناعية. وحتى بعد استخراج البترول والذهب ، كان من الممكن أن ينعكس ذلك ايجابيا علي حياة المواطنين اليومية وعلي تطور الانتاج الزراعي والصناعي ولكن ذلك لم يتم، واصبحت عائدات البترول مصدرا اضافيا لتراكم ثروات الرأسمالية الطفيلية الاسلامية.
الشاهد أن التنمية الرأسمالية التي قادتها الفئة الرأسمالية الطفيلية المايوية والاسلامية، وكرأسمالية تابعة لرأس المال الاجنبي، تمت بالقهر والعنف والتفريط في السيادة الوطنية، فنظام مايو بني اجهزة امن وقهر وترسانة من القوانين المقيدة للحريات (الاوامر الجمهورية ، قانون امن الدولة، قانون ممارسة الحقوق السياسية 1974 ، تعديلات الدستور 1975، قوانين سبتمبر 1983، بناء اضخم جهاز امن علي احدث الاسس في وسط وشرق افريقيا ..الخ).
اما نظام الانقاذ فقد سار علي المنوال نفسه، وبطريقة اعنف، حيث تمت مصادرة الحقوق والحريات الاساسية (مصادرة حرية الصحافة والتعبير ، اعتقالات وتعذيب وتشريد الالاف من المعارضين السياسيين، اضافة لترسانة القوانين المقيدة للحريات مثل: قانون الصحافة والمطبوعات وقانون الامن الوطني، قانون الاحزاب والتوالي، قانون النقابات ، قانون العقوبات ، قانون الاثبات ، قانون الجمعيات الاهلية..الخ، وحتي بعد توقيع اتفاقية نيفاشا كان من المفترض تغيير هذه القوانين بما يتمشي مع الدستور الانتقالي لعام 2005، ولكن ذلك لم يتم حتي الآن ، رغم مرور اكثر من ثلاث سنوات علي اتفاقية نيفاشا).
كما أشرنا سابقا، أن من سمات هذه الفئات الطفيلية قهر الحركة النقابية والديمقراطية والجماهيرية في الداخل والانحناء امام ضغوط وشروط الدول الرأسمالية ومؤسساتها السياسية والمالية والعسكرية والاقتصادية، لدرجة التبعية وفقدان السيادة الوطنية.

ثانيا: ما هي اهم المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية ومصادر التراكم الرأسمالي؟
1- الرأسمالية الطفيلية المايوية:(1969- 1985):
في هذه الفترة تراجعت الرأسمالية السودانية التقليدية التي نشأت بفضل مشاريع الادارة البريطانية في النصف الاول من القرن العشرين باقسامها المختلفة وبدرجات متفاوتة والتي تتلخص في الشركات الاجنبية والرأسمالية المحلية من اصل اجنبي ، والرأسمالية السودانية (آل ابو العلا، البربري، آل عبد المنعم،..الخ)، وخاصة بعد قرارات التاميم والمصادرة في عام 1970. ومن الجانب الآخر صعدت فئات جديدة من الرأسماليين من المدنيين والعسكريين المتعلمين واتسع حجم هذه الفئة في تلك الفترة، وكان من اهم مصادر تراكم هذه الفئة هي:
- الدخول العالية والعمولات التي كانت تستحوذ عليها من خلال ادارتها للدولة.
- دخول اعداد كبيرة من قيادات الخدمة المدنية والعسكرية، وخاصة الذين تم تسريحهم من الخدمة، الي ميدان الزراعة الآلية، وبالتالي حققوا ارباحا هائلة من هذه العملية.
- التسهيلات التي كانت تتلقاها من البنوك التجارية لتمويل عملياتها التجارية ولتجارة السوق السوداء والعملات وبناء العقارات ودعم تجارة الصادر والوارد.
- العائد السريع من النشاط الطفيلي(تخزين، سوق سوداء، تجارة العملة،السمسرة... الخ).
ونلاحظ أن هذا النشاط اصبح هو الغالب في هذه الفترة ، وفي الوقت نفسه تراجعت الرأسمالية الوطنية المنتجة التي كانت تعمل في ميدان الانتاج الزراعي والصناعي نتيجة ارتفاع تكاليف مدخلات الانتاج ، وازمة الوقود والطاقة وانخفاض قيمة الجنية السوداني..الخ.
وبالتالي سيطر النشاط الطفيلي الذي ارتبط بالثراء السريع علي مختلف اوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية ، وظهرت فئة السماسرة التي تعيش علي العمولات ووكلاء البنوك الاجنبية والاسلامية والشركات الاجنبية وروؤس الاموال البترولية وشركات النهب والفساد مثل شركة تراياد التي تحالفت مع مجموعة القصر.
وفي المشاريع الزراعية المروية زاد تركز الثروة والغني والحواشات والتراكتورات وغير ذلك في ايدي اغنياء المزارعين وخاصة بعد ادخال نظام الحساب الفردي عام 1981 في مشروع الجزيرة( انظر: الحزب الشيوعي : ازمة مشروع الجزيرة ، دار الوسيلة، 1988).
وفي الريف ازداد تركز الثروة في ايدي زعماء القبائل وكبار ملاك الاراضي نتيجة لارتباطاتهم بمؤسسات السلطة: اتحاد اشتراكي ، لجان تطوير القرى، مجالس الشعب الاقليمية..الخ. وسيطر هؤلاء علي رخص الاراضي الزراعية والمحلات التجارية وحققوا ثروات واموال صخمة من ذلك عن طريق العمولات والرشوة والفساد ..الخ، هذا اضافة لتزايد ثراء اغنياء المزارعين والرعاة أو ملاك الثروة الحيوانية نتيجة للتوسع في عملية تصدير الماشية خلال تلك الفترة.
وفي هذه الفترة اتسعت فئة اصحاب العمل التي بلغ عددها عام 1981 م، (4847) ( دليل قسم احصاءات العمل بادارة القوى العاملة والاستخدام لعام 1981).
وفي عام 1971 كان نصيب 1% من السكان 8% من الدخل القومي، و10% من السكان 23% من الدخل القومي. وفي عام 1985 ارتفعت تلك النسبة حيث قدرت ان 1% كان نصيبهم من الدخل القومي 16%، 10% من السكان كان نصيبهم 44% من الدخل القومي.
اى أنه زاد تركز الثروة والغني وتعمقت الفوارق الطبقية، كما ارتفع معدل الاستهلاك الخاص حيث بلغت هذه النسبة للاستهلاك من الناتج القومي حوالي 82% خلال الفترة(1975/76- 1985).
كما ظهرت انماط استهلاك وصرف بذخي استفزازى، كان حديث الناس في تلك الفترة: في الافراح والاتراح وبناء غابات الاسمنت.. الخ.
وفي احصاء 1983 ، كان 3,% من سكان السودان يعيشون في فيلات وعمارات، بينما كان 36,6% يعيشون في منازل عادية متفاوتة، 61,4% يعيشون في قطاطى من القش والطين والشعر(احصاء 1983، ص 46).
هكذا كانت الطبقة الرأسمالية الطفيلية تبدد الفائض الاقتصادي في صرف واستهلاك بذخي أو تهربه للخارج، علي سبيل المثال تم تقدير متوسط رأس المال الهارب في الفترة:78/1979 – 84/1985 ، ب 15 مليار دولار، وحسب د.علي عبد القادر: (ان القطاع المصرفي السوداني يقف متهما بتمويل عملية تهريب رأس المال من خلال تمويله لعمليات السوق السوداء للنقد الاجنبي ، ونلاحظ سريعا ، أن القطاع المصرفي مملوك للدولة بنسبة 60%!!)( د.علي عبد القادر علي: حول سياسات التصحيح وهروب رأس المال ، الكويت فبراير 1988).

2- الرأسمالية الطفيلية الاسلامية
الفترة: 1989- 2007
في هذه الفترة هيمنت الفئات الغنية من طفيلية الجبهة الاسلامية علي مفاتيح الاقتصاد الوطني ، وتجمعت لدى هذه الفئة ثروات ضخمة ، ومن المهم ونحن نحلل هذه الفئة أن نتناولها في تطورها التاريخي باعتبارها احد روافد الرأسمالية السودانية التي نشأت وتطورت خلال سنوات نظام مايو ، ويشير د.حيدر طه في كتابه: الاخوان والعسكر (القاهرة 1993)، ص 55 ، الي: (أن الاخوان المسلمين يملكون حوالي 500 شركة، من كبيرة وصغيرة، في عام 1980 ، وتصل حجم روؤس اموالهم لاكثر من 500 مليون دولار متداولة بين هذه الشركات في الداخل).
وترجع اصول اغلب قادة هذه الفئة أو اصحاب الثروات منها الي خريجي الجامعات والمدارس الثانوية ، والذين اسسوا تنظيم الاخوان المسلمين في اوائل الخمسينيات من القرن الماضي في جامعة الخرطوم والمدارس الثانوية وبقية المعاهد التعليمية ، وبعد التخرج عملوا في جهاز الدولة والخدمة المدنية . وبعد انقلاب 25/مايو/1969 ، تم تشريد بعض افرادها ، وهاجر بعضهم الي دول الخليج وولجوا ميدان العمل الاستثماري في التجارة، وتجارة العملات ، كما كدسوا الاموال التي كانت تصلهم وهم في المعارضة في الخارج ، كما اشتركوا في محاولات انقلابية مثل محاولة: انقلاب سبتمبر 1975، واحداث 2/يوليو/1976 ، كما هاجر بعضهم الي امريكا ودول الغرب الرأسمالي وتأهل بعضهم علميا في تلك البلدان(ماجستير، دكتوراة، ..الخ)، وعمل بعضهم في النشاط التجاري في يوغندا وبعض بلدان شرق افريقيا ، واكتسبوا خبرات وتجارب في المهجر والعمل المعارض في الخارج.
وبعد المصالحة الوطنية 1977 عادوا للسودان وشاركوا في مؤسسات وحكومات نظام النميري (مجلس الوزراء ، الاتحاد الاشتراكي ، مجلس الشعب..الخ)، وتوسعوا في ميدان العمل التجاري والاستثماري واسهموا في ادارة البنوك الاسلامية وشركات التامين الاسلامية ومؤسسات الاستثمار الاسلامية ، كما تغير اسم التنظيم تبعا لتطور الحياة السياسية ، واتخذ اسم الاخوان المسلمين في الخمسينيات من القرن الماضي ، وجبهة الميثاق الاسلامي بعد ثورة اكتوبر 1964 ، والجبهة القومية الاسلامية منذ اواخر النظام المايوي ، ثم المؤتمر الوطني الذي انشطر في عام 1999 الي وطني وشعبي.
لقد كانت مؤسسات وبنوك وشركات التنظيم هي التي مولت كل نشاطاته وصرفه الكبير خلال فترة الديمقراطية الثالثة (الانتخابات، شراء الاصوات ، ..الخ)، وكانت تلك المؤسسات وراء تخزين قوت الناس في مجاعة: 1983/1984 ، كما تغلغلوا وسط الجيش باسم دعم القوات المسلحة ومحاربة الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق والطابور الخامس، خلال فترة الديمقراطية الثالثة حتى نفذوا انقلاب يونيو 1989 بالتحالف مع مليشيات الجبهة الاسلامية بعد تكوين الحكومة الموسعة والاقتراب من الحل السلمي لمشكلة الجنوب بعد اتفاق الميرغني – قرنق عام 1989.
وبعد انقلاب يونيو 1989 ، تضاعفت ثروات هذه الفئة ، ويمكن تلخيص اهم مصادر التراكم الرأسمالي لهذه الفئة في الآتي:
أ‌- نهب اصول القطاع العام عن طريق البيع أو الايجار أو المنح باسعار بخسة لاغنياء الجبهة أو لمنظماتها أو الاقمار التابعة لها ، والتي كونت اكثر من 600 شركة تجارية تابعة لها ولمؤسساتها.
ب‌- اصدار قانون النظام المصرفي في العام 1991 م والذي مكن لتجار الجبهة ولمؤسساتها من الهيمنة علي قمم الاقتصاد الوطني وامتصاص الفائض مما ادي الي فقدان الثقة في النظام المصرفي ، اضافة لاجراءات تبديل العملة وتحميل المودعين التكلفة بخصم 2% من ارصدتهم وحجز 20% من كل رصيد يزيد عن 100 ألف جنية امتدت اكثر من عام وانتهاك قانون واعراف سرية النظام المصرفي وكشف القدرات المالية لكبار رجال الاعمال امام تجار الجبهة الاسلامية( دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، أغسطس 2001).
ت‌- التسهيلات والرخص التجارية من وزارة التجارة والبنوك التجارية والاعفاء من الضرائب .
ث‌- الاستيلاء علي شركات التوزيع الاساسية وتمليكها لتجار وشركات الجبهة الاسلامية.
ج‌- المضاربة في العقارات والاراضي والاستثمار في مشاريع الزراعة الآلية والثروة الحيوانية واستيلاء شركات ومؤسسات الجبهة الاسلامية علي مؤسسات تسويق الماشية.
ح‌- من مصادر التراكم الرأسمالي لهذه الفئة ايضا عائدات البترول والذهب.
خ‌- من الامثلة للنهب : طريق الانقاذ الغربي الذي وصل قمة النهب . وافقار المزارعين عن طريق نظام السلم والضرائب والجبايات التي لم يعرفها الشعب السوداني الا في العهد التركي.
د‌- من مصادر التراكم والدعم لهذه الفئة رأس المال الاسلامي العالمي الذي دخل البلاد في التسعينيات من القرن الماضي والذي قدرته بعض المصادر ب 6 مليار دولار واسهم في دعم النظام ومؤسساته الاقتصادية والمالية.
ذ‌- وتضيف د.فاطمة بابكر: (الخدمات الصحية والتعلمية التي اصبحت احد مصادر التراكم الرأسمالي في السودان بعد نظام الانقاذ 1989) (د.فاطمة بابكر: الرأسمالية السودانية: أطليعة للتنمية؟ ، الطبعة العربية 2006، ص 23).
والشاهد أن هذه المصادر جاءت نتيجة للنهب الاقتصادي والقمع السياسي ، وعاشت تلك الفئة في ترف وبددت الفائض الاقتصادي في صرف بذخي أو في تحويله للخارج.
ومن الجانب الآخر تدهورت اوضاع الفئات الشعبية نتيجة للفقر والبؤس والضنك، وانتشرت الرشوة والفساد في المجتمع وغير ذلك من التحلل الخلقي الذي فرضه نظام الجبهة الاقتصادي والاجتماعي.
وخلاصة القول أنه رغم المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية في هذه الفترة ورغم زيادة وزن العناصر المتعلمة وسطها، الا أنها فشلت في قيادة النهضة الصناعية والزراعية والاجتماعية والثقافية ، بل حتى في ادني مستوياتها البورجوازية مثل: قيام دولة المؤسسات وحكم القانون واحترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية، ورفع مستويات المعيشية وترقية خدمات التعليم والصحة ودعمها، ودعم خدمات الكهرباء والمياه، وتوفير البنيات الاساسية اللازمة للنهضة والتطور حتي اصبح السودان في ذيل قائمة الدول الاكثر تخلفا في العالم ، رغم امكانياته وموارده الاقتصادية والزراعية والحيوانية والبترولية والمعدنية. مما يتطلب قيادة طبقية جديدة تعبر عن الطبقة العاملة والكادحين، تنجز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية.

ثالثا: الرأسمالية الوطنية: المفهوم والمصطلح:
لم تعالج كلاسيكيات الماركسية العلاقة بين الاستقلال الوطني في المستعمرات والانتقال الي الاشتراكية بوضوح، ولكن كانت هناك اشارة غامضة لانجلز ترى : (ان الاستقلال الوطني يمكن أن يكون ثمرة نضال الطبقات العاملة في بلدان المستعمرات). كما أشار كاوتسكي انه: (يجب علي الطبقة العاملة أن تقود بلدان المستعمرات(الهند، الجزائر، المستعمرات الهولندية والبرتغالية..الخ) في اسرع وقت ممكن نحو الاستقلال).
أما لينين فقد لاحظ الدور الذي يمكن أن تلعبه البورجوازية الوطنية في المستعمرات الاسيوية، مثل الدور الذي لعبه صن يات صن كديمقراطي ثوري في الصين. وفي مؤتمر الاممية الشيوعية 1920 أشار لينين الي ضرورة تقديم مساعدات لحركات التحرر الوطني التي تقودها البورجوازية الوطنية. وفي المؤتمر نفسه رفض الماركسي الهندي (رو) تقديم مساعدات الطبقة العاملة للبورجوازية الوطنية لعجزها عن قيادة الثورة الديمقراطية للنهاية.
أما تروتسكي فقد كان يسخر من مصطلح (البورجوازية الوطنية) الذي أشار اليه ماوتسي تونغ في مقاله حول (الديمقراطية الجديدة) ، باعتبار أن الاستعمار هو الذي خلق هذه البورجوازية أو ساهم في تكوينها. كما انتقد بوخارين سياسة الاممية الشيوعية وماوتسي تونغ الذي ابدل البورجوازية بعبارة (البورجوازية الوطنية)، وظلت مواقف الماركسيين تترواح بين مرونة تجاه (البورجوازية الوطنية) ودورها في تحقيق المهام الديمقراطية التي تطرحها مرحلة مابعد الاستقلال، واخرى متشددة تتخوف من احتكار البورجوازية الوطنية للسلطة وخضوعها لضغوط الامبريالية ورأس المال الاجنبي.( للمزيد من التفاصيل:راجع جورج لابيكا وج.سوسان: معجم الماركسية النقدي، دار الفارابي، 2003 ، ص 124 ).
كما يرى بعض الماركسيين المحدثين مثل: اندرية فرانك وسمير امين، انه لاتوجد مايسمي براسمالية وطنية، باعتبار أن بورجوازية الدول الهامشية(الاطراف) بطبيعتها تابعة أو (كمبرادورية).
هكذا كانت مواقف الماركسيين متباينة تجاه ما يسمي (بالبورجوازية الوطنية)، وهذا يؤكد رحابة الفكر الماركسي في تناوله لهذه القضية من زواياها المختلفة.
أشارت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية الي اهمية الوضوح النظري حول الرأسمالية الوطنية أو المحلية باعتبارها من القضايا الهامة في الثورة الوطنية الديمقراطية ، كما أشارت الي أن البعث الوطني للشعوب التي نالت استقلالها حديثا مستحيل في عالم اليوم بطريق التطور الرأسمالي كما حدث في اوربا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كما اشارت الي أن هذا الطريق مسدود من الناحية التاريخية ، ولكن مشكلة الرأسمالية المحلية تظل قائمة خلال المرحلة الوطنية الديمقراطية ( فهي تتعلق بقيادة الثورة الديمقراطية وبالبعث الوطني وبامكانية تجميع كل القوى المناهضة للاستعمار ومن اجل دعم الاستقلال ، وبمهمة البناء الوطني الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وجلب تأييد وفعالية الطبقات ذات الامكانيات والقدرة لهذا الغرض.الخ)(ص، 97).
كما أشارت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية الي أن قضية الرأسمالية الوطنية قضية معقدة، ولايمكن حلها بمجرد الشعارات او النقل الاعمي من تجارب الحركة الثورية العالمية. من المهم أن نبني موقفنا علي التالي:-
أ‌- كشف العناصر من الرأسمالية الوطنية أو التي ظلت تمثل اقساما منها تقليديا، والتي تجنح للمصالحة مع الاستعمار والقوي الرجعية وتحاول وقف البعث الوطني في البلاد.
ب‌- الاعتبار الكافى لمصالح الرأسمالية الوطنية التي تسير تحت سيطرة رأس المال الاجنبي، أو تبدي الرغبة في الخلاص منه حيث وجد ، والاستفادة من امكانياتها في النضال لانجاز مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية من ناحية قدراتها السياسية والاقتصادية ، وهذا يتطلب وضوحا ساطعا في برنامج حزبنا ومسلكا في النضال العملي يتمشي مع البرنامج.
ت‌- اكتشاف المواقع الحقيقية للرأسمالية الوطنية التي تقف مصالحها الي صف الثورة الوطنية الديمقراطية وجلبها الي مواقع العمل المشترك والنضال اليومي ، ومن بين هذه المواقع تشكل البورجوازية الزراعية بين القطاع الحديث موقعا هاما ، وهى عمليا تعبر عن تبرمها بالقيادات التقليدية التي كانت تسير وراءها والجانحة الي التهادن مع الاستعمار وقوى اليمين في البلاد( ص، 100).
الايجابي في ماجاء في وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية انها تجاوزت المنقول من الكتب الماركسية وتركت الباب مفتوحا للدراسة الميدانية أو الباطنية الملموسة حول هذه النقطة، حتى يمكن الوصول لنتائج من الواقع وبذهن مفتوح حول هذه النقطة بدلا من الاخذ في الاعتبار ما ورد في كلاسيكيات الماركسية واجتماعات الاحزاب الشيوعية العمالية حول الرأسمالية الوطنية والتي تفترض ضرورة مشاركتها في الثورة الديمقراطية وان هناك اقسام منها تعادي الاستعمار ، مع الاخذ في الاعتبار في الوقت نفسه تردد البورجوازية الوطنية وعدم قدرتها علي قيادة الثورة الديمقراطية بحزم الي نتائجها المنطقية.
ان الدراسة الباطنية والمستقلة مهمة لنشأة وطبيعة وخصائص الراسمالية في السودان.
هذا وترجع جذور دخول نمط الانتاج الرأسمالي في السودان الي فترة الحكم التركي عندما ارتبط السودان بالتجارة العالمية عن طريق تصدير سلعتي الصمغ والعاج ، ودخول المحاصيل النقدية(الصمغ، النيلة، القطن،.)، واتساع التعامل بالنقد، واقتلاع الاف المزارعين من اراضيهم وسواقيهم والذين تحولوا الي قوة عمل في مؤسسات دولة الحكم التركي ومصانعها( الذخيرة، الصابون،...الخ)(تاج السرعثمان: التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي، مركز محمد عمر بشير 2006). واتسعت هذه العملية( دخول نمط الانتاج الرأسمالي في السودان) بعد الاحتلال الانجليزي للسودان عام 1898م، وبعد تحرير الرقيق واحلال العمل الماجور محله، حيث ارتبط السودان بالتجارة العالمية عن طريق التبادل غير المتكافئ تصدير موارد اولية واستيراد سلع رأسمالية ، بعد أن عطل الاستعمار نمو الصناعة الوطنية، وقامت مشاريع القطن والسكة الحديد والتعليم المدني الحديث ، ونشأت الرأسمالية السودانية بدفع من قيام مشاريع الادارة البريطانية، وبدأ نشاطها في التجارة ثم تحول الي القطاع الزراعي والصناعي( بعد الاستقلال) وظل هذا النشاط متداخلا ومتشابكا. كما اشرنا سابقا الي أن وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية حددت مصادر تراكم الرأسمالية السودانية: الزراعة الآلية، مشاريع القطن الخاصة، المشاريع الخاصة في المديرية الشمالية.
ثم بعد ذلك حدثت متغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية وفي مصادر التراكم علي التحو الذي وضحناه في بداية هذه الدراسة.
1- مساهمة د. فاطمة باباكر
من الدراسات الميدانية أو الباطنية الهامة: دراسة د.فاطمة بابكر: الرأسمالية السودانية: اطليعة للتنمية؟ ، 1984م( بالانجليزي) ، وصدرت الطبعة العربية منها 2006 ، وهو جهد عظيم ويستحق التقدير، فلا يكفى الحديث العام عن الرأسمالية ، فلابد من بذل الجهد والدراسة العميقة لمواقعها ومصادر تراكمها وسماتها بدلا من الشعارات والنقل الاعمي لتجارب الآخرين كما أشارت وثيقة الماركسية وقضايا الثورة، واكتشاف مواقع الرأسمالية السودانية فعلا لاقولا، وخلصت د. فاطمة بابكر الي أن: نمط الانتاج الرأسمالي هو النمط السائد في المرحلة الراهنة من السودان، وهو النمط الذي يحدد عملية الانتاج ككل والاستهلاك وتوزيع الموارد.
كما أشارت الي اهم مميزات العينة الميدانية التي درستها والتي تتلخص في الآتي:
ورغم أن التجارة كانت الاساس لهم جميعا الا أن التعقيد والتداخل يتضحان في انماط استثمارهم ، اذ انهم كانوا يستثمرون في اكثر من مجال واحد من مجالات الاقتصاد(زراعة، صناعة- بعد الاستقلال- ).
كما اشارت الي اصول العينة التي درستها والتي ترجع الي الآتي: أبناء تجار الرقيق، أبناء العاملين في الادارة الاهلية، التجار وتجار الشيل في المديرية الشمالية، الحرفيين الذين حظوا بعقود من الحكومة البريطانية خلال فترة الحرب العالمية الثانية، ابناء الشخصيات المرموقة( الوزراء السابقين)، العاملون بالسياسة مؤيدي الاحزاب، بيروقراطية الدولة بما فيهم رجال الجيش.
كما اكدت الدراسة الملموسة وجود الطبقات في السودان ، كما اشارت أن الطبقة الرأسمالية استغلت الروابط الاسرية والانتماءات الاقليمية لخلق المزيد من التراكم الرأسمالي. كما أشارت الي ارتباط الشريحة العليا من الطبقة الراأسمالية بالاستعمار واستمرار التعاون معه حتى بعد الاستقلال، اضافة لدعم نمط الانتاج الرأسمالي بعد وصول الاحزاب التقليدية للحكم بعد الاستقلال.
كما اشارت الدراسة الي خطأ ماجاء في دورة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني، يوليو 1977م وهو اعتبار(أن كل الرأسمالية السودانية طبقة بورجوازية وطنية. فالحزب الشيوعي ينسي أنه لاتوجد أى تناقضات بين مصالح الرأسمالية الوطنية التي شملتها الدراسة ومصالح رأس المال الاجنبي)( المصدر السابق، ص، 283).
كما خلصت الكاتبة الي أن ( الرأسمالية السودانية ما هى في الحقيقة الا تابع ذليل (كمبرادورية) أى انها بورجوازية تابعة. بالنظر الي الدور القمعي الذي لعبته احزابهم في تاريخ السودان السياسي الحديث، والدور الشخصي الذي لعبه بعضهم في معارضة التغيرات الجذرية لدرجة سحقهم لحكومات قائمة بالتنسيق مع رأس المال الاجنبي ، فان هذه الرأسمالية لايمكن بأى حال من الاحوال أن تصنف بأنها (رأسمالية وطنية)).
وتتفق د. فاطمة بابكر مع اندريه جندر فرانك الذي يرى أن: رأسمالية الاطراف (الاقطار الهامشية) تابعة ولها مصالح بالغة الاهمية في استمرار تلك التبعية) وفي قوله( بان الرأسمالية بكل اشكالها غير قادرة على لعب اى دور في الثورة الديمقراطية ، هذا اذا كان هناك احتمال لاحداث مثل هذه الثورة).
كما ترى د. فاطمة بابكر ( تؤكد نشاة وتطور الرأسمالية السودانية في السودان طبيعتها التابعة في كل القطاعات التي امتد اليها نشاطها ، وتؤكد لنا ايضا نشاطاتها السياسية بصورة اكبر ، مدى مصلحتها في الاستمرار في النمط الرأسمالي التابع الذي ميز وما زال يميز اقتصاد السودان)( 275).
علي أن د. فاطمه بابكر تستدرك استدراكا هاما حين تشير الي( ضرورة عمل دراسة اعمق واكثر شمولا لشرائح الطبقة الرأسمالية المختلفة للتمكن من الوصول لنتائج مؤكدة).
وهذا يترك الباب مفتوحا لمزيد من الدراسة الميدانية والباطنية للمتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية ودراسة الموضوع في شموله وحركته، بدلا من الحكم النهائي، وخاصة بعد فترة الانقاذ الذي همشت قطاعات واسعة من الرأسمالية الوطنية المنتجة في القطاعين الزراعي والصناعي، والتي تقاوم سياسة الانقاذ التي ارهقتها بالضرائب وحجمت دورها.
وفي اعتقادي أن الخلل الذي جاء في دورة اللجنة المركزية يوليو 1977م، انها لم تطرح مواصلة نهج الماركسية وقضايا الثورة السودانية في مواصلة الدراسة الباطنية لمواصلة اكتشاف مواقع الرأسمالية الوطنية التي تنزع للاستقلال عن رأس المال الاجنبي ، رغم ان ماجاء في الدورة صحيح من زاوية( علي الطبقة العاملة وحزبها ان تصارعا ضد مساعى البورجوازية الوطنية لقيادة الحركة الشعبية ، فحتى القادة الوطنيين المنحدرين منها يبقون اسري برنامجها الاجتماعي الذي يقود بالضرورة الي الارتداد علي التطور الوطني الديمقراطي)( الدورة، ص، 17- 18 ).
هذا اضافة للدراسات التي انجزها الحزب الشيوعي في تلك الفترة مثل : ازمة طريق التطور الرأسمالي، 1973، دراسة حول الاصلاح الزراعي في مشروع الجزيرة ونشرت في مجلة الشيوعي العدد 145، القطاع التقليدي والثورة الوطنية الديمقراطية 1976، المتغيرات في القطاع الزراعي 1986، البنوك الاسلامية 1978، البترول، أزمة النظام المصرفي وبعد انقلاب يونيو 1989 صدرت دراسة عن الرأسمالية الطفيلية في نشرة دراسات اقتصادية 1996-1997، كما تابعت دورة اللجنة المركزية في اغسطس 2001 المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية بعد انقلاب الجبهة القومية، اضافات لدراسات مثل الخصخصة وغيرها.
فالقضية الاساسية في اعتقادي أنه ليس الغاء دور الرأسمالية الوطنية المنتجة في البرنامج الوطني الديمقراطي ، ولكن في عجز الرأسمالية الوطنية عن قيادة الثورة الديمقراطية كما اكدت تجارب حركات التحرر الوطني ، وبالتالي لايمكن أن تسند اليها الدور القيادي.
وهذه نقطة هامة دار حولها صراع فكري منذ تأسيس الحزب الشيوعي السوداني وحول التحالف مع البورجوازية الوطنية، هل يظل الحزب الشيوعي مستقلا ام جناحا يساريا في الحزب الوطني الاتحادي( الذي كان يعتقد بصورة غير دقيقة انه حزب البورجوازية الوطنية)، وحسم الحزب الشيوعي السوداني هذا الصراع بتاكيد الاستقلال والصراع ضد احتكار البورجوازية الوطنية في احزابها التقليدية لقيادة الحركة الجماهيرية، واكد علي ضرورة الاستقلال والصراع في التحالف مع احزاب البورجوازية الوطنية، كما صارع الحزب الشيوعي ضد احتكار البورجوازية الصغيرة للقيادة بعد انقلاب 25/مايو/1969 ، وطرح البديل : سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية والدور القيادي فيها للطبقة العاملة والكادحين، وبعد انقلاب 22/يوليو/1971 ، تأكد تحالف سلطة الانقلاب مع رأس المال العالمي والتبعية للمؤسسات المالية الدولية وفقدان السيادة الوطنية.
2- مساهمة د.صدقي كبلو:
المساهمة الثانية، والتي تستحق التقدير، والتي تؤكد ضرورة دراسة المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية بذهن مفتوح وضرورة اكتشاف مكوناتها، موضوعيا، علي الارض، هي مساهمة د. صدقي كبلو في سلسلة مقالات نشرت في صحيفة الميدان في فترة الديمقراطية الثالثة، وتم نشرها في كتيب بعنوان: (من يقود الرأسمالية السودانية؟، وصدر عن دار عزة 2008م) ، وحسب ما اشار الكاتب أن الهدف هو حوار ثر حول الرأسمالية السودانية قبيل انعقاد المؤتمر الخامس للحزب الشيوعي السوداني.
تناولت المقالات: هجوم الرأسمالية الطفيلية، تركيب الرأسمالية السودانية، انتفاضة مارس ابريل 1985 تطرح من جديد قضية القيادة: من يقود الرأسمالية السودانية؟ الطفيلية ام التجارية ام الصناعية؟، كما ختم الكاتب بمقال عن : انقلاب 30 يونيو 1989 انتصار للرأسمالية الطفيلية.
عرّف الكاتب في مقالاته الرأسمالية الطفيلية: بانها تلك التي تسعي الي استثمار سريع العائد من قطاعات ( المصارف، التامينات، التجارة الداخلية والخارجية) ، وان الفئات الطفيلية لاتساهم في الانتاج وتسعي لتحقيق اقصى معدلات للربح من خلال التداول: خلق الندرة في السوق ، والسوق الاسود ، التهريب، المتاجرة في العملات والوساطات( السمسرة).. الخ.
كما اشار الي ضرورة لجم النشاط الطفيلي بتوجيه روؤس الاموال نحو نشاطات انتاجية ( صناعية وزراعية)، والي هجوم الرأسمالية الطفيلية علي قانون الضرائب لعام 1986 والذي من فوائده لجم النشاط الطفيلي بجعله اقل ربحية، كما اشار الي ضرورة حماية الرأسمالية الصناعية التي يبلغ حجم استثماراتها اكثر من 2 بليون دولار امريكي ( مصانع النسيج) ، كما اشار الي أن جملة الاستثمارات في صناعة الغزل والنسيج 1,1 بليون دولار في القطاعين العام والخاص وتستوعب 32 الف عامل وموظف وفني ، وتستطيع أن تنتج 31 الف طن غزل و239 مليون متر قماش ، ولهذا السبب فقد منع استيراد الاقمشة من الخارج( ص ، 10- 11)، كما اشار الكاتب الي الاثر السلبي للتهريب علي الرأسمالية الصناعية والرأسمالية التجارية العاملة في الاستيراد القانوني.
كما حلل الكاتب تركيب الرأسمالية السودانية في مكوناتها : التجارية ، الصناعية ، الزراعية ، العقارية، المالية والمصرفية، مع الاشارة لتداخل هذه الفئات.
كما اشار الكاتب الي ظاهرة البنوك الخاصة التي برزت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي حيث تم فتح فروع للبنوك الاجنبية : 6 بنوك اجنبية ، 9 يساهم فيها السودانيون والاجانب ، 5 بنوك تحمل اسماء اسلامية . كما اشار الي انه منذ عقد السبعينيات والتسعينيات توسع وتطور النظام المصرفي بشكل سريع ، ففي العام 1996 بلغ مجموع عدد البنوك وفروعها 696.( ص، 25).كما اشار الي التشابك بين رأس المال التجاري وروؤس الاموال في البنوك المشتركة وشركات التامين، والي ان الهدف تحقيق اقصي عائد من الارباح ، وبالتالى لايهمهم توفير ضروريات المواطنين، وبالتالي يقفون وراء عمليات التهريب والسوق الاسود وتجارة العملة..الخ.
اشار الكاتب الي قضية تحرير الاقتصاد والي أن الطبقة العاملة وكل قوى الثورة الوطنية الديمقراطية في نضالها لاستكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية تواجه مباشرة قضية تحرير الاقتصاد الوطني والاستقلال الاقتصادي ، لذا لابد ان تضمن في برنامجها تحرير الرأسمالية السودانية من النفوذ الاحنبي والتبعية للاستعمار الحديث خاصة فيما يتعلق ب: -
أولا: رأس المال الاجنبي وتمويل الاستثمارات .
ثانيا:التكنولوجيا فيما يتعلق باستيراد الالات والمعدات وقطع الغيار ونظم الانتاج.
ثالثا:الاعتماد علي المواد الخام والوسيطة المستوردة. وهنا لابد من اعادة تشكيل وترتيب البنية الاقتصادية السودانية بشكل جوهري بحيث تقوم علي اساس قطاعات ومناطق اقليمية متشابكة ومتبادلة المصالح ومدخلات بعضها تاتي من منتجات البعض الآخر ومنتجاتها تصب اما لتلبية احتياجات السوق المحلي الاستهلاكية أو الاحتياجات الانتاجية بحيث يمكن قيام علاقات البلاد الاقتصادية الدولية علي اساس تبادل المنافع لا علي اساس التبعية والاندماج في السوق الرأسمالي العالمي.( 31- 32).
كما أشار الكاتب الي أن تطور الرأسمالية السودانية وتعدد فئاتها حقيقة موضوعية ينبغي علينا ادراكها تما ما ووضع برنامجنا وتكتيكاتنا علي اساسها( ص، 32).
ولكن من المهم أن نأخذ في الاعتبار ان طبيعة التراكم الرأسمالي تتفاوت ولاتتغير طالما كان الهدف من اسلوب الانتاج الرأسمالي تحقيق اقصي قدر من الربح، وفي مؤلفه(الرأسمال)، المجلد الاول، يشير ماركس الي مصادر التراكم البدائي لرأس المال بقوله(ان اكتشاف الذهب والفضة في امريكا ، وافناء السكان الاصليين واسترقاقهم ودفنهم في المناجم وبداية غزو ونهب جزر الهند الغربية ، وتحول افريقيا الي منطقة لصيد ذوى البشرة السوداء علي نطاق تجاري، كل ذلك اعلن الفجر الوردي لعصر الانتاج الرأسمالي)(ماركس : رأس المال، المجلد الاول، موسكو 1974، ص 703). فالتراكم البدائي لراس المال، اذن تم عن طريق النهب، ثم انتقل بعد ذلك الي الاستثمار في الزراعة والصناعة وبقية الخدمات، وحتي في المجالات الانتاجية(الزراعة، الصناعة،..)، فان التراكم الرأسمالي يقوم علي نهب فائض القيمة من العاملين بايديهم وادمغتهم.
فالرأسمالية الطفيلية في السودان التي حققت ارباحا سريعة عن طريق الفساد ونهب اصول قطاع الدولة والتداول السريع لرأس المال وغير ذلك من الاساليب البشعة للتراكم البدائي لرأس المال، اصبحت جزءا من الرأسمالية السودانية، ومن المؤكد أن هناك اقسام منها سوف تنتقل الي انشطة انتاجية، وسوف تحقق اقصي قدر من الارباح طالما كانت الدولة التي تعبر عن مصالحها تصادر حرية العمل النقابي، وبالتالي ليس هناك فرق جوهري بين النشاط الرأسمالي الطفيلي والنشاط الرأسمالي الانتاجي، باعتبارهما من مكونات الرأسمالية السودانية، ولكن خطورة الدور القيادي للنشاط الرأسمالي الطفيلي يترك البلاد لقمة سائغة للمؤسسات الرأسمالية الدولية ويعجل بتبعيتها لها، وبفقدان البلاد لسيادتها الوطنية، كما اكدت فترة مايو والانقاذ.
رابعا: ما هو دور الرأسمالية الوطنية في التنمية المستقلة؟.
تؤكد تطورات الاحداث وفي ظل الرأسمالية المعاصرة (المعولمة) أنه لابديل للتنمية المستقلة أو التطور الوطني الديمقراطي والتي تتطلب:
1 – تاهيل القطاع الزراعي باعتباره المصدر الاساسي للفائض الاقتصادي وتأمين الغذاء ( باعتبار أن من لايملك قوته لايملك قراره)، خاصة بعد أن اتضح في مرحلة العولمة الحالية أن الغذاء سوف يكون سلاحا فعالا لاخضاع شعوب العالم الثالث لسياسات الدول الرأسمالية ومؤسساتها المالية والاقتصادية والعسكرية، وهنا لابد ان يلعب قطاع الدولة الدور القيادي في حشد الطاقات والقدرات في سبيل ذلك اضافة للقطاع التعاوني والرأسمالية الوطنية المنتجه، وأن تلعب الدولة ومؤسساتها المالية دورها في توفير مدخلات الانتاج والتسهيلات اللازمة لعملية الانتاج الزراعي والحيواني.
2- اعادة تاهيل القطاع الصناعي:
وهذا يتطلب حماية الصناعة الوطنية بتوفير الطاقة باسعار زهيدة وحل مشاكل التمويل والسلفيات بفوائد زهيدة وتوفير قطع الغيار حتي تعمل المصانع بطاقتها الكاملة وتدب الحياة في المصانع التي توقفت ، هذا اضافة للتوسع في الرقعة الزراعية للحبوب الزيتية (السمسم، الفول ، القطن، عباد الشمس .. الخ) حتي تنتعش مصانع الزيوت والصابون والتوسع في زراعة القطن لمواجهة احتياجات صناعة النسيج..الخ.
وهذا يتطلب لجم النشاط الرأسمالي الطفيلي ودعم الرأسمالية الوطنية المنتجة في القطاعين الزراعي والصناعي.
2- سيطرة الدولة علي ثرواتها ومواردها الطبيعية.
3- السيطرة المحلية علي التكنولوجيا أو اعادة انتاجها سريعا حتي لو كانت مستوردة من دون الاضطرار الي استيراد قطع الغيار والمعدات والخبرات.
( للمزيد من التفاصيل حول التنمية المستقلة أو المتمحور حول الذات راجع د. سمير أمين: ما بعد الرأسمالية المتهالكة، دار الفارابي 2003).
في كل هذه العمليات تلعب الرأسمالية الوطنية المنتجة دورا هاما في اطار السياسة العامة للدولة الوطنية الديمقراطية.
وخلاصة ما نود أن نقوله: من المهم مواصلة نهج وثيقة الماركسية وقضايا الثورة السودانية في الدراسة المستقلة علي الارض لاكتشاف مواقع الرأسمالية الوطنية في النشاط الانتاجي(الزراعي ، الصناعي، الخدمات،..الخ) ومتابعة المتغيرات في تركيب الرأسمالية السودانية، وتناول تركيب الرأسمالية السودانية في حركته وتطوره وتغيره، وتجديد الدراسة بتجدد المتغيرات.

خاتمة
استعرضنا في الحلقات السابقة الملامح العامة والسمات الرئيسية لنشأة وتطور الرأسمالية السودانية ، واشرنا إلى العوامل والمؤثرات والعقبات التي وقفت في طريق تطور ونمو الرأسمالية السودانية والتي حالت دون أن تتمكن من قيادة النهضة الصناعية والزراعية ، رغم أن بذور نشأتها كانت مبكرة ومعاصرة للثورة الصناعية في أوربا ، فقد نشأت في خضم عمليات التراكم البدائي للرأسمال التجاري في سلطنة سنار ، ويمكن أن نلخص أهم الأسباب التي أدت إلى إجهاض دور الرأسمالية السودانية في قيادة النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الآتي : _
1_ لم تستطع الرأسمالية التجارية أن تحقق نصرا حاسما في صراعها ضد الطبقة الإقطاعية في سلطنة سنار والتي كان على رأسها السلطان الذي كان يحتكر سلعتي الذهب والرقيق وبالتالي فشلت في الانفراد بقيادة الدولة كما فعلت الطبقة الرأسمالية في أوربا ، هذا فضلا لتوقف التطور الطبيعي الباطني لهذا الصراع بسبب تدخل عامل خارجي هو الاحتلال التركي للسودان .
2 _ كان الاحتلال التركي المصري جذرا أساسيا من جذور تخلف السودان ومن العوامل التي حالت دون تطور الرأسمالية السودانية وبالتالي دون مساهمتها في قيادة دفة النهضة الصناعية والزراعية. فقد اصبح الاقتصاد السوداني متوجها لخدمة أهداف دولة محمد على باشا في مصر والذي كان يهدف إلى تحقيق نهضة صناعية وزراعية في مصر واللحاق بركب البلدان الأوربية ، ودارت كل عجلة التنمية في ظل الاحتلال التركي لخدمة ذلك الهدف ، إضافة لنهب موارد البلاد المادية والبشرية . لقد احدث الحكم التركي تشوهات والحق دمارا بتركيبة المجتمع السوداني وارهق كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة والتي حالت دون النهضة الزراعية والصناعية رغم مظاهر التحديث التي ادخلها الحكم التركي في البلاد مثل إدخال التعليم المدني ونمط الدولة المدني وإدخال المحاصيل النقدية في الزراعة مثل القطن والنيلة وإدخال البواخر النهرية والتلغراف وربط البلاد بالسوق الرأسمالي العالمي . وكان رد الفعل من السودانيين على السياسات التي انتهجها النظام هي المقاومة والانتفاضات المستمرة حتى تم تتويجها بالثورة المهدية .
3 _ ثم جاءت فترة المهدية التي تميزت بعدم الاستقرار والحر وبات المتصلة والصراعات الداخلية والخارجية وإهمال القطاع الزراعي بسبب التهجير الواسع للمزارعين واسرهم تلبية لنداء الجهاد مما أدى لتدهور الزراعة وانتشار المجاعات مثل مجاعة سنة 1306 ه . وبالتالي لم يكن الجو مساعدا لنمو وتطور الرأسمالية السودانية ، كما أن طبيعة الدولة كانت دينية وقامت بإلغاء التعليم المدني وحطمت جهاز الدولة التركي بحسناته وسيئاته ولكنها في مرحله لاحقه اضطرت لللاستفاده من موظفي جهاز الدولة السابق في إدارة جهاز الدولة الجديد ، ولكن رغم الظروف الموضوعية المعاكسة كانت الرأسمالية التجارية تشق طريقها في ظروف وأوضاع صعبة ، ونلاحظ الاتجاه المستمر لتطور الصناعات الحرفية مثل صناعة النسيج والأحذية ، ولكن الاحتلال الإنجليزي _ المصري قطع التطور الطبيعي مرة أخرى ، واصبح السودان خاضعا مرة أخرى لاحتياجات بريطانيا الخارجية .
3 _ كان الهدف الرئيسي للاحتلال البريطاني للسودان هو تحويل السودان ألي مزرعة قطن كبيرة تلبية لاحتياجات مصانعها في لانكشير وغيرها ، ودارت كل عجلة التنمية الاستعمارية لتحقيق هذا الهدف ، وتم إلغاء نظام الرق وصدور قوانين جديدة لملكية الأرض ، وقام مشروع الجزيرة ومشاريع القطن في القاش وطوكر وجبال النوبا ومشاريع النيل الأبيض ، وتم إنشاء خزان سنار ، وقامت ميناء بور تسودان ، وتم ربط أجزاء البلاد بشبكة من خطوط السكك الحديدية حتى يتم نقل القطن من مواقع الإنتاج إلى الميناء ، ثم إلى لانكشير ، هذا إضافة للتبادل غير المتكافئ بين السودان وبقية البلدان الرأسمالية المتطورة والتي تتمثل في تصدير مواد أولية رخيصة الثمن واستيراد مواد مصنعة مما أدى إلى تزايد التخلف بمتوالية هندسية . وانعكس محصول التنمية الاستعمارية على البلاد والذي تمثل في التطور غير المتوازن للبلاد وضعف نسبة التعليم والخدمات الصحية واعتماد البلاد على محصول نقدي واحد ( القطن ) ، واستنزاف الشركات الأجنبية للفائض الاقتصادي وتصديره للخارج وتعميق الفوارق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين الشمال والجنوب ، حتى انفجرت مشكلة الجنوب في أغسطس 1955 م .
4 _ وبعد الاستقلال لم يحدث تغيير يذكر في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية التي خلفها الاستعمار ، وازداد الوضع سوءا بسبب عدم الاستقرار السياسي والانقلابات العسكرية التي عقدت الأوضاع الاقتصادية والسياسية وعمقت مشكلة الجنوب عن طريق الحل العسكري ومصادرة الحقوق والحريات الديمقراطية ، وكان حصاد 47 عاما من الاستقلال على النحو التالي :
_ انهيار البنيات الأساسية والمشاريع التي خلفها الاستعمار مثل مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والنقل النهري والخطوط الجوية السودانية والخدمة المدنية التي كانت تتميز بدرجة عالية من الكفاءة والانضباط.. الخ
_ ديون خارجية بلغت 24 مليار دولار .
_ عجز غذائي ومجاعات ونزوح لامثيل له منذ فترة المهدية من الأرياف إلى المدن بسبب انهيار الخدمات والضرائب الباهظة على المزارعين والرعاة وخاصة في فترة الإنقاذ .
_ توسع وتعمق حرب الجنوب وخاصة بعد انقلاب 30 يونيو 1989 م حتى أصبحت الحرب تشمل دار فور ومناطق الشرق وجنوب النيل الأزرق وجبال النوبا مما أدى للتدخل الأجنبي وفقدان البلاد لسيادتها الوطنية .
_ انهيار خدمات التعليم والصحة و الإنتاج الصناعي والزراعي.
_ عدم تحقيق الأهداف المباشرة المنشودة من التنمية الرأسمالية التي قادتها الأنظمة العسكرية والمدنية في السودان. إضافة للآثار السلبية لتضخيم دور الاستثمار في التنمية .
_ عدم الثقة بالنفس وتزايد الاعتماد على الغير والهبات والمعونات.
_ على أن الوضع اخذ في التدهور المريع منذ بداية انقلاب 25 مايو 1969 م عندما تم تحجيم الرأسمالية الوطنية التي بدأت تلج ميدان الإنتاج الصناعي والزراعي بالتأميمات والمصادرة العشوائية ، ومنذ العام 1978 م وبعد التخفيضات المتوالية للجنية السوداني انهار الإنتاج الصناعي والزراعي وتزايد النشاط الطفيلي الذي دمر الاقتصاد السوداني بتهريب الفائض الاقتصادي للخارج .
_ وبعد انقلاب 30 يونيو 1989 م تفاقم التدهور الاقتصادي بعد سياسات الخصخصة التي اعتمدتها الحكومة ورفع الدعم عن السلع الأساسية والتعليم والخدمات الصحية وإرهاق كاهل المواطنين بالضرائب الباهظة وتم إفقار المواطنين حتى أصبحت نسبة الفقر 94 % حسب الإحصاءات الرسمية ، أصبحت الطفيلية الإسلامية هي السائدة والتي تراكمت ثرواتها من نهب القطاع العام والمال العام ، وتم تجميد أموال ضخمة في بناء العقارات والتي أصبحت هي النشاط السائد وارتفعت أسعار الأراضي بشكل لامثيل له في السابق وازدادت غابات الأسمنت بعد أن تدمير الغابات الطبيعية وبالتالي تم تعطيل فائض اقتصادي كبير كان يمكن توجيهه في التنمية الزراعية والصناعية .
وحتى بعد أن تم استخراج البترول والذهب كان من الممكن أن ينعكس ذلك إيجابيا على حياة المواطنين اليومية وعلى تطور الإنتاج الزراعي والصناعي ولكن ذلك لم يتم ، واصبحت عائدات البترول مصدرا إضافيا لتراكم ثروات الرأسمالية الطفيلية ، اضافة للاستثمار في التعليم والصحة واللذين اصبحا مصدرين من مصادر التراكم الرأسمالي .
وخلاصة القول إن الرأسمالية السودانية فشلت في قيادة النهضة الصناعية والزراعية والاجتماعية والثقافية كما فشلت الأنظمة المدنية والعسكرية التي تعاقبت بعد الاستقلال في إنجاز مهام النهضة الوطنية الديمقراطية وقيام دولة المؤسسات وحكم القانون ورفع مستويات المعيشة وترقية خدمات التعليم والصحة والكهرباء وتوفير البنيات الأساسية اللازمة للنهضة والتطور ، حتى اصبح السودان في ذيل قائمة الدول الأكثر تخلفا فى العالم ، رغم إمكانياته وموارده الاقتصادية والزراعية والحيوانية والبترولية والمعدنية .
وما زالت البلاد تنتظر قيادة جديدة لإنجاز مهام النهضة الوطنية الديمقراطية التي تجدد البلاد وتقيم دولة المؤسسات وحكم القانون وتحقق المجتمع الصناعي الزراعي المتطور والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة بين أقاليم البلاد المختلفة وترسى دعائم الوحدة والسلام المستدام والديمقراطية .

المصادر والمراجع
أولا: العربية
1_ أحمد زين العابدين شداد: تجارة السودان الخارجية ( دار لبنان 1970م ).
2 _ إحصاء 55 / 1956 م، إحصاء 1973 م، إحصاء 1983 م، إحصاءات الدخل القومي، إحصاءات القوى العاملة ( وزارة العمل )
3 _ العرض الاقتصادي ( أعداد مختلفة ) .
4 _ المؤتمر الاقتصادي ( الخرطوم 1986 م )، التقرير الإستراتيجي 1997 م.
5 _ المسح الصناعي 81 / 1982 م.
6 _ الصادق المهدى : تحديات التسعينيات ، 1990 م .
7 _ الهجرة الوافدة والهجرة الداخلية في السودان ، إعداد واسهام : محمد العوض جلال الدين ومحمد يوسف احمد المصطفى ( دار جامعة الخرطوم للنشر 1979 م ) .
8 _ أزمة مشروع الجزيرة، إصدار الحزب الشيوعي السوداني، دار الوسيلة 1988 م.
9 _ الماركسية وقضايا الثورة السودانية ، دار الوسيلة ، 1987 م .
10 _ الأمين الحاج محمد احمد: الحركة الإسلامية، السلبيات والإيجابيات، 1994 م.
11 _ بابكر بدري : تاريخ حياتي ، الجزء الأول .
12 _ بشير كوكو حميدة : ملامح من تاريخ السودان في عهد الخديوي إسماعيل ، 1983 م .
13 _ تاج السر عثمان الحاج: تاريخ النوبة الاقتصادي - الاجتماعي، دار عزة 2003 م.
14 _ تاج السر عثمان الحاج : لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الاجتماعي ( مركز محمد عمر بشير 2004 )
15 _ تيم نبلوك : صراع السلطة والثروة في السودان ، ترجمة الفاتح التيجانى ومحمد على جادين ، دار جامعة الخرطوم 1990 م .
16 _ تقارير بنك السودان ( أعداد مختلفة )
17 _ حسن عبد الله الترابي: الحركة الإسلامية في السودان، التطور والمنهج والكسب، الخرطوم 1989 م.
18 _ حسن مكي محمد احمد: حركة الأخوان المسلمين في السودان، 1944 _ 1969 م ( الخرطوم، د.ت ) .
19 _ حسن احمد إبراهيم: محمد على في السودان، دار جامعة الخرطوم، د . ت .
20 _ خطة الخمس سنوات، المجلد الأول، وزارة التخطيط، الخرطوم 1970 م.
21 _ محمد سعيد القدال : السياسة الاقتصادية للدولة المهدية ، الخرطوم 1986 م .
22 _ محمد إبراهيم أبو سليم : الأرض في المهدية ، 1970 .
23 _ محمد إبراهيم أبو سليم: الحركة الفكرية في المهدية، الخرطوم 1970 م.
24 _ محمد إبراهيم نقد: علاقات الرق في المجتمع السوداني ، القاهرة 1995 م .
25 _ محمد عمر بشير: مشكلة جنوب السودان، دار الجيل ودار المأمون 1983 م.
26 _ محمد عمر بشير : تاريخ الحركة الوطنية فى السودان ، المطبوعات العربية 1987 م .
27 _ مكي شبيكة : السودان عبر القرون ، دار الثقافة بيروت 1965 م .
28 _ منصور خالد: السودان والنفق المظلم ، 1985 م .
29 _ محمد أدهم : توجهات الطلاب في التعليم العالي ، 1987 م .
30 _ مجلة الشيوعي، إصدار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني ، العدد 151 .
31 _ محمد زكى المسير : الاقتصاد السوداني في عشرين عاما ( 1956 _ 1975 م ) .
32 _ محمد سعيد القدال : تاريخ السودان الحديث ، الطبعة الثانية 2002 م .
33 _ نعوم شقير : تاريخ السودان ، تحقيق د . محمد إبراهيم أبو سليم ، دار الجيل بيروت 1981 م .
34 _ سلاطين باشا: السيف والنار في السودان ، دار الجيل بيروت الطبعة الثانية 1988 م .
35 _ سعيد محمد احمد المهدى : قوانين السودان ، المجلد الأول ، 1975 م .
36- سمير أمين: ما بعد الرأسمالية المتهالكة، دار الفارابي 2003م.
37 - _ شوقي الجمل : تاريخ سودان وادي النيل ، الجزء الثاني ، القاهرة 1969 م .
38 _ صديق امبدة : سياسة القبول للتعليم العالي ، فبراير 1985 م .
39 _ صدقي عوض كبلو : مقدمة لدراسة التطور الرأسمالي في السودان ، مجلس الأبحاث الاقتصادية ، 15 / 4 / 1984 م
40- صدقي كبلو:من يقود الرأسمالية السودانية؟، دار عزة 2008م.
41 _ طبقات ود ضيف الله، تحقيق د. يوسف فضل، الطبعة الثالثة 1985 م .
42 _ على عبد القادر: حول سياسات التصحيح وهروب رأس المال، الكويت فبراير 1988 م.
43 _ عبد المحسن مصطفى صالح : صندوق النقد الدولي في السودان ، الكويت فبراير 1988 م .
44 _ عبد الغفار محمد احمد : الانثروبولوجيا الاقتصادية وقضايا التنمية في السودان ، دار جامعة الخرطوم 1975 م .
45 _ زكى البحيري : التطور الاقتصادي والاجتماعي في السودان ، القاهرة 1987 م .




ثانيا : مصادر باللغة الإنجليزية :
1_-dir-k Hanshm: Small Industry ((Lesson from Sudan)), 1992.
2 – Fatima. B. Mahmoud: The Sudanese Bourgeoisie: Vanguard of Development? , London 1984.
3 _ Galal Etayiab: Industry and Periphery Capitalism in Sudan, U. of. K, 1989.
4 – Ofahey, R, S and Spaulding, J, L: Kingdoms of the Sudan, London 1974.
5 – Spaulding, J, L, The Heroic Age in Sinnar, 1985.


السيرة الذاتية للكاتب:
تاج السر عثمان الحاج
تخرج في جامعة الخرطوم، أبريل 1978
باحث ومهتم بالتاريخ الاجتماعي للسودان
صدر له :
- تاريخ النوبة الاقتصادي – الاجتماعي، دار عزة 2003.
- لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الاجتماعي ، مركز محمد عمر بشير ، 2004 .
- تاريخ سلطنة دار فور الاجتماعي، مكتبة الشريف 2005.
- النفط والصراع السياسي في السودان بالاشتراك مع عادل أحمد إبراهيم، مكتبة الشريف 2005.
- خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية، الدار العالمية 2006.
- التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي في السودان ، مركز محمد عمر بشير ، 2006 .
- الجذور التاريخية للتهميش في السودان مكتبة الشريف ، 2006 .
- تطور المرأة السودانية وخصوصيتها ، دار عزة 2006 .
- الدولة السودانية : النشأة والخصائص ، الدار العالمية ، 2007 .
-تقويم نقدي لتجربة الحزب الشيوعي السوداني(1946 – 1989م)، دار عزة 2008م
- دراسات في التاريخ الاجتماعي للمهدية ، مركز عبد الكريم ميرغني 2010م.
- دراسة في برنامج الحزب الشيوعي السوداني، الشركة العالمية 2009م .
- أوراق في تجديد الماركسية، الشركة العالمية 2009م.
- قضايا المناطق المهمشة في السودان، الشركة العالمية 2014م.
- كاتب صحفي وله عدة دراسات ومقالات منشورة في الصحف السودانية ، ومشارك في العديد من السمنارات وورش العمل .
- متزوج وأب .












كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,485,243
- ثورة شعب السودان تدخل شهرها الثاني
- بعد ملحمة أم درمان النظام في طريقه للانهيار
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان
- شعب السودان يشق طريقه نحو اسقاط النظام
- اتساع الحراك الجماهيري في السودان
- تقدم الحركة الجماهيرية وتراجع النظام بعد موكب 31 ديسمبر
- كتاب دراسة في برنامج الحزب الشيوعي السوداني
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان
- الذكرى 53 لاستقلال السودان
- كتاب خصوصية نشأة وتطور الطبقة العاملة السودانية
- 25 ديسمبر خطوة متقدمة نحو الانتصار
- انتفاضة 19 ديسمبر تدخل مرحلة متقدمة
- الوحدة واليقظة ضمان انتصار الشعب
- 19 ديسمبر ذكرى الاستقلال من داخل البرلمان
- فرنسا تنهض ضد برنامج - الصدمة -.
- لا بديل غير الحل الشامل
- الوضوح النظري والسياسي لما حدث في 19 يوليو 1971
- الذكرى السابعة لرحيل المناضل التجاني الطيب
- الذكرى 53 لمؤامرة حل الحزب الشيوعي وتداعياتها
- تعقيب علي مقالات صديق الزيلعي


المزيد.....




- عبد الرحيم تفنوت : كلام في رحيل ابن حينا القديم../….الرفيق ا ...
- النهج الديمقراطي:جميعا من أجل إسقاط صفقة القرن وضد المشاركة ...
- هل تسبب الحراك الشعبي في -عزل- الجزائر دبلوماسيا؟
- بعد القتل البطئ للرئيس السابق: آلاف السجناء في خطر
- في بيان حزب التجمع عن السقوط الإخواني لأردوغان وجماعته الإره ...
- مرسي يجسد المأساة العربية
- «لينين الرملى» رائد الكوميديا الجماهيرية
- مات محمد مرسي تحيا ثورة 25 يناير المجيدة
- افتتاح لقاء الأحزاب الشيوعية العربية ببيروت
- الشيوعي اللبناني يلتقي الديمقراطية في صور


المزيد.....

- الماركسية وأزمة اليسار العربي وسبل النهوض / غازي الصوراني
- روزا لوكسمبورغ بعينيّ رايا دونايفسكايا / ألكسندرا المصري
- روزا لوكسمبورغ : في أزمة الاشتراكيّة الديمقراطيّة ومفارقات ا ... / وسام سعادة
- هل نعتبر دفاعنا عن المدرسة العمومية باعتبارها مدرسة شعبية؟.. ... / محمد الحنفي
- لماذا هذه الهجمة على المدرسة العمومية من قبل الطبقة الحاكمة، ... / محمد الحنفي
- فيدرالية اليسار الديمقراطي، نواة لقيام جبهة وطنية للنضال من ... / محمد الحنفي
- فيدرالية اليسار الديمقراطي، أو الأمل في تحرير اليسار من التق ... / محمد الحنفي
- -الحزب الشيوعي الصيني من التأسيس إلى القواعد الثورية ومناطق ... / الشرارة
- إضاءات خاطفة على كتاب «ماركس ومجتمعات الأطراف» / نايف سلوم
- الأزمة وبنيتها، من أجل اللحظة اللينينية (1-2) / هشام روحانا


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - تاج السر عثمان - كتاب الرأسمالية السودانية : النشأة والتطور والخصائص